إسلام ويب

الإعراض عن ذكر اللهللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ذم الله المتكبرين المعرضين عن ذكره سبحانه، ووعد من أعرض عن ذكره بالمعيشة الضنكى، فلا تراه إلا مهموم البال، كثير المشاكل والأحزان، يعيش في صراع داخلي، هذا جزاؤه في الدنيا، أما في الآخرة فكما قال تعالى: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، لأنه كان في الدنيا بصيراً لكنه أعرض عن ذكر الله، فكان هذا عقابه يوم القيامة.

    1.   

    حال المعرضين عن الله في الدنيا والآخرة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] تقوى الله ضمان الأولاد: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9] اللهم أطفئ النيران في بلادنا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، أطفئ النيران في بلادنا، واجمع شتاتنا، وصل أرحامنا، وصن أعراضنا، وأمن خوفنا، وأظهر أمننا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وثبت أقدامنا، واجمع شتاتنا، واغن فقرنا، وأطعم جوعنا، واسق ظمأنا، واشف مريضنا، وارحم ميتنا، وانصر جهادنا، وتقبل شهداءنا، وفك أسرانا، وادفع بلوانا، واكشف غمومنا، وآمن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا، وحقق لما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، ولا تهلكنا بما يفعله المبطلون، نسألك وأنت خير الفاتحين افتح لأسرانا أجمعين وأسرى المسلمين.

    عسى من لطيف الصنع نظرة رحمةٍ     إلى من جفاه الأهل والصحب والإلف

    عسى فرجٌ يأتي به الله عاجلاً     يسرُّ به الملهوف إن عمه اللهف

    عسى نفحةٌ قدسيةٌ صمديةٌ     بها تنقضي الحاجات والشمل يلتف

    وإني لمستغنٍ بفقري وفاقتي     إليه ومستقو وإن كان بي ضعف

    ونعوذ بك اللهم من الظلم فإن الظلم ظلمات، وقد خاب من حمل ظلماً، فنعوذ بك اللهم من الخائبين الحاملين لمظالم العالمين.

    أما بعد:

    عباد الله: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته، ونعود مرة ثانية لنستكمل موضوع الخطبة الماضية حول أخطر كلمة قالها الله في كتابه يوم أن أنزل آدم وحواء وإبليس: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] هكذا قال الله، وصار الناس أمام هذه الكلمة أجناساً، فمنهم من أعرض عن الله إعراضاً كاملاً كلياً، وهذا يقول الله عنه: ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18] ومن الناس من أعرض عن الله جزئياً؛ يقبل مرة ويدبر مرة، ونسأل الله أن يهديهم فيستجيبون لربهم.

    نعود إلى أثر هذه الكلمة الخطيرة التي ميزت بين الناس، وخاصة عندما يأتيني بعض الإخوة يشتكون، يشتكون ممن؟ من مظاهر المنكر الناتج من الذين لم يدخلوا في أتون المحنة، ولم تؤثر فيهم الموعظة، ولم يأخذوا الدرس، ولم يستفيدوا، وهؤلاء يقول عنهم الشاعر:

    من لم يقف عند انتهاء قدره     تقاصرت عنه فسيحات الخطا

    من لم يعظه الدهر لا ينفعه     ما قاله الواعظ يوماً أو دعا

    من لم تفده عبراً أيامه     كان العمى أولى به من الهدى

    هؤلاء يقول الله عنهم في كتابه الكريم ويسميهم بشرِّ الدواب: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [الأنفال:22] نفى عنهم العقل وسماهم شر الدواب، ليسوا دواباً عادية؛ لأن كثيراً من الدواب مفيدة، أما شر الدواب فالعقرب شر الدواب في اللدغ، وهم أشر من العقارب، والثعلب شر الدواب في المكر، وهم أمكر من الثعالب، والذئاب شر الدواب في الغدر، وهم أغدر من الذئاب: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ [الأنفال:22] عطل عندهم جهاز السمع والاستقبال: الْبُكْمُ [الأنفال:22] عطل عندهم جهاز الإرسال والكلام: الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [الأنفال:22] عطل عندهم جهاز التفكير، وعليك أن تتخيل إنساناً بهذه الصورة! أليست البهيمة خيٌر منه؟

    وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23] جاءت الكلمة المنتظرة (وهم معرضون) أي: أرجع له عقله وأرجع له سمعه وأرجع له لسانه هداه إلى خير طريق، ثم يعاند ويكابر ويتولى عن الله! وهل هناك حدث أعظم من هذا الحدث؟ الكون كله تزلزل: الهواء، الماء، الصحراء، الناس، الحيوان، الحشر، الحجر وهناك من الناس من لم يتغير!

    لهذا جاء النداء الخالد بعد هذه الكلمة إنذارٌ مبكرٌ من الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] ولعل كل شخص منا جرب هذا الحائل العجيب الذي يأتي الإنسان بين الحين والحين في فترات زمنية متقطعة، أم تحمل وليدها على كتفها وتضرب بيوت الجيران تسأل عنه! أين ابني؟ ضاع ابني، فيقول لها أحد الجيران: كم عمره؟ قالت: سنة ونصف، قال: أليس هذا الذي على كتفك؟ قالت: هه! ونظرت إليه وهي تحمله، من الذي حال بينها وبينه؟ الله، وتكون الحاجة في يدك وتبحث عنها ساعة! والله إن الله ليذكرنا بين الحين والحين، ولكن هل نعتبر؟

    منذ أيام ذهبت بابني إلى المستشفى بعد منتصف الليل، وقال الكاتب: ما اسمه؟ قلت: اسمه فلان، غير اسمه، فسجله، وذهبت إلى الطبيبة فجعلت تناديه وأنا جالس، فلما ذهبت قالت: أليس هذا ابنك؟ قلت: نعم، قالت: فلان؟ قلت: لا! قالت: ما اسمه؟ والله نسيت اسمه، نسيت اسمه فظللت أنظر إلى وجهه لأتذكر اسمه فلم أستطع واستحيت أن أقول له: ما اسمك؟ ثم فجأة أعاد الله إليَّ فكري فعرفت أن اسمه عبد الرحمن، فكيف حال الذين يعرضون عن الله، معرضون عنه لا يصلون ولا يصومون ولا يعتبرون ولا يتسترون كيف تكون حياتهم؟

    شقاء في شقاء، وعذاب في عذاب: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] وعليك أن تتخيل يوم القيامة في هذه الظلمات التي لا يرى الإنسان فيها راحة يده، الشمس فوق الرءوس لا ظل ولا جلوس، تزدحم الخلائق الجن والإنس في عرصات يوم القيامة، يقف الناس خمسين ألف سنة يأخذهم الحر والعرق، وتتعلق بهم أعمالهم وخمورهم وبغاياهم ورباهم، ويخرج من قبره لا يرى أمامه ولا خلفه ولا فوقه ولا تحته، يقال له: ضع قدمك على الصراط وانطلق، فكيف ينطلق وهو لا بصر له؟

    قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى [طه:125] أين عيني التي أبصر بهما؟

    كل الخلائق ترى وأنا لا أرى، رب لم حشرتني أعمى؟ كيف أسير؟ كيف أرى كتابي؟ كيف أرى ميزاني؟ كيف أرى صحفي؟ كيف أهتدي إلى طريقي؟

    قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:125-126].

    يسلب الله عينيه في عرصات يوم القيامة فلا يرى أمامه، كيف يسير؟ تجره الزبانية على وجهه، يسمع شهيق النار وصراخ المعذبين، ثم يلقى في النار على وجهه، قالوا: (يا رسول الله! كيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أرجلهم لقادر أن يمشيهم على وجوههم) أعمى يمشي على وجهه! هكذا يضع خده اليمين خطوة وخده الشمال خطوة أخرى وأرجله وأيديه فوق، تمسكه الزبانية، عذاب ما بعده عذاب!

    يقول تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:24-25] ولطالما رددت هذه الآية قبل الاحتلال، ولعلكم تذكرون آخر خطبة خطبتها هنا وهي بعنوان: مسلسل تدمير الأخلاق، وأنا الآن أرى الأخلاق تدمر ليل نهار، هل تغيرنا؟

    اذهبوا إلى الشوارع والأسواق لتشاهدوا، أليس الربا ينادى عليه للاكتتاب فيه؟

    وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:2] إذاً: هذه الآية تبين أن البريء يؤخذ مع المسيء، وهذا شهدناه بأعيننا، كم من الأبرياء أخذوا بسبب الأشقياء، شردوا وطردوا من وظائفهم وأعمالهم، والحديث يقول: (يغزوا جيش الكعبة فيخسف الله بأولهم وآخرهم، قالت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم من ليس منهم؟ قال: يخسف الله بأولهم وآخرهم ويبعثهم يوم القيامة على نياتهم) حتى الذين ليسوا منهم يخسف بهم؟ نعم.

    أين القلوب الواعية لهذه الآيات والأحاديث؟ أين القلوب الحية؟

    فرحنا لما انتصرنا عليهم في ضبيان ، وأنا أعتبر ضبيان إنذار إلهي جديد، ولابد أن نعود إلى الله أجمعين حكاماً ومحكومين، لابد من توبة عامة نعلنها تنقلها جميع أجهزة الإعلام وأولها الـcnn: أعلنت حكومة الكويت أنها تابت عن الربا، أعلنت دولة الكويت أنها ستحكم بكتاب الله، أعلن الشعب الكويتي أنه سيتوب بل تاب وسيتستر ويأكل الحلال ويحرم الحرام ويلتزم طاعة الله، بدون هذا الإعلان فالخطر يقترب، وليس بين الله وبين الناس نسباً.

    أحب مخلوق إليه إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، أما إبراهيم خليل الرحمن الأول فإنه يأتي يوم القيامة فيرى أباه آزر قد أخذته الزبانية، فيقول: أي رب! هذا أبي. وهل هناك أخزى من أن يؤخذ الأب الأبعد ويلقى في النار؟ وقد وعدتني في كتابك الكريم: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُون * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89] قال: يا إبراهيم! لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، انظر تحت قدميك، فينظر إبراهيم وإذا به يرى أباه آزر قد حوله الله إلى ضبع ملطخ بالدماء، ثم يأمر الزبانية فيقذفوه إلى النار.

    وأما محمد صلى الله عليه وسلم فعمه الذي رباه وكفله ودفع عنه وبذل ماله، ولما مات سموا العام الذي مات فيه عام الحزن وقف على رأسه يقول: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة) قال: لا. بل يموت أبو طالب على دين عبد المطلب ، ومات مشركاً، وأنزل الله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

    إذاً كلنا دون إبراهيم ومحمد، فالذي لم يحاب إبراهيم ولم يحاب محمداً لن يكون بيننا وبينه أبداً إلا الطاعة، الطاعة هي التي تنجي (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) بعد هذا الحد العبادي الرائع الكبير! قمة في التوكل وإخلاص العبودية! انظر بقية الحديث: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) ليس صدام ولا جيوشه ولا كل المجرمين في الأرض يستطيعون أن يخدشوا أو يقلعوا شعرة منك (ولو أن الأمة اجتمعت على أن يضروك بشيء -وأقلها شعرة- لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) إذاً المنطلق: احفظ الله يحفظك.

    1.   

    اللجوء إلى الله في حال الشدة

    ثم أيها الأحباب الكرام: أنقلكم إلى آية في كتاب الله لا نقف عند خصوص السبب وإنما إلى عموم المعنى، فالقرآن مطلق الزمان والمكان، ومطلق البشر، وهو صالح لكل زمان ومكان، استمعوا القرآن وهو يتكلم عن هذه الحقيقة العجيبة وعقوبتها المعجلة في الدنيا قبل الآخرة: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة:75] يا رب! نحن في أزمة واحتلال نعاهدك إن أخرجتهم بليل كما دخلوا علينا بليل، فلك كذا وكذا وكذا، وعلينا كذا وكذا وكذا، لو عملنا إحصائية فيها لن نحصيها لكثرتها، ويعلم الله من العباد ما لا يعلم العباد بعضهم ببعض: وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة:75-76] جاءت الكلمة الخطيرة (وهم معرضون) العقاب في الدنيا: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [التوبة:77-78] فكم من إنسان في جوف الليل وهو يتذكر والدته تحت الاحتلال وابنته وزوجته وبيته وأمواله وهو في الخارج في جنيف أو في سويسرا وواضع وجهه على السجادة يبكي، ويمرغ وجهه ويقول: يا رب! يا رب! يا رب! رحماك، سترك، عافيتك، يا رب! تبت إليك، يا رب! أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:78].

    ثم هذه الكلمة أحبابي في الله! تبين أن معظم العالم من البشر ومن الجن معرضون عن ربهم في كل لحظة، وفي كل نظرة، وفي كل نسمة، وفي كل حركة، في الأرض وفي السماء، أمام كل المخلوقات كلها آيات.

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد.

    سبحانه! استمع: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء:32] اسمع: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105] وزيادة على هذا الإعراض لا يؤثر فيهم لا شروق ولا غروب ولا برق ولا رعد ولا غيم ولا مطر ولا شجر ولا بحر، ويقول الشاعر:

    انظر لتلك الشجرة     ذات الغصون النظرة

    كيف نمت من حبة     وكيف صارت شجرة

    وابحث وقل من ذا الذي     أوجد فيها الثمرة

    ذاك هو الله الذي     أنعمه منهمرة

    ذو حكمة بالغة     وقدرة مقتدرة

    وانظر إلى الشمس التي     جذوتها مستعرة

    فيها ضياء وبها     حرارة منتشرة

    من ذا الذي أوجدها     في الجو مثل الشررة

    ذاك هو الله الذي     أنعمه منهمرة

    ذو حكمة بالغة     وقدرة مقتدرة

    وانظر إلى الليل وقل     من شق فيه قمره

    من ذا الذي زينه     بأنجم مزدهرة

    وانظر إلى المرء وقل     من شق فيه بصره

    من الذي جهزه     بقوة مفتكرة

    ذاك هو الله الذي     أنعمه منهمرة

    ذو حكمة بالغة     وقدرة مقتدرة

    وانظر إلى البحر وقل     من أوجد فيه درره

    وانظر إلى البر وقل     من أنزل فيه مطره

    من ذا الذي صيره     بعد اغبرار خضرة

    ذاك هو الله، برنا كان أخضراً واليوم صار أسوداً، من الذي يغير ولا يتغير؟ الله، وليته صار أسوداً دون ألغام أو متفجرات، أحببت منذ يومين أن أذهب إلى الخيران أجدد ذكرياتي هناك في مجالسي عند البحر وأنا أسبح الله، فما استطعت أن أمشي إلا على الإسفلت! حتى المسجد الجديد الذي بني في الطريق في طرقه ألغام عن يمين وعن شمال، يعني: الملائكة تحصي خطواتك وأنت تحصي خطواتك حتى لا تدوس على لغم! سبحان ربي العظيم! تبنا إلى الله وندمنا على ما فعلنا.

    اللهم عليك بالظالمين الذين آذونا في ديارنا، اللهم سلط عليهم بأسك الشديد الذي لا يرد عن القوم الظالمين، اللهم إنا نستغفرك من ذنوبنا وخطايانا ومعاصينا يا رب العالمين!

    اللهم من أرادنا وبلادنا والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، ومن كادنا فكده واجعل تدبيره في تدميره، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين!

    عباد الله: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

    1.   

    الحذر من الفرقة والخلاف والأمر بتوحيد الصف

    الحمد لله رب العالمين عدد ما أحاط به علمه، وخط به قلمه، وأحصاه كتابه، وبلغ فيه لطفه، وأدركه بصره وقهره وملكه، ووسعته رحمته، ورضيته نفسه، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا خافض لما رفعت، ولا رافع لما خفضت، ولا مذل لمن تعز، ولا عز لمن تذل، لا إله غيرك ولا رب سواك، دعوناك فأجبتنا، استنصرناك فنصرتنا، نعم الرب ونعم الإله في السفر وفي الحضر وفي الشدة وفي الرخاء لا إله غيرك ولا رب سواك.

    أحبتي في الله: يقول الله: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:41-42] من يحميكم في الليل والنهار من الرحمن؟

    بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:42] ويقول سبحانه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:71].

    ويقول في قضية الحكم: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49] ويقول سبحانه: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا [النور:47] هذه في الأزمات: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47] انظر إلى المتولي عن الله ينفي الله عنه الإيمان وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ [النور:47-49] إذا صارت لهم حاجة، صار لهم حق مسلوب: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:49-51].

    وإذا الشريعة في البلاد تعطلت     قُتل الشباب وهتك النسوان

    وإذا الرجال عن الجهاد تخاذلوا     نُزع الأمان وهدم العمران

    كل الحقوق تضيع في أوطاننا     إن لم يساند حقنا الرحمن

    وإذا الرجال عن الجهاد تخاذلوا نزع الأمان، وأنعي إلى الأمة اغتيال المجاهد/ جميل الرحمن رحمه الله، أحد المجاهدين العرب في إحدى الجبهات العربية في أفغانستان يغتال هذا الأسبوع، لكي يزرعوا الشقاق والنفاق بين العرب المجاهدين هناك، في مثل هذه الظروف العصيبة ظروف الفتن والزلازل والمحن، تأتي أيدي آثمة غادرة إلى مجاهد فتقتله، فوصيتي هنا من منبر الدفاع عن الأقصى إلى المجاهدين في أفغانستان أقول لهم: وحدوا صفوفكم ولا يقتل بعضكم بعضاً، وفوتوا على المعتدين مكرهم وغدرهم ولوذوا تحت لواء المحبة والأخوة ووحدة الصف، وتماسكوا واحذروا من أن تسيل دماؤكم بأيدي بعضكم البعض، فوالله منذ أن سال دم عثمان رضي الله عنه بأيدي المسلمين والدماء جارية إلى الآن وإلى يوم القيامة، لزوال السماوات والأرض أهون عند الله من إراقة دم مسلم، وسيأتي الدور إذا أنتم اتبعتم عدوكم الشيطان والإشاعات والمغرضين والحماس المتهور، سيأتي الدور على القتلة أنفسهم: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:123].

    أيها العرب المجاهدون في أفغانستان : فلنعط صورة طيبة إلى إخواننا المجاهدين الأفغان حتى لا يضيقوا بنا ذرعاً ولا تتمزق الصفوف، وحدوا رايتكم أمام عدوكم، ولا تعجبوا إن الله أخر عنكم فتح كابول وفتح جلال أباد، كيف يفتح الله كابول لمن يقتل أو يشهد أو يتآمر على المجاهدين أنفسهم؟ احذروا من دخول المنافقين من بينكم، وشددوا في شروطكم، وتثبتوا من كل شيء، فإن هناك من الغادرين ممن ترسلهم أنظمة الطواغيت لكي يمزقوا الصف ويقتلوا الجهاد، إن الجهاد يخافه الكفار.

    أيها الأحباب الكرام: الذي أتحدث عنه أمر خطير عظيم، يقول الله عنه: إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص:65-68].

    أحبتي في الله: وبسرعة خاطفة أنقلكم إلى تلك الحضارة التي سادت ثم بادت لما أعرضت عن ربها: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الحجر:80-84] ويقول سبحانه: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [يس:46-47] إنا لله وإنا إليه راجعون! يسخرون! يستهزئون!

    وأخيراً أحبتي في الله: الآخرة تقترب، والقيامة تقترب، ومؤشراتها وأشراطها وساعاتها تظهر بين الحين والحين، وعلى قدر هذا الاقتراب يكون ذلك الابتعاد والاعتراض والإعراض عن الله: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:1-3] إلى أن يقول سبحانه وتعالى: ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ * لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:9-10] ثم أكثر البشرية يصرون على هذا الإعراض، يقول تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:24].

    اللهم أقبل بقلوبنا عليك كما دللتنا بكتابك إليك، اللهم إنا نسألك إيماناً ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة ننال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم من أرادنا والمسلمين فجمد الدماء في عروقه، وأخرجه مجنوناً يتلاعب به الصبيان، اللهم أحص أعداءنا عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم انصر المجاهدين، اللهم حرر الأقصى وارزقنا فيه صلاة طيبة برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم اجمع شتاتنا، اللهم وحد أمرنا، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح أولادنا، واحجب نساءنا، وطيب مطعمنا، اللهم إنا نسألك العافية في أبداننا وأسماعنا وأبصارنا، اللهم إنا نعوذ بك من السحر والعين والمس والبرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام، ونعوذ بك من الشقاق والنفاق وسيئ الأخلاق.

    اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.