إسلام ويب

إعلامنا وشبابنا الضائعللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعلام كثيراً، فقد اعتبر الجهاد الإعلامي باللسان نوعاً من أنواع الجهاد لا تستغني عنه الدعوة الإسلامية، وقرنه مع الجهاد بالمال والنفس، وقد وظف النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من أصحابه في الإعلام، فكان منهم الشاعر وكان منهم الخطيب... وإعلامنا اليوم ليس له دور إلا في تدمير الأخلاق.

    1.   

    الإعلام الإسلامي وفضله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.

    اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم من أراد بنا والمسلمين وهذا البلد سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا، يا أرحم الراحمين.

    أيها الأحباب الكرام: إعلامنا وشبابنا الضائع، هذا هو عنوان المحاضرة.

    أهمية الجهاد الإعلامي

    الرسول صلى الله عليه وسلم اهتم اهتماماً كبيراً بقضية الإعلام، وقال في الحديث: (جاهدوا الكفار بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)، واعتبر الجهاد الإعلامي باللسان نوعاً من أنواع الجهاد لا تستغني عنه الدعوة الإسلامية، وقرنه مع الجهاد بالمال ومع الجهاد بالنفس سواء بسواء في حديث واحد وفي سطر واحد: (جاهدوا الكافر بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) وكان يقول لـحسان بن ثابت : (اهجهم وروح القدس معك) وروح القدس هو جبريل عليه السلام، والشعر هو أقوى وسائل الإعلام في ذلك الزمن، لم تكن عندهم إذاعة، ولم تكن عندهم صحافة ولا تلفاز، ولم تكن عندهم أقمار صناعية، وإنما كان عندهم الشعر والشعراء، والجهاز الإعلامي المؤثر هي الكلمة المسموعة، فماذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـحسان؟ يقول: (إن كلامك أشد عليهم من نضح النبل) نضح النبل أي: النبل المستمر، القذائف المستمرة من السهام الحادة التي تصيب القلوب وتدمي الأجساد.

    الأذان ودوره في الإعلام

    وحربنا اليوم -يا أحبابنا الكرام- هي حرب إعلامية في الدرجة الأولى، والإعلام يغطي مساحة كبيرة من حياتنا اليومية، أول ما تستيقظ من منامك ماذا تسمع؟ تسمع إعلاناً وإعلاماً إسلامياً، ما هو؟ الأذان؛ أول إعلان إسلامي وإعلام إسلامي الأذان، فالمتفكر والمتدبر في الأذان، يعلم أنه جهاز إعلامي من أخطر ما يكون، والرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوماً فإنه يأتي إلى القرية ويمكث إلى الفجر، فإن سمع المؤذن في القرية يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، كف المجاهدين وانصرف عن الطريق.

    والإعلان والإعلام في الأذان له أثر، والله سبحانه وتعالى سماه أذاناً، ومدحه في القرآن: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] الأذان إعلان ..قول .. مناداة: حي على الصلاة، يعني: تعالوا صلوا، فلهذا أكثر ما يغتاظ الشيطان من الأذان، فأجهزة الإعلام اليوم في دول الكافرين تحرص كل الحرص على إلهاء الشعوب وتجريدها من دينها وأخلاقها، والأذان ينادي إلى الدين وإلى الأخلاق، عكس الإعلام المنحل، الإعلام الإسلامي ينادي: (حي على الصلاة) كل يوم خمس مرات.

    والرسول صلى الله عليه وسلم نراه يجند له شعراء كـعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وأمثاله ممن يستخدم سلاح اللسان الذي هو أمضى من سلاح السنان.

    القرآن والسنة .. المواد الإعلامية الإسلامية

    وظل الإعلام الإسلامي يأخذ الصدارة في كل مكان، في الآية القرآنية: (بلغوا عني ولو آية)، الإعلام بالحديث: (نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع) فحول الرسول صلى الله عليه وسلم كل الأمة كبيرها وصغيرها، وشيخها وشابها، وبعيدها وقريبها، جعلهم أجهزة إعلام متحرك، أليس هذا فهم الحديث؟ (نضر الله وجه امرئ) يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم بالنضارة والبهجة والجمال لمن يجرد نفسه فيصبح إعلامياً إسلامياً، إعلام إسلامي موظف عند من؟ موظف عند محمد صلى الله عليه وسلم، راتبه دعاء الحبيب وحشره معه يوم القيامة، فقد قبض الراتب والأجرة قبل أن يتحرك: (نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي) يسمعها من فمه الطهور، وهؤلاء هم الصحابة، أو يسمعونها من أفواه العلماء الحفاظ للحديث، أو يقرءونها في بطون الصحاح (سمع مقالتي فوعاها) إذاً عندما تكون جهازاً إعلامياً إسلامياً لا بد أن تنطلق من قاعدة الوعي: (سمع مقالتي فوعاها) نحن ليس عندنا أجهزة إعلام إمعة، رئيس التحرير يريد .. رئيس الدولة يريد .. رئيس الحزب يريد .. هذا الخبر فيه معصية الله لكن لا يهم ذلك، والمهم أن يرضى عني المدير .. المهم أن يرضى عني الوزير، لا. الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أحببت أن تكون جهازاً إعلامياً في مدرسته فعليك أن تنطلق من قاعدة الوعي: (سمع مقالتي فوعاها) فهو ليس ببغاء، كما نسمع بعض الإعلاميين يردد كلاماً مثلما يردد الكاسكو، ومثلما تتكلم الببغاء، يقول كلاماً قد لا يكون مؤمناً به، لكن الحزب هو الذي يمليه عليه، فلا بد أن يطيعه، خذ على سبيل المثال: أخبار الجهاد الأفغاني؛ معارك وانتصارات، وشيوعيون يبكون هناك في أفغانستان وفي روسيا، والجيش ينسحب ولا نسمع شيئاً، والمذيع المسكين المغلوب على أمره يتكلم عن دب يموت في حديقة اليابان، أو حوت محصور بين الثلج، وشعب كامل محصور بين النيران والقنابل والصواريخ والدبابات وليس عنه أخبار.

    إذاً.. المذيع عندما يردد خبر الحوت ولا يذكر عن أخبار أفغانستان شيئاً، هذا لا ينطلق من قاعدة الوعي، وإنما ينطلق من قاعدة المصلحة والرتبة والراتب، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها، فبلغها كما سمعها) هذه هي الأمانة في التبليغ، لا خروج على النص، ولا زيادة ولا نقصان، الآن يقول لك الممثلون: الخروج على النص ضرورة فنية، هذا آخر ما نشر في الصحف من يوم أو يومين، انظر التشريع الجديد! كيف الخروج على النص؟! يعني: يشتم له شتمتين، وينكت له نكتتين، وينغز له نغزتين ليست موجودة في النص التمثيلي الذي يحفظه، من أجل أن يكون هناك نوع من (الفرفشة) والبهجة، ويضحك الجمهور على حساب الدين، وعلى حساب الرسول، وعلى حساب القيم، وعلى حساب الأخلاق، وعلى حساب الكرامة، يعني: لماذا الممثل يقول: يا رب! يا رب! يا رب! أسألك أن تأخذ هذا، وبعدها يقول: لا يا رب! أنا أقول لك هذا، تريد أن تأخذني أنا؟ هكذا يخاطب ربه حتى يضحك الناس، ممثل حقير يقول هذا في التمثيليات، فلهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يتبرأ من أمثال هؤلاء الإعلاميين: (نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها، فبلغها كما سمعها -لا خروج على النص القرآني والنص النبوي- فرب مبلغ أوعى من سامع).

    أنت تنقل هذا الحديث إلى إنسان آخر، وهذه الآية إلى إنسان آخر، وهذا الدرس، والشريط، والندوة، والمحاضرة، والخطبة، وهذه الجريدة، وهذه الخاطرة، وهذه العبارة، وهذه الغزوة، وهذه السيرة، إلى آخره ... إلى إنسان آخر قد يكون أفهم منك وأذكى منك، فيأخذ الحديث أو الآية ويخرج منها أحكاماً وعلوماً وفهوماً، ويؤلف فيها مؤلفات لست قادراً عليها، لكن أجرها يصب في ميزانك؛ قال صلى الله عليه وسلم: (الدال على الخير كفاعله) أول من دللته على هذا يصب أجره في ميزانك، فليس ثمت داعٍ أن تكونوا كلكم محاضرين أو خطباء، لكن لو أخذت شريط هذا الدرس وذهبت إلى إنسان لم يسمعه، وقلت له: خذ هذا الشريط واسمعه فإنه يكون لك أجر الخطيب والمدرس والمحاضر سواء بسواء دون أن ينقص أجر أحدكم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الدال على الخير كفاعله)، (ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة). إذاً، هذه الأحاديث فيها فقه إعلامي، هذا الذي علم بها لولا أنت ما علم بها، وأنت حملت الشريط أو الخبر وأصبحت جهازاً إعلامياً متحركاً، وبلغته هذا العلم فعمل به.

    إذاً.. لو أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم طبقت هذه الأحاديث، وأخذت هذا الفهم في الإعلام، هل من المعقول أن يغلبنا هؤلاء بأجهزتهم؟! لا. لا يغلبونا، والله لو يملكون عشرة من (عرب سات) فلن يغلبونا، لكن لماذا نحن مغلوبون؟! لأننا سلبيون تسمع الشخص منا يقول: المهم أني سمعت وما علي من غيري -لا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر- ولا عندي استعداد أن أجعل ربع دينار في سبيل الله كل يوم أو كل يومين أو كل أسبوع أشتري به شريطاً وأجعله بذرة من بذور الخير يسقيها الله سبحانه وتعالى، فلرب غافلٍ ينتبه وجاهلٍ يتعلم وناسٍ يتذكر، وإنسان متردد فيكون هذا الشريط سبباً في هدايته (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعم الإعلام وأهله.

    1.   

    كيفية تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع رجال الإعلام

    وكان عليه الصلاة والسلام يختار من الصحابة من له قوة صوت فيستفيد من قوة هذا الصوت إعلامياً، وهناك دليل على هذا، في معركة حنين هزم الكفار المسلمين، ولم يبق إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعركة الآن غير متكافئة، العباس بن عبد المطلب عن يمينه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب عن شماله، وهو فوق البغلة عليه الصلاة والسلام، ولما فقد الجيش دوره العسكري، أصبح الدور لمن؟ الدور الآن للإعلام، الإعلام هو الذي سيرد الجيش مرة ثانية، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى أكبر مكبر صوت موجود وهو العباس؛ والعباس عنده صوت يسمع من مسافة عشرة أميال، ثبت في كتاب سير أعلام النبلاء في سيرة العباس بن عبد المطلب أنه يقف في المغرب على صخرة في المدينة المنورة -وكان معه مزارع تبتعد عشرة أميال فيها فلاحون- فيقف على الصخرة ويقول: يا عمال! هلموا إلى الطعام، وبعد ثلاث دقائق يسمعون صوته؛ لأن قوة صوته مثل الرعد، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا عباس! ناد في الناس: يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب السمرة! يا أصحاب سورة البقرة! أنا النبي لا كذب) فصاح العباس، وانتقلت صرخته الإعلامية عبر صليل السيوف وقصف الرماح وصراخ الأبطال وصهيل الخيول وثغاء الجمال وضجيج الناس، ووصلت إلى مسامع الأنصار والمهاجرين، فردوا إليها بأجمعهم: لبيك وسعديك يا رسول الله! وعادوا يزحفون مرة ثانية ضد المنهزمين، ويخترقون الصفوف حتى وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أرأيتم أثر الكلمة الإعلامية في الناس؟! لما سمعوا صوت العباس يذكرهم ببيعة الرضوان، وببيعة الموت تحت الشجرة في الحديبية لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم تلك البيعة، يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب السمرة! فحرك الإعلام في أنفسهم تلك المشاعر وتلك العهود وتلك البيعات، فجاءوا يسترخصون كل شيء في سبيل الله.

    إعداد الخطباء والشعراء

    النبي صلى الله عليه وسلم يعرف كيف يعد الإعلام الإسلامي ويهيؤه ويشجعه، فنراه صلى الله عليه وسلم يعد للخطباء الكافرين الذين يأتونه بالوفود خطباء مؤمنين مسلمين، وتعجب الناس عندما تستمع إلى المباراة، الجاهلي مهما أوتي من الفصاحة ومهما أوتي من البلاغة فمدى ثقافته أنه قرأ معلقة امرئ القيس، وقرأ معلقة عنترة، وزهير بن أبي سلمى، وبعض الأدبيات، هذا آخر مدى لثقافته العربية، لكن عندما يتكلم الخطيب الإسلامي وقد سقاه القرآن من كلام الله، وأخذ من الفم الطهور -فم محمد صلى الله عليه وسلم- جوامع الكلم، كيف سيكون كلامه؟

    لهذا كانوا عندما يتكلم خطباء النبي صلى الله عليه وسلم يهتز الناس، ويصبح فصحاء العرب وبلغائهم أمام خطباء النبي وشعرائه كالشمعة بجوار ضوء الشمس في وضح النهار (قل يا حسان وروح القدس معك، إن قولك أشد عليهم من نضح النبل).

    أبو سفيان بن الحارث .. من الظلمات إلى النور

    كان عليه الصلاة والسلام يحرص كل الحرص على ضم الأجهزة الإعلامية إلى دولته، وكان له ابن عم اسمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الذي وقف معه في حنين وأمسك البغلة حتى لا تهرب من شدة وقع الهزيمة، وهو يعلن عن موقعه صلى الله عليه وسلم ويقول: (أنا النبي لا كذب) ولا يبالي، شجاعة منقطعة النظير، وكان أبو سفيان بن الحارث شاعراً فحلاً من شعراء قريش، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبهه في الخلق؛ لأنه من رحمه، وكان يؤذي المسلمين بشعره، وما تأذى المسلمون كما تأذوا من شعر أبي سفيان بن الحارث ، لكن كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يكسبه؟ كان صلى الله عليه وسلم قادماً لفتح مكة فجاءه ابن عمه الشاعر ابن الحارث ، فلما نظر إليه أشاح بوجهه عنه -وهذه ليست من عادات العرب في استقبال الضيوف، لكن إشاحة وجهه عنه لها معنى، أي: أفاصلك فلك دين ولي دين، ولك عقيدة ولي عقيدة، ولك وجهة ولي وجهة، ولن ألتقي معك- فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى علي بن أبي طالب وقال: أرأيت ابن عمي يشيح بوجهه عني، فقال: ويحك إنك لا تعرفه كما نعرفه، قال كيف؟ قال: إنه لا يحب أن يكون أحد أحسن منه قولاً، قال: كيف؟ قال: عد له مرة ثانية وقل له ما أقول لك، قال: ماذا أقول؟ قال: قل له: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91]، قال: فقط؟ قال فقط، فعاد أبو سفيان بن الحارث مرة ثانية واستقبل النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه فأشاح عنه، قال: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91]، فاستدار بوجهه وابتسم وقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92] رد عليه بالقرآن بقصة يوسف لما اعتذر أخوته قبل عذرهم وسامحهم، ولما اعتذر أبو سفيان بنفس الاعتذار كان هذا دليلاً على إيمانه وإسلامه، فرد عليه رداً يوافق الكلام، بل قد يكون أحسن منه معنى، فأعلن وأسلم، فكان إسلامه جهازاً إعلامياً، قال: (يا رسول الله! أعاهدك أنني أقول مقام كل بيت هجوت فيه الإسلام والمسلمين بيتاً أمدح فيه الإسلام وأدافع فيه عن المسلمين) ففرح النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً عظيماً لإسلام ابن عمه أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

    1.   

    الإعلام الفاسد وضرره على المجتمع

    وأنتم أيها الأحباب الكرام! بعد أن استنفذ الإعلام -في العالم العربي والإسلامي والعالم كله- استنفذ أغراضه، وتعرى، وظهر فيه العفن، وأصبحت نتائجه كلها وخيمة إلا أقل القليل، وإذا أردت أن تمدح هذا الإعلام -الإذاعة والتلفزيون- إذا أردت أن تمدحها قل عنها: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219] إثم الإذاعة والتلفاز في العالم أكبر من نفعهما، وما دمر الأخلاق كما دمرت أجهزة الإعلام في زماننا هذا، إلا من رحم الله لوجود بعض المخلصين كبقع نورانية في محيطات مظلمة، نسأل الله أن يثبتهم وأن يدفع الصالحين إلى مقام المسئولية في الإعلام، حتى لا نظلم أهل الحق حقهم وأهل الفضل فضلهم، وإلا فها نحن نسمع إلى الإعلام؛ تمثيليات، ومسرحيات، وإذاعات، وتلفزيونات، وفيديو، وأقمار صناعية، وكل ما يمت إلى الإعلام بصلة، فماذا حدث؟ حدث أن ظهر جيل شيوعي، جيل عاق لوالديه، وجيل متمرد على المدرسة وعلى القيم والأخلاق، سبعة وعشرون جريمة قام بها الطلبة وأنتم قرأتم الصحف، وفي منطقة الجهراء يطعن الطلبة بعضهم بعضاً بالسكاكين، هذا أثر من؟ نتيجة ماذا؟ نتيجة مسلسلات الإعلام، يرسم لك خطة المعركة من أولها إلى آخرها، كيف يقتل المجرم ويخرج من الجريمة مثل الشعرة من العجين، فيبدأ هذا المسكين المراهق يظن نفسه أنه هو البطل، ما عنده مسدس ماذا يأخذ؟ يأخذ سكين البصل ويخرج، ويتحرش باثنين أو بثلاثة أو بأربعة، ثم يضربوه حتى يموت، ألم تقل صحف اليوم: إنهم ألقوا القبض على عصابة من الشباب، ماذا تفعل؟ تسرق السيارات، من علمهم؟ هل خرج من بطن أمه متعلماً؟ لا. المسلسلات والأجهزة الإعلامية تبين لك كيف تسرق السيارات، ويظهرون السارق بصورة البطل، حتى الفيلم لما تقرأ عنوانه: بطولة فلان وفلانة، ويجرون مقابلة معه فيقولون: الفنان اللامع والنجم الساطع والنجمة الصاروخية ....، فلهذا مثل هذه العبارات هي التي أوجدت هذا الصنف التائه الحائر، وأصبح الآن الدور عليكم بعد أن يئسنا من أجهزة الإعلام.

    مقارنة الإعلام المعاصر بإعلام السلف

    إعلامنا نحن الدعاة الصالحين الصادقين كيف يكون؟ كل أحد منا جهاز إعلام متحرك لهداية البشر بأمر الله رب العالمين، الله وظفك جهازاً إعلامياً بقوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] هذا هو أمر الله ليكون إعلاماً متحركاً يدل العباد إلى رب العباد كما كان يقول ربعي بن عامر الجهاز الإعلامي المتحرك في أرض فارس لما قال له رستم: ما الذي جاء بكم؟ -هذا البث الذي أنت تنطلق منه على جميع الموجات الطويلة والمتوسطة والقصيرة، عندنا خيول وعندنا أسود مدربة، وعندنا نمور، وعندنا جيوش نظامية، وكل معركة لا ننهزم فيها! أنتم ماذا؟- قال ربعي بن عمر : [إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد -جهاز إعلامي- ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة] الله أكبر! هذا الكلام لو أردت أن تؤلف منه مؤلفات لظهرت مؤلفات من الخمس الكلمات؛ لأنه تخرج من مدرسة القرآن والسنة ولم يتخرج من مسرح، يقولون: تعال نحتفل في المسرح لمرور خمس وعشرين سنة عليه، خيبه الله، خمسة وعشرين سنة ماذا عمل لنا المسرح؟ أظهر البنات (بنجوب) وبعدها (مكري جوب) وبعدها (ميدي جوب) وبعدها بدون جوب، والآن عاد الناس كما كانوا في الستينات، الآن اذهب وامشِ في الأسواق والمجمعات والجمعيات تجد أن المينجوب عاد مرة ثانية، ما الذي رده؟! الإعلام رده، الإعلام ينشر لك الملاحق أزياء عام (1988م و1989م) أهي (المينجوب) ويظهرها لك ويقول: هي أزياء أو جنون في الملحق، ويظهرون نساء الواحدة منهن مثل (البريصي) وتلبس شماطيط و(خرز) و(شخوط) و(شيماهول) ويقول لك: هذا الموديل، يالله! والله إنك لو تكلمت مهما تكلمت فإن صورة واحدة من هذه الصور المنشورة تهدم كل كلامك، لهذا فعلاً القضية تحتاج إلى تجنيد، وأن كل مسلم يحس أنه يدافع عن عرضه، ويدافع عن بنته، ويدافع عن أخته، ويجب أن يراقب هذه الأمور، وأن يحصن الأولاد والبنات بالدين وبالأخلاق وبالعقيدة حتى لا يتأثرون، صورة واحدة من أجهزة الإعلان كافية لأن تجعل المسلم كافراً، فقد جاء في الحديث: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل).

    الله أكبر! يبيع دينه كله؟! لو قلت له: الخمر حرام، وقال تعالى عن الخمر: كذا وكذا وكذا، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخمر: كذا وكذا وكذا، وهي أم الخبائث، والذي يشرب الخمر في الدنيا لا يشربه في الآخرة، وإذا دخل النار ولم يتب من الخمر يسقيه الله من طينة الخبال، وتتكلم له كلاماً عريضاً، وإذا سافر إلى أمريكا أو إلى لندن أو إلى البحرين، ويركب طيران الخليج، وعندما يفتح المجلة يجد في الصفحة الأولى كلها إعلانات عن الخطوط الجوية، وثاني صفحة يقابلها بطون خمر، (بلاك أندواي) وبجواره كأس رشيق، ووردة حمراء من الجهوري وفلح من الليمون، والندى يتقطر عليه من كل جانب، وعلى قطيفة مخملية، وحمامة تطير من الأيد، أين ذهبت دروسك وخطبتك؟! ذهبت مع الهواء وطارت، وأصبح يبحلق بعيونه متى يصل من أجل أن يشرب، هذا هو أثر الإعلام المدمر، فلهذا كل المسئولية الآن على رقاب المسلمين الصالحين، أن يتحول كل أحد منهم جهازاً إعلامياً، ويكون حرصه على إنقاذ ما تبقى من الأجيال كحرصه على أولاده إذا أصابتهم حمى أو أصابهم الفيروس، تراه لا ينام، ويذهب من الطبيب العام إلى الطبيب الخاص حتى تهدأ الحمى وينام الولد.

    أنت عندما تكون عندك أغنام وهناك ذئب ينتظرها في البر، هل تستطيع أن ترعى الأغنام؟ الإعلام اليوم ذئب، الفيديو في البيت اليوم ذئب وغول، يفترس القيم والأخلاق، والآن البيوت واسعة، البنت لها غرفة، والولد له غرفة، والخدامة لها غرفة، والمرأة لها غرفة، والذي عمره عشر سنين له غرفة، ويا ويلك لو دخلت الغرف وفتحت درجاً من الأدراج يصيحون عليك ويقولون: تتجسس، أنت لا تثق بأولادك، وهذا مكتوب في الصحف، الإعلام يكتب هذا، لا يجوز للوالد أن يتجسس ويتحسس على بناته وأولاده؛ لأنه انعدام للثقة، ويجب أن يعامل الولد بالثقة، والمعنى: اترك الحبل على الغارب، فهذا سكران، وذاك مخدر، لا تسأل عنه، وكم من والد مسكين ذهب وفتح الدرج فوجد رسائل غرام، ورسائل حب، وأشرطة الجاز والدسكو، وأفلام الجنس وغيرها.. ويقول: هل ولدي أصبح بهذا الشكل؟! نعم؛ لأن ولدك وإن قربت بيدك الإعلام يدخل عليه في البيت وأنت غافل لا تدري يا مسكين، فلهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) الآية لا تكلف شيئاً، تعال يا أخي أذكرك، تعال يا أخي أسمعك، وهي آية واحدة لكن لها أثر عظيم في النفس. البنت -مثلاً- عندما ترى منظراً إعلامياً، أو تسمع خبراً إعلامياً يزعزع عندها الدين، ويزعزع عندها العقيدة، وعندما تقرأ في الجريدة لدكتورة شيوعية اسمها نوال السعداوي لا أسعدها الله، وهذه المجرمة تكتب في الصحف والجرائد ماذا تقول؟ تقول: إن غطاء الحجاب على رأس المرأة المسلمة من بدع اليهود، وأنه يغطي عقلها فيجعلها بدون عقل، وأن الأخلاق الإسلامية كالثوب نلبسها متى أردنا وننـزعها متى أردنا، الله أكبر! فالبنت المسكينة عندما تسمع هذا الكلام المزخرف -صورة وخط جميل، وجريدة مشهورة، أو كتاب ملمع- تتأثر، لكن عندما تكلمها وأنت ذاهب في السيارة وتقول: يا ابنتي! اسمعي ربك سبحانه وتعالى وهو يقول في كتابه الكريم: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112] وهذا يا ابنتي من شياطين الإنس، ووراءها شياطين جن يوحون لها مثل هذه الزخارف غروراً، من أجل أن يغروك، ويضيعوا دينك وأخلاقك، وهؤلاء الذين يتبعون الشياطين -من شياطين الإنس والجن- اسمعي ربك ماذا يقول عنهم والعياذ بالله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36] وهذا الشيطان ماذا مكتوب عليه يا ابنتي؟ مكتوب عليه: أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج:4] يذكرها بآية أو آيتين أو ثلاث أو أربع، حتى يطمئن قلبها ويثبت إيمانها، وتذهب عنها كل الشبهات، أما أن تتركها، وتحسب أنها كالدجاجة، ماذا أكلت؟ هل تغديتِ؟ هل تعشيتِ؟ ماذا شربتِ؟ هل أخذتِ دواءك أم لم تأخذيه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من بلي بمثل هذه البنيات فصبر عليهن وعلى لؤائهن حتى يزوجهن وجبت له الجنة) (وكفى بالمرء إثماً أن يضيع) أنت تقول لها: تغديتِ تعشيتِ؟ تحسبها جائعة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: من يجوع، لكن قال: أن يضيع، ضيعتها عندما لم تأمرها بالصلاة، ضيعتها عندما لم تعلمها الأخلاق، لهذا فالوالد جهاز إعلامي، والأم جهاز إعلامي، والابن جهاز إعلامي، لتصفية العوائق والشوائب التي تأتي للأجيال المسلمة، فنتحول كلنا أجهزة إعلامية تنظف النفس والبيت والأسرة حتى لا يؤثر فينا الإعلام الفاسد المنحل.

    1.   

    الشريط الكاسيت ودوره في نشر الدعوة

    ويصبح دورك أيها المسلم الداعية في شريط الكاسيت الذي يسجل، فهو سلاح فتاك في تدمير الرذيلة ونشر الفضيلة، وهذا الشريط أثبت من خلال التجربة أنه جاء بنظام وأسقط نظاماً، وقصة ثورة إيران على ملك إيران قامت على شريط فقط، تكلم رجل في فرنسا، فسجلوا الشريط ثم هربوه ونشروه فآمن الناس بفكرة هذا الرجل الذي في فرنسا، حتى استطاع أن يطيح بنظام تحميه أكبر دول العالم، إذاً.. لماذا نحتقر هذا الشريط؟! لماذا لا نعطيه أهميته؟! وهذا الشريط سهل الحمل، رخيص القيمة، تأخذه معك في السيارة، وتسمعه في البيت، وفي أي مكان تستطيع أن تسمعه؛ لأن التقنية وفرت لك الأجهزة، حتى أصبح الريكوردر للتسجيل بحجم كف اليد، لا يكلف شيئاً ولا يتعب، فلو وجهنا الاهتمام إلى هذا الجهاز الإعلامي، وأحسنَّا استخدامه لغيرنا وجه التاريخ.

    أذكر أنني كنت أخطب في مسجد العلبان وأقول: أيها الفلسطينيون! إن العمل لتحرير الأقصى وفلسطين داخل فلسطين وليس خارج فلسطين -والذي كان يسمع خطبي في أول الثمانينات أكرر هذا المعنى عشرات المرات- فظهرت الثمرة وقامت الانتفاضة داخل فلسطين ، وظهر العمل داخل فلسطين ، والآن دخل شهره الثاني عشر داخل فلسطين ، ويقول لي أناس موجودون داخل فلسطين : إن شريطك مثل الانتفاضة متعبة لليهود، يهربونه حتى في شعر النساء، يفتحون البكرة ويدخلونها داخل الشعر ويحيكون عليها الشعر، ويهربونه عن طريق لندن ، وعن طريق أمريكا ، وعن طريق عرب ثمانية وأربعين؛ لأنهم لا يفتشونهم، وكانت الخطبة يوم الجمعة، ويوم الإثنين والشريط في فلسطين ، وبعد أربع ساعات انتشر في كل بيت، وأصبح الخائف يتشجع، والمتردد يقدم، كلمة لها أثر ولها فعل.

    فيا أحبابنا! هذا دور إعلامي هام، اجعل نفسك منظماً وعضواً منتمياً إلى الجهاز الإعلامي الإسلامي، أين هذا الجهاز؟ من هو مسئوله؟ من هو مديره؟ المدير لهذا الجهاز هو الله من فوق سبع سماوات، وأول مسئول عن هذا الجهاز يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم، ما دليلي على ذلك؟ خطبة الوداع في حجة الوداع، بعد أن بين الحلال وبين الحرام وداس الربا وأمر الجاهلية تحت رجله، وقال: (وأول ربا أضعه ربا عمي العباس ، وكل أمر من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين) ثم خطب خطبة طويلة أوصى فيها بالنساء، وبين أهمية النساء، وبعدها ماذا قال في النهاية؟ قال: (إن الله سائلكم عني فماذا أنتم قائلون؟) يعني: إن الله يوقفنا يوم القيامة ويقول: يا أمة محمد! ماذا قال لكم هذا النبي؟ بلغ أم لم يبلغ؟ قالوا: نقول: (إنك نصحت وبلغت وأديت، قال: اللهم فاشهد) يرفع إصبعه إلى السماء وينـزلها ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).

    إذاً نصحت، أي: الأمة، بلغت، أي: الرسالة، أديت، أي: الأمانة، وهذه هي قواعد العمل الإعلامي، بدونها يفقد رسالته ويفقد دوره ويتحول إلى جهاز مدمر لا معمر.

    فيا أحبابنا الكرام! كونوا أجهزة إعلامية متحركة في سبيل الله، اقطع الخبر المهم وانقله، خذ الشريط الديني وانشره، هذا السمع وهذا البصر وهذا الفؤاد الذي يعقل ويعي، ماذا يقول سبحانه وتعالى عنها؟ يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] لماذا؟ لأنها أجهزة استقبال وأجهزة بث، أجهزة استقبال للخبر وأجهزة بث لهذا الخبر، فإذا لم تحسن التلقي وأحسنت التبليغ، فإن الله يسألك عن السمع وعن البصر وعن الفؤاد الذي تعقل به؛ لأنك بايعت الله أن كلك لله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] فأنت لا تنقض هذه البيعة، وحرك هذه الأجهزة حسب مراد راعيها وصاحبها الذي اشتراها ودفع ثمنها مقدماً، بل ثمنها خلقه لك قبل خلقك، وهي الجنة.

    فلهذا يا أخي الكريم! تذكر هذا جيداً قبل أن يأتي زمان تشهد فيه اليد ويشهد فيه الفخذ، يوم أن تقف الألسنة عن قول الحق، وتبدأ العجماوات تتكلم، وصوت الإنسان يتكلم، وفخذ المرأة يتكلم، والبهائم الوحشية تتكلم، نعم. يوم أن يعم الصمت، ويفقد الإعلام دوره، ويفقد اللسان دوره، وحرية الكلمة دورها، ويفقد حتى القرآن دوره؛ وهو أضخم كتاب إعلامي عرفه الوجود، ينزل الله ملائكة فيسحب الله القرآن من المصاحف ومن الصدور ليصبح الناس لا يحفظون آية واحدة، فإذاً عندما تنشر القرآن وتبلغ الآية وتقدم الشريط وتهدي، تكون أنت جهازاً إعلامياً متحركاً، هم يغلبوننا بالأقمار الصناعية، مهما حاول القمر الصناعي أن يبث، كم عدد المسلمين؟ ألف مليون، ألف مليون يتحرك في سبيل الله، أي قمر صناعي؟ ألف مليون أذن تشتغل في سبيل الله، ألف مليون عين تتحرك في سبيل الله، ألف مليون قلب وصدر يتحرك في سبيل الله، إذاً القضية هذه ليست سهلة يا إخوان: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، وقال تعالى: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان:17] إلى آخر وصايا لقمان لابنه.

    أيها الأحباب الكرام! لا أطيل عليكم، فإن الله سبحانه وتعالى جعل القضية الإعلامية من أهم القضايا القرآنية والنبوية، وإن هذا الجهاز الإعلامي الإيماني كلنا عاملون فيه بأمر الله رب العالمين، لا يحل لأحد أن ينفك من هذه الوظيفة ومن هذا العمل حتى يلقى الله سبحانه وتعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] تدخيل المؤمنين هنا؛ لأنه عملية إعلامية مهمة ينتفع بها كل المسلمين.

    نسأل الله أن يفقهنا في الدين ويعلمنا التأويل، اللهم نسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء.

    اللهم أصلح أجهزة الإعلام عندنا، اللهم ادفع الصالحين فيها، اللهم أخرج الفاسدين منها، اللهم اجعلها جهاداً في سبيلك، وإعلاء لكلمتك إنك على ذلك قدير.

    وإننا نشكر كل إعلامي في تلفاز أو إذاعة أو جريدة، أو يملك قلماً، أو خطيباً، نشكره إذا دافع عن الإسلام، ونشر الفضيلة، وحارب الرذيلة، ونقول له: جزاك الله كل خير على ما تفعل وعلى ما تبذل، وإنما هو تشريف وتكليف؛ أما التشريف: فلأنك تعلن عن الله رب العالمين كما أمر الله إبراهيم عليه السلام: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً [الحج:27] ووقف إبراهيم على الجبال، واندفع إعلامياً يقول: أيها الناس حجوا، فبارك الله بهذه الصرخة، فبلغها النطف في أصلاب الرجال، فالنطفة التي قالت لبيك مرة تحج مرة، فلا تحتقروا العمل في سبيل الله، فإذا بارك الله فيه ظهرت ثمرته عاجلاً أو آجلاً.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.