إسلام ويب

أصحاب الأخدود[1، 2]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصة الغلام والملك فيها الكثير من الفوائد والعبر التي يحتاج إليها كل مسلم، وبالذات الدعاة إلى الله في أثناء سيرهم إلى الله عز وجل، فمنها يتعلمون الصبر على ما يبتلون به من أنواع الابتلاءات المختلفة، والتي قد تصل إلى بذل النفس، كما حصل مع جليس الملك والراهب عندما رفضوا أن يتنازلوا عن دينهم.

    1.   

    حديث الغلام والملك

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    روى الإمام مسلم وغيره عن صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (كان ملكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: ائتني بغلامٍ أعلمه السحر. فجاءوه بغلامٍ نجيب يعلمه السحر، فكان الغلام إذا سلك إلى الساحر مر بصومعة راهب، فمال إليه يوماً فسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا ذهب إلى الساحر متأخراً ضربه، وإذا رجع إلى أهله ضربوه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا ضربك الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا ضربك أهلك فقل: حبسني الساحر.

    وفي أحد الأيام خرجت دابة عظيمة حبست الناس، فأرسل الساحر الغلام إليها ليقتلها، فأمسك الغلام بحجر، وقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله عز وجل أم أمر الساحر! ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة. ورماها بحجرٍ فقتلها.

    فرجع الغلام إلى الراهبِ -وقد انتشرت الواقعة- فدخل عليه فقال له الراهب: أي بني! إنك اليوم صرت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ. وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، وكان جليس الملك قد عمي، فلما سمع أن الغلام يشفي الناس من سائر الأدواء ذهب إليه بهدايا عظيمة، وقال له: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني!

    فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته فشفاك. فآمن جليس الملك بالله عز وجل؛ فرد الله عليه بصره. فدخل الجليس الأعمى -سابقاً- على الملك بلا قائد يقوده وقد رجع إليه بصره، فقال الملك له: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربّي. قال: أولك ربّ غيري؟ قال: الله ربي وربك ورب العالمين. فما زال يعذبه حتى دل على الغلام، فلما جاء الغلام، قال له الملك: أي بني! قد صار من أمرك ما أرى: تبرئ الأكمه والأبرص، وتداوي الناس من سائر الأدواء!

    فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى. فما زال يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك؟ فقال: لا. فجيء بالمنشار فوضع في مفرق رأسه ونشروه نصفين حتى سقط شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك؟ فأبى؛ فوضع المنشار في مفرق رأسه ونشروه حتى سقط شقاه.

    وجيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك؟ قال: لا. فنادى الملك جماعةً من جنوده، وقال: خذوه إلى قمة أعلى جبل، فإن رجع وإلا فألقوه من على الجبل، فأخذوه، فلما كانوا على قمة الجبل قال الغلام: رب! اكفنيهم بما شئت. فارتجف بهم الجبل فسقطوا ورجع هو.

    فلما رآه الملك قال: ويحك! أين أصحابك؟

    قال: كفانيهم الله بما شاء.

    فأرسل طائفةً أخرى من جنوده، وقال لهم: خذوه في قرقور -القرقور: نوعٌ من السفن- وتوسطوا به لجة البحر، فإن رجع وإلا لججوا به أي: أغرقوه.

    فلما توسطوا به البحر، قال الغلام: رب! اكفنيهم بما شئت، فانكفأ بهم القارب فغرقوا ورجع هو.

    فلما رآه الملك قال: ويحك! أين أصحابك؟

    قال: كفانيهم الله بما شاء. ثم قال الغلام للملك: اعلم أنك لن تقتلني إلا أن تفعل ما آمرك به.

    فقال له: وما ذاك؟

    قال: أن تجمع الناس في صعيدٍ واحد وتصلبني على هذه الخشبة، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم تقول: باسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني.

    فجمع الملك الناس في صعيدٍ واحد، وأخذ سهماً من كنانة الغلام من بين السهام، وصوب السهم إلى صدره، فصاح: باسم الله رب الغلام. فخرج السهم حيث أشار الغلام، فوقع في صدغه فمات.

    فقال الناس جميعاً: آمنا بالله رب الغلام.

    فقال رفقاء السوء للملك: قد وقع -والله- ما كنت تحذر، كنت تخشى أن يؤمن الناس فآمنوا.

    قال: فماذا نفعل؟

    قالوا: خدّ الأخاديد على أفواه السكك، -أضرم فيها النار- ثم اعرض الناس على هذه النار، فمن آمن برب الغلام فاطرحه فيها، فجيء بالناس، وعرضوا على هذه النيران، فمن آمن برب الغلام ألقوه فيها، حتى جاء الدور على أم كانت ترضع ولدها، فأول ما فعلوا أخذوا الولد فقذفوه في النار، ثم كأن الأم تقاعست أو خافت، فسمعت صوت ولدها من الأخدود يقول لها: يا أماه! اصبري فإنك على الحق).

    1.   

    البلاء سنة من سنن الله

    الابتلاء سنة الأولين والآخرين، لا ينجو منه كافرٌ ولا مؤمن، ويصدق ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام، وكان قد رسم مربعاً على الأرض، ثم مد من داخل المربع خطاً طويلاً تجاوز المربع، وحول هذا الخط -داخل المربع- رسم خطوطاً قصيرة على جانبي هذا الخط الطويل، ثم قال عليه الصلاة والسلام -وأشار إلى المربع-: (هذا أجل ابن آدم محيط به -لا يفلت أبداً، احتواء من كل الجهات- ثم أشار إلى الخط الطويل الذي خرج من المربع وقال: وهذا أمله -أمله يحتاج إلى أضعاف عمره- ثم أشار إلى الخطوط القصيرة حول هذا المربع فقال: وهذه الأعراض هي المصائب التي تحيط بالعبد في حياته، إذا نجا من عرض نهشه الآخر) معنى هذا الكلام أنه لابد من الابتلاء.

    فالذي يفر من الله ورسوله خشية أن يبتلى، نقول له: ستبتلى، ولكن بشكل آخر، إما بامرأةٍ ناشز، أو بولدٍ يضيع، أو بمالٍ وضيع، أو بمصنع يحترق، أو بظالم يظلمك.

    أهل الدنيا ليسوا بمأمنٍ من البلاء، بل هم أكثر الناس بلاءً، فلماذا تفر من الله ورسوله، فالابتلاء من أجل الله ودينه فيه شرفٌ لك، وهذه سنةُ الأنبياء والمرسلين.

    وهذا الحديث يبين لنا الفتنة التي تلم بالعبد في العقيدة.

    فهذا الغلام الذي أيقظ مملكةً بأكملها، ما ظن أنه سيناط به هذا التكليف العظيم.

    كذلك نقول لك: لا تحتقر نفسك، إنك لا تدري ما يُكتب لك بأمنيتك، سل أي عالم كبير جليل هل كنت في أي مرحلةٍ من حياتك تظن أنك ستصل إلى هذه المكانة؟ سيقول لك: لا. سواءً كان الإمام البخاري ، أو الإمام أحمد ، أو الإمام الشافعي .

    ولذلك فإن مواليد العلماء فيها خلاف، لكن وفياتهم لا؛ لأنه يوم ولد كان كملايين المواليد، لا يعرفون، هل سيكون أحدهم عالماً أم قاطع طريق، ولكن عندما يموت يسجل تاريخ وفاته؛ لأنه لم يمت إلا وقد ملأ الدنيا علماً.

    فأنت لا تدري ما يكتب لك من أمنيتك، فلا تحتقر نفسك، لعل الله عز وجل يغير الأمة بك وأنت لا تدري، المهم: أن تفعل كما أمرك الله عز وجل وأوصى رسوله صلى الله عليه وسلم حين قال: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112].

    هذا الغلام الذي حول الله عز وجل به هذه المملكة، غلام صغير، والساحر كان في ذلك الزمان كالمخابرات في هذا الزمان، وكان الملك يستخدمه في تسيير دفة الأمور بلا أسباب، فعندما تقع مشكلة كان يستخدم الساحر، مثلما فعل الملك مع الغلام عندما خرجت دابةٌ عظيمة اعترضت الناس.

    قال الساحر عندما كبر: أخشى أن أموت وليس فيكم من يتعلم السحر، فائتوني بغلام نجيب. فبحثوا له عن هذا الغلام وجاءوا به، فكان يعلمه السحر، وبينما كان الغلام ذاهباً إلى الساحر مر بصومعة الراهب، وكان الرهبان إذ ذاك على الإسلام كما ورد في رواية الترمذي ، وهذه القصة تدلك على أنها حدثت بعد عيسى عليه السلام؛ لأن هذه الرهبانية إنما ابتدعها النصارى.

    1.   

    الكذب الجائز

    لما رأى الغلام الراهب مال إليه؛ لأنه سمع كلامه فأعجبه، وكلام الراهب إنما هو من الوحي، وقيل له: هذا وحي؛ لأنه يمس القلب، فصار الغلام يطيل الجلوس عند الراهب، فإذا جاء إلى الساحر متأخراً ضربه، والساحر يريد أن يستوفي وقت التعليم، وإذا تأخر الولد في الرجوع إلى أهله ضربوه، فيُضرب هنا وهناك، فشكا ذلك إلى الراهب الذي صار محل سره، فقال له الراهب: إذا ضربك الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا ضربك أهلك فقل: حبسني الساحر.

    هذا النوع من الكذب جائز، قال صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها-: (ثلاث من الكذبِ لا أعدهن كذباً: كذب الرجل على امرأته، وكذب الرجل يصلح بين المتخاصمين، وكذب الرجل في الحرب) .

    هذه الثلاثة الأنواع جائزة وبعضها واجب، مثل: كذب الرجل في الحرب؛ فإنه يأثم إذا صدق، قالوا له مثلاً: أين مطاراتكم؟ أين مواقعكم؟ فإذا قال الحقيقة أثم.

    الكذب على الزوجة

    كذب الرجل على امرأته: يعني فيما لا يجب الوفاء به، مثل: أن يأخذ مهرها أو يأخذ مالها ثم يقول: سنفعل مشروعاً، ثم سآتي لك بالأرباح، وهو يكذب لكي يأخذ المال! فهذا لا يجوز، ولا يحل له أن يكذب عليها ليذهب بحقها، ولكن الكذب المنصوص عليه في الحديث إنما هو فيما لا يجب الوفاء به؛ مثل إظهار المودة والمحبة القلبية.. ونحو ذلك.

    والمفروض على الرجل ألا يخبر امرأته أن الكذب عليها جائز، لكي يستطيع أن يتصرف، لكن إذا قال لها ذلك، فقد فوت على نفسه خيراً كثيراً، فكلما بدأ بالكذب عليها قالت له: إنك تأخذ أجراً على هذا الكذب، فلم يستفد من رخصة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الكذب على المرأة فيما يتعلق بالمحبة والمودة جائز، كأن يظهر لها أنه يحبها وأنه يعزها، وأنها في سويداء القلب، فهذا مستحب.. لماذا؟ لأن الحياة تصلح بذلك، فهذا هو الكذب الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.

    الكذب للإصلاح بين الناس

    النوع الثاني من الكذب: كذب الرجل ليصلح بين المتخاصمين.

    فلو اختصم رجلان، فذهبت إلى أحدهما وقلت له: كنت عند فلان فذكر فضائلك ومحاسنك. وقال: فلان -جزاه الله خيراً- لا أنسى جميله علي.. ونحو ذلك، وذهبت إلى الآخر فقلت له نفس الكلام، فهذا مستحب، وتؤجر عليه إن فعلته.

    الكذب في الحرب

    والنوع الثالث: كذب الرجل في الحرب.

    وهو النوع الذي أوصى الراهب الغلام به؛ لأنه في حرب مع الملك كما سمعتم.

    فهذه الأنواع الثلاثة من الكذب جائزة.

    1.   

    ظهور الحق بقتل الدابة

    وفي إحدى الأيام خرجت دابة -في رواية الترمذي أنها كانت أسداً- فحبست الناس، فأرسل الساحر الغلام ليقتل هذه الدابة، فأخذ الغلام حجراً وقال: اليوم أعلم أمر الراهبِ أحب إلى الله عز وجل أم أمر الساحر! ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة. فقدم أمر الراهب على الساحر، وهذا يدل على الحب الذي كان يكنه للراهب؛ لأنه كان يمكن أن يقول: اللهم إن كان أمر الساحر أشر وأبغض إليك فاقتل هذه الدابة، لذلك قدم الراهب في الذكر؛ لأنه الأحب إليه، أراد أن يرى آية حتى يستريح، فأظهر الله عز وجل هذا الآية.

    ولذلك نحن نقول: كل آية أنجاك الله عز وجل بها من مصيبة خذها مثالاً وقس عليها، وحسّن ظنك بربك، فإذا أنجاك من ورطة ثم وقعت في ورطةٍ أخرى، فقل: كما أنجاني في الأولى ينجيني في هذه؛ لأن هذا أدعى لاستقرارك على طريق الحق.

    كان هناك رجل قد سجن، وهذا الرجل كنا جميعاً نظن أنه صار في عداد المحكوم عليهم بالإعدام، وسجن سجناً مخصوصاً، وجعلوا عليه عميداً مخصوصاً يمنع دخول أي شيء إليه، وكان هذا الرجل أحد الدعاة الكبار، فيشاء الله عز وجل أن يكون هذا العميد المختار يحب هذا الداعية جداً، فكان كل يوم يترك له دجاجة مشوية: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56].

    فهذا الغلام يريد أن يرى آية من الآيات حتى تثبت إيمانه، وأن هذا الرجل على الحق فلا يحيد.

    فلما رمى هذا الأسد بالحجر قتله، فظهر له بجلاء أن الراهب على الحق.

    1.   

    دعاء الغلام لجليس الملك وشفاؤه بإذن الله

    بدأ صيت الغلام ينتشر ويعرفه الناس، وكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من شر الأدواء، فسمع به جليسٌ للملك، وكان من أصدقائه وأحبابه، لكنه عمي، فلما سمع أن الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من العمى؛ جمع له هدايا عظيمة، وفي هذا دليل على ما ورد في بعض الآثار، ولكن فيه نزاع والراجح ضعفه، والذي قال فيه: (إن الهدية تسل سخيمة الصدر).

    فهذا الرجل جاء بهدايا عظيمة، وقال للغلام: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، أي: إن رددت علي بصري فجميع الهدايا لك.

    فبدأ الغلام يدعو إلى الله عز وجل، قال: إني لا أشفي أحداً ولكن يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته فشفاك.

    هنا وقفة مهمة، وأولى الناس بالالتفات إليها الدعاة إلى الله عز وجل:راقب كلام الغلام! ولاحظ دقته في التعبير! قال: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى، فإن آمنت به -لم يقل: شفيتك- دعوته فشفاك. فهذا رجلٌ أمين على دعوته، لا يسعى لمجد شخصي، ولا يأكل بدينه دنيا.

    فالغلام عليه الدعاء فقط، وبعد ذلك ليس له أي دخل في الموضوع، وهذا من الأمانة في سبيل الدعوة، فإنك إذا لاحظت أو رأيت أن أناساً غلو فيك ينبغي أن تردهم؛ حتى لا ينسبوا إليك ما لا يجوز لك، فإن النصارى كفروا بسبب الغلو، وكل غلو نهايته إلى الكفر، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام كان يرفض هذا الغلو.

    ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة، إذ جاءه رجلٌ أعرابي فوقف على الباب، فقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، فادع الله أن يسقينا؟ قال: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعه السبابة إلى السماء وهو على المنبر...) وهذا هو الذي يجوز للخطيب، فلا يجوز له أن يرفع كلتا يديه؛ إنما يرفع أصبعه بالتوحيد.

    أما رفع اليدين، فقد روى مسلم في صحيحه عن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه، أنه رأى أحد خلفاء بني أمية على المنبر يرفع يديه على المنبر ويدعو فقال: (قبح الله هاتين اليدين، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه أبداً، إنما كان يشير).

    فأنت إذا كنت تخطب على المنبر وتريد أن تدعو، فعليك أن تشير بأصبعك السبابة فقط.

    قال أنس رضي الله عنه: (فرفع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعه السبابة إلى السماء، وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا. قال أنس : وكانت السماء مثل الزجاجة -صافية- فما إن دعا حتى تكاثر الغمام، وما نزل صلى الله عليه وسلم من على المنبر إلا والمطر يتحدر من على لحيته، وخرجنا إلى بيوتنا نخوض في الماء، وظللنا لا نرى الشمس جمعة) .

    وفي الجمعة التالية والرسول عليه الصلاة والسلام يخطب، جاءه الأعرابي فوقف على الباب، وقال: (يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، فادع الله أن يحبس عنا الماء. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أني عبد الله ورسوله، -هذا الشاهد من الحديث: (أشهد أني عبد)، ليس لي دخل في الموضوع، أنا لم أصنع شيئاً- اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الضراب والآكام ومنابت الشجر) فكان حول المدينة مطر وفوقها شمس.

    وعندما كسفت الشمس في موت إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: كُسفت الشمس لموت إبراهيم ؛ فأزعجه ذلك؛ لأنه أمينٌ على الوحي ولأنه بُعث ليعلم الناس دين الله ويعلقهم برب العالمين فعندها أمر أن ينادى: الصلاة جامعة. واجتمع الناس فقال لهم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن إذا رأيتم ذلك فعليكم بالصلاة) .

    والداعية إلى الله عز وجل همه أن يربط الناس بالله لا بشخصه؛ فلذلك لابد أن يكون دقيقاً في ألفاظه، يذكر ما يفعله وينخلع مما لا يقدر عليه.

    قال جليس الملك: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني.

    قال: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى؛ فإن آمنت به دعوته فشفاك -إذاً عمله الدعاء فقط-. أما الباقي فكله لله تبارك وتعالى، كما قال إبراهيم عليه السلام وهو يعرف رب العالمين للناس، فقال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:78-81].

    فذكر ضمير الرفع المنفصل: (هو) في ثلاثة مواضع، وأخلى الموضع الرابع منه: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:81] لم يقل: (هو)، والقضية المرتبطة التي يشترك فيها العبد مع الرب تبارك وتعالى ذكر فيها ضمير الرفع هو: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78] لأنك ربما قلت: كنت ضالاً جاهلاً، وكنت غير ملتزم فهداني فلان.

    والهداية يشترك فيها العبد والرب تبارك وتعالى، مع التباين بين هداية العبد وإرشاده، وهداية الرب التي هي استقامة على طريق الإسلام فعلاً.

    فلما التبس الأمر بين العبد وربه قال: (هو) أي: لا غيره، هو لا غيره الذي يشفيني، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79] من الجائز أن يقول الإنسان: كنت سأموت لولا أن فلاناً أطعمني وسقاني. نحن نقول: إن الله تبارك وتعالى يخلق فيك الشبع بسبب الطعام، لا أن كل طعام يشبع، فلربما أن الإنسان يأكل ولا يشبع، ويشرب ويحتاج إلى تناول الماء، فلو كان امتلاء المعدة النعمة بالماء والطعام دافعاً للجوع لما جاع آكل ولما ظمئ شارب، وهذا ليس معناه نفي الأسباب نفسها.. لا، الله عز وجل هو الذي يخلق الري في الشراب، ويخلق الشبع في الطعام.

    يقول: إبراهيم عليه السلام: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79] هو الذي يشبعني، كما في الصحيحين: (أن رجلاً كافراً جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اسقني يا محمد. فحلب له لبن شاه، فشرب، ثم قال: اسقني، حتى شرب سبع مرات، ثم أسلم بعد ذلك، وجاء في إحدى المرات فقال: اسقني يا رسول الله؟ فحلب له لبن شاة، فشربها وحمد الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) .

    فلما التبس هذا الأمر أكده إبراهيم عليه السلام بضمير الرفع، وأن الذي يشبع هو الله، ليس مجرد أنك تناولت الطعام؛ ولذلك قال الله تبارك وتعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    (وما رميت -أي: وما أصبت- إذ رميت -لما أرسلت السهم- ولكن الله رمى).

    ثم قال إبراهيم عليه السلام: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80] انظر إلى الأدب! نسب المرض لنفسه؛ وأنه هو الذي أمرض نفسه، وكان مقتضى الكلام أن يقول: (وإذا أمرضني فهو يشفين)؛ لكن تأدباً لم ينسب المرض إلى الله، كما قال العبد الصالح: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]، فنسب هذا إلى نفسه، ولما ذكر التفضل قال: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا [الكهف:82].

    نحن نتعلم طريقة عرض الأنبياء للدعوة إلى الله في كتاب الله عز وجل، لتعريف الناس بصفات الله تبارك وتعالى، فنتعلم الدقة في سلامة الألفاظ.

    مرةً سمعت خطيباً يقول: وقد بلَّغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان رب العالمين!!

    هل الله سبحانه وتعالى له لسان؟! هل يجوز أن يقول الإنسان هذا في جنب الله تبارك وتعالى؟! صفات الله عز وجل إنما تتلقى بالسمع، وليس بالاجتهاد، لا يحل لك أن تأتي بصفةٍ لم تجدها في القرآن ولا السنة وتنسبها إلى الله عز وجل؛ لأن بعض الصفات قد تكون عندنا -معاشر المخلوقين- صفة كمال، لكن هي عند الله صفة نقص.

    شخص وضع مذكرة عرض للقرآن الكريم، ثم لما وصف السموات والأرض، ووصف خلق السموات قال: إن الله عز وجل هو المهندس الأعظم!!

    هل يليق هذا الكلام؟ أين هو من قول الله عز وجل: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117]، انظر الفرق! بديع: ابتدعهما على غير مثال سابق. صفات الله عز وجل لا يجتهد فيها إنما تتلقى بالسمع، فما لم يأت به القرآن، ولم يتكلم به النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يحل لنا أن ننسبه إلى الله تبارك وتعالى، وكان إبراهيم عليه السلام دقيقاً في كلامه حين قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80].

    كثير من الناس يقول: كنت سأموت لولا أن الطبيب الفلاني شفاني. وبعض المرضى إذا قال للطبيب: هل يوجد أمل؟ فقال له: نعم، يوجد أمل، اعتمد كلامه وكأنه كلام رب العالمين، وإذا قال له: إنك ستموت، أو ليس هناك أمل، فإنه يستعد للموت.

    أحد إخواننا ذهب إلى الطبيب فأخطأ الطبيب في التشخيص وقال له: أنت مصاب بالقلب. فخرج يمشي ورجلاه ترتعدان، حتى أنه ما استطاع أن ينزل من السلم، انظر.. صعد ضد الجاذبية وكان في قمة النشاط، والآن هو ينزل فما استطاع حتى أسندوه. ثم ذهب إلى طبيب متخصص فقال له: من الذي أعطاك هذا التشخيص؟ قال: الدكتور فلان. قال: ما رأيك أن قلبك أقوى من قلبه! يقول: والله نزلت أجري على السلم.

    كثير من الناس يظن أن الطبيب هو الذي رفع العلة، ويقولون: هذا الطبيب ماهر، وهذا الطبيب ممتاز، وقد ذهبت إلى كثير من الأطباء فما وجدت طبيباً كهذا.

    حسناً: لما هذا الطبيب يموت بنفس العلة التي يداوي الناس منها، فما تفسيرك لهذا الموضوع؟! أكيد الخلط، فلما وقع هذا الخلط أراد إبراهيم عليه السلام أن يبين أن الذي يرفع الداء هو الله، فلذلك أثبته بهذا الضمير: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80].

    ولما جاءت القضية الرابعة التي لا خلاف بين الناس فيها، ولا تحتاج إلا تأكيد، وهي قضية الموت والإحياء؛ لأن هذه مسألة لا يجادل فيها أحد، ولذلك ما أكدها، هكذا فليكن الدعاة إلى الله تبارك وتعالى.

    لما عرض الغلام المسألة على جليس الملك احتار، وأنت تعلم أن من أشد ما يبتلى به الإنسان العمى، ولذلك قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (إذا ابتليت عبدي بأخذ كريمتيه فصبر؛ لم أجد له جزاءً إلا الجنة) .

    وقال في اللفظ الآخر: (بأخذ حبيبتيه)؛ لأنه لا يحب الدنيا إلا بهما.

    الأعمى يتساوى عنده الدر الثمين والشيء المهين، والثوب المرقع والثوب الجديد؛ لأنه لا يحب الدنيا إلا بعينيه؛ لذلك سماها حبيبة، وسماها كريمة؛ لأنها تكرمه، فالأعمى لا يستطيع أن يعبر الشارع حتى ينادي الناس، والحاجة إلى الناس ذُل، ولذلك فإنه يكرم نفسهُ إذا كان صحيحاً، فكان البلاء بفقد العينين عظيماً، وكان الجزاء أيضاً على الصبر عظيماً، قال: (لم أجد له جزاءً إلا الجنة).

    فلما قال له: (آمن بالله يرد عليك بصرك)، آمن الرجل.

    بعض الصحفيين يعيرون شباب الصحوة، فيقولون: إن تدين هؤلاء مغشوش.

    لماذا مغشوش؟

    قال: لأنهم ما آمنوا إلا لأنهم فقراء.

    سبحان الله! رجل وقع في ورطة فعلم أنه لا نجاة له إلا من الله، فرجع إلى الله، ما الذي يعيبه في هذا الموضوع؟ مثلاً: افتقر فعلم أن الله هو الذي يغنيه فرجع إلى الذي يغنيه.

    1.   

    انعدام صفة الوفاء والإخلاص عند كثير من الناس

    لما رد الله على جليس الملك بصره دخل على الملك وما كان أحد يقوده، فهال الملك ما يرى، فقال له: من رد عليك بصرك؟ قال له: ربّي. فقال: أولك رب غيري؟ قال: نعم، الله ربي وربك ورب العالمين، فأمر بتعذيبه.

    صفات الوفاء والإخلاص وحفظ الجميل ليست عند هؤلاء، خلت قواميس هؤلاء من مفردات الوفاء، هذا صاحبك وحبيبك وتقعدون مع بعض! ومع ذلك فمع أول مخاصمة وأول نشوز عذبه!

    أنا قرأت قصة عجيبة في كتاب "الطريق إلى المنصة" يقول:

    كان هناك تاجر موبيليا شهير، وكان مرافقاً للمشير عبد الحكيم عامر ، وكان هذا المشير عندما يريد أن يقضي ليلة من الليالي مع امرأة، كان يذهب ويأتي به ويجعله في غرفة بجانبه! وكان هذا يصور المشير دون أن يعلم بذلك، لكي يستخدم الصور عند الضرورة، فصور المشير عدة صور وهو في هذه الأوضاع المخلة، فضاعت صورة من الصور، فقالوا: لا يوجد غير فلان الذي يمكن أن يأخذها، فذهبوا فأتوا إليه الساعة الثالثة ليلاً وأخذوه، قالوا له: أين الصورة؟ قال: أي صورة؟! أنا لا أعرف شيئاً. فقالوا له: ستعترف رغماً عن أنفك. فعذبوه، وكان آنذاك موجوداً في السجن مع الإخوان المسلمين.

    المهم أنهم حبسوه مع هؤلاء، وكان يتحدث معهم عن بعض الأشياء التي رآها، قال: رأيت بعيني منظراً عجيباً لا أنساه، يقول: رأيتهم أخذوا رجلاً وقيدوا يديه ورجليه، ثم ربطوه بسلسلة طويلة إلى فرس وعلى الفرس فارس، وكان هذا الفارس يجري بالفرس بأقصى سرعة.

    المهم، قال: بعد ما يقرب من خمس دقائق فكوا رباطه والرجل كله دم، فقلت لهم: الحمد لله، أنا تبت ورجعت إلى الله.

    فكان هذا سبب التزامه؛ لأن بعض الناس لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.

    1.   

    وصية الراهب للغلام

    انظر إلى الملك كيف يقطع الأرحام! ولا يبقي وداً بين والد وولد، ولا بين رجل وأخيه.

    قال الملك لجليسه بعد ذلك: هل لك ربٌ غيري؟ قال: الله ربي وربك ورب العالمين.

    قال: فما زال يعذبهُ حتى دل على الغلام.

    هناك كلمة قالها الراهب للغلام عندما قتل الدابة، وصار له صيت، قال له: أي بني! إنك اليوم صرت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ.

    استفدنا من هذه الوصية هذه ثلاثة أشياء:

    الشيء الأول: تواضع الأستاذ، يقول: أي بني! إنك اليوم صرت أفضل مني.

    حسناً: فما هو فضل الغلام على الراهب؟! فضل الغلام أنه صغير السن، ومع ذلك قام بالدعوة إلى الله عز وجل، لكن الراهب ما استطاع أن يقوم بذلك، فهذا يدلنا على أن فضل العلم في نشره، وكلما نشرت العلم كلما يصير لك خصم؛ لأنه لا يستفاد من العطر إلا بريحه، لو أن إنساناً لديه زجاجة عطر ووضعها في جيبه لا يستفيد هو ولا غيره بها؛ لأنه لا يستفاد من العطر إلا إذا فاح، مثل العلم.

    مرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بينما هو يتفقد الزكوات دخل إلى حجرة العطور، فأول ما دخل حجرة العطور أمسك أنفه، فقالوا له: إنما هو ريح -هواء-. فقال لهم: وهل ينتفع به إلا بريحه، وهذا عطر المسلمين، لله دره رضي الله عنه!

    الفائدة الثانية: قال: (وإنك ستبتلى).

    فهذا يدلك على أن الذي يدعو إلى الله عز وجل لابد أن يبتلى بأي بلاء دق أو جل، ولذلك قال ورقة بن نوفل للنبي عليه الصلاة والسلام لما رجع من غار حراء ليتني فيها جذع إذ يخرجك قومك.

    فقال: أومخرجي هم؟

    قال: ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عودي.

    سنة لا تتغير (ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عودي).

    إذاً: العداء لدعوة الرسل جزءٌ لا يتجزأ منها: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251].

    فلا تطمع أن ينفك أعداء الله عنك.

    الفائدة الثالثة: فإذا ابتليت فلا تدل علي.

    وفي هذا دليل على أنه لا يجوز للعبد أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، لكن إذا كان الأمر لا ينفك عن أذاه ولا مناص إلا من هذا البلاء ليبلغ الدعوة فعليه أن يفعل.

    مثل المشقة: بعض الناس يفهمون المشقة والأجر والرابط بينهما خطأً، مثلاً: رجل معه مال وأراد أن يحج وله القدرة على ركوب الطائرة ولكنه قال: أركب السيارة؛ لأن المشقة فيها أكثر، فهل يؤجر على هذا؟ لا.. لماذا؟ لأن ديننا نفى المشقة، والله عز وجل قال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

    متى تؤجر على المشقة؟ إذا كان العمل لا ينفك عن المشقة، لا حيلة لك، عندما لا تملك المال الكافي لركوب الطائرة فتذهب بالسيارة فتتعب في سفرك، هذه هي المشقة التي قصدها الرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال لـعائشة رضي الله عنها: (أجرك على قدر نصبك) .

    كذلك لا يجوز للمسلم أن يقصد البلاء قصداً، إنما يتحاشاه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو) ، مع أن لقاء العدو هو الجهاد، والجهاد هو ذروة سنام الإسلام، ولو مات المرء في الجهاد كان شهيداً، برغم أن الجهاد يوفر لك كل هذه المزايا، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تتمنوا لقاء العدو) ، لماذا؟

    لأنك لا تدري إذا لقيت العدو أتثبت أم تفر؟ والفرار من الزحف إثمه كبير جداً، وقد يدرك المرء جراحة من الجراحات فيقتل نفسه كما فعل بعض الناس، قتل نفسه بسبب الألم الذي ما تحمله، فأنت لا تدري ما يفعل الله بك، فلا تتمنى البلاء، هذا هو معنى الكلام.

    فهذا الراهب العالم يؤدب الغلام، قال: إن ابتليت فلا تدل عليَّ. ليست من الشجاعة أن تقول: أنا في المكان الفلاني، وليس من العيب أن تهرب.

    سفيان الثوري رحمه الله مات هارباً في بيت تلميذه عبد الرحمن بن مهدي وكان يحيى بن سعيد القطان حاضراً وكلاهما من شيوخ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فكان سفيان يحتضر ورأسه في حجر عبد الرحمن ، ويحيى بن سعيد القطان عند رجليه، وقد بكى بكاءً شديداً قبل موته فقال له عبد الرحمن : ممّ تبكي؟ أتخاف من ذنوبك؟

    فتناول الثوري رحمه الله حفنة من على الأرض، وقال: لذنوبي أهون عليَّ من هذه، إنما أخشى سوء الخاتمة.

    وقال له يحيى بن سعيد القطان : لم تبكي؟ ألست تقدم على الذي كنت تعبده؟!

    لماذا تبكي وأنت قادم إلى الذي كنت تعبده، وأنت هارب من أجله وطفت الدنيا تجمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وتبلغ كلام الله عز وجل؟ هذا الذي نصرت له وصبرت له أنت قادم عليه، من حقك أن تفرح.

    فلما قال له ذلك: سكن.

    فلا يحل لإنسان أن يقصد البلاء قصداً، ولذلك قال له: إن ابتليت فلا تدل عليّ.

    1.   

    إخبار الغلام بمكان الراهب

    عذب الملك الغلام حتى اعترف بمكان الراهب، قال أحدهم: كيف لم يحفظ الغلام وصيةَ شيخه، وقد قال له: إن ابتليت فلا تدل عليّ. فكيف دل عليه؟!

    نقول: العزائم عند البلاء تنفسخ، والرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال: (لا تتمنوا لقاء العدو)؛ لأن العزائم تنفسخ وأنت لا تدري أتثبت أم لا؟

    وكان هناك رجل زاهد اسمه سمنون وكان يقول: يا رب! ابتلني وستراني صابراً.

    فابتلاه فحبس فيه البول فلم يتحمل، وجعل يدعو الله عز وجل أن يصرف عنه البول؛ فلما صرف الله عنه ذلك كان يطوف على صبيان الكتاتيب ويقول لهم: استغفروا الله لعمكم الكذاب.

    الإنسان يسأل الله العافية؛ لأنه لا يدري أيصبر أم لا.

    فالغلام لما عُذّبَ عذاباً أليماً ما تحمل، لذلك لا يلام، لا يقال له: كيف خالفت وصية الشيخ؟ فهذه المواضع لا يثبت فيها إلا من ثبته الله.

    وأنت عندما تقرأ محنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وكيف أن الله عز وجل رفعه إلى مراقي النجوم بعد هذه الشدة؛ لأن الناس معادن، فقد تجد رجلاً يدخل الفتنة فيخرج منها أكثر لمعاناً وأشد بريقاً، وآخر يدخل الفتنة فلا يصبر، فالذهب لو أنك أخرجته من باطن الأرض وعرضته في الأسواق لا يساوي شيئاً، حتى تدخله النار فيصير ذهباً، وكل المعادن الأخرى التي تعرض للنار تحترق إلا الذهب، أما الذهب فإنه يزداد لمعاناً.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن داود عليه السلام كان أفضل بعد الابتلاء منه قبل الابتلاء.

    فأنت لا تدري إذا ابتليت هل تثبت أم لا.

    قال الإمام أحمد بن حنبل : جلدوني في يوم الإثنين ثلاثمائة جلدة حتى أغشي عليّ، ولم أدر ما صنع بي، وكان الأمير يقول: يا أحمد ! قل: إن القرآن مخلوق. فقال: يا أمير المؤمنين! ائتني من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم شيئاً أقول به. فأمر الجلاد أن يضربه ضرباً مبرحاً، فجلده ثلاثمائة جلدة حتى أغشي عليه.

    قال الإمام أحمد -قبل أن يقدم على الجلد- جاءني رجل لا أعرفه، فقال: يا أبا عبد الله ! انظر. قال: فنظرت خلفي، فإذا أمم معهم المحابر والأقلام سيكتبون فقال: اتقِ الله في هؤلاء، سيكتبون ما تقول، إذا زل العالِم زل بزلته عالَم) فصبر على الحق المر لأجل هدف عظيم.

    عندما قال الراهب للغلام: (إن ابتليت فلا تدل عليّ) إنما قال ذلك تجنباً للبلاء.

    وعندما جيء بالراهب قالوا له: ارجع عن دينك.

    قال: لا.

    فنشروه بالمنشار نصفين حتى سقط شقاه، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (سقط شقاه).

    ربما يقول أحدهم: كيف تحمل الرجل نشر الجمجمة، ونشر هذا الجسم وهو حي؟!

    قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: (إن الشهيد لا يشعر بوقع القتل إلا كما يشعر أحدكم بالقرص)؛ لأن الله عز وجل يدافع عن أوليائه، فإذا ابتلى أحدهم صبَّره فله الحمد في الأولى والآخرة، فهذا الصبر على الابتلاء المر فيه ذكرى وسمعة وسيرة، ها نحن حتى الآن نتكلم في سيرة الراهب، ونحن لا نعرف اسمه، ولا نعرف نسبه، ولا نعرف إلى أي قبيلةٍ ينتمي، ومع ذلك نحن نحكي حكايته لله وفي الله.

    1.   

    سبب تأجيل الملك قتل الغلام

    لماذا لم يأمر الملك بقتل الغلام وشقه نصفين؟ لأنه لو رجع عن قوله فإن المشكلة ستحل، ولكن لو أنه قتله فمن أين له بغلام مثله؟ فدخل في المساومات.

    محاولة قتل الغلام بقذفه من الجبل

    فقال لجنوده: خذوه إلى قمة أعلى جبل، فإن تاب وإلا اقذفوه من أعلى الجبل.

    المساومة إلى آخر الطريق، (إن تاب وإلا..) يعني: المفروض أن يحاولوا معه أن يرجع عن دينه ويساوموه، لماذا؟ لأن الملك يحتاج إليه، فالساحر شارف على الموت، فالملك إنما قتل الراهب وجليسه؛ لأنه لا يستفيد منهما؛ بخلاف الغلام.

    وعندما وصلوا إلى قمة الجبل، قال: رب اكفنيهم بما شئت.

    وذكرت هنا كلمةٍ لـابن الجوزي رحمه الله، يقول فيها: (رب لا تعذبني حتى لا يقولوا عذب من دل عليه).

    قال: رب اكفنيهم بما شئت -صدق رجائه بالله أتى بالثمرة- فتحرك بهم الجبل فسقطوا، وثبت الله قدميه.

    كلما صدق رجاؤك بالله أتى بثمرة، فأخلص دينك لله يكفيك العمل القليل، الله سبحانه وتعالى ينظر إلى قلبك، ويؤاخذك على ما كسب قلبك، فإذا انفعلت الجوارح بعد ذلك بعمل القلب يحاسب العبد: إن كان خيراً فخير، وإن شراً فشر؛ لكن القلب هو الأصل.

    وانظر إلى مثال آخر يظهر فيه صدق الرجاء أكثر، وهي قصة جريج العابد ، والقصة صحيحة:

    أن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: تحدث بنو إسرائيل عن عبادة جريج ، وهذا الرجل كان عابداً، اعتزل الناس وبنى له صومعة في خارج البلد، وحتى يجتنب الناس لم يصنع لهذه الصومعة سلماً، وكان يصعد إليها بالحبل ويسحب الحبل؛ لكي لا يأتي عليه أي مخلوق فيقطع عليه خلوته.

    وكانت له أم تشتاق إليه، فجاءت في يوم فقالت: يا جريج ! أجبني، ووضعت يدها على حاجبها -قال أبو هريرة : فكأني أرى النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده على حاجبه- فصادفته وهو يصلي، فقال: رب! أمي وصلاتي، أمي وصلاتي -يعني أقطع صلاتي وأجيب أمي أم أكمل صلاتي وأتركها؟- فاختار صلاته. فانصرفت الأم، وفي اليوم الثاني جاءته وقالت له: يا جريج ! أجبني، يا جريج ! أجبني. قال: يا رب أمي وصلاتي، أمي وصلاتي. فاختار صلاته، فتركته وانصرفت، وفي اليوم الثالث جاءته وقالت: يا جريج أجبني، يا جريج أجبني... فلم يجبها، فدعت عليه ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات.

    وأصبح الناس يتكلمون ويتعجبون من فعل جريج ! ويقولون: ما هذا الصبر على الصلاة واعتزال الناس! حتى إنه لا ينظر إلى النساء ولا يرغب بزواج...

    فقالت امرأة: أنا أستطيع أن أفتنه.

    فقالوا: أحقاً تستطيعين؟

    فقالت: نعم.

    فقالوا لها: افعلي ذلك.

    فذهبت للصومعة تريد أن تصعد إليه، فوجدت أن جريجاً أخذ الحبل معه، ولا أحد يستطيع أن يصعد إليه، فمكنت راعي الغنم الذي كان يأوي إلى ظل الصومعة من نفسها، فحملت، وكانت حين تسأل تقول: هذا ابن جريج ، والناس يقولون: هل يعقل أن جريجاً فعل هذه الفاحشة؟!

    حسناً: اصبري حتى تضعيه ونحن سنريه، فوضعت المرأة، فذهبوا إلى الصومعة وبدءوا في هدمها، وإذا بـجريج يحس بالضرب في الصومعة، فينظر فإذا هم يهدون صومعته، قال لهم: على رسلكم. فقالوا: انزل يا فاجر، فمد الحبل ونزل، فأمسكوا به وضربوه وكتفوه، وقالوا: ويحك يا جريج ! كنا نظنك أعبدنا! فعلت وفعلت! وأخذوه لحاكم القرية -ذكر في شرح القصة أن المرأة الزانية بنت حاكم القرية-.

    المهم: أخذوه، والكل يتفرج، والمومسات هنا وهناك، فضحك، فقالوا: لماذا تضحك؟ وهل هذا موقف يضحك المرء فيه؟!

    قال: أدركتني دعوة أمي.

    فأخذوه إلى حاكم القرية، فقال له: ما هذا يا جريج ؟! كيف فعلت ذلك، لنقيمن عليك الحد. وترك المرأة! كيف يقيم الحد عليه ويترك المرأة؟ لأنهم يهود، وهذه أخلاقهم.

    فضحهم الله عز وجل في القرآن من أوله إلى آخره، ولكن الأمة الإسلامية عميت، كيف عميت عن الأوصاف الموجودة لليهود في القرآن؟! القرآن عربي مبين، واضح كالشمس، لا يحتاج إلى ترجمة، كل يوم تظهر صفاتهم التي ذكرها الله عز وجل في القرآن، والدعاة إلى الله عز وجل ما غيروا رأيهم في اليهود أبداً؛ لأنهم يجدونها مبينة في القرآن.

    فلما أرادوا أن يقيموا عليه الحد، قال لهم: حسناً، أتوضأ وأصلي ركعتين، فلما أكمل صلاته قال: أين الغلام؟ فجيء به، فوضع أصبعه في بطن الغلام وهو مولود فقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: الراعي فلان، حينئذٍ أكبوا عليه يقبلون يديه ورجليه، وقالوا: اعذرنا يا جريج ، نبني لك صومعتك لبنة من فضة ولبنة من ذهب! قال: لا، أعيدوها طيناً كما كانت.

    فالغلام عندما نطق كانت هذه معجزة من المعجزات التي يؤيد الله بها عباده.

    جاء في الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (بينما أمٌ ترضع ولدها)، وبينما الولد يرضع، مر رجل له شارة عظيمة، رجل يركب حصاناً، وحوله عشرون رجلاً من الإمام والخلف، فقالت الأم: اللهم اجعل ابني مثله. فترك الغلام ثدي أمه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ورجع يرضع مرة أخرى! قال: أبو هريرة : (فكأنني أنظر إلى إصبع النبي صلى الله عليه وسلم في فمه يمثل رضاع الولد) كل هذا لكي يقرب الصورة.

    ثم مرت فتاة يعذبونها ويضربونها إمام لأنها سرقت أو زنت.. فقالت الأم: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فترك ثدي أمه وقال: اللهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه: مه! -ما هذا الطفل؟!- كلما قلت شيئاً قال عكسه، فقيل: إن هذا جبارٌ وتلك أمة مؤمنة.

    بقدر ما يكون لله من التعظيم في قلبك بقدر ما تؤيد بالدلالات والآيات، المهم أن تخلص دينك وقلبك لربك، والله سبحانه وتعالى شكور، الذي يخلص له ذرة يجدها عنده، فلا يضيعها عليه؛ لأنه قضى أن الحسنات يذهبن السيئات، إلا سيئات الشرك والعياذ بالله فإنها تذهب بكل الحسنات، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام يقول -بعدما ذكر شفاعة المؤمنين والملائكة-: (يبقى أرحم الراحمين، فيقول الله عز وجل: أخرجوا من النار من ذكرني يوماً) ؛ لأنه شكور، لا يضيع شيئاً استودعته عنده أبداً، فلماذا تفر منه؟! هو شكور، إذا رق قلبك لله عز وجل رأيت من الآيات البينات ما لم تجر به العادات.

    قال الغلام: رب اكفنيهم بما شئت، فارتج بهم الجبل، فسقطوا ورجع هو، فالله عز وجل يستخدمه، وإلا كان من الممكن أن يهرب ويذهب إلى أي مكان آخر، لكن رجع للملك، ونسأل الله عز وجل أن يستخدمنا في طاعته.

    محاولة قتل الغلام بإغراقه في البحر

    وعندما رجع الغلام إلى الملك قال له: ويحك! أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء. كان هذا كاف ليرجع الملك ويرعوي، ولكنه دعا فوجاً آخر من جنوده وقال: خذوه في قرقور.

    فالماء معروف أنه لا ينجو منه أحد، بخلاف الجبل؛ لأنه قد يسقط من أعلى الجبل فلا يموت.

    حدث أن شخصاً في القاهرة الكبرى سقط من الدور العاشر، وبعد أن سقط من ذلك الارتفاع الكبير قام وكأنه لم يسقط، وعندما قام يمشي إذا بسيارة مسرعة ترتطم به فيسقط ميتاً، انظر كيف مات؟

    قال الملك بعد أن أمر بأخذه إلى البحر: فإن آمن وإلا لججوا به. يعني: أرموه في لجة البحر؛ لأنه لن يستطيع أن يعوم، وسيكون طعاماً للسمك. البحر مرعب دائماً، والذي يركب السيارة لا يخاف مثل ما يخاف من الباخرة.. لماذا؟ لأنه عندما ينظر من شباك الباخرة ينظر إلى البحر الذي لا يدرك آخره بصره، فيحصل له الرعب.

    والعرب كانوا يخافون من البحر وقد كانوا يضربون به المثل في أشعارهم، يقال: أن رجلاً أتى أبا العباس المبرد رحمه الله، وكان إماماً في النحو واللغة، فقال: أريد أن أقرأ عليك كتاب سيبويه في النحو، فقال له أبو العباس : أي بني! هل ركبت البحر؟ تريد أن تفهم كتاب سيبويه ، ماذا تظن سيبويه هذا؟! هل تظن أنك ستذهب تفتح الكتاب وتقرأ فتفهم! إن كتاب سيبويه من أصعب الكتب منالاً، ولذلك سماه: "الكتاب"، لم يقل: كتاب النحو، ولا علم النحو، ولا أي شيء من هذا، بل قال: "الكتاب".

    إنما قال له: (أي بني! هل ركبت البحر؟) استعظاماً للكتاب! وسيبويه رحمه الله مات وعمره اثنان وثلاثون سنة، فالأمة هذه مليئة بالعظماء.

    المهم: الملك عندما أحب أن يعرضه لتهديد أشد من هذا - أن يرمى من الجبل- قال: لججوا به البحر، فلما وصلوا البحر قالوا له: آمن وإلا رميناك في البحر، فلم يؤمن لهم، وقال: رب اكفنيهم بما شئت، فانكفأ بهم القارب فغرقوا.

    حسناً: كيف عاد الغلام؟! مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56]، رجع في معية الله، فالغلام عندما أخلص دينه لله، ترك مسألة الأمن لربه تبارك وتعالى فأمّنه، والمسألة كلها معلقة بهذا القلب.

    مرة وأنا مسافر في إحدى السفريات، وكان هناك رجل بجانبي في الطائرة، ويبدو على هذا الرجل أن يسافر بالطائرة لأول مرة.

    المهم: الطائرة بدأت في مغادرة المطار، فبدأ هذا الرجل يرتجف من شدة الخوف، فلما طارت الطائرة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا أحد سيخلصه، وقد وقع الفأس في الرأس، وصرنا في قبضة الملك.

    المهم: بعد أن تناولنا الطعام، أردت أن أتعرف على هذا الرجل، فقلت له: يا أخي! أنا سمعتك تقول كذا وكذا.. لماذا؟ قال: أما ترى ما نحن فيه؟! نحن بين السماء والأرض. قلت له: نعم، نحن بين السماء والأرض فعلاً، لكن أنا سمعت منك كلمةً جميلة، قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: نعم، وهل بيدنا شيء؟ قلت له: وإذا مشيت على الأرض بقدميك هل بيدك شيء أيضاً.

    يعني: هل تظن عندما تمشي على الأرض برجليك أنك ملكت أمرك؟ ولما كنت مثل الشعرة بين السماء والأرض لم تعد تملك أمرك؟!

    وهناك أناس يعاملون الله بهذه الطريقة، سبحان الله!

    ولذلك نحن في هذا الدرس العظيم أعظم شيء نأخذه: أن من كان في معية الله عز وجل يجد الله معه، وإن ابتلي وأهين وشرد.

    فلما رأى الملك الغلام قال: ويحك! أين أصحابك؟

    قال: كفانيهم الله بما شاء. ثم قال الغلام للملك: اعلم أنك لن تقتلني إلا أن تعقل ما آمرك به. فقال: وما ذاك؟

    قال: أن تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على خشبة، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم تقول: باسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني.

    فالرجل ظن أن المشكلة انتهت ولكنها ابتدأت، جمع الناس في صعيدٍ واحد، وفعل ما أوصاه به الغلام، فصلبه، ووضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم حيث أشار الغلام، فلما وقع السهم في صدغه مات. فقال الناس جميعاً: (آمنا بالله رب الغلام).

    لماذا؟ لأن رب الغلام قادر، الملك حاول أن يميته أكثر من مرة وعجز، إذاً نحن مع القوي، والعوام مذهبهم، أن من يغلب يذهبون معه، يقولون: نحن مع القوي الذي يعطينا لقمة العيش والأمان؛ فلما ضربه ومات قالوا: آمنا بالله رب الغلام.

    1.   

    بيان أن كل ابتلاء بعده نصر

    لو أن الملك ترك الغلام يدعو إلى الله.. والراهب يدعو إلى الله.. والجليس يدعو إلى الله.. هل يمكن أن يجعلوا هذه الجماهير كلها تؤمن..؟ أبداً، لكن انظر إلى الله عز وجل كيف يستدرج! ولو تركهم لعلهم لا يصلون أبداً إلى هذا العدد؛ لذلك لحسن ظنك بالله قل: من المحن تأتي المنح، إذا ابتليت فاعلم أن وراء الابتلاء نصر.

    عندما قامت الحرب بين البوسنة والكروات والصرب؛ قلت في خطبة من الخطب: إن هذا الذي يحصل على أرض البوسنة من فضل الله ورحمته رغم هذا المنظر المؤلم المفجع، وهذا القتل الذريع الجماعي إلا أنه منة من الله.

    فجاء جماعة وقالوا: كيف تقول مثل هذا؟ أنت تفرح بقتل المسلمين..!

    قلنا: لا يا جماعة، المسألة ليست كذلك، لكن تعالوا ندرسها دراسة بسيطة:

    البوسنة هذه جزء من يوغسلافيا السابقة، والتي ظل أهلها سبعين عاماً تحت الحكم الشيوعي، أي: أن الرجل الذي عمره سبعون سنة فيهم رضع الشيوعية تماماً، لم ير الإسلام ولا دعاة الإسلام؛ لأنهم قتلوهم.

    إذاً تصور أن البوسنة أخذت استقلالها، وأصبحت دولة إسلامية، ونحن أحببنا أن نرسل دعاة إلى البوسنة لكي يدعوهم إلى الله، وذهبت كتائب من الدعاة إلى البوسنيين هل كانوا سيعودون بنتيجة؟ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، يقولون له: ما هذا يا أخي؟! أنت جئت لتزرع التفرقة العنصرية؟!

    بعضهم تزوجوا من بعض فالولاء والبراء بين النصرانية والإسلام انمحى تماماً، لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، ولا يعرفون شيئاً عن النصرانية، حصل لهم مسخ على مدى التاريخ.

    ولهذا أنت تحتاج إلى جماعة من الدعاة يسمعونهم أن هؤلاء طالما ليسوا على ملتكم فهم أعداءٌ لكم، ومع ذلك لن يقتنعوا، فالله سبحانه وتعالى اختصر لنا الطريق لكي يغزو الإسلام أوروبا.

    هم صنعوا هذه المجزرة العظيمة خشية أن يغزو الإسلام أوروبا من البوسنة، وقتل في هذه المجازر معظم الذين رضعوا الشيوعية. فمن الذي بقي؟ الأولاد الذين استيقظوا على هول المحنة، فهي التي أنقذتهم وعندما يقرأ القرآن: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كما كفروا [النساء:89] صدق الله! رآها بعينيه.

    دمعت عيني عندما قرأت قصة المرأة المسلمة التي نقلتها وكالات الأنباء، ومفادها وغداً نصرانياً ابن ثلاث وعشرين سنة زنى بها، وعمرها ستون سنة فهي تبكي وتقول: أنا التي أرضعته! أنا التي أرضعته..!

    فهذا الذي جرى على أرض البوسنة نعمة، وإن كان ظاهرها المحنة، فالجيل الموجود صار عنده ولاء وبراء، بدأ يأخذ الإسلام من منابعه.

    وعندما ذهب العرب ليجاهدوا في البوسنة كانوا إذا رأوهم يقولون: هؤلاء أولاد الصحابة. كانوا يعظمونهم غاية التعظيم، لأنهم يعتقدون أن هؤلاء هم أولاد الصحابة.

    لو أن العرب ذهبوا إلى البوسنة ولم تحصل هذه المجزرة هل سيقولون: أنتم أولاد الصحابة؟!

    أنت إذا نظرت إلى الظاهر لا تأخذ به، واعلم أن الله تبارك وتعالى يخرج الحي من الميت، فعندما قال الجماهير: آمنا بالله رب الغلام، صدم الملك! مفاجأة ما توقعها! وقيل له: وقع والله ما كنت تحذر!

    حسناً: ماذا أفعل؟

    حفر الأخاديد على أفواه السكك -والأخاديد: هي الحفر العظيمة- وأضرم فيها النيران، وبدأ يعرض الناس على هذه الأخاديد، فمن آمن برب الغلام قذفه فيها، نسأل الله العافية!

    حتى جاء دور الأم مع رضيعها، فكلما همت أن تقذف نفسها في النار ذكرت ولدها الصغير فرحمته وتقاعست فأنطقه الله فقال: يا أماه! اصبري فإنك على الحق.

    وفي الرواية الأخرى ولكن سندها ضعيف: قال لها: قعي ولا تقاعسي. (قعي): يعني احبسي نفسك ولا تتأخري،كجنة إبراهيم عليه السلام: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69].

    خلاصة هذه القصة: أنك إذا بذلت نفسك لله لا يضيعك حتى في الدنيا فلم الفرار؟!

    وهذه من القصص الصحيحة التي قصها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسورة البروج كلها إنما نزلت في أصحاب الأخدود: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج:4-5]، وفي قراءة أخرى ذكرها المفسرون: (النار ذاتِ الوُقُودِ)، الوُقُود: شدة الاتقاد والاشتعال: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8] سبحان الله!

    تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها

    إنسان يقول لآخر: يا ابن الأصول. وهل هذه الكلمة تغضب؟

    قديماً -ومازال حتى الآن- إذا أراد شخص أن يسخر من شخص ملتح، يقول له: يا سني! فيغضب، لماذا تغضب؟! هو ينسبك إلى السنة! وكشخص يقول لآخر: يا ابن الأصول! فعندما يقول لك: يا سني. هذا شرف لك، من أنه نسبك إلى السنة.

    وهذا الحجاج بن يوسف الثقفي لما حصلت الحرب بينه وبين عبد الله بن الزبير ، وأنتم تعلمون أن أم عبد الله بن الزبير هي أسماء بنت أبي بكر الصديق ، وكانت قد عميت، وكانت تلقب بـذات النطاقين ، فـالحجاج بن يوسف كان يقول له: يا ابن ذات النطاقين يعيرها فقال: عبد الله بن الزبير :

    تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها

    لو أنك تعلم لماذا سميت ذات النطاقين لعرفت عظم هذه التسمية، إنما لقبت بذلك؛ لأنها قطعت نطاقها من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت حاملاً، وكانت تصعد الجبل لتحمل الطعام والشراب إلى رسول الله وأبيها في الغار. فلماذا تعير بها..؟!

    فأنت إذا ابتليت في الله تبارك وتعالى فاصبر، وهذا هو أعظم الدروس المستفادة، بل هو محور الارتكاز للثبات على السنة: أن من ابتلي في الله فصبر رفعه الله عز وجل في الدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم قطع الصلاة لإجابة نداء الوالدين

    السؤال: هل كان على جريج العابد إجابة أمه عندما نادته؟ وهل يجب على الإنسان إذا ناداه والداه وكان يصلي النافلة أن يجيب؟

    الجواب: الذي ذهب إليه أهل العلم -وهو الراجح أن الابن إذا كان يصلي النافلة وعلم أن الوالد يتضرر من الإبطاء في الإجابة، فعليه أن يقطع صلاته ويجيب، أما الفريضة فقالوا: لا يجيب، الابن أنه لو قال لوالده: كنت أصلي، لما توجع من ذلك، فينبغي له أن يستمر في صلاة النافلة.

    إنما الأعمال بالنيات

    السؤال: هل يجوز أن يقدم الإنسان على الدين رغبة في الحصول على غرض دنيوي، كأن يدخل رجل في الإسلام حتى يستطيع الزواج من امرأة مسلمة واشترطت عليه ذلك؟

    الجواب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فإذا تزاحمت نيتان للعبد كان أسبقهما أولاهما، أي: يجوز التشريك في النية في بعض الأعمال، رجلٌ أراد الحج والتجارة، يقال: إذا قصد التجارة أصلاً ثم قال: وبعد ذلك نحج، كان له من نيته ما انعقدت عليه، إذا كان ذاهباً للتجارة وقال: أريد أيضاً أحج، مثل بعض الناس الذين يذهبون إلى هناك لكي يقودوا الحجاج في مناسك الحج، يقول لك: نذهب لكي نجمع لنا بعض المال أولاً ثم إذا يسر الله فسنحج.

    إذاً: النية هي مناط الأمر، فإذا تزوج رجلٌ امرأةً مسلمةً لا يستطيع أن يتزوجها إلا بالإسلام كان له ما نوى.

    فإن قال قائلٌ: فما تقول في قصة أبي طلحة حين خطب أم سليم ، فقالت له أم سليم : يا أبا طلحة ما مثلك يرد، لكنك امرؤٌ كافر وأنا مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره. فقال: وكيف لي بذلك؟ قالت: اذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، فـأبو طلحة إنما أسلم ليتزوج أم سليم .. وهذا هو السبب الظاهر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أبا طلحة قادماً قال: (جاءكم أبو طلحة وغرة الإسلام في وجهه) .

    فقد أسلم وآمن، ثم ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهر إسلامه ويتزوج، فالنية الغالبة على أبي طلحة إنما هي الإسلام، إذاً: الراجح في المسألة هو أصدق النيتين وما انعقد عليه القلب.

    الداعية إلى الله لا يتخلى عن دعوته مهما اشتدت الصعاب

    السؤال: هل يستفاد من قصة الغلام ورجوعه إلى الملك أن ذلك موافق لقوله تعالى: : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال:15].

    الجواب: هذه الفائدة محتملة؛ لكن قد يكون التقدم مصيبة على المسلمين ويكون الرجوع والتقهقر والانسحاب باباً من أبواب النصر (فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) المقصود: ألا تفر الفرار الكامل فيمكن أن تناور، ترجع إلى الخلف خطوة وتتقدم خطوات، أو ترجع خطوات لتتقدم خطوة، هذا كله من تكتيك الحر كما يقال ومع ذلك: هذه فائدة محتملة -جزاك الله خيراً- أن الرجل الذي يدعو إلى الله تبارك وتعالى لا ينبغي له أن يولي الأدبار، بمعنى: ينكث ويترك دعوته ويتخلى عن أدائها.

    والقصة فيها فوائد أكثر من ذلك، لكن الوقت ضيق.

    حكم رفع اليدين للدعاء يوم الجمعة للمؤمِّنين بعد الخطيب

    السؤال: قلتم: إنه لا يجوز للخطيب أن يرفع كلتا يديه في الدعاء ، هل يجوز رفع اليدين لغير الخطيب؟

    الجواب: نعم، ولكن ليس في خطبة الجمعة، فالإنسان إذا دعا الله تبارك وتعالى يجوز له أن يرفع يديه.

    حكم رفع اليدين في القنوت

    السؤال: هل يجوز رفع اليدين في القنوت؟

    الشيخ: نعم، ترفع، تبعاً للإمام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) لأنه لا يجوز أن يخالف الإمام.

    حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر

    السؤال: ما حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر؟

    الجواب: الذي نعتقده -وهو المذهب العلمي الراجح الآن- أن الدعاء في قنوت صلاة الفجر بدعة، والاستمرار عليه بدعة، وذهب الشافعية إلى سنيته لأدلة عندهم محتملة، ولكنها مرجوحة عند بقية أهل العلم، فقالوا باستحباب القنوت -باستمرار- في صلاة الفجر.

    فنحن نقول رعاية لهذا الخلاف: إذا كنت إماماً فلا تقنت في صلاة الفجر، ولا ترفع يديك ولا تدع، لكن إذا كنت مأموماً، فرعاية لهذا الخلاف عليك أن ترجع إلى الأدلة العامة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) .

    والعلماء يراعون الخلاف إذا كان الدليل محتملاً.

    فمثلاً: امرأة تزوجت على مذهب أبي حنيفة بغير إذن الولي، الذي عليه جماهير العلماء غير الأحناف أن النكاح باطل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل) .

    والأحناف يضعفون هذا الحديث -وهو صحيح لا ريب فيه- ويأخذون في هذه المسألة بظواهر الآيات، لكن إذا جاءتنا امرأة فقالت: أنا تزوجت بغير إذن الولي، نقول: النكاح باطل.

    فهل نقول عن: الأولاد: أولاد زنا؟

    نحن نقول: ليسوا كذلك رعاية للخلاف الوارد في المسألة، وهذا بابٌ دقيق، وليس فيه تمييع للأدلة كما قد يظن بعض الناس، ويحتاج توضيح ذلك إلى محاضرات، وأغلب الإشكال يأتي من الإجمال، لكن يكفيكم العنوان: أن رعاية الخلاف معتبرة عند العلماء، لاسيما إذا كان ظاهر الدليل فيه ترشيح وترجيح للقائل بالقول الآخر.

    ولا نستطيع أن نقول: إن الأولاد أولاد زنا؛ إذا قلنا: أولاد زنا، فينبغي أن يحد الرجل والمرأة، ولا طائلة لهذه الناحية من العلم على الإطلاق، حتى من المخالفين للأحكام، والإمام النووي له كلام جميل في هذا.

    الأحاديث الموضوعة وحرمة نشرها

    السؤال: ما حال حديث إبليس طرق الباب على النبي صلى الله عليه وسلم:

    الجواب: هذا حديث بكل أسف وجدته في أكثر من موضع، يسمونه حديث إبليس، ويقولون: روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبجانبه عائشة رضي الله عنها، وإذا بالباب يقرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعلمون من بالباب؟ قالوا: الله أعلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: هو إبليس اللعين. فقال: عمر بن الخطاب : ائذن لي بقتله يا رسول الله! قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر ! هذا من المنظرين.) .

    وهو موضوع مكذوبٌ على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن العجيب أن بعض الناس يتبرعون في نشر هذا الحديث! وهذا لا يجوز، فلا يحل لأحد أن يوظف ماله لنشر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أيها الناس! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم؛ فأي رجل يعرض عليه حديث مثل هذا الحديث ينبغي عليه أن يسأل أحد العلماء بالحديث: أهذا صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ لأن الترويج لهذا الكذب لا يحل والكذب على النبي عليه الصلاة والسلام من أعظم الجرائم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) .

    وشبيهٌ بهذا الحديث -حديث إبليس- كتيب وجدته يوزع مجاناً على أبواب المساجد، وهو عبارة عن قصة مفتراة مكذوبة تهدم أركان الإسلام بدعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وينسبونها للصحابي الذي لم يخلقه الله تبارك وتعالى... يسمونه: عبد الله بن السلطان، هذا الشخص ما هي حكايته؟

    قالوا: كان هذا الرجل فاجراً وزانياً وداعراً، يأكل الربا، ولم يكن يصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبغضه!

    هذا حيناً يأكل الربا.. وحيناً يزني.. والرسول لا يقيم عليه حداً.. فلم إذاً يغضب منه؟!

    فالمهم لما مات جاء ابنه وقال: يا رسول الله! إن أبي مات، تعال وصل عليه. فقال له: كيف أصلي عليه وقد كان يفعل ويفعل ويفعل؟! قالوا: وإذا بالأمين جبريل ينزل من السماء ويسد السبع الطباق... إلخ، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يأمرك أن تصلي على عبد الله بن السلطان..

    ما هذا الكلام..؟!!

    هو مأمور، ولا بد أن يفعل ما أمر به، صل عليه.. إذاً يصلي، وقال: الأمر لله.! امض وادفنه.

    فحين أتى ليدفنه، وجد الحور العين يقفن بكئوس العصير والزنجبيل والكافور وغير ذلك، وكل واحدة تقول له: يا عبد الله خذ مني.! يا عبد الله خذ مني.! فالنبي صلى الله عليه وسلم اندهش.. ما هذا الذي يحصل؟!!

    فانظر كيف يظهرونه بمظهر الجاهل الذي لا يعرف شيئاً، مندهش! لا يدري ما الذي يحصل! بعد ما دخل ورأى الحور العين، ذهب فطرق الباب على امرأته فالمرأة سمعوا صوتها وهي تقول: من الفاسق الذي يطرق الباب؟ قالوا لها: يا أمة الله! اتقي الله! إنه رسول الله. فقالت: أهلاً برسول الله، وفتحت الباب له، تعظمه، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل ماذا كان يعمل.

    انظر كيف يصورون رسول الله! هل يعقل أن رسول الله يأتي بهذا الكلام؟! الذي يعلم الخلق كيف يتقربون إلى الله، يظهرونه بمظهر الجاهل الذي يسأل ولا يعرف ماذا يعمل هذا الرجل، وخصوصاً أن الرجل كان فاجراً داعراً زانياً آكل ربا!

    وتجد من المسلمين من ينشر هذا الغثاء، ويظن أنه حديث!

    قالت: يا رسول الله! هذا كان صفته كذا وكذا.. غير أنه -وهذا مربط الفرس الذي كان يريد أن يصل إليه- كان إذا جاء أول يوم في رجب دعا بهذا الدعاء -وذكروا الدعاء في أربع صفحات- فهو يفعل كل تلك المنكرات، وحين يدخل رجب يدعو بهذه الأربع الصفحات وانتهى الأمر..!

    وقالوا في هذه الرواية: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما سمع هذا الكلام قال: (من أراد أن يأخذ أجر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد فليقرأ هذا الدعاء) انظر إلى هذا الكلام..!!

    هل هناك مسلم في الدنيا عنده أبجديات الإسلام ينشر هذا الكلام؟! وهل هناك مسلم يعتقد أن هذا من دين الله، ويبتغي الأجر من الله عز وجل لأنه ينشر هذا الكلام؟! على لسان الرجل القاتل، والذي كان الناس يؤجرونه لكي يقتل القاتل، فهم يذكرون أن هناك امرأة قُتِلَ زوجها، فذهبت إليه وقالت له: أنا أريد منك أن تقتل فلاناً الفلاني، قال لها: وكم تدفعين لي؟ قالت له: أنا مسكينة وفقيرة، وليس لدي مال.. فرق قلبه وقال: سأقتله لوجه الله..!!

    يعني: أنا لن آخذ مالاً، أنا سأقتله لوجه الله، وأتقرب إلى الله عز وجل بقتله.!.

    لذلك يا جماعة إذا كان هذا الحديث معلقاً في المساجد فمزقوه، لا يجوز أن يبقى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم معلقاً في المساجد.

    من أحكام الهجر

    السؤال: هناك أخوان شقيقان وهما من طلبة العلم، وبينهما شحناء بسبب المال، وقطيعة الرحم متسمرة بينهما بحيث لا يرى أحدهما الآخر، ولا يزوره ولا يقابله ولا يسلم عليه، أي أن الأول يهجر الثاني، والثاني أيضاً يهجر الأول، وهما على هذا منذ عام ونصف. أرجو أن تقدم نصيحة لهذين الأخوين.

    الجواب: النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يحل لرجلٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) .

    قال العلماء: لا يحل ذلك إذا كانت الخصومة للدنيا، أما إذا كانت للدين فيجوز أن تستمر ولو سنين، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه خمسين ليلة، فإذا كان الهجر من أجل الدين، كأن يكون الرجل مبتدعاً أو فاسقاً أو مرتكباً للمعاصي، فيجب عليك أن تعظه وأن تأخذ بيده، حتى إذا بان لك أنه لا يرجع إلا بالهجر، هجرته ولو امتد ذلك لأشهر، ولو امتد ذلك لسنوات.

    لكن إذا كان الهجر بسبب المال -كما يقول الكاتب في هذه الورقة- فإن ذلك لا يجوز.

    أخوك -أيها الأخ الكريم- أغلى من المال، ولو أنت فضلت المال على أخيك فأنت بعته برخص، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، ويؤسفني أن يكونا من طلاب العلم، هذا ليس من خلق طالب العلم، إن النبي صلى الله عليه وسلم اقتص من نفسه، وقال: (من كان له مظلمة فليقتص) .

    أيها الأخ الكريم: كن خير الرجلين كما يقول صلى الله عليه وسلم: (يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) .

    أسأل الله عز وجل أن يقوي بينكما ما وهى من روابط الإيمان.. اللهم آمين.

    معيار الاختيار للزوجة

    السؤال: إني شابٌ مقبل على الزواج، وإني أرغب الزواج بامرأة تكون على خلق ودين وتكون جميلة، هذا ما أرغب به في الفتاة التي أرغب الزواج منها، ولكني وجدت فتاةً على خلق ودين، ولكنها متوسطة الجمال، فهل أتنازل عن أمر الجمال أم أبحث عن غيرها حتى لا أندم بعد ذلك؟ أرجو الجواب.

    الجواب: تحضرني قصة لرجل كان قد أرسلها لجريدة الجمهورية من سنوات طويلة، يقول: كنت أعمل في بلدة من الدول العربية، وجئت فنزلت شارعاً أشتري شيئاً، فرأيت فتاةً بارعة الجمال سلب جمالها لبي، فمشيت وراءها حتى دخلت دارها، فما إن دَخَلَتْ حتى طَرَقْتَ الباب، فقلت: إني أريد أن أتزوج هذه الفتاة.

    وقال: أنا مشيت في الشارع، ورأيتها هذه امرأتي التي أبحث عنها.

    فالمهم: دخل واشترطوا عليه من المهر كذا وكذا، وفعلاً تزوجها.

    كانت باعث مشكلته، يقول: إن هذه المرأة أنفق عليها كل مدخراته، ورغم أنه وحيد أمه إلا أنها من أول يوم تغسل ملابس أمه مع ملابسها.

    الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).

    هذا خبر، بمعنى أن الناس يراعون هذه المسائل الأربعة في نكاح النساء، فمنهم من ينكح المرأة لجمالها.. ومنهم من ينكحها لحسبها.. وأخرى لنسبها.. وأخرى لدينها.. فقال صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) .

    وذات دين جميلة أفضل من ذات دين فقط، ذات دين جميلة وغنية أفضل من ذات دين جميلة فقط، وهكذا! الدين هو الأصل، وكلما كانت هناك خصلة أخرى تضمها إلى الدين، كان أفضل من الدين وحده، هذا لا شك فيه عند العلماء؛ لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) (تربت يداك): هذا تعبير يحتمل المعنى بالضد، (تربت يداك): بمعنى افتقرت، ولكن السياق هو الذي يحدد المعنى.

    و أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! أتحتلم النساء؟ فقالت أم سلمة : فضحت النساء يا أم سليم ، أو تحتلم المرأة؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تربت يمينك.! فبم يشبهها ولدها) فأثبت احتلام المرأة، فقال العلماء: (تربت يمينك) افتقرت، وهي كلمة دعاء لا يقصد بها الدعاء بذاته، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ (ثكلتك أمك) ما قصد الدعاء عليه أن يموت أو أن تثكله أمه، وإنما هي كلمة تجري على اللسان، وكقول النبي عليه الصلاة والسلام: (قتلوه قتلهم الله) وهذه الكلمة تجري على اللسان.

    (تربت يمينك) أو (تربت يداك) بمعنى: افتقرت، وقد تأتي بمعنى النماء والبركة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) فهي في هذا الحديث بمعنى: النماء والبركة، أي: فاظفر بذات الدين تعلقت يداك بالبركة.. ولا يمكن أن تكون (تربت يداك) بمعنى: افتقرت أبداً؛ بدليل كلمة (اظفر) ولا يمكن أن يقول له: اظفر بالفقر أبداً، وإنما اظفر بذات الدين.

    فإذا لم تجد بُداً، ووجدت أن المرأة ذات الدين ليست جميلة، فأنا أنصحك أن تتزوجها.

    واسمع هذه القصة: أرسل الإمام أحمد رجلاً يخطب له امرأة، فخطب امرأة ولها أخت، وهذه الأخت كانت عوراء، فجاء الإمام أحمد ، وقد علم الرجل أن الإمام أحمد سيتزوج تلك المرأة، وكانت أختها العوراء تجلس بجانبها، فالإمام أحمد أشفق عليها، وقال له: لا أريد هذه، اخطب لي تلك العوراء، وخطب العوراء، وأنجب منها الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل راوي المسند، الإمام الكبير الثقة.

    والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إذا رأى أحدكم المرأة تعجبه، فليأتِ أهله؛ فإن معها مثل الذي معها) هذه هي القضية، إذا قضى الرجل حاجته، استوى عنده أجمل النساء وأقبح النساء.

    وهذه حقيقة أقولها، وأنا ما عرفت هذا الكلام إلا من شكاوي إخوة كانوا يقولون: إن الغالب على الأخوات الملتزمات عدم الجمال المبهر، فأقول: إنه الجمال نسبي، بمعنى أن المرأة القبيحة في بيتها إذا تزينت رأيت منها جمالاً.

    أما الجمال الصارخ على حد قول من يقول: لم يره الشارع؛ فإن الله عز وجل يعطيك من المرأة العفيفة ما هو أفضل وأجمل وأرضى لنفسك منه.

    فلا تترك ذات الدين لأجل الجمال، واعلم أن الجمال نسبي، وأن الرجل إذا قضى حاجته يستوي عنده أجمل امرأة مع أقبح امرأة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأى أحدكم المرأة تعجبه فليأتِ أهله؛ فإن معها مثل الذي معها).. البضع واحد، فلذلك أنا أنصح هذا الأخ ألا يقف كثيراً عند مثل هذا الشرط.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم بذات الدين.

    معاناة بعض النساء الملتزمات من آبائهن وأمهاتن ثم ممن يتقدم لخطبتهن

    السؤال: فتاة تشكوا محنتها مع أسرتها، فأبوها وأمها يمنعانها من الخروج منتقبة، وهي ترفض ذلك، وقد تقدم لخطبتها شاب، لكنهم غير ملتزمين، ولم يتقدم لخطبتها إلى الآن شاب ملتزم.

    الجواب: هذه الشكوى ليست جديدة، أنا سمعتها بأذني ووصلتني أيضاً في رسالة.

    يا إخوة: نحن في جهاد وفي حرب! يجب أن ينحاز الغريب إلى إلفه، هي غريبة ترفع شعار الغربة وهو النقاب، وأنت غريب أيضاً ترفع شعار الغربة ومضطهد، ألا ينحاز الغريب إلى غريبه والإلف إلى إلفه في زمان الغربة؟! هنا الولاء.

    ومن المشاكل التي أحزنتني جداً: أخت منتقبة عمرها ثلاث عشرة سنة مرتدية النقاب، وأهلها يجبرونها على خلع النقاب فتأبى، فحبسوها، منذُ سبعة أشهر وما نزلت من البيت، وترضى وتقول: أنا أرضى بذلك، كل الذين يأتون لخطبتها يشترطون أن تخلع نقابها.

    لماذا تشترط ذلك؟! المختمرات يملأن الشارع، لماذا تأتي إلى امرأة غطت وجهها فتلزمها بكشف وجهها؟! اذهب إلى أخرى تكشف وجهها! فالذي يشترط هذا لا يؤتمن عليه.

    إن كان منذ البداية يقول لك: اخلعي هذا النقاب، فلا يؤمن أن يقول: اخلعي الحجاب.

    يقول بعضهم: إن المتنقبة شكلها عدوانية بالنقاب، وما أعجبتني.. ويتكلم بهذا الكلام، وهذا لا يجوز.

    هؤلاء الأخوات الفاضلات إذا لم يتقدم إليهن أحد، فمن يتقدم؟ هناك بعض النساء تفتتن، إذا رأت المسألة مسألة جمال تتزين وتخرج إلى الشارع، فتبدو جميلة لبعض الناظرين.

    فأنتم -يا إخوان- لا بد أن تعرفوا حقيقة الوضع الذي تعيشون فيه، أنتم غرباء! إن الجمال -مهما كان- يزول بالعشرة، ما له قيمة، المرأة لو كانت أجمل امرأة في الدنيا فبرتابة العيشة يصير جمالها عادياً، قد تنبهر بها أول مرة.. وثاني مرة وثالث مرة.. ورابع مرة.. لكن في عاشر مرة لا، بدليل أن الطعام الذي تشتهيه وتحبه لو أكلت منه شهراً كاملاً تمله وتكرهه؛ لأن هذه هي عادة الإنسان.

    فأنا أرجو أن يظهر إخواننا الولاء لله عز وجل ورسوله، لا نترك الأخوات بهذه الصورة يا إخوة.

    وبهذه المناسبة نحن ندعو للتعفف: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .

    الأخت الفاضلة تدخل السعادة على أخت أخرى تنشد السعادة وتبحث عنها، فما هو المانع -إذا كان زوجك عنده القدرة على أن ينفق، وعنده القدرة على الباءة- ما المانع أن تشركي في هذه السعادة أختاً أخرى؟!

    فالمهاجرين والأنصار لما دخلوا في الإسلام كان الرجل الأنصاري يتنازل عن أجمل نسائه لأخيه، وهذه كانت غريبة جداً في العرب، كانت عندهم غيرة عجيبة، ومع ذلك كان يأتي إليه ويقول: اختر أجملهن فأطلقها وتتزوجها.

    فنحن نريد في هذا العصر أن نرجع مثل هذا الخلق.

    نسأل الله عز وجل أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

    مداخلة: وإذا كان عندهم مال فليزوجوا غيرهم!

    هذا اقتراح وجيه، فلو أن الرجل زوج بهذا المال رجلاً آخر فلا مانع، لكن لابد أن نراعي محبة المرء لنفسه، فهناك بعض الناس ليست عنده القدرة ولا الشجاعة ولا الجرأة أن يخرج عشرة آلاف جنيه مثلاً، وصعب عليه بذلها ليزوج بها غيره، مع أنه يمكن أن ينفقها على ملذاته وشهواته.

    فنحن الآن نتعامل مع واقع، فلا ينبغي أن تكون الفتوى في واد، وما هو كائنٌ في واد آخر، المفروض أن تكون الفتوى متماشية مع الواقع.

    رجل لا يستطيع أن يفعل هذا، فالحل الآخر أن يقوم هو مقام الرجل الآخر.

    أن يعطى الإنسان رجلاً مالاً لكي يتزوج، لا بأس بذلك، لكن إذا لم يستطع ذلك فليتزوج هو، فيكون قام مقام الرجل الآخر الذي تزوج.

    وأيضاً نحن لدينا إحصائية خطيرة جداً: أن عدد النساء يكاد أن يصل إلى ضعف عدد الرجال، عدد المطلقات ثلاثمائة ألف امرأة مطلقة في مصر، مطلقات لهن أولاد.. وبعض المطلقات لا يجدن الأكل -والله لا يجدن الطعام- وبعض الأفراد يقول: إننا لا نرغب في الزواج فأقول لهم: هناك من النساء من يقلن: فليتزوجني ولا يقسم لي، لكن يطعمني وأولادي.

    عندما تصل مثل هذه الرسالة وتسمعها أخت مسلمة، كيف تصبر وتنام وهي هانئة أنها مسيطرة على هذا الرجل؟! فلم لا تشرك أختها المسلمة في هذه السعادة؟! لأنها يمكن أن تكون هي نفس المرأة التي تشتكي، يموت زوجها أو يطلقها، معها أولاد! أبوها فقير! وربما قال لها: أنا ما لي علاقة بأولادك، فتضطر المرأة إلى العمل، وتمتهن نفسها أو تتزوج ويسترها رجل.

    فنحن نقول لأخواتنا المؤمنات: عليهن أن يرتقين بهذا الإيمان وهذا الخلق، قال الله عز وجل: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    حكم زيارة النساء للقبور

    السؤال: ما حكم ذهاب المرأة لزيارة القبور؟ وهل يجوز للمرأة الذهاب إلى العزاء في بيت أختها المصابة؟ وقد ذكرت أن مالك بن أنس هو إمام أهل السنة والحديث، فهل هو مالك أم أحمد ؟

    الجواب: كلهم أئمة، ولذلك أنا أردفت هذا الكلام بقولي: هذا رأي عبد الرحمن بن مهدي ، وإلا فـسفيان الثوري إمامٌ في الحديث والسنة، والأوزاعي إمامٌ في الحديث والسنة، ومالك وأحمد والشافعي وإسحاق بن راهويه وكذلك سفيان بن عيينة كلهم أئمة، وهناك كثير من العلماء أئمة في الحديث والسنة؛ لكن هؤلاء أظهرهم.

    أما بالنسبة لزيارة المرأة للقبور، فهو جائز إذا التزمت المرأة بالآداب الشرعية، وليس هناك دليل ينهض على منع المرأة من زيارة القبور.

    فحديث: (لو بلغت معهم الكدى..) هو حديث منكر، والحديث الآخر: (لعن الله زوارات القبور) يمكن توجيهه مع الأحاديث الأخرى، من قوله: (زوارات) أي: الكثيرات الزيارة. وإلا فقد ثبتت الأدلة القاطعة بجواز أن تزور المرأة المقابر، منها هذا الحديث، ( ماذا أقول يا رسول الله إذا مررت بالقبور؟) ، وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) ، وأصل الخطاب موضوع للرجال والنساء معاً، ولا يجوز التفريق إلا بدليل. ومن جملة هذا الحديث ( وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي).

    فربما قال إنسان: قد يكون الأمر بزيارة القبور بعد النهي عنها خاصاً بالرجال.

    نقول له: لا؛ لأن ادخار لحوم الأضاحي للرجال والنساء معاً، وقد جاء الأمران في سياق واحد.

    وأيضاً الحديث الذي في الصحيحين (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأةٍ تبكي عند قبر جديد، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري ..) إلى آخر هذه الأحاديث، لكن إذا التزمت المرأة بالآداب الشرعية فلا بأس بالزيارة عند ذلك. والله أعلم.

    أما مسألة الاجتماع للعزاء -الاجتماع في أوائل المصاب- فأقول: لا يجتمعن في كل يوم لئلا يجددن المصاب، لكن المرأة تذهب إلى أختها لتعزيها في مصابها، فهذا من السنة.

    نصيحة في عدم الوعظ بالأحاديث الموضوعة

    السؤال: نرجو معرفة صحة حديث: (أن الرجل المشعر يكون فمه واسعاً، والمرأة المشعرة عكس ذلك).

    الجواب: لا. هذا ليس بحديث، هو من الأحاديث التي ابن الجوزي نفسه لا يعرفها! ابن الجوزي صاحب كتاب الموضوعات، ألف كتاباً جمع الموضوعات فيه، وهذا أحد الناس بعث لي حديثاً يقول عنه: ما درجة هذا الحديث (من أحبني فليذكرني عند أكل الفجل...).

    قلت: ما هذا البلاء عند هذا الرجل؟! هذا لم يشم رائحة الحديث ولو مرةً في حياته، لا أعرف كيف هذا بعث لي هذا السؤال! وهل هذا الحديث فعلاً موجود أم أنه هو الذي ألفه لأن هذا حديث عجيب؟!

    ذات مرة كان هناك شخص يلقي درساً في المسجد، فيقول في كلام له: حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (يا داخل ما بين البصلة وقشرتها ما نابك إلا صنتها)

    رجل من العوام كان في المسجد يعظ الناس والظاهر أن هذه كانت أول مرة يعظ في حياته -فاستمر يتكلم ويتكلم، حتى قال: إن الله يقول: (اسع يا عبدي وأنا أسعى معك)

    وهذا من الكلام الذي يرددونه.

    ويمكن أن يجد الإنسان الحديث الموضوع موافقاً لمعان موجودة في الحديث الصحيح.

    فمثلاً حديث: (من أخذ مالاً من مهاوش أذهبهُ الله في المهالك).

    من مهاوش: من حرام، (أذهبه الله في المهالك) أي أنه يضيع عليه، فهذا المعنى موجود في نصوص الكتاب والسنة، فإن الله عز وجل لا يبارك في الحرام أبداً، قد يكون كثيراً لكنه لا يغني صاحبه ولا يرد حاجته.

    أما جماعة التبليغ فنحن ننصحهم نصيحة في الله عز وجل، أن يحتاطوا من الموضوعات، فإن أكثرهم يعيش على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومادة الوعظ والإرشاد عموماً. يغلب عليها ذلك -فليس هذا خاصاً بإخواننا من جماعة التبليغ- بل إن، أكثر أحاديث الترغيب والترهيب فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة..

    وعلى المسلم إذا قرأ حديثاً أن يكون لديه تمييز، فما ذكره السائل -مثلاً- لا يمكن أن يكون حديثاً.

    كالحديث الآخر الذي هو: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير!!)

    لا تظنوا أن هذا غير موجود، بل هو موجود وينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حديث: (الهريسة تشد الظهر!) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وحديث (ربيع أمتي في العنب والبطيخ) والمشمش طبعاً؛ لأنه إذا كان ربيع الأمة في العنب فليس لها ربيع إذاً.

    فيجب أن نتحرى نسبة الكلام للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ، قال ابن حبان رحمه الله في مقدمة كتاب "المجروحين": (إن الذي يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم -وهو لا يقصد ذلك- داخلٌ في جملة الكاذبين)، وأورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني حديثاً وهو يَرى -أو: يُرى- أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن) أو (هو أحد الكاذبِين) .

    وأنا أقول لكل مسلم نقول: اعرض جملة أحاديثك على من تثق بعلمه ومكانته في هذا العلم، كلما تقابلت عالماً فاسأله عنها أو عن بعضها الجزء المحفوظ عند أغلب الناس تجده إما ضعيفاً أو موضوعاً، أو ليس على وجهه الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

    ضعف حديث الاستياك بالأصابع

    السؤال: هل ثبت استعمال الأصابع في الاستياك قبل الصلاة؟

    الجواب: لم يثبت ذلك، وحديث الاستياك بالإصبع رواه البيهقي وغيره، وهو حديث ضعيف.. والله أعلم.

    وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.