إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - الكلام في الإيمان من واقع الصحوة الإسلامية

شرح كتاب الإبانة - الكلام في الإيمان من واقع الصحوة الإسلاميةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتبر مسائل الإيمان والكفر من أهم مسائل العقيدة، وقد ضلت فيها أفهام وزلت فيها أقدام، وقد أوضح العلماء رحمهم الله تعالى مسائل الإيمان والكفر، ومنها: دخول العمل في مسمى الإيمان وماهيته، وتأثر الإيمان بالعمل وجوداً وعدماً، وأن العمل وحده كاف للتكفير، وغيرها من المسائل المتعلقة بهذا الباب.

    1.   

    خطأ بعض أهل العلم في فهمه لمسائل الإيمان

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن ولاه.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فقد فرغنا من الكلام عن مسائل الإيمان فيما يتعلق بهذا الجزء الخاص بالإيمان من كتاب الإبانة للإمام ابن بطة ، ويبقى موضوعان خطيران جداً وهما: موضوع القدرية، وموضوع الجهمية، ولكل موضوع من هذين الموضوعين مجلدان تقريباً من هذا الكتاب، لكن يحسن بنا قبل أن نفتح واحداً من هذين الموضوعين أن نتم الكلام عن مسائل الإيمان خاصة فيما يتعلق بواقع الصحوة الإسلامية على الأقل في مصر.

    ولو أردت أن أدخل في الموضوع مباشرة سأقول: إن بعض أهل العلم وضع تصوراً لمسائل الإيمان والكفر، وهذا التصور لم يوافقه عليه أحد من السلف، وإن شئت فقل: هذا التصور مخالف لتعريف السلف للإيمان أو لحد الإيمان، مما حدا به أن ينسب قولاً للسلف لم يقولوه، وأن يتهم الآخرين بأنهم حادوا عن منهج السلف، وفي حقيقة الأمر أنهم ليسوا كذلك، كما أنني لا أقول: إنه بهذا المعتقد صار من أهل البدع، وإنما أقول: لما جهل المسألة أتى بالطامات، وهو يظن أنه على الحق.

    وليس ظن الشخص أنه على الحق لازم لإصابة الحق، فالمرء أحياناً يظن أنه على الحق، أو يتيقن على الأقل عند نفسه أنه على الحق المبين، وهذا لا يلزم منه أن يكون ما هو عليه هو الحق، بل ربما يكون الباطل الذي ليس بعده بطلان، والأمر كذلك في بعض مسائل الإيمان التي أخذت جدلاً عظيماً جداً في هذه البلاد وفي غيرها بين منهج المرجئة ومنهج السلف، والعجيب أننا نجد أن من تبنى مذهباً في مسائل الإيمان يوافق مذهب المرجئة يزعم أن المخالف له من الخوارج، وهذا الكلام ليس بصحيح، وإنما الصحيح أن من تبنى تعريف الإيمان يقول فيه: الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا الكلام هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

    أما عند ذاك القائل به فإنما حفظ ذلك حفظاً ولم يقدر أن يطبق ذلك عملاً، ولذلك يقول: العمل ليس من الإيمان، وأحسن أحواله أن يقول: العمل من الإيمان، لكنه شرط كمال فحسب، وهو جاهل بهذه المقولة وبأصل هذه المقولة.

    1.   

    تجلية بعض الحقائق في بعض مسائل الإيمان

    وعلى أية حال لنا أن نجلي بعض الحقائق في بعض مسائل الإيمان، فنقول:

    المسألة الأولى: دخول العمل في مسمى الإيمان وماهيته

    المسألة الأولى: وقوع سوء الفهم في هذا الأمر من منطلق تعريف الإيمان، فالإيمان: قول وعمل؛ قول باللسان وبالقلب، وعمل بالقلب والجوارح.

    ومن أهل العلم من يطلق أن القول باللسان والقلب، والعمل باللسان والقلب والجوارح؛ لأن نطق اللسان بالشهادتين ما هو إلا كلام وعمل، وهذه حركة اللسان، فهي من حيث كونها حركة هي عمل، فالشاهد من ذلك أن هذا التعريف هو التعريف الحق، وهو تعريف أهل السنة والجماعة، أي: أن الإيمان قول وعمل؛ قول اللسان وقول القلب، وعمل القلب والجوارح، وهذا التعريف يدلنا على أن العمل داخل في مسمى الإيمان وماهيته، وأن العمل ركن من أركان الإيمان.

    المسألة الثانية: تأثر الإيمان بالعمل وجوداً وعدماً

    المسألة الثانية -وهي مترتبة على المسألة الأولى-: إذا كان العمل داخلاً في ماهية الإيمان وفي مسمى الإيمان فلابد أن يتأثر الإيمان بالعمل وجوداً وعدماً.

    لماذا؛ لأنكم تعلمون أن الركن هو ما كان داخلاً في ماهية الشيء، والشيء مكون منه، فإذا انعدم الركن انعدم الشيء، وإذا وجد الركن وجد هذا الشيء، فإذا اتفقنا في المسألة الأولى على أن العمل داخل في ماهية الإيمان، فلابد أن نقول بأن العمل ركن من أركان الإيمان، وإذا كان العمل ركناً من أركان الإيمان فلا بد أن الإيمان يتأثر به وجوداً وعدماً.

    ولذلك تقرأ لأهل العلم -وسيأتي معنا كلام هؤلاء الأعلام-: أن من ترك العمل كله وأتى المنكرات كلها خرج من الملة بالإجماع، وإذا كان الإيمان لا يتأثر بالعمل -وهو مذهب المرجئة- فكيف يكفر من ترك العمل؟ لابد أنه لا يتأثر بذلك، وهذا الذي حدا بالمرجئة أن يقولوا: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن الفاسق هو الذي ترك الأمر وارتكب النهي، أي: ترك الأمر الذي يفسق به، وارتكب النهي الذي يفسق به، فإذا كان الأمر كذلك فلابد أن الإيمان لا علاقة له بالعمل.

    وعند أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في ماهية الإيمان، وأن الإيمان مكون منه ومن القول والاعتقاد.

    إذاً عندنا مكونات الإيمان: قول وعمل واعتقاد، وأضرب لذلك مثلاً: لو أن إنساناً قادر على النطق، فهل يقبل منه الدخول في الإسلام والإيمان دون أن ينطق بالشهادتين، أو يقبل منه أن ينطق بهما في سره؟ لا يقبل؛ لأنه قادر على النطق، أيضاً: لو أن إنساناً نطق بالشهادتين وأتى بكل الأعمال الصالحة وتجنب كل الأعمال السيئة، لكنه لا يعتقد ذلك، فهل يقبل منه ذلك؟ لا يقبل، إذاً كما يكون الكفر بالقول فكذلك يكون الكفر بالاعتقاد.

    كذلك: إنسان يشك في الله عز وجل، أو في رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، أو في خلق الله للسماوات والأرض، فهل يقبل منه إيمان أو إسلام؟ الجواب: لا يقبل منه ذلك؛ لأن هذا مناف لأصل الاعتقاد، فإذا كنا نكفر هذا بأنه لم يعتقد أو نكفر سابقه بأنه لم ينطق مع القدرة على النطق؛ فكذلك نكفر تارك العمل.

    المسألة الثالثة: بيان ما يكفر به المرء من الأعمال

    المسألة الثالثة: أي عمل يكفر به المرء؟ هل يكفر المرء بمجرد المعصية؟

    الجواب: لا، لكن من مسائل الإجماع أن من ترك العمل بالكلية، أي: لم يصم، ولم يصل، ولم يزك، ولم يحج، ولم يفعل شيئاً من أوامر الإسلام، ويعبر عنه الإمام الحميدي في رسالة الاعتقاد: ومن ترك الخمس كفر، أي: أركان الإسلام الخمسة.

    لكن لابد أن نفرق بين مسألتين في العمل: هل الكلام على جنس العمل أم أفراده وآحاده؟ فالصيام من أفراد العمل، الصلاة من أفراد العمل، الزكاة من أفراد العمل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفراد العمل، الإتيان ببعض المأمورات من أفراد العمل، الوقوع في بعض المحظورات من أفراد العمل، فهل إذا قلنا: إن العمل من الإيمان، أو هو أصل في الإيمان بمعنى: أن الإيمان يزول بزواله ويوجد بوجوده؟ هل نقصد بذلك عملاً من الأعمال بعينه، أو نقصد بذلك جنس الأعمال؟

    نقصد جنس العمل، أي: مجموع الأعمال، فإذا أتى إنسان بعمل يخالف الإيمان فلينظر إلى هذا العمل بعينه، هل هذا العمل داخل في أصل الإيمان، أو في الإيمان الواجب، أو الإيمان المستحب؟ فمثلاً: رجل سب الله تعالى، هل هذا العمل من أصل الإيمان، أو من الإيمان الواجب، أو من الإيمان المستحب؟ من أصل الإيمان، إذاً: إذا سقط فيه المرء لابد أن يخلع الإيمان من جذوره.

    وبالتالي أنا عندما أقول: هل العمل شرط كمال أو شرط صحة؟ أتصح الإجابة بكلمة نعم أو لا؟ لا تصح، بل لابد من التفصيل؛ لأنه إذا كنت تسأل عن عموم العمل وعن جنس العمل فنقول: نعم جنس العمل شرط صحة في الإيمان، أما إذا كنت تسأل عن عمل بعينه -أي: من أفراد وآحاد الأعمال- فينظر إلى كل عمل على حدة، كما ضربت لك مثلاً بهذا الرجل الذي سب الله تعالى، إذ إنه بعد أن تحققت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع يكفر؛ لأن هذا العمل الفرد من أعمال الإيمان الذي نقضه كان تعلقه بأصل الإيمان.

    أيضاً: رجل وقع فيما حرم الله عز وجل، أو ترك أمراً واجباً من أوامر الله أو أوامر رسوله عليه الصلاة والسلام، فأقول: بالنظر إلى هذا العمل إتياناً أو تركاً، هل هو من أصل الإيمان أو الإيمان الواجب أو المستحب؟ فإذا كان من الإيمان الواجب فأقول: إن نفي الإيمان في النصوص إنما هو متعلق بنفي الإيمان الواجب عنه، لا نفي لأصل الإيمان، فيكون المقصود بحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) إلى آخر الحديث: نفي الإيمان الواجب.

    بخلاف من سب الله، أو سب الرسول، أو سب الشريعة، فهذا يأتي على أصل الإيمان من القلب فيجعله هباء منثوراً، فيحتاج إلى دخول في الإسلام من جديد.

    ولذلك لو أن واحداً أخل بعمل من الأعمال المستحبة أو المندوبة وغيرها من أعمال العبادات أو الطاعات، فنقول: قد أخل بالإيمان المستحب الذي يعبر عنه العلماء بأنه الإيمان الكامل، ونفي الإيمان في الأعمال المستحبة إنما هو نفي للكمال لا نفي لأصل الإيمان.

    والشاهد من هذا الكلام أنه لا يصح أن نقول: هل العمل شرط كمال أو شرط صحة في الإيمان؟ لأن هذا سؤال يحتاج إلى تفصيل.

    وأكثر منه خطأً أن يجيب المفتي أو المسئول إجابة واحدة فيقول: العمل شرط صحة، أو العمل شرط كمال، هذه إجابة غير سديدة، بل السديد أن يقول للسائل: أتقصد بهذا السؤال جنس العمل أم آحاده؟ فإن كنت تقصد جنس العمل فجنس العمل أصل في الإيمان وركن من أركانه، وإذا ترك المرء العمل في الجملة كفر بذلك، أما إذا كنت تقصد آحاد العمل فلا شك أن آحاد العمل من الإيمان، لكن من آحاد العمل ما يكفر به صاحبه ومنه ما لا يكفر به صاحبه، بل يفسق أو يترك الكمال المستحب، يعني: يفوت على نفسه مرتبة الصديقين وغير ذلك.

    1.   

    العمل وحده كاف للتكفير عند أهل السنة والجماعة

    فهذه بعض المسائل التي لها تعلق بالإيمان، ونلخص من ذلك إلى أن الكفر كما يكون بالقول وبالاعتقاد يكون بالعمل، وهذا بيت القصيد في الخلاف الدائر على الساحة، هل الردة تكون بالعمل أم لا؟

    السلف رضي الله عنهم أجمعوا على أن من الأعمال ما يكفر بها فاعلها، ومنها ما لا يكفر بها فاعلها، خلافاً لمن يزعم أن العمل شرط كمال، وأن العامل لا يكفر بعمله إلا إذا استحل، كيف ذلك؟ أنا رجل -عياذاً بالله- أسب الله تعالى، أو أسب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع هذا أنا أقر دائماً أني أحب الله، وأحب الرسول عليه الصلاة والسلام وأحب الشرع، وأحب الإسلام، كما أقر أن هذا الكتاب هو كتاب الله عز وجل، وهو كلامه المنزل من السماء المتلو الذي نزل بواسطة جبريل على قلب محمد عليه الصلاة والسلام؛ وفي الوقت الذي أقر فيه بهذا الكلام آخذ المصحف بيميني فأمزق أوراقه وأبصق عليه وأرميه في الأرض وأطؤه بقدمي، لكن هذا الشخص لم يستحل ذلك، بل هو مثبت لتبجيله وتعظيمه بلسانه وقوله، لكنه عملاً قد أهان القرآن، فهل هذه الإهانة لكتاب الله عز وجل تؤهله للكفر؟ الجواب: نعم، فيكفر بهذه الإهانة لكتاب الله حتى وإن قرر في الظاهر بلسانه أنه غير ذلك.

    وبعض أهل العلم يقولون: لا يكفر بمجرد الفعل، أي: بإهانته للقرآن أو سبه لله أو للرسول أو للشريعة أو غير ذلك، ويقولون: هو ما فعل ذلك إلا لأنه مبغض للقرآن لا لمجرد الفعل، وهذا استنتاج المرجئة والجهمية، وهو كلام فاسد لا يعرفه السلف، وجاء على ألسنة متأخري الأحناف، إذ إنهم يقولون: إذا ارتكب الإنسان ما يكفر به أو ما يؤدي به إلى الكفر فليس العمل وحده كافياً في الحكم عليه بالكفر، وإنما نحكم عليه بالكفر لأن عنده من الضغينة ما يؤهله للكفر، كيف ذلك؟

    قالوا: لو أن شخصاً الآن يهين القرآن الكريم، فمجرد الإهانة لا يكفر بها، قالوا: بل إن علامة كفره أنه مبغض للقرآن ولذلك أهانه، وأوردوا هذا الكلام أو الاستنتاج الباطل لكي يقولون: لا يكفر المرء بالعمل، وإنما يكفر بالاستحلال، من أين أتيتم بالاستحلال؟ قالوا: هو ما أهان القرآن إلا لأنه مبغض له، فنكفره لأجل بغضه القرآن، لا لأنه أهان القرآن، أما أهل السنة والجماعة فقد أجمعوا أن العمل بمفرده يكفر به العامل.

    هذه بعض المسائل التي أردت أن أنبه عليها قبل الشروع في شرح هذه الأصول، ثم ذكر أقوال العلماء سلفاً وخلفاً في إثبات أن الكفر يقع بالقول والاعتقاد والعمل، وهذا الذي أريد أن أؤكد عليه من أن الكفر كما يقع بالقول يقع بالعمل.

    يعني: لو قام رجل الآن في المسجد وقال: أيها الناس! اشهدوا أنني كفرت وخرجت من الملة، وهو في حقيقة الأمر لم يعتقد ذلك، بل هو في قلبه محب للإسلام والمسلمين، هل لنا أن نكفره؟ نعم، بل يجب علينا جميعاً أن نكفره؛ لأنه نطق بكلمة الكفر مختاراً لها غير مكره عليها، وقد انتفت عنه الموانع كالجنون والسفه والسكر وغير ذلك، أما من نطق بكلمة التوحيد وعمل بمقتضاها، لكنه في نفسه يكره هذه الكلمة، فهل يكون هذا مؤمناً؟

    الجواب: هو عند الله ليس مؤمناً وإنما هو مسلم؛ لأن أحكام الإسلام تجري على الظاهر.

    فإذا كانت هذه قاعدة أصيلة عند أهل الإسلام، أي: أن أحكام الإسلام تجري على الظاهر، فإن من أتى عملاً ينقض به إسلامه وإيمانه أجريناه كذلك على الظاهر، ومن المقطوع به عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فكلمة (ينقص بالمعصية) إشعار بأنه لا ينقض بالمعصية، وهناك فرق بين كلمة: ينقص بالمعصية، وينقض بالمعصية، فينقض يعني: من أصله، فلا يبقى منه شيء، ولعلكم تذكرون نص إبراهيم بن عيينة أخي سفيان لما قال سفيان: الإيمان يزيد وينقص، قال: قل: يزيد، قال: اسكت يا غبي! فإنه ينقص حتى لا يبقى منه شيء، أي: أنه ينتهي تماماً، إما بالقول أو بالاعتقاد أو بالعمل؛ لأن هذه مكونات الإيمان وأركان الإيمان.

    وتارة يقول السلف: الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان -الجوارح- واعتقاد بالجنان -القلب- وتارة يقولون: قول وعمل ونية، ولهم عبارات لا تختلف عن هذه في معناها.

    1.   

    الإجماع على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل

    قد حكى غير واحد إجماع الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين على ذلك، ومن هؤلاء الإمام الشافعي ، فقد حكى الإجماع على أن الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، وكذلك البغوي، قال ابن تيمية في كتاب الإيمان من مجموع الفتاوى نقلاً عن الإمام الشافعي رحمه الله: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعده ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر، أي: إلا مع الآخر، فكيف يقال لمن ترك العمل بالكلية أو ترك عملاً أثبت النص أن تاركه كافر أو انعقد الإجماع عليه إنه مؤمن؛ لأن الضابط لمسائل الإيمان والكفر هو النص أو الإجماع.

    وقال البغوي في شرح السنة: اتفقت الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، لكن منها ما هو أصل في الإيمان، ومنها ما هو في الإيمان الواجب، ومنها ما هو في الإيمان المستحب.

    قال: وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، وكذلك نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، فقال في التمهيد: أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، بل أصبح هذا مما يميز أهل السنة والجماعة عن أهل البدع، فإذا كان هذا من الأمور المقطوع بها وهي محل إجماع السلف، فكذلك من المقطوع به عندهم أن من الأقوال والأعمال ما هو كفر أكبر؛ لأنه في الحقيقة محفوظ عند الإخوة أن الكفر كفران: كفر أكبر وكفر أصغر، أما الكفر الأكبر فهو المتعلق بمسائل الاعتقاد، وأما الكفر الأصغر فهو المتعلق بمسائل العمل، وهذا الإطلاق يحتاج إلى نظر، بل من مسائل الاعتقاد الصغيرة ما لا يكفر بها قائلها، ومن مسائل العمل الكبيرة ما يكفر بها فاعلها.

    1.   

    خطأ مقولة: كل خير في اتباع من سلف وكل شر في اتباع من خلف

    كما يطلق الناس شعارات أخرى تحتاج إلى نظر، ومنها أنهم يقولون:

    (كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف)

    وهذا كلام محفوظ لدينا جميعاً، لذا لابد أن أقف عند هذا النص فأقول: ماذا تقصد بكلمة السلف؟ إذا كنت تقصد بهذه الكلمة أهل تلك الحقبة الزمنية والقرون الخيرية الأولى فهذا كلام فاسد؛ لأن من هذه القرون: المرجئة والخوارج والمعتزلة والأشاعرة وغير ذلك من الفرق الضالة، إذ إنهم ظهروا في زمن الصحابة رضي الله عنهم.

    فالقدرية ظهرت في أواخر عهد الصحابة، والمعتزلة ظهرت سنة (110هـ)، وكانت لها جذور قبل ذلك، والخوارج والشيعة ظهروا في زمن الخلافة الراشدة، فإطلاق لفظة: (السلف) على أصحاب القرون الثلاثة إطلاق يحتاج إلى تقييد.

    والسلف هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان، أي: المحسنون في اتباعهم لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وللخلفاء الراشدين خاصة من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

    أما أهل البدع الذين عاصروهم فليس اتباعهم خيراً، ولذلك هذا الكلام المطلق: (كل خير في اتباع من سلف) يحتاج إلى تقييد، إذ إن كل من سبقك هو سلفك، فالذي مات منذ عشرين عاماً أو ثلاثين عاماً من أهل العلم هم لنا سلف، ونحن لهم خلف، فنحن يطلق علينا: الخلف، وسلفنا المباشرين بالنسبة إلى سلفهم هم خلف لهم، ولذلك هذا الإطلاق:

    (كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف) يحتاج إلى ضبط، وضبطه أن يقال: الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع، سواء كان هذا الاتباع في أسلافنا أو فينا أو فيمن يأتي بعدنا إلى قيام الساعة.

    والابتداع مذموم مردود على كل من أتى به حتى وإن كان ذلك في زمن الصحابة، لا أقول: إنه جاء من الصحابة مثل هذا، وإنما أقول: ظهرت البدع في زمن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهل يعني ذلك أن هذا الابتداع الذي حصل في زمن السلف أمر محمود وممدوح؟ الجواب: لا، فيكون الذي هو أوثق -على الأقل عندي- أن الخير كل الخير في الاتباع، وأن الشر كل الشر في الابتداع، سواء جاء هذا الخير عن السلف رضي الله عنهم أو عنا أو عمن أتى بعدنا.

    وكذلك هذا الابتداع مردود على كل من جاء به، سواء من الأزمنة المتقدمة أو المعاصرة، أو التي ستأتي بعد ذلك إلى قيام الساعة.

    1.   

    الإجماع على كفر من سب الله أو رسوله

    ومن المقطوع به أيضاً عند أهل السنة: أن من الأقوال والأعمال ما هو كفر أكبر يخرج من الملة، وقد حكى غير واحد الإجماع على أن سب الله ورسوله كفر مخرج من الملة، ومن هؤلاء الإمام إسحاق بن راهويه ، ومحمد بن سحنون وغيرهما، وقد ظن بعض الناس أن الكفر العملي لا يخرج صاحبه من الإسلام، وأن سب الله ورسوله مستثنى من ذلك، ولا دليل على هذا الاستثناء.

    فلو قلت: سب الله يعتبر عملاً، وسب الرسول عمل، قالوا: الكفر العملي لا يخرج به صاحبه من الملة، وسب الله؟ قالوا: إلا سب الله ورسوله فهذا مستثنى.

    إذاً: ما تقولون في سب الشريعة أكفر أم إيمان؟ كفر، فسيضطرون أن يزيدوا هذا في الاستثناء؛ لأنه لا ضابط لهذا الاستثناء، ومنهم من يقول: الضابط في تكفير العامل بعمله أن يتعلق أو تتعلق المسألة التي خالف فيها بمسائل الإيمان.

    لكن ذكرنا لهم أن بعض مسائل الإيمان لو خالف فيها العامد لا يكفر بذلك، فلابد أن تضطرب هذه القاعدة، إذاً فما هو الضابط؟ لابد أن يكون هناك ضابط جامع مانع حتى يستقيم الأمر؟ الضابط: نص أو إجماع؛ لأن الأمر لا يستقيم إلا بهذا، فإما أن يأتي النص فيقول: هذا العمل من الإيمان، وأن تارك هذا العمل كافر بالله، وإما أن ينعقد إجماع العلماء على أن من فعل كذا كفر، فإذا كان عندي نص أو إجماع حلت القضية، لكن شخص يجتهد ويقول: إذا كانت المسألة من مسائل الإيمان وفرط فيها العامل فإنه يكفر بذلك! فيرد عليه: هناك من مسائل الإيمان ما إذا فرط فيها العامل لا يكفر، ومن مسائل العمل ما إذا فرط فيها العامل كفر بذلك.

    إذاً: تقسيم الكفر إلى: كفر اعتقادي وكفر عملي، وأن العملي لا يكفر به العامل لأنه من مسائل العمل، كلام غير سليم؛ لأن من الأعمال ما يكفر بها العامل.

    قال: فظن بعض الناس أن الكفر العملي لا يخرج صاحبه من الإسلام، وأن سب الله ورسوله مستثنى من ذلك، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، بل حكى غير واحد الإجماع على أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ومن هؤلاء: ابن حزم ، والشيخ سليمان آل الشيخ ، وعبد الله أبا بطين ، والشيخ محمد بن إبراهيم مفتي السعودية، فسقطت دعوى الاستثناء.

    ومن فرق بين سب الله أو رسوله وبين أي قول أو عمل أجمع المسلمون على أنه كفر كالذبح لغير الله، فقد أخطأ. والذبح لغير الله عمل، فهل هذا العمل في ذاته كفر أم لا؟ كفر؛ لأنه قربة لغير الله عز وجل، وأن هذا العمل لا يجوز صرفه إلى الناس، كذلك: الطواف حول الكعبة عبادة وطاعة وقربة، لكن حول القبر شرك وكفر، لكن هل هذا الطواف قول أم عمل؟ عمل، فلو طاف إنسان حول غير بيت الله، وقصد بذلك الطواف القربة، فإنه يكفر بذلك، لكن لو أن رجلاً طاف بعمود يبحث عن حذائه، فهل تقول له: أنت طفت بغير بيت الله فتكفر بذلك؟! لا، فالطواف حول غير بيت الله لابد أن يكون بقصد القربة، والذي يطوف حول البدوي والحسين والسيدة وغيرهم، إنما يفعل ذلك قربة وطاعة، ولذلك الطواف حول غير بيت الله كفر مع أنه من الأعمال.

    والنذر لغير الله تعالى كفر، كأن يقول أحدهم: يا حسين لو نجَّحت ابني فسيكون لك في ذمتي مائة جنيه!

    وكذلك السجود لصنم، إذ إن السجود عبادة لا يجوز صرفها إلا لله تعالى، فلو أن إنساناً سجد لصنم فإنه يكفر بذلك، بشرط أن يكون عارفاً وعالماً بما يفعل، فلو أنني الآن سجدت وجاء شخص وأنا ساجد وواضع أمامي صنماً، فهل أكفر بذلك؟ لا أكفر بذلك، إلا إذا ذهبت راضياً مختاراً مع علمي أن هذا صنم وسجدت له، فهنا يكفر به الفاعل في هذه الحالة.

    فإن كان هناك صنم قائم، وأردت أن أصلي لله تعالى، فوافق سجودي محاذاة هذا الصنم وأنا لا أعلم أنه صنم، وربما ما علمت ذلك بعد الفراغ من الصلاة، فهل يكفر بهذا العمل؟ الجواب: لا يكفر؛ لأن هناك مانعاً من موانع الكفر وهو الجهل، إذ إنه لما صلى إلى هذا الصنم لم يكن يعلم أنه صنم.

    قال: فلا يظن ظان أن في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، إذ لا يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من علماء أهل السنة والجماعة خلاف ذلك، وزعم بعض الناس أنه لا يكفر إلا من اعتقد الكفر، أما من تلفظ به أو عمل ما هو كفر صراحة فلا يكفر، إذ الكفر عنده هو الاعتقاد فقط، وهذا مذهب المرجئة كما تعلمون، إذ إنهم يستدلون بتقسيم بعض العلماء للكفر إلى: كفر عملي واعتقادي، وأن الأول كفر أصغر، والثاني كفر أكبر، دون تفريق بين الكفر العملي الذي يعنيه العلماء، والكفر بالعمل أو الأعمال المكفرة.

    1.   

    موانع التكفير

    مما تقدم نشأت شبهة عند بعض الناس وهي: أن المرء لو عمل عملاً كفرياً كالسجود لصنم أو صليب أو قال قولاً كفرياً كسب الله ورسوله، أو استهزأ بآيات الله لشهوة أو غرض دنيوي فإنه لا يكفر ما لم يعتقد، أي: ما لم يستحل ذلك -وهذا كلام في غاية الفساد- وعدوا ذلك مانعاً من موانع التكفير؛ لأنه ما فعل ذلك معتقداً ولا مستحلاً ولا جاحداً، إنما فعل ذلك لغرض دنيوي كشهوة أو غير ذلك، مع أن علماء السنة أجمعوا أن موانع التكفير أربعة:

    المانع الأول: الجهل، أي: الجهل بأن هذا القول كفر أو أن هذا العمل كفر، فلو قال القائل قولاً وهو لا يعلم أنه كفر، أو عمل عملاً وهو لا يعلم أنه كفر فلا يكفر.

    المانع الثاني: الخطأ، كأن يقول المرء قولاً خطأً لم يقصده ولم يتعمد النطق به أو العمل، لكن بادر إلى النطق به أو إلى عمله على سبيل الخطأ، لا على سبيل العمد والإصرار والتأويل أو الشبهة؛ لكن لو انتفت عنه الشبهة وذهب عنه التأويل لا يقول هذا ولا يفعله، فإذا قاله متأولاً أو بشبهة فإنه لا يكفر بذلك، ولا زالت الشبهات كلها رافعة للإثم، ولذلك عند الأحناف أن للمرأة أن تزوج نفسها إذا كانت بالغة رشيدة مختارة للكفء، فيجوز الزواج بهذه الشروط بغير ولي، وهذا الرأي مصادم مخالف للنصوص الشرعية في وجوب وفرضية الولاية في النكاح.

    لكن لو أن امرأة نكحت بغير إذن وليها، فهل نحكم على هذا الزواج بالبطلان، وأن نتاج هذا الزواج أو هذا النكاح الزنا؟ لا نقول بذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنحاكها باطل باطل باطل)، تأكيد ثلاث مرات، فلا نبطله نحن لوجود شبهة الأحناف؟! خاصة وأن هذه الدساتير والقوانين في باب المعاملات الشرعية أو الأحوال الشخصية أخذت بمذهب الأحناف في هذا، وليس كل الناس يذهبون إلى المساجد لكي يتعلموا العلم، كما أن هذه الوسائل المرئية والمقروءة والمسموعة تضلل الناس في الليل والنهار في أمر دينهم، فربما سمعوا كلمة من إمام مضل في باب الولاية في النكاح فظنوا أن هذا هو دين الله تعالى، وذهبوا إلى المأذون فقالوا: هل يلزم الولي؟ فيقول المأذون متبرعاً ومتفضلاً: لا يلزم؛ لأن عنده القانون الذي يعمل من خلاله والذي يقول: لا يلزم الولي.

    فهل إذا تزوجت المرأة على اعتبار هذه الشبهة -شبهة الأحناف- نقول: نكاحها باطل وأنها زانية، وإذا قلنا: زانية، فهل يقام عليها الحد، أم يدرأ بالشبهة؟ أنتم تعملون أن هذه كلها مسائل فرعية، ولو قلنا ببطلان هذا النكاح لكان لزاماً علينا أن نقول: إن ثلث نكاح الأمة باطل، أو أكثر من ذلك.

    إن منطقة شرق آسيا بأكملها على مذهب الأحناف، وتصور أنك تذهب إلى ملايين مملينة من الناس وتبطل أنكحتهم، وتثبت أن هذا النكاح ما هو إلا زنا، هل هذا يتصور؟ الجواب: هذا النكاح صحيح، وإن كنا لا نعتقد ذلك، لكن هو صحيح على أصل شبهة الأحناف، وتبني هذه الحكومات لمذهب الأحناف، فلا نبطل أنكحة الناس والحالة هذه، وإن كنا نأمر كل واحد ألا يتزوج إلا بولي وشاهدي عدل وإشهار وإيجاب وقبول، وغير ذلك من أركان النكاح الصحيح على مذهب جماهير العلماء.

    لكن دائماً أقول: الشبهة دارئة للإثم، ولذلك لو وقع إنسان في الكفر قولاً أو عملاً بشبهة أو بتأويل هل يكفر بذلك؟ لا، إذاً: من موانع التكفير: الجهل والخطأ والشبهة أو التأويل.

    المانع الرابع: الإكراه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فإن أكره على النطق بكلمة الكفر، فهل يكفر بذلك؟ لا يكفر بذلك، وأنتم تعلمون أن صناديد الكفر والشرك كانوا يعذبون بلالاً ، وصهيباً ، وعماراً وغيرهم رضي الله عنهم حتى ينطقوا بكلمة الكفر، لكنهم لم يفعلوها، هل لأن فعلها والنطق بها غير جائز لهم أو أخذاً بالعزيمة؟ أخذاً بالعزيمة.

    1.   

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الإيمان

    وهنا باب عظيم من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غلب على ظنه أن نهيه عن المنكر يسبب له مضرة عظيمة تذهب بماله أو بنفسه، والمصلحة في التغيير راجحة وعامة، كانت العزيمة أن يضحي بنفسه، لكن لو كانت المضرة ستلحق العامة فلا يفعل، فمثلاً: لو أنني ذهبت لكسر صنم بوذا، فهل هذه المصلحة العائدة عامة أو خاصة؟ عامة، لكني على يقين أن حراس هذا الصنم سيقتلونني وحدي، فهل يجوز لي والحالة هذه أن أذهب وأنا على يقين أو غلبة الظن بالهلكة؟ يجوز؛ لأنني سأضحي بنفسي في مقابل نفع العامة، لكن لو أنني عملت عملاً سيجر علي وعلى من كان على شاكلتي من شرق البلاد وغربها، ويرميهم في السجون أو غير ذلك من المضرة العامة؛ ففي هذه الحالة لا يجوز لي أن أغير هذا المنكر، مع اعترافي وإقراري واعتقادي بأنه منكر، لكن ربما لا يتغير هذا المنكر، ولا تتصور أنك بمجرد ما تذهب لتكسير ملهى ليلي أنك بذلك تكون قد غيرت المنكر.

    ولذلك نحن نقول: من أصول الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنهي عن المنكر يقتضي تغييره، أي: تغييره حتى يصير معروفاً، أما إن ذهبت وكسرت الملهى الليلي الفلاني فأنا بذلك لم أغير المنكر، بل إنه سيبنى على أحدث طراز، فكانت هذه بركة أتت منك؛ لأنهم كانوا من زمن يريدون هدمه ولم يستطيعوا، فعندما ذهبت وعملت الذي عملته، قاموا هم وأكملوا بقية الملهى، يعني: كأني لم أكسره وأفجره، إذ إنهم بأنفسهم أصحاب الملهى فجروه؛ حيث أنه عندما يأتي بعد ذلك التعيين، أي: تعيين المكان، فالإرهابيون هم الذين كسروا الملهى الفلاني، إذاً فهذا يبنى على نفقة الدولة، على نفقتي أنا وأنت، ألم أقل: إننا نكون الدولة؟ ألسنا بمجموعنا نمثل الدولة؟ إذاً: فالملهى الفلاني بني على نفقة الدولة، يعني: على نفقتي ونفقتك، والسؤال الآن: هل زال المنكر؟ لم يزال، بل أدى إلى منكر أعظم، وهو إرجاع هذا المنكر على أحدث طراز، والمنكر الثاني أنهم لما قبضوا علي قبضوا على من كان على شاكلتي من شرق البلاد وغربها، فالمصلحة هنا ليست متحققة أبداً، ولا حتى مظنونة، إذاً فما المتحقق؟ الضرر العام.

    ففي هذه الحالة هل أنا مكلف شرعاً أن أغير هذا المنكر؟ الجواب: لا، إذ إنني مكلف أن أغيره بقلبي أو بلساني، فأقول: أيها الناس! حرام عليكم، أيها الناس! لا يجوز هذا، أيها الناس! ربنا قال كيت والرسول قال كيت، فإن سمعوا فخير وبركة، وإن لم يسمعوا فقد أديت الذي عليًّ.

    ويبقى بعد ذلك أن أغير بقلبي، ولذلك العلماء يقولون: إذا جلست في مجلس فيه منكر، فإما أن تأمر وتنهى، أي: تزيل هذا المنكر، وإما أن تزول أنت عنه، فمثلاً: أنا عندما أجلس على مائدة، وبعد ذلك يأتي أناس يوزعون على الجالسين قوارير من خمر، فأنا لو كنت أعلم أنه سيكون كذلك لم أذهب، ثم سألت: ما هذا؟ قالوا: هذا خمر، لكن خمر على مستوى رفيع، فأقول: هذا حرام، والنبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، والله عز وجل قال كذا وكذا، فيقولون لك: ساعة لقلبك وساعة لربك! كيف هذا الكلام؟ النبي عليه الصلاة والسلام لعن قوماً جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر، سواء من شرب أو لم يشرب، فقبل أن أقوم قلت لهم: حرام عليكم، وأقمت عليهم الدليل من القرآن والسنة وقول العلماء، وخوفتهم فلم يرتدعوا، فما المطلوب إذاً؟ أخرج من عندهم، فإما أن تزيل المنكر وإما أن تزول أنت عنه.

    1.   

    فهم العبد للنصوص شرط في قيام الحجة عليه

    وعلى أية حال أنا أريد أن أقول: إن موانع الكفر أربعة: الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه، فمن وقع في كفر عملاً أو قولاً، ثم أقيمت عليه الحجة، وبين له أن هذا كفر يخرج من الملة، فأصر على فعله طائعاً غير مكره، متعمداً غير مخطئ ولا متأول؛ فإنه يكفر بذلك، ولو كان الدافع إليه غرضاً دنيوياً؛ لأنه قد علم أن هذا العمل كفر، أو هذا القول كفر، وقد قاله مختاراً غير مكره، راضياً به غير محمول عليه، وغير مخطئ في الإتيان به، وغير متأول ولا شبهة له، بل قامت عليه الحجة وفهمها؛ لأن الحجة لا تقوم على العبد إلا بالفهم؛ لأن بعض الناس يتصور أن مجرد سرد النصوص حجة، وهذا خطأ، بل الحجة هي فهم هذا المحجوج لهذه النصوص، فأنا الآن أقول لك: هذا الذي تعمله حرام، بدليل أن الله قال كذا وكذا، والرسول قال كذا وكذا، ولكن هذا الشخص لا يفهم آية ولا حديثاً، فهل بمجرد سرد هذه النصوص والأدلة تكون الحجة قد قامت عليه؟ الجواب: لا، إذ إن الحجة لا تقوم على العبد إلا بعد أن يفهم هذه الحجة وهذا النص.

    كذلك: لو قال الولد لأبيه: يا أبت تعليق هذه الصور حرام، ولابد أن تنزل صورتك أنت وأمي من على الجدار، وإلا فسوف أنزلها وأكسرها على رأسك أنت وهي! والرسول قال كيت وكيت، والأب سيقول: لم أفهم شيئاً، فهل تعتقد أنك بهذا السرد للأدلة قد أقمت الحجة؟ لا، بل لابد أن يفهم كلامك الذي نسميه (الحجة)، كلامك هذا نقلاً عن كتاب الله عز وجل وسنة النبي عليه الصلاة والسلام وأقوال العلماء وفهمهم لهذه النصوص، عندما تبلغ هذا كله لأبيك سرداً لا تقوم الحجة بذلك حتى يفهم.

    فإن فهم وأصر على العمل، أو أصر على القول، فننظر إلى هذا العمل وإلى هذا القول، هل هو من الأقوال أو الأعمال المكفرة؟ إذا كان الأمر كذلك فيكفر به.

    أنا أتكلم على قيام الحجة العامة والمعتبرة، وليس مجرد أن هذا بينك وبين أبيك وكفى؛ لأن قيام الحجة لها شروط وضوابط ليس هذا محلها؛ لكني أقول: لا يكفر المرء إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه -حتى ينتفي عنه مانع من موانع التكفير وهو الجهل- والحجة الرسالية: قال الله وقال الرسول وأجمع أهل العلم، وأن يفهم ما يتلى عليه شرحاً وبياناً وإيضاحاً؛ حتى لا يكون له يوم القيامة عذر بين يدي الله عز وجل، إلا إصراره على ما هو عليه من قول أو عمل، وإذا كان هذا العمل ليس من الأعمال المكفرة فينظر: هل هو من الأعمال التي يأثم بها في باب الواجبات أو المحرمات، أو أن هذا العمل في باب الكمال والاستحباب أو في المباحات، وأنه فوت على نفسه -وإن لم يأثم- فضلاً عظيماً وثواباً عميماً.

    يحتاج إلى معرفة أن هذا صنم، وقد سجد رجل أمامي لصنم في أمريكا، وهذا الصنم على عمود من الأعمدة، والذي لا ينظر إلى قمة العمود يتصور أنه عمود قائم؛ لأن رأس الصنم فوق، فالذي لا ينظر إلى فوق لا يعلم أن هذا صنم.

    إذاً: هذا الباب باب واسع، بل أوسع من باب الفقه، إذ إن باب الفقه عندما نتكلم فيه عن مسألة من مسائل الفقه؛ كل واحد منا يدور في ذهنه فرعية من الفرعيات.

    بينما مسائل الإيمان والكفر أوسع من ذلك بكثير، وأنا قلت في أول المحاضرة: اعتبروا أن هذا أول درس في مسائل الإيمان والكفر، ويبقى معنا بعد ذلك دروس عديدة، فأرجو ألا يتسرع الإخوة بتوجيه الأسئلة، وربما يأتي الجواب عن سؤالك دون أن تسأل.

    ونخلص مما ذكرناه إلى أن مجمل أقوال العلماء تنحصر في عبارات أو في كلمات وتعريفات: أن الكفر يكون بالقول أو الفعل كما يكون بالاعتقاد، ولذلك لم يقيده عامة السلف بالاعتقاد، وأن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، وأن الكفر يكون بالقول أو الفعل وإن لم يعتقد، وهذا كفر المنافقين، أي: أن هذا هو النفاق لأول وهلة.

    فلو أن رجلاً قد أتى بكلمة الإسلام وعمل في الظاهر بمقتضى هذه الكلمة، لكنه لم يعتقد صحة هذه الكلمة، فهل ينتفي تمام الإيمان بذلك؟ الجواب: لا؛ لأن العلماء هنا قد نصوا على عدم شرطية الاعتقاد؛ لأن المرء يكفر بمجرد العمل إذا كان متعلقاً بأصل الإيمان، وأن الكفر بالقول والعمل يثبت للمرء، ولو أنه قال ذلك أو عمل ذلك لغرض من أغراض الدنيا.

    نكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله تعالى لنا لقاءات كثيرة في مسائل الإيمان والكفر.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.