إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - الأقوال والأفعال التي تُورث النفاق وعلامات المنافقين

شرح كتاب الإبانة - الأقوال والأفعال التي تُورث النفاق وعلامات المنافقينللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ذم الله النفاق في كتابه وذكر له أوصافاً وخصالاً وحذر المؤمنين منها، وحذر النبي عليه الصلاة والسلام أمته من ارتكاب صفة من صفات المنافقين، والنفاق قسمان: أكبر وأصغر، وقد بين العلماء كل قسم من هذين القسمين، وما يتميز به عن قسيمه.

    1.   

    باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق وعلامات المنافقين

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق وعلامات المنافقين].

    روايات ابن مسعود وعبد الله بن عمرو لحديث علامات المنافقين

    قال: [عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً، وإن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)].

    وفي رواية أبي وائل [عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (علامة المنافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)]، ولم يذكر: (وإذا خاصم فجر).

    وفي رواية عنه قال: [(علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)].

    وفي حديث [عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً)] أي: أربع خصال إذا توفرت في عبد وكانت ديدنه كان منافقاً خالصاً، [(وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)].

    قال النووي : قوله: (كان منافقاً خالصاً) أي: شديد الشبه بالمنافقين، لا أنه خارج عن الملة.

    وقال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال ظاهرة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً في معنى هذا الحديث.

    [وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : (وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)] فهذه خمس خصال.

    [وقال ابن مسعود : ثلاث من كن فيه فهو منافق: من حدث كذب، ووعد فأخلف، واؤتمن فخان، فمن كانت فيه خصلة منهن ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها].

    كلام الإمام النووي على أحاديث علامات المنافقين

    يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: وهذا الحديث مما عده جماعة من العلماء من المشكلات. يعني: هذا الحديث ظاهره في غاية الإشكال، وهو أن علامات وخصال المنافقين توجد للمسلم المصدق الذي اطمأن قلبه بالإيمان.

    وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار؛ لأن إخوة يوسف عليه السلام كانت فيهم هذه الخصال ولم يحكم بكفرهم، فلأجل هذا كان الحديث فيه إشكال.

    قال: ولذلك اختلف العلماء في معناه، والذي قاله المحققون -أي: أصحاب الرأي السديد والقول الصواب والراجح وهم أكثر العلماء- أن معنى هذا الحديث: أن هذه خصال نفاق، ولكن لا يلزم من فعلها أن يكون الفاعل منافقاً مخلداً في النار؛ لأن أهل العلم يميزون بين الكفر والكافر، وبين النفاق والمنافق، وبين الفسق والفاسق، فربما يأتي المرء عملاً من أعمال الكفر وليس بكافر، وربما يأتي عملاً من أعمال الفسق وليس هو بفاسق، وكذلك النفاق.

    وهذه الخصال إنما هي خصال نفاق، وهي خصال المنافقين التي وردت في الكتاب والسنة، لكن لا يلزم من وجودها وجريانها على جوارح العبد المسلم الذي اطمأن قلبه بالإيمان قولاً وعملاً أن يكون منافقاً، بمعنى: أن يكون مخلداً في النار.

    قال: إن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام نفاقاً أكبر، بمعنى: أنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، هذا النفاق الذي يخلد صاحبه في النار، ويكون في الدرك الأسفل منها.

    أما هذه الخصال والخلال والأمارات والعلامات وإن كانت من أخلاق المنافقين، إلا أنها لو أتت على جوارح المسلم أو فعلها المسلم المصدق المؤمن؛ فإنه يكون قد تشبه بالمنافقين في بعض خصالهم، لا أنه منافق خالص، أي: خارج من ملة الإسلام وداخل في الكفر.

    ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في النار.

    وقال القرطبي : إن اختلاف هذه الخصال في الروايات لا يقصد به الحصر، وإنما يقصد به ذكر بعض خصال المنافقين.

    ولذلك جاء في رواية عند مسلم : (من خصال المنافقين: أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فـ (من) هنا للتبعيض، يعني: هذه الخصال المذكورة إنما هي بعض خصال المنافقين، ولم يرد النبي عليه الصلاة والسلام حصر ذلك.

    ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أو غيرها، أنها منبهة على ما عداها. يعني: هناك خصال أخرى، إذ أصل الديانة منحصر في ثلاثة: القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب؛ لأن الكذب متعلق باللسان، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف. ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري.

    حديث (لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب ...) وما في معناه كلام السلف

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ، ولا يجتمع الصدق والكذب جميعاً في قلب مؤمن، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعاً)].

    قال: [وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب]. يعني: المرء يطوي قلبه ويعزم نفسه على أن يتخلق بجميع الأخلاق، وربما تكون في المرء المسلم خلال وخصال لا ينبغي أن يتخلق بها؛ لأنها من أخلاق غير المسلمين، لكن الذي ينبغي أن يتنزه عنه المسلم هو الكذب والخيانة.

    قال: [وعن عبد الله قال: المؤمن يطوى على كل خلة، إلا الخيانة والكذب].

    قال: [وقال الحسن : كانوا يقولون: من النفاق اختلاف اللسان والقلب، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج]. يعني: كانوا يعدون هذه من خصال المنافقين؛ أن يختلف قوله عن مكنون قلبه، فيفصح بلسانه بضد ما استقر في قلبه، وكذلك اختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج.

    قال: [وقال حذيفة : المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلنا: يا أبا عبد الله! وكيف ذلك؟ قال: لأن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء أعلنوه].

    يعني: كان المنافقون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا تزال فيهم بقية من حياء، فكانوا يخفون نفاقهم، وينبغي أن تلحظ أن حذيفة رضي الله عنه القائل لهذا الكلام، إنما تكلم به في زمن التابعين، فتصور أنه يقول: المنافقون في زمن النبوة خير من المنافقين في زمانكم، فماذا لو أن حذيفة رضي الله عنه اطلع على منافقي وملاحدة هذا الزمان؟

    قال الإمام الخطابي في شرح هذا الحديث: ومعناه أن المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا قد أسلموا، وإنما يظهرون الإسلام رياءً ونفاقاً، ويسرون الكفر عقداً وضميراً، فأما اليوم فقد شاع الإسلام وتوالد الناس عليه وتوارثوه -يعني: ولدوا في بيئة إسلامية- فمن نافق بأن يظهر الإسلام ويبطن خلافه فهو مرتد؛ لأن نفاقه نفاق كفر أحدثه بعد قبول الدين والإيمان.

    [وقال شقيق بن سلمة : قال عبد الله بن مسعود : المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلنا: وكيف ذاك؟ قال: لأن أولئك أسروه وهؤلاء أعلنوه].

    [وقال حذيفة : إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فهو الكفر بعد الإيمان]. يعني: فهو الكفر الصريح بعد الإيمان، لأنه ردة.

    [وعن حذيفة لما سئل: ما النفاق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به]. أي: الذي يصف الإسلام للغير ولا يعمل به. فعمله مخالف لقوله، وهذا الذي بين لنا اختلاف الدخول والخروج، واختلاف اللسان مع عقد القلب، واختلاف السر والعلانية.

    [وقال حذيفة : إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون بها منافقاً، وإني لأسمعها اليوم من أحدكم في المجلس عشر مرات]. وهذا دليل على أن الناس في نقصان في إيمانهم إلى قيام الساعة.

    وروايات كثيرة يشهد بعضها لبعض لأن معناها واحد: [أن فلاناً وفلاناً وفلاناً كانوا جلوساً على باب حذيفة فتحدثوا بينهم بحديث، فخرج عليهم حذيفة فامتنعوا -أي: سكتوا عن الكلام- فقال حذيفة : ما كنا نعد النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا، أنكم تسرون أقوالكم أمام أهل الإيمان وتفشونها إذا انصرف عنكم أهل الإيمان.

    وفي رواية أنه قال: إنكم تتكلمون كلاماً إن كنا لنعده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق، وإنها ستكون فتن بين المؤمنين].

    كلام السلف في الدخول على الأمراء والثناء بغير حق وأنه من النفاق العملي

    وفي رواية [عن أبي الشعثاء: قال: قيل لـابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره. فقال: كنا نعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق]. وأنتم تعلمون أن كثيراً من العلماء والمشايخ إنما يدخلون على الأمراء والسلاطين، فيقولون لهم أقوالاً يعلمون أنها خلاف شرع الله عز وجل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ومن اقترب من السلطان افتتن)، فأعظم فتنة في دين المرء ودنياه أن يطرق باب السلطان، إلا أن يكون سلطان ديانة، أي: صاحب دين يحتاج إلى مؤازرة ومساندة أهل العلم من الصالحين والأتقياء الذين يبذلون له النصيحة في الليل والنهار كما كان الأمر في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

    [وعن عروة قال: قلت لـعبد الله بن عمر : إنا لندخل على الأمراء يقضي أحدهم بالقضاء نراه زوراً فنقول: وفقك الله]. أي: يدعون له مع أنهم يعلمون أنه ما نطق إلا بالزور، وهم مع ذلك يدعون له.

    [وننظر إلى الرجل منا فنثني عليه، قال: أما نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نعد هذا نفاقاً، فما أدري ما تعدونه أنتم؟!]

    وهذا كلام يخرج مخرج التقريع والتوبيخ والذم لهذا الفعل؛ لأن هذا كان هو النفاق على عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

    [وعن إبراهيم النخعي قال: جاء رجل إلى ابن عمر ، فقال: إنا ندخل على أمرائنا فنزكيهم ونثني عليهم، ثم نخرج من عندهم فنسبهم، قال: كنا نعد ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم النفاق].

    [وعن عبد الله قال: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه ويخرج وما معه من دينه شيء].

    يعني: يحل له الحرام، ويحرم عليه الحلال، يرضيه بسخط الله عز وجل، فيخرج وقد تأثر دينه جداً، ولذلك دخل أحد الصالحين في حلقة رجل من أهل العلم، فدخل عليه رسول السلطان فناوله صرة، فأنفقها العالم في الطلاب قبل أن يقوم من مقامه، فقال له ذاك الرجل الصالح: أقبلت هدية السلطان؟ قال: يا فلان! أما رأيت ما قد تصرفت فيها، إني أنفقتها في أهل العلم وطلابه.

    قال: أبالله عليك أقلبك على السلطان بعدها كقلبك عليه قبلها؟ قال: لا والله، وأشهدكم أني حمار! هذا كلام العالم، حتى وإن لم يكن صاحب منفعة أو وجاهة، المهم أنه اقترب من السلطان بنوع اقتراب.

    أنا أقول: إن الاقتراب كذلك من الأغنياء باب من أبواب الاقتراب من السلاطين، الغني لا يقبل منك إلا ما يوافق هواه وغناه، ويعلم الله عز وجل أن ظفر الأخ الفقير الذي لا يملك ثمن المواصلات إلى حضور مجلس العلم؛ لهو خير عندي من مائة غني، وإني لعلى يقين أن جل الأغنياء لا خير فيهم، إنما الخير كل الخير في الفقراء والمساكين، ولذلك هم أتباع الأنبياء، ليسوا أتباع النبي عليه الصلاة والسلام فقط، فأتباع الأنبياء هم الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات، والواحد منهم يبذل روحه قبل أن يبذل ماله في سبيل نصرة دين الله عز وجل، وليس معنى ذلك أن كل الأغنياء لا خير فيهم، بل جلهم لا خير فيهم، وإن الغني إنما يأخذ منك الفتاوى المفصلة على هواه وعلى شهوته، أما أن يقبل دين الله عز وجل كله ويطبقه على نفسه ويذل نفسه للمؤمنين، فهذا لا يكون من الأغنياء إلا في النزر اليسير جداً، إذا كان هذا في الأغنياء الذين لا سلطان لهم ولا وجاهة، ولا يملكون مقدرات الأمور كما يملك السلاطين بإذن الله تعالى، فما بالك بالسلطان الذي يؤذيه أن يسمع أمراً أو نهياً، حلالاً أو حراماً، فهذا بلا شك أمر خطير جداً أن يقترب العالم من السلطان، لابد للعالم -قبل أن يأخذ شيئاً من السلطان ينتفع به في دنياه- أن يعلم أن السلطان يأخذ من دينه أضعاف ما أعطاه من دنياه.

    قال: [إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه ويخرج وما معه من دينه شيء. قيل: لم يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: لأنه يرضيه بما يسخط الله].

    حديث حذيفة (القلوب أربعة)

    قال: [وعن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلق]. أي: عليه غشاوة لا يقبل ولا يسمع الحق، [فذاك قلب الكافر، وقلب مصفح اجتمع فيه النفاق والإيمان]، ومعنى المصفح الذي له وجهان، يأتي أهل الكفر بوجه الكفر، ويأتي أهل الإيمان بوجه الإيمان.

    قال: [فذاك قلب المنافق. وقلب فيه إيمان ونفاق؛ فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل المنافق مثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيها غلب عليه غلب]. يعني: إذا مده الماء الطيب غلب إيمانه على نفاقه، وإذا كان المدد قيحاً وصديداً غلب عليه نفاقه.

    وفي رواية عند ابن أبي شيبة في جزء الإيمان قال: وقلب فيه سراج يزهر فذاك قلب المؤمن. وهذا السراج إنما هو سراج الإيمان والتوحيد.

    حديث ابن عمر (مثل المنافق في أمتي مثل الشاة العائرة بين الغنمين)

    قال: [وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المنافق في أمتي مثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيتها تتبع)]، الشاة العائرة هي المتحيرة التي لا تميل إلى هذه الشياه ولا إلى تلك الشياه، ليست تابعة لهذه الغنم ولا لتلك، إنما تذهب إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة، فهي مذبذبة لا تستقر هنا ولا تستقر هناك، وكذلك المنافق يدور أمره بين إظهار وجه الكفر للكفار، وإظهار وجه الإيمان لأهل الإيمان، فلا هو يستقر مع الكفار ويكون صريحاً واضحاً، ولا هو يستقر مع أهل الإيمان فيكون صريحاً واضحاً. والحديث أخرجه مسلم.

    حديث أبي هريرة (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى ...)

    حديث ابن المسيب (كيف سمعت رسول الله يقول في المنافق ...)

    قال: [وعن أبي طوالة قال: كنت جالساً عند سعيد بن المسيب بالسوق، فمر به رجل فدعاه فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المنافق]، سعيد بن المسيب يسأل هذا الرجل وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

    [قال: سمعته يقول: (إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف. فمر به آخر من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فدعاه سعيد فقال مثل ذلك، ثم مر به آخر فسأله فقال مثل ذلك)].

    آثار السلف في كثرة النفاق العملي وانتشاره

    قال: [وعن أبي البختري قال: قال رجل: اللهم أهلك المنافقين. قال حذيفة : لو هلكوا ما انتصفتم من عدوكم].

    يعني: أن نفاق العمل الذي لا يخرج به المرء من الإسلام قد كثر جداً، ولو أن هؤلاء المنافقين هلكوا -لأن الدعوة عامة، حيث قال: اللهم أهلك المنافقين- لبقي قلة قليلة جداً من أهل الإيمان الذين لم يتخلقوا بأخلاق المنافقين ولم يقعوا في خصال النفاق، وحينئذ يستوحشون جداً؛ لأنهم قلة.

    وأنا متصور لو أن الله تعالى يستجيب دعوة الإمام مثلاً وهو في المنبر عند أن يقول: اللهم أهلك المنافقين، وهو يشمل منافق العمل وغيره؛ فإن أول من يهلك هو الإمام ومن وراءه، ولن يبقى في المسجد أحد.

    ومع وجود هذا النفاق العملي لو قلنا: حي على الجهاد، كل هؤلاء الناس سيجاهدون، ففي هذه الحالة نكون انتصفنا من العدو وإن كان فينا من لا يستحق النصر، لكنها شعب وأخلاق، فهو هنا يتكلم عن النفاق العملي.

    ومرة من المرات قال لي شخص: أنا أتمنى أن يرسل الله عز وجل لي علامة إذا وقعت في معصية أن يحرق ثوبي على بدني. قلت له: إذاً ستمشي عرياناً دائماً؛ لأن المرء لا يخلو من معصية، إما باطنة وإما ظاهرة، فقلت له: هذا ستر الله عز وجل عليك.

    فقال: لو أن المنافقين هلكوا لما انتصرتم في القتال. أي: فلن تجدوا أحداً يجاهد معكم، فاجعلوا الأمر مستوراً.

    قال: [وقال الحسن : لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرق]. يعني: سيكون أهل الإيمان ثلة قليلة جداً فقلَّ أن تجد من كل حارة أو شارع أو حي مؤمناً.

    وحديث حذيفة بن اليمان لما تكلم عن الأمانة -والحديث طويل- وفي نهايته قال: وأما اليوم فلا أتعامل إلا مع فلان وفلان. يريد أن يقول: إن الأمانة خرجت من قلوب الرجال، حتى لم تبق أمانة بالمرة، ولو أني أردت أن أتعامل مع أحد لتعاملت مع فلان وفلان من بني فلان وبني فلان.

    وهذا أمر عظيم وشديد على النفس أن حذيفة لا يختار لدنياه ولدينه من أمة بأسرها إلا شخصين اثنين أو ثلاثة يعاملهم ويتعامل معهم، أما الباقون فقد ضاعت منهم الأمانة، ومعلوم أن ضياع الأمانة خصلة من خصال النفاق، فحينئذ بقاء الأمر على ما هو عليه -ما دام أن الأمر لا يخرج به صاحبه من دائرة الإسلام- فيه مصلحة المجموعة الإسلامية أو الإيمانية.

    قال: [وعن الشعبي قال: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات].

    قال: [وعن مالك بن دينار قال: أقسم لو نبت للمنافقين أذناب ما وجد المؤمنون أرضاً يمشون عليها]. يعني: لو أن الله عز وجل جعل علامة للمنافق، أو عاقب كل من كانت فيه خصلة من خصال النفاق العملي الذي لا يخرج به المرء من الملة، بأن جعل له ذيلاً وذنباً يظهر في بدنه؛ لاطلع كل منا على ذنب صاحبه، فإنه كلما ينظر في وجه صاحبه وأنه كان يظنه من الطيبين أو من الصالحين ويجد له ذنباً؛ يصب بإحباط ويستوحش، فيقول: ما الذي حدث، لم يبق في الناس خير؟ وعندما ينظر يجد نفسه في وسط أمة هو الوحيد الذي ليس له ذنب، فهذا مع من سيجلس؟ ويتكلم مع من؟ ويجاهد مع من؟ ويؤدي فروض العين مع من؟ وفروض الكفاية مع من؟ وهذا أمر عجيب جداً، وفيه وحشة شديدة جداً.

    فالمراد من هذه النصوص أن النفاق كثر في الأمة، وأن صاحبه لا يخرج به من الملة، إنما يخرج صاحب النفاق الأكبر -أي: نفاق الاعتقاد والجحود والعناد وغير ذلك- من ملة الإسلام، ويدخل في حظيرة الكفر.

    قال: [وعن الشعبي : ما أدري ما تقولون! من كان كذاباً فهو منافق].

    الشعبي يوبخ قومه فيقول: الكذاب منافق، أي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (علامة المنافق: إذا حدث كذب)، فها هو النص يثبت النفاق للكذاب، لكن الشعبي يُبَكِّتُ من ظن أن هذا النفاق نفاق أكبر، وقال: أتظنون أن الكاذب منافق؟ يعني: هل يخرج بهذا الكذب عن دائرة الإسلام؟ الجواب: لا.

    1.   

    أقسام النفاق

    قال: [وعن الحسن قال: النفاق نفاقان]. يعني: أكبر وأصغر. قال: [نفاق بالتكذيب ونفاق بالعمل]، فمن نافق بتكذيب الله ورسوله وتكذيب الشرع، فلا شك أنه خارج عن ملة الإسلام، ونفاق العمل كأن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، ويخاصم إذا فجر، فكل هذا بلا شك لا يخرج به صاحبه من الملة.

    والفجور في الخصومة مثل أن نفترض أننا نقع في بعض ونختلف مع بعض، والذي سيحصل أنني أتكلم بكل المخازي التي عندك وأنت تقول كل المخازي التي عندي، وهذا نسميه فجوراً في الخصومة.

    أما أهل الإيمان فهم الذين يسترون على بعضهم البعض حتى إذا وقعت بينهم الخصومة، أما المنافقون فإن كل واحد منهم يتغاضى عن كل الأخطاء، حتى إذا وقعت بينك وبينه خصومة فإنه يخرج عيوبك كلها والفضائح، وهذا بلا شك خصلة من خصال المنافقين، لا أقول: إن من فعل ذلك يكفر، وإنما أقول: هذا خلق من أخلاق المنافقين ينبغي أن يتنزه عنه أهل الإيمان.

    قسم علماء السلف النفاق إلى قسمين: نفاق قلب، ونفاق عمل.

    فنفاق القلب هو نفاق التكذيب الذي يتصل بالمعتقد، أما نفاق العمل فهو معصية كسائر المعاصي، وخلق مشين يتصف به المنافقون، ولا يلزم من ذلك إخراجه من الملة.

    قال الحافظ ابن حجر معلقاً على ترجمة الإمام البخاري لهذا الحديث: (باب علامة المنافق)، قال: لما تقدم من إثبات أن مراتب الكفر متفاوتة. فهناك للكفر مراتب ودرجات، وكذلك الظلم. فالكفر كفران، قال عليه الصلاة والسلام: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فالذي يحلف بغير الله عز وجل وأسمائه وصفاته لا يخرج من الملة، وهذا كفر العمل، فكما أن الكفر كفران، فكذلك الفسق فسقان، وكذلك النفاق نفاقان.

    قال: وكذلك الظلم. فقد تكلم الإمام البخاري عن أقسام الظلم ثم تكلم عن أقسام النفاق، قال: والنفاق نفاقان.

    قال الكرماني : مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن النفاق علامة عدم الإيمان، أو ليعلم منه أن بعض النفاق كفر دون كفر، وبعض النفاق يخرج صاحبه من الملة.

    والنفاق لغة هو: مخالفة الظاهر للباطن، يعني: يتكلم المرء بكلام ويبطن خلافه.

    فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإذا كان متعلقاً بالعمل، فهو نفاق العمل الذي لا يخرج به صاحبه من الملة، وهذا هو الضابط.

    قال: ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه.

    قال الإمام البغوي : والنفاق ضربان، يعني: أنه قسمان ونوعان.

    أحدهما: أن يظهر صاحبه الإيمان وهو مسر للكفر، كالمنافقين الذين كانوا على عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

    والثاني: ترك المحافظة على حدود وأمور الدين سراً ومراعاتها علناً، فهذا يسمى منافقاً، ولكنه نفاق دون نفاق، لا يكفر به صاحبه ويخرج من الملة.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان. والإسلام يشمل من نطق به وإن لم يكن في قلبه ذرة من إيمان، وهذا إسلام المنافقين، فهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، لكنهم عند الله كفاراً وعند الخلق مسلمين.

    قال: وهو النفاق المحض، كما أن الإسلام يتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن، ولكن لم يفعل الواجب كله، لا من هذا ولا في هذا، وهم الفساق، يعني: هو فعلاً محب لله ورسوله، بخلاف المنافق فإنه مبغض لله ورسوله، فهذا كالمنافق تماماً بتمام في إعلان كل واحد منهما للإسلام والنطق بالشهادتين، أما المنافق فقد أبطن خلاف ما أظهر، وأما هذا فإن باطنه كظاهره يحب الله تعالى ورسوله ولا يرضى بالإسلام بديلاً، لكنه فرط في الواجبات فارتكب المحرمات وترك المأمورات، فهذا فاسق.

    ويكون في أحدهم شعبة نفاق، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان، ولم يأت بتمام الإيمان الواجب، وهؤلاء ليسوا فساقاً تاركين فريضة ظاهرة، ولا مرتكبين محرماً ظاهراً، لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علماً وعملاً ما كانوا به مذمومين. وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف رضي الله عنهم على أنفسهم، وهو نفاق العمل، فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق.

    ويتعرض ابن القيم لهذا الموضوع قائلاً: وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، فأوجب لهم الدرك الأسفل من النار, ونفاق العمل كقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أربع من كن فيه كان منافقاً) وذكر الأدلة التي بين أيدينا.

    قال: فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، وعلاماته: إذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وهذه العلامات المذكورة لا تجتمع على جوارح العبد الذي قد اطمأن قلبه بالإيمان، فهو قد يأتي بجوارحه أفعالاً تخالف مكنون قلبه المطمئن بالإيمان، وهي خصال وأفعال المنافقين.

    فيقول: أصل الإيمان في قلبه وإن خالفت أفعاله ما كان في قلبه، لكن هذه الأفعال لا تبلغ به درجة الكفر، وهذا نفي للكمال الواجب.

    قال: لكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، فهذه الخصال وإن كانت كفراً عملياً قد تؤدي بصاحبها إلى الكفر، فلا يتصور قط أن من وقع منه الغدر مرة كمن ديدنه الغدر، ومن وقع منه الفجور مرة ثم تاب منه كمن ديدنه الفجور.

    هذه الخصال لو اجتمعت واستحكمت وسيطرت على قلب العبد، حتى كانت كل أفعاله غدراً وفجوراً وكذباً وغشاً وخداعاً وتمويهاً؛ فربما خرج من الإيمان بالكلية؛ لأنه سيتخذ هذه الخصال ديناً له بعد ذلك، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.

    فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال والخصال. فالمؤمن يقع في الغدر أو في الفجور أو في الكذب، لكن سرعان ما يتوب إلى الله عز وجل ويرجع ويندم ويكفر عن ذنبه، لكن إذا كان هذا ديدنه ولم يأمره قلبه بشيء؛ فهذا دليل على خلو قلبه من الإيمان.

    فقال: فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها؛ فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً.

    وإذا كان النفاق على ضربين: نفاق في العقيدة ونفاق في العمل، فمن الواضح أن مرتكبي هذه الكبائر من المعاصي التي لا تخرج المسلم عن إسلامه إلا إذا استحكمت في صاحبها -كما يقول ابن القيم - بحيث تصبح طبيعة له، فإن هذا الاستحكام يدل على عدم اعتباره بالعقيدة وما تقتضيه من المؤمن بها، وتصبح صلاته وصيامه وزعمه أنه مسلم مجرد ستار يحمي به دمه وماله، وإلا فلو كان كل ذلك يمثل حقيقة صادقة في عقله وقلبه لكان له أثر في سلوكه وعمله، ولم تستحكم فيه هذه الكبائر على النحو الذي ذكرنا.

    أما من لم تستحكم فيه الكبائر استحكاماً يخرجه عن إسلامه ويلحقه بالنفاق الاعتقادي؛ فإن نفاقه يعتبر من الضرب الثاني، وهو النفاق العملي.

    1.   

    الأحاديث الواردة في نفاق الرياء والمنافقين من القراء

    قال: [قال عمر : (عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أخوف ما أخاف عليكم منافق عالم اللسان، وفي رواية: (منافق عليم اللسان)] يعني: أنه فصيح وبليغ، يتكلم بكلام أحلى من العسل حتى يأخذ تلابيب القلوب.

    قال: (يجاء بالرجل يوم القيامة يلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه) أي: تنزل أمعاؤه في النار أمامه. (فيدور به كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه الناس فيقولون: يا فلان! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)، فهذا جزاؤه يوم القيامة.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (إن أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان) يعني: إنساناً فصيحاً وبليغاً.

    [وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثر منافقي أمتي قراؤها)]، يقصد بالنفاق هنا شعبة الرياء؛ لأن الرياء شرك أصغر، وهو باب من أبواب النفاق العملي.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (أكثر منافقي أمتي قراؤها)؛ لأن القراء هم أصحاب الفضل، وإنما يزينون بعلمهم وقراءتهم ما عندهم من علم يستعطفون بذلك الناس ويستدرون مدحهم وأموالهم، لكنهم في حقيقة الأمر لا يبتغون بهذه القراءة ولا بهذا العلم وجه الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة: مجاهد، وعالم، وجواد)، وقد ذكر هؤلاء الثلاثة لأنهم أصحاب الفضل، والناس يتطلعون إليهم، بل هم الذين يحرصون على حسن الثناء والذكر الجميل بين الناس، بخلاف غيرهم فإنهم لا يحرصون على ذلك أصلاً.

    فعامة الناس لا يحرصون على الثناء، وإنما الذي يحرص على الثناء رياءً وسمعة هو صاحب الفضل، ولذلك يجاء بهم يوم القيامة فيكونون أول الداخلين في النار حتى تسعر بهم، ويكونون هم وقود النار.

    فيجاء بهم يوم القيامة، حتى يقف هذا المجاهد بين يدي الله عز وجل وبعد أن يعرفه الله تعالى نعمته عليه يقول: ماذا فعلت فيها؟ يقول: يا رب! جاهدت فيك. فيقول: كذبت، بل جاهدت ليقال مجاهد، بل أنفقت ليقال جواد، بل تعلمت العلم ليقال عالم، فيؤمر بهم فيسحبون على وجوههم، حتى يلقوا في النار ولا كرامة، نسأل الله السلامة.

    قال الشيخ عبيد الله بن محمد وهو المعروف بـابن بطة: [فإن سأل سائل عن معنى هذا الحديث: (أكثر منافقي أمتي قراؤها) وقال: لم خص القراء بالنفاق دون غيرهم؟

    فالجواب عن ذلك: إن الرياء لا يكاد يوجد إلا فيمن نسب إلى التقوى]، يعني: الرياء دائماً ينسب لأهل التقوى؛ لأنهم في حاجة إليه.

    قال: [ولأن العامة والسوقة قد جهلوه]، أي: لا يعرفون التقوى.

    [والمتحلين بحلية القراء قد حذقوه]، أي: صاروا فيه مهرة.

    [والرياء هو النفاق، لأن المنافق هو الذي يسر خلاف ما يظهر، ويسر ضد ما يبطن، ويصف المحاسن بلسانه ويخالفها بفعله، ويقول ما يعرف، ويأتي ما ينكر، ويترصد الغفلات لانتهاز الهفوات.

    وقال ابن المبارك رحمه الله: هم الزنادقة؛ لأن النفاق على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام هي الزندقة فيمن كان بعده].

    1.   

    الأحاديث الواردة في أن الغناء والفواحش تنبت النفاق في القلب

    قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: الغناء ينبت النفاق في القلب].

    [وعن أبي وائل : أنه دعي إلى وليمة فرأى لعابين -أي: لهايين- فخرج وقال: سمعت ابن مسعود يقول: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل].

    قال الشيخ ابن بطة: [فهذا عبد الله بن مسعود رحمه الله يعلمك أن استماع الغناء ينبت النفاق في القلب، يعني: مجرد استماع الغناء ينبت النفاق في القلب]؛ لأن عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا.

    فلو كان قلب المسلم نقياً صافياً، ما شبع من كلام الله عز وجل.

    قال: [فما ظنك بارتكاب الفواحش، والإصرار على الكبائر، والاستهانة بالموبقات التي تسخط الرب تعالى، فكم بقاء الإيمان المنزه معها سوءة لمن زعم أن الإيمان قول لا يضر قائله ترك الفرائض، ولا ينقصه ارتكاب الكبائر]؟ وهذا رد على المرجئة الذين يقولون: المؤمن هو المصدق، فمن صدق بالإيمان استوى إيمانه مع إيمان جبريل وميكائيل.

    ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا الكلام في غاية السقوط والبطلان.

    ونفاق العمل لابد وأنه واقع في الأمة، وليس يعني ذلك الإذن للأمة والرخصة بالبقاء على هذه الخصال المذمومة، وإنما هذا تحذير لهذه الأمة أن تتخلق بأخلاق المنافقين أو أن تتصف بصفاتهم.

    1.   

    داء النفاق وصفات المنافقين من كتاب مدارج السالكين

    وفي كتاب تهذيب مدارج السالكين يقول تحت عنوان داء النفاق، في المجلد الأول: وأما النفاق فهو الداء العضال الباطل الذي يكون الرجل ممتلئاً منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيراً ما يخفى على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح، وهو في حقيقة الأمر مفسد، وهو نوعان: أكبر وأصغر، فالنفاق الأكبر يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولاً للناس، يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه.

    ضرر المنافقين واتصافهم بالفساد والإفساد

    وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن، وجلّى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية في أول ربع من سورة البقرة، وذلك لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.

    والمنافق في هذه الأيام يتكلم من باب الدفاع عن الإسلام في كتاب الله، وفي أحاديث اتفقت كلمة الأمة على صحتها وقبولها بالتواتر، ومع هذا فإنه يقول: هذا كلام لا يتناسب مع العقل والتكنولوجيا والتمدن.. وغير ذلك، ومعظم ما تتناقله كتب السنة لا يتناسب مع روح العقل، ويجملون وجوههم القبيحة بأنهم يدافعون عن الإسلام لا يدفعون الإسلام، هكذا يقولون!

    فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من علم له قد طمسوه، وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوه، وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها، فلا يزال الإٍسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:12]، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8]، اتفقوا على مفارقة الوحي. أي: كلمة المنافقين وعلامتهم أنهم اتفقوا فيما بينهم على مفارقة الوحي.

    فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون، كما قال تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53].

    وقال تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112]، ولأجل ذلك: اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30].

    درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها -يعني: ليسوا يعرفون علامات الإيمان- ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلتت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها، لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله، ولم يرفعوا به رأساً، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأساً، خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة، وعزلوها عن ولاية اليقين، وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة فقالوا: ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئاً من اليقين، حسبنا ما وجد عليه خلفنا من المتأخرين، فإنهم أعلم بها من السلف الماضين، وأقوم بطرائق الحجج والبراهين، وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور، ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر، ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحذور، فطريقة المتأخرين أعلم وأحكم، وطريقة السلف الماضين أجهل لكنها أسلم.. هكذا يقولون.

    والأشاعرة إذا تكلموا في الصفات يقولون: طريقة السلف أحسن وأسلم، وطريقة الخلف أعلم؛ يعنون: طريقة الخلف الذين يؤولون ويفوضون العلم والمعنى، أما طريقة السلف فهي أسلم وأحكم. وهذا كلام في غاية السقوط والبطلان، لا يمكن أن يكون هذا أبداً، فطريقة السلف أسلم وأحكم وأعلم، أما طريقة الخلف فهي طريقة مردودة باطلة لا حاجة لنا بها.

    قال: قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون، كما قال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:10].

    صفات المنافقين عند سماع القرآن وحضور العبادات البدنية والتربص بالمؤمنين

    قال: أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن، وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون، كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18].

    لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن، بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان، قام بهم والله الرياء وهو أقبح مقام قامه الإنسان، وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن، فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلاً -يعني: من علامات المنافقين أنهم ليسوا مخلصين- كما قال تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، فهذه ثلاث علامات: إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون بهذه العبادة الناس، كما أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً.

    أحدهم -أي: هؤلاء المنافقين- كالشاة العائرة بين الغنمين، أي: المتحيرة بين مجموعتين من الغنم.

    تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، ولا تستقر مع إحدى الفئتين، فهم واقفون بين الجمعين ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلاً، كما قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143].

    كما أن من علاماتهم: أنهم يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، يعني: يتربصون الدوائر وينتظرون السقطات والهفوات لأهل السنة والقرآن.

    فإن كان لهم فتح من الله قالوا: ألم نكن معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم، وإن كانت الدائرة لأعداء الكتاب والسنة ولهم نصرة ونصيب قال المنافقون: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم -يعني: يميلون إلى الكفار إذا كانت الدائرة لهم- وأن النسب بيننا قريب، فيا من يريد معرفتهم! خذ صفاتهم من كلام رب العالمين فلا تحتاج بعده دليلاً، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141].

    يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه. وهذه أيضاً من علامات المنافقين، وهي أنهم يتكلمون بكلام جميل جداً جداً، ولكن هذا على الجاهل، أما العالم فلا.

    قال: وكذلك يشهد الله على ما في قلبه من كذبه وتمويهه، فتراه عند الحق نائماً وفي الباطل على الأقدام واقفاً، فخذ وصفهم من قول القدوس السلام: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204].

    أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد. يعني: لا يأمرون بالمعروف، إنما يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.

    يقول: وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد. يعني: هم كذلك يصلون ويصومون ويحجون، بل ويجاهدون في صفوف الموحدين، ومع هذا قال الله تعالى: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205].

    إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، أي: كلما تقول لهم: ألسنا مأمورين عند الخلاف والنزاع أن نحكم الكتاب والسنة؟ فيقولون: معذرة، اترك هذا الكتاب على جنب، واترك السنة على جنب، واترك ربنا على جنب والرسول على جنب ولنحتكم إلى العقل! فحقيقة أن هذه النصوص كانت في الزمن الماضي، نزلت في مشركي مكة أو في يهود المدينة أو في نصارى الشام.. فهذا كفر يا إخوان وردة صريحة جداً لا تحتاج إلى اجتهاد، لو أتى جاهل وقال: هذا ردة والقائل بها مرتد لا نطالبه قط بثبوت الاجتهاد لديه أو العلم؛ لأن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة.

    قال: إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله رأيتهم عنه معرضين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمداً بعيداً، ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضاً شديداً، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء:61]، فيقول القائل منهم: لا أريد ديناً، ليس كلما أكلمك تقول: إن ربنا قال والرسول قال! وهذه علامة المنافق، نحن كلنا نقول ذلك، وآباؤنا وأمهاتنا وبلادنا وأمتنا كلها تقول هذا الكلام، إذاً: فعلاً لو خرج للمنافق ذنب سيستوحش المؤمن، بل إنه لن يجد أحداً، كلما تقع عينه على شخص يجد له ذنباً، وسيموت كمداً، والله عز وجل ساتر لنا.

    صفات المنافقين في أجسامهم وكلامهم

    قال: تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه. يعني: يحلف لك أيماناً مغلظة على صحة قوله من غير أن تطالبه باليمين، بل هو يتبرع به ابتداء.

    لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه، فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه، وكذلك أهل الريبة يكذبون ويحلفون ليحسب السامع أنهم صادقون، قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المنافقون:2]، يعني: وقاية وستراً.

    فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المنافقون:2] يعني: تباً لهم، برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلما رأوا طول الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا، وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم، فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا، فكيف حالهم عند اللقاء -أي: لقاء الله عز وجل- وقد عرفوا ثم أنكروا، وعموا بعدما عاينوا، وأبصروا الحق وأنكروه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3].

    وهم كذلك أحسن الناس أجساماً، وأخلبهم لساناً، وألطفهم بياناً، وأخبثهم قلوباً، وأضعفهم جناناً، فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها، قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها لئلا يطأها السالكون، قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].

    ومن علاماتهم: أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب، إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب، ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان.

    إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم، لا يفرحون بذلك.

    وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم، ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم، كما قال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران:120] كره الله طاعتهم، يعني: الله تعالى لا يحب منهم الطاعة؛ بل يكرهها لخبث قلوبهم وفساد نياتهم، فثبطهم عنها وأقعدهم، وأبغض قربهم منه وجواره؛ لميلهم إلى أعدائه، فطردهم عنه وأبعدهم، وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما أسعدهم، وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين، فقال تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46].

    ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم، وأن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم، فقال وهو أحكم الحاكمين: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:47].

    ثقلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها، وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها، ولقد هتك الله أستارهم، وكشف أسرارهم، وضرب لعباده أمثالهم، واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، يعني: أن المنافقين باقون إلى قيام الساعة.

    بيان الله لصفات المنافقين وأن المؤمنين يعرفونهم من فلتات ألسنتهم وتقاسيم وجوههم

    قال: فذكر الله تعالى لذلك أوصافهم لأوليائه ليكونوا منهم على حذر، وبينها لهم فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9].

    أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم وفلتات اللسان.

    أيها الإخوة! إن الشخص مهما كتم شيئاً لابد أن يظهر إما على وجهه أو لسانه، ولابد أن يفضح؛ لأن هذا حكم الله تعالى فيه.

    قال: ووسمهم لأجلها بسيم لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان، وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد.

    الصيارف والنقاد يعرفون العملات المزيفة من الصحيحة، لأنهم متخصصون، فهم يفهمونها مباشرة، كذلك أهل العلم والبصيرة والإيمان يجلسون مع المنافق جلسة واحدة فيقولون: هذا منافق، فهم مثل الصيارفة بالضبط، ولذلك قال بعض الطلاب لرجل من المحدثين: كيف تعرف أن الحديث معلول؟ قال: أن تأتيني به فأقول لك إنه معلول، فتذهب به إلى محمد بن وارة فيقول لك: معلول، فتذهب به إلى فلان فيقول لك: معلول، فإذا اجتمعت كلمتنا فاعلم أن الحديث معلول.

    وهذا لكثرة عناية أهل العلم بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فشخص مثل الدارقطني مجرد أن ينظر في الحديث يقول: هذا ثابت أو ليس بثابت، فإن الدارقطني إمام الدنيا في زمانه، ليله ونهاره مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام حتى صارت عنده ملكة، كمثل من يجد نصرانياً في الشارع، فالذي عنده بصيرة يعرفه من مظهره أنه نصراني.

    فالله سبحانه وتعالى وضع في قلبك نوراً اسمه نور الإيمان والبصيرة، تعرف به أعداء الله عز وجل من المنافقين والكذابين والدجالين والنصارى واليهود.

    قال: كيف ذلك والناقد البصير قد كشفها لكم، كما قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [محمد:29-30]، أي: مجرد ما تنظر في وجه الواحد منهم تعرف أنه منافق من غير أن يقول الله عز وجل لك: يا محمد! هذا منافق، فبمجرد العلامات والأمارات وتقسيمات الوجه تعرف أنه منافق، قال تعالى: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30] فسماه لحناً، وطراوة وجمالاً في العبارة واللفظ، ودقة وأداء وحسن تعبير، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان)، يعني: كما يقال: معلم كبير جداً، يتكلم بكلام يأخذ قلبك ويسحبه معه، تقول: سبحان الله! ما هذا الجمال، أيعقل أن في هذا الزمن شخصاً يتكلم بالبلاغة والفصاحة هذه؟ وتجده عند الله لا يساوي تعريفة، لأنه منافق أو مراءٍ.

    صفات المنافقين وجزاؤهم يوم القيامة

    قال: فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق -أي: يوم لقاء الله عز وجل- وتجلى الله جل جلاله للعباد وقد كشف عن ساق، أي: ساق المولى عز وجل.

    ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون، قال تعالى: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:43].

    أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام، وهو دحض مزلة مظلم، لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام، فقسمت بين الناس الأنوار، وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب، وأعطوا نوراً ظاهراً مع أهل الإسلام كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام، فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق.

    يعني: سيأتي المنافقون ومعهم بعض النور؛ لأنهم كانوا يصلون، ويصومون، ويزكون، ويحجون، ويجاهدون مع المؤمنين، فهم كذلك نورهم يسعى بين أيدهم مثل المؤمنين، لكن المؤمن يجوز الصراط كله بإيمان مستقر في قلبه، أما هؤلاء فإنهم يرزقون نوراً وإن كان ضعيفاً، لكن هذا النور لا يخدمهم إذا توسطوا الصراط، فتأتي عاصفة تذهب بنورهم، هذه العاصفة هي عاصفة النفاق، فسقطوا جميعاً في نار جهنم، والعياذ بالله.

    قال: فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح، فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور، فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح، باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة، ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان، ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13].

    يعني: أهل النفاق عندما تنطفئ عاصفة الإيمان أو عاصفة النور ينادون أهل الإيمان من بعيد: انْظُرُونَا أي: انتظروا، نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فينادي عليهم أهل الإيمان أو ينادي عليهم الملائكة: ارْجِعُوا أي: انظروا وراءكم، فَالْتَمِسُوا نُورًا وهذا على سبيل التقريع.

    قال: لنتمكن في هذا المضيق من العبور، فقد أطفئت أنوارنا، ولا جواز اليوم إلا بمصابيح من النور: قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13].

    فهذه والله أمارات النفاق فاحذرها أيها الرجل! قبل أن تنزل بك القاضية؛ إذا عاهدوا لم يفوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أعراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا.

    فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم؛ فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون.

    قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد.