إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أرواح المؤمنين أين تكون بعد الموت

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أرواح المؤمنين أين تكون بعد الموتللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يجب الإيمان به إيماناً جازماً أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر معلقة تأكل من ثمار الجنة حتى يردها الله عز وجل إلى أجسادهم، كما يجب الإيمان بأن أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة تتفاوت مراتبها ودرجاتها بتفاوت مراتبهم ودرجاتهم في الإيمان.

    1.   

    سياق ما روي في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر تعلق في شجر الجنة، حتى يردها الله عز وجل إلى أجسادهم].

    كأن الإمام اللالكائي رحمه الله يقطع أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة، وأن الله تعالى يردها إلى أجسادهم حين بعثهم، كأنه بهذا قد رجح هذا الرأي؛ لأن مسألة أين تكون الأرواح إذا ماتت الأجساد مسألة محل نزاع عظيم جداً بين أهل العلم، فاختياره لهذا التبويب إنما هو بمثابة الترجيح لهذا الرأي.

    وحقيقة هو الرأي الراجح، فالمؤمن إذا مات كانت روحه في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وأشجارها، حتى يردها الله عز وجل إلى أجساد أصحابها.

    والإمام هنا قد ذكر بعض النصوص التي تشهد لصحة قوله، وفاته كذلك أن يورد نصوصاً صحيحة بل هي أصح مما أورده في هذا الباب، وأظن أن النصوص الأخرى لم تقع إليه بسنده؛ ولذلك ما استطاع أن يوردها هنا.

    قال: [عن عبد الرحمن بن كعب -وهو ابن كعب بن مالك - عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما نسمة المؤمن -أي: روح المؤمن- طير)، وفي حديث مالك: (طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يُرجعه الله في جسده يوم يبعثه)، وفي حديث مالك: (إلى جسده).

    قوله: (إنما نسمة المؤمن) أي: روح المؤمن كالطائر، أو هي نفسها الطائر، على خلاف بين أهل العلم في تأويل هذا الحديث.

    قال: (طائر يعلق في شجر الجنة) ومعنى يعلق: يأكل، فقال: (طائر أو كالطائر) فإما أن تكون روح المؤمن هي الطائر أو أنها كالطائر الذي يحلق في السماء، ولكنها تحلق في الجنة، فتأكل من أشجارها حتى يردها الله عز وجل في جسد صاحبها يوم يبعثه.

    ومن نفس الطريق قال كعب بن مالك: [لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت: يا أبا عبد الرحمن ! إن لقيت ابني فلاناً فأقرئه مني السلام]. وهذا تفريع عن الأصل الذي نحن بصدده وهو: هل تتلاقى أرواح المؤمنين إذا ماتت أجسادهم؟ يعني: إذا مات المؤمن ثم مات المؤمن هل تلتقي أرواحهما؟

    بلا شك أن كلام أم مبشر هنا يوحي بذلك.

    [فقالت: يا أبا عبد الرحمن ! إن لقيت ابني فلاناً فأقرئه مني السلام، فقال: غفر الله لك يا أم مبشر ! نحن أشغل من ذلك]. أي: أنا في شغل عظيم وكرب كبير، لا يفيق أحدنا لصاحبه حتى يبلغه السلام من فلان أو فلانة.

    [فقالت: يا أبا عبد الرحمن ! أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أرواح المؤمنين في طير خضر تعلق في شجر الجنة)؟ قال: بلى. قالت: فهو ذاك].

    أي: التقاء أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة.

    [عن أبي موسى قال: (تخرج روح المؤمن وهي أطيب من المسك، فتعرج به الملائكة الذين يتوفونه، فتلقاهم ملائكة دون السماء -قبل السماء الأولى- فيقولون: من هذا الذي جئتم به؟ فتقول الملائكة: توجوه هذا فلان ابن فلان، كان يعمل كيت وكيت لأحسن عمل له. قال: فيقولون: حياكم الله وحيا ما جئتم به. فتقول الملائكة الذي يصعد فيه قوله وعمله، فيصعد به إلى ربه حتى يأتي ربه عز وجل وله برهان مثل الشمس)]. وهذه روح المؤمن.

    [(وروح الكافر أنتن من الجيفة، وهو بوادي حضرموت)]، وهذا أحد الأقوال.

    أين توجد أرواح الكفار؟ إذا اتفقنا أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة تأكل من ثمارها وأشجارها حتى يبعث الله أجسادها، فأين أرواح الكافرين؟

    أحد الآراء أنها بواد في حضرموت، [(ثم أسفل الثرى من سبع أرضين)]، وهذا رأي ثان.

    أي: أن بعضهم قال: إن أرواح الكافرين في واد بحضرموت -أي: باليمن- والرأي الثاني يقول: أنها في أسفل سافلين، ويستشهد على ذلك بآيات وأحاديث ضعيفة.

    وعن ابن عباس قال: [(إن أرواح الشهداء تجول في أجواف طير تعلق في ثمار الجنة)]، لكن بعض أهل العلم ينازع في أرواح الشهداء وفي أرواح عامة المؤمنين، فيقول: الشهداء لهم خاصية تزيد على خواص عامة المسلمين.

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: [(أرواح آل فرعون -أي: أرواح الكافرين- في أجواف طير سود يُعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال لهم: هذه داركم. وهذا قول الله عز وجل: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46])] أي: أنهم يُعرضون على النار غدواً وعشياً.

    وفي الحقيقة هذا النص يحتمل وجهين:

    الأول: أن أرواح الكافرين في حواصل طير سود.

    والثاني: أنها في النار.

    [عن الحسن قال: إذا قبضت روح المؤمن عُرج بها إلى السماء -أي: صعد بها الملائكة الذين يتوفونها إلى السماء- فتلقاه أرواح المؤمنين -أي: أرواح المؤمنين الذين سبقوه بالموت- فيسألونه ما فعل؟ فيقول الملك: ارفقوا به فإنه خرج من غم وكرب شديد، فيسألونه: ما فعل فلان؟ -أي ما أخبار فلان الذي كنت معه؟- فيقول: خير، فيقولون: اللهم هديته لذلك فثبته لذلك، ثم يقولون: ما فعل فلان؟ يسألونه عن رجل آخر، فيقول: ألم يأتكم؟ فيقولون: لا والله ولا مر بنا سلك به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية].

    وهذا سؤال عن روح الكافر أو العاصي.

    وهذا الباب صغير جداً إلا أنه عند أهل العلم في غاية الأهمية.

    1.   

    أقوال العلماء في مسائل الروح

    شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله صنف رسالة اسمها (الروح)، والكتاب مشهور جداً، ولكن هذا الكتاب فيه أغلاط وأخلاط كثيرة جداً؛ ولذلك يشكك كثير من أهل العلم في نسبة هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام ابن القيم ويقولون: ليس من كلامه ولا بقلمه، ولا يتناسب مع علم المدقق المحقق شيخ الإسلام ابن القيم .

    وبعضهم اعتذر اعتذاراً لطيفاً فقال: هو من كلامه وهو كتابه، وصحح نسبته إليه، لكن شيخ الإسلام إنما صنف هذا الكتاب في مقتبل عمره العلمي -أي: أيام كان صغيراً في السن- ولما كانت هذه المسألة من المسائل الدقيقة جداً التي يصعب على أهل العلم المبتدئين تحقيق مسائلها أخطأ فيها شيخ الإسلام ابن القيم.

    لكن على أية حال هذا الكتاب وهو كتاب (الروح) نحن لا نحبه قط، ولا ننصح أن يقرأه طالب العلم المبتدئ، وإنما يقرأه أهل العلم الذين لهم دراية بمسائل الخلاف حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، وهناك كتاب (الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات) للإمام الآلوسي، وحققه شيخنا العلامة الألباني رحم الله الجميع. قال الإمام الآلوسي في الخاتمة: (الخاتمة -ونسأل الله تعالى حسنها إذا بلغت الروح المنتهى- في بيان الخلاف في مستقر الأرواح بعد مفارقتها البدن إلى يوم القيامة والبعث)، فأين تكون الروح إذا خرجت من المؤمن ومات البدن؟

    قال ابن القيم في كتاب الروح: (هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس، واختلفوا فيها، وهي إنما تتلقى من السمع فقط). أي: هذه المسألة لا يحل فيها الاجتهاد، وإنما الذي يجب فيها الوقوف عند حد السمع. ويعني: بالسمع: القرآن والسنة، ولذلك لا يمكن أن تجد قولاً لأهل العمل يأمر بالوقوف عند حد السمع فحسب إلا إذا كانت المسألة من مسائل الغيب، ومسائل الغيب يجب وجوباً حتمياً ضرورياً أن يتوقف المسلم عند حد قال الله قال رسوله أبداً، ولا يحل له أن يتجاوز النص.

    قال ابن القيم: (وإنما تتلقى من السمع -أي: لا يحل لأحد أن يخوض فيها- واختلف في ذلك).

    فحينما أرادوا الخوض فيها قال الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] أي: لا علاقة لكم بها.

    أقوال العلماء في مستقر الأرواح إذا فارقت الأجساد

    قال ابن القيم: (فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة)، ونحن من قبل رجحنا هذا الرأي وقلنا هو الرأي الراجح، فأرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة، شهداء كانوا أم غير شهداء. أي: جميع المؤمنين.

    (إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين). وهذا يدل على أن المرتكب للكبيرة لا ينفى عنه الإيمان، كما أن صاحب الدين محبوس بدينه إلا أن يعفو الله عز وجل عنه، وأن يكافئ الدائن له، وأنتم تعلمون أن صاحب الكبيرة في مشيئة الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فكونه محبوساً حتى يشاء الله تعالى له العذاب أو المغفرة، يدل هذا على أن روحه كذلك في داخل هذه المشيئة.

    قال: (ويلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم)، أي: صاحب الدين وصاحب الكبيرة (وهذا مذهب أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما).

    قال الشيخ الألباني : وهو الصحيح من الأقوال -أي: أن هذا أصح الأقوال في المسألة؛ لأن غيره مما لا دليل عليه في السنة أو في أثر صحيح- قال: ومع ذلك ستتصل بالبدن متى شاء الله عز وجل. أي: أن الروح ترجع إلى البدن، والأصل عدم رجوعها، لكن إذا شاء الله تعالى أن ترجع الروح إلى البدن رجعت، فالأصل عدم نزول الروح مرة أخرى في البدن، لكن إذا شاء الله تعالى إنزالها نزلت، وإذا شاء الله تعالى تركيب الروح في البدن ركبت، وذلك في اللحظة. أي: في أقل من اللحظة؛ وذلك لأنه كان السائل يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيسأله؟ فينزل جبريل بالخبر في أقل من لمح البصر، وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم، أي: أن المقصود: أن مسألة إتيان الروح من الجنة أو من السماء السابعة أو من السماء عموماً فتكون في بدن الميت ليست مسألة عسيرة ولا متأخرة، بل هي تتم كما لو كنت نائماً فانتبهت، وهي لحظة واحدة بين النوم واليقظة، فكذلك نزول الروح ودخولها في البدن.

    الرأي الثاني: (وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها -يعني: هم على أبواب الجنة- يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها.

    وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها -أي: في الأفنية والشوارع والساحات التي أمام القبور معسكرة هناك- وقال الإمام مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت -أي: تذهب في أي مكان، وكل هذا في أرواح المؤمنين- وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة). وهذا الرأي يوافق المذهب الأول الذي رجحناه وصححناه.

    (وقال أبو عبد الله ابن منده: وقال طائفة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند الله عز وجل ولم يزيدوا على ذلك. قال: روي عن جماعة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين بالجابية -والجابية: اسم قرية بالشام- وأرواح الكفار ببرهوت بئر بحضرموت.

    وقال صفوان بن عمرو : سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان : هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟) عبر عن الروح هنا بالنفس، وهذه مسألة محل نزاع: هل النفس هي الروح أم أن النفس شيء والروح شيء آخر؟ محل نزاع، والراجح: أن النفس هي الروح.

    قال: (هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟) يعني: هل لهم مكان يجتمعون فيه؟

    (فقال: إن الأرض التي يقول الله تعالى وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث).

    أي: أنه قال: نعم. هناك مكان في الأرض سيجتمع فيه أرواح المؤمنين، وهذا أحد المذاهب، والمسألة فيها أكثر من اثني عشر مذهباً.

    مذهب منهم يقول: هي في بقعة من بقاع الأرض تجتمع أرواح المؤمنين فيها حتى يكون البعث.

    (وقالوا: هي الأرض التي يورثها الله المؤمنين في الدنيا.

    وقال كعب الأحبار : أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة تحت جند إبليس).

    على أية حال يغلب على الظن أن كعب الأحبار إنما أخذ الكلام من كتب بني إسرائيل؛ لأنه كان حبراً من أحبارهم، ويروي من كتب الإسرائيليين بعد إسلامه.

    (وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر برهوت.

    وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفار في سجين. وفي لفظ عنه: نسمة المؤمن -أي: روحه- تذهب في الأرض حيث شاءت.

    وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله). وتأولوا في ذلك أحاديث ربما ذكرناها في هذا المكان من قبل، لكنها لا تشهد لهذا المعتقد.

    (وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم -الإمام ابن حزم الظاهري أبو محمد - قال: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها).

    يعني: لو قيل: أين كانت الروح قبل خلق الجسد؟ الجواب: لا أحد يعلم، فكذلك إذا مات البدن رجعت الروح إلى مكانها قبل أن توضع في هذا الجسد.

    نعم. لا يعلم الغيب إلا الله، لكن إذا أراد الله تعالى إعلام هذه الأمة بمسألة من مسائل الغيب فلا يكون بالنسبة لنا بعد بلوغ الخبر إلينا أمراً غيبياً، ولذلك إذا صح الخبر في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر تعلق في شجر الجنة حتى يردها الله عز وجل في أجسادها فلا يكون هذا بالنسبة لنا غيباً، وإنما يكون علماً مستقراً.

    قال أبو عمر بن عبد البر : أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية القبور. له تقسيم بين أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء.

    وروى عبد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس يقول: أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة.

    وعن عبد الله بن عمرو : أرواح الشهداء في طير كالزرازير يتعارفون، ويرزقون من ثمر الجنة.

    ولكن الذي ورد في صحيح مسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام: (في أجواف طير خضر).

    وقال قتادة : بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة.

    وقال ابن المبارك عن ابن جريج فيما قرئ عليه عن مجاهد : ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها.

    كأنه ذهب إلى المذهب الذي يقول: أنهم على باب الجنة، وإنما تخرج إليهم الثمار وغير ذلك يأكلون منها دون أن يكونوا في داخلها. فالأرواح تأكل، وإذا جاء النص بثبوت الأكل لها قلنا: تأكل. وهل الجبال تتكلم؟ الأصل أنها لا تتكلم، لكن إذا ثبت النص أنها تتكلم وأن الأرض والجبال يأتيان طوعاً أو كرهاً، فالله عز وجل قادر على أن يركب العقل في الجمادات، ويناقشها ويخاطبها، فإذا كان الأمر كذلك فما هو المانع أن يجعل الله عز وجل القدرة في الأرواح على الطعام والشراب والتلذذ بذلك.

    وعن الزهري حينما سُئل عن أرواح المؤمنين قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش، تغدو وتروح إلى رياض الجنة -وهذا مذهب جديد- تأتى ربها في كل يوم تسلم عليه.

    وعن مجاهد : الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم الدفن فقط. أي: أن هذا ليس دائماً ولكن لمدة سبعة أيام لا تفارق ذلك، ثم تفارقه بعد سبعة أيام.

    لكن الإمام ابن القيم يقول: ولا تنافي بين هذه الأقوال الشرعية والأحاديث النبوية؛ لأن الأرواح متفاوتة.

    أي: أن الناظر في اختلاف العلماء في مسألة مصير الأرواح إذا فارقت الأجساد يقول: إن هذه الأقوال متضاربة، لكن ابن القيم يقول: ليس في هذه الأقوال والنصوص أي تضارب.

    قال: لأن الأرواح نفسها متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها ما هو في أعلى عليين وهي أرواح الأنبياء عليهم السلام، وهم متفاوتون في منازلهم؛ لأن منزلة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من منزلة أي نبي آخر، ومنها في حواصل طير، ومنها من يكون محبوساً على باب الجنة، ومنها من يكون مقره بباب الجنة، ومنها من يكون محبوساً في الأرض لم تعل روحه إلى الملأ الأعلى.. كل ذلك حسب مرتبته وعمله.

    قال: فإنها كانت روحاً سفلية، ومنها أرواح تكون في تنور الزناة، وأرواح تكون في نهر الدم تسبح، وليس للأرواح شقيها وسعيدها مستقر واحد، إنما اختلف مستقرها، بل روح في أعلى عليين وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض، وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب، وكان لك فضل اعتناء -أي: بالنظر في النصوص- عرفت حجة ذلك، ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضاً. انتهى ما قال.

    والمفهوم منه: أن مستقرها يتفاوت بتفاوت حال صاحبها إيماناً وكفراً.

    إذاً: مستقر الروح يتفاوت على حسب إيمان العبد أو كفره، وإذا كنا قد عرفنا من قبل أن الإيمان نفسه متفاوت وأنه يزيد وينقص، فكذلك يزداد مستقر روح المؤمن.

    قال: والمفهوم منه: أن مستقرها يتفاوت بتفاوت حال صاحبها إيماناً وكفراً، وصلاحاً وفسقاً.

    (وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض). وهذا كلام في غاية الغرابة، وهو رأي من الآراء، أن مستقر الروح العدم، وأين العدم هذا؟ لا بد أن نعرف أين هو، فإننا إذا عرفنا أين هو لا يكون عدماً.

    (وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، فتموت بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته، وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة)، وهو أشبه بقول الفلاسفة أو الزنادقة والملاحدة، قول لا قيمة له.

    (وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أُخر). يعني: الأرواح تتنقل من بدن الذي مات إلى بدن الذي يولد، هكذا قالوا، وهو كلام يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه، وهو أشبه بكلام اليهود.

    فلذلك قال: (وإن ما تقوله اليهود الآن قريب من هذا)، أي أن هذا الرأي أشبه بكلام اليهود، والرأي الذي يسبقه أشبه بكلام الفلاسفة والزنادقة.

    مسألة في تلاقي أرواح الموتى وتزاورها وتذاكرها

    قال ابن القيم: (المسألة الثانية: وهي أن أرواح الموتى هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أم لا؟) وهذه المسألة هي فرع عن هذا الأصل الذي نحن بصدده.

    قال ابن القيم: (وجوابها أن الأرواح قسمان: أرواح معذبة، وأرواح منعمة).

    أما أرواح الكفار فهي معذبة، وأما أرواح المؤمنين فهي منعمة.

    قال: (فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي). أي: أنهم إذا التقوا التقوا على اللوم والتقريع والتوبيخ، كما جاءت بذلك النصوص.

    والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان بينها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها).

    فإن قيل: هل تتلاقى الأرواح؟

    الجواب: نعم. أرواح المؤمنين فقط، أما أرواح الكافرين فهي في شغل عما نزل بها من بلاء وعذاب وعقاب.

    مسألة في تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات

    قال: (المسألة الثالثة: وهي هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا؟)

    نحن قلنا في المسألة الأولى: إن أرواح الموتى تتلاقى وتتذاكر وتتزاور، ويذكرون ما كان من أمرهم في شأن الدنيا، بل ما كان من أهل الدنيا.

    لكن المسألة الثانية: هل تلتقي روح الحي من المؤمنين مع روح الميت من المؤمنين؟

    الجواب: نعم. تلتقي، وما رؤيتك لميت ومحادثته وسؤاله أو سؤالك -أي: أنه يسألك عن حالك وحال أبنائك وحال دينك وغير ذلك- إلا مجرد لقاء بين روح الميت من أهل الإيمان وروح الكافر.

    وفي الحديث قال: (وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين، فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض) أي: يسألونه عن أخبار المؤمنين من أهل الأرض الذين لم يموتوا بعد.

    وهذا فيه جواب عن المسألة التي ذكرناها.

    الحديث يقول: (وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين، فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض) فهي روح مع أرواح، لكنهم يذكرون أشخاص المؤمنين الذين لم يموتوا بعد، فهو قد مات، فلما صعد إلى السماء التقى بأرواح المؤمنين الذين ماتوا مثله، فهم يسألونه عن الأحياء.

    فـابن القيم يقول: وأعظم دليل على التقاء روح الحي بروح الميت هو الرؤى والمنامات التي يراها.

    مسألة في كون الروح التي تموت أم البدن

    قال: (المسألة الرابعة: وهي أن الروح هل تموت أم الموت للبدن وحده؟)

    جوابها: (اختلف الناس في هذا، فقالت طائفة: تموت الروح وتذوق الموت؛ لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت. قالوا: وقد دلت الأدلة على أنه لا يبقى إلا الله وحده، قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]. يعني: إذا كانت الروح هي النفس، فلا بد أن تذوق الموت بنص القرآن.

    (قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت) لأن مسألة موت الملائكة مسألة بعيدة عن الأذهان، ولكن المستقر عند عقيدة المسلمين أن الملائكة تموت، وأن آخر الملائكة موتاً من أصحاب التكليف هو ملك الموت.

    والمسألة هذه في الحقيقة لم يرد فيها نص، والكلام فيها أنا أكرهه جداً كما أكره الكلام في القدر، فإذا كان الشرع قد عافانا من الخوض في هذه القضية فالأولى بنا أننا نتوقف.

    (وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان.

    قالوا: وقد دل على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة). وإذا كنا قد أيقنا أن روح المؤمن منعمة، وأن روح الكافر معذبة حتى يبعث الله المؤمن والكافر فيرد إليه روحه، إذاً: الروح لا تموت مع الجسد، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب، قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم.

    فمن مِن الناس يعتقد أن الشهيد بعد أن يموت تموت روحه معه؟ لا أحد يعتقد ذلك.

    أما حياتهم فإنهم يرزقون النعيم الأبدي السرمدي في القبر وفي يوم القيامة وإذا دخلوا الجنة، فحياتهم في قبورهم حياة برزخية لا يعلم كنهها إلا الله عز وجل، كحياة الأنبياء تماماً بتمام، وشبهت هذا بذاك من جهة أنها علم غيب لا يعلمه إلا الله، لكن لا بد أن يكون هناك فارق؛ لأن الأنبياء أفضل من الشهداء بلا شك، وأنتم تعلمون أن أرواح المؤمنين متفاوتة، فإذا كان الأمر كذلك فأرواح المؤمنين في أعلى عليين.

    كما أننا نعتقد اعتقاداً جازماً أن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، فإذا كنا نعتقد أن المؤمن إذا مات صعدت روحه إلى السماء، أو دخلت الجنة فتنعمت فيها فالذي يبقى في القبر الجسد، فنحن لا نعتقد أن القبر روضة من رياض الجنة إلا إذا كنا نعتقد أن الجسد يتنعم ويُعذب، وليس بلازم أن يكون الجسد باقياً، وإلا لقلنا: إن الذي تأكله الأسماك في البحار أو تأكله حوادث الدهر، أو يُحرق أو غير ذلك، وقد انتهى بدنه لا يقع على بدنه العذاب، أو لا يقع لبدنه النعيم! وهذا مخالف لعقيدة المسلمين، فالله عز وجل على كل شيء قدير.

    مسائل في حقيقة الروح

    يقول الألوسي: (الخامسة: اختلف الناس في حقيقة الروح من سائر الطوائف، وكذا اختلفوا في أنها هل هي النفس أم غيرها؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟ وهل النفس الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم أنفس متعددة لها هذه الصفات أم هي ثلاث أنفس؟

    وهل الروح هي الحياة أو غيرها؟

    وهل هي مخلوقة قبل الأجساد أم بعدها؟).

    وهناك مسائل كثيرة جداً أجاب عنها العلماء، الأولى السكوت عنها.

    قال: (وأما الكلام على بقية المسائل فقد قال: ابن القيم عليه رحمة الله: والذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة: أنه جسم حادث مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس).

    يريد أن يقول: أن الروح جسم، لكن يحكمها قوانين أخرى، وهي القوانين التي تحكم المشاهد أو الأجسام المرئية.

    قال: (وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء -يعني: يتخلل البدن- ويسري فيه سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي هذا الجسم اللطيف متشابكاً لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة، وخرجت عن قبول الآثار فارق الروح البدن وانفصل بأمر الله تعالى إلى عالم الأرواح، كما قال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30]).

    ثم يحيلنا الإمام الآلوسي إلى كتاب الروح لمعرفة المزيد من هذه المعلومات.

    وهذا الكلام كله هو خلاصة البحث: أنني أؤمن إيماناً جازماً أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر معلقة تأكل من ثمار الجنة حتى يردها الله عز وجل إلى أجسادها، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين إذا كانت تفاوتت مراتبهم في الإيمان فكذلك تتفاوت مراتبهم في النعيم، لكن كلها في الجنة تسرح حيث شاءت، تأكل وتلتذ بنعيم الجنة على درجات متفاوتة؛ ولذلك الجنة مراتب ودرجات، فكل مرتبة هي أفضل ممن هي دونها، وكل مرتبة دونية هي أقل في النعيم ممن هي فوقها وكذلك أرواح المؤمنين.

    1.   

    سياق ما روي في استحباب الصدقة وقراءة القرآن والاستغفار والترحم والدعاء للميت

    هذا عنوان عريض يحتاج إلى تقريب؛ لأن هذا التبويب يدل بظاهره على أن الميت ينتفع بكل شيء، ولكل أحد أن يقدم خدمة للميت من عبادة أو طاعة.

    قال: [عن ابن عباس : (أن رجلاً قال: يا رسول الله! توفيت أمي ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)] لكن السائل بالنسبة للمسئول عنه هو ابنها، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (خير مال المرء من كسب يده، وولده من كسبه) فالولد امتداد لأبيه، وأثر من آثاره، وسواء نوى الولد نفع الوالدين بعمله أو لم ينو فهما منتفعان بعمله، لا ينقص ذلك من أجره شيء، كما في حديثه عليه الصلاة والسلام: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً).

    إن الذي يأخذ ولده إلى معلم القرآن أو معلم السنة حباً في الله وفي كلامه ودينه وشرعه، ويحرص كل الحرص على أن يتعلم ولده الأخلاق الفاضلة، وأن يتأسى بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وأن يتعلم كلام الله تلاوة وحفظاً وعلماً وعملاً وعبادة وغير ذلك، ويتمنى لو أن ولده بلغ في ذلك مبلغاً عظيماً جداً، لا شك أن هذا الأب إذا مات فإن عمل ولده ينفعه، ويسري أجر الولد في عمله الصالح إلى الوالد، فإذا بدر من الولد عملاً سيئاً فلا حظ لأبيه فيه؛ لأنه كان معلوماً من حياته أنه يحرص على أن يعلمه الخير، بخلاف رجل كان يحض ولده على الشر، وعلى معاداة شرع الله، وعلى معاداة السنة واتهامها وانتهاك حرمتها وخدش حشمتها وغير ذلك.. فإن الولد إذا عمل بهذا الأصل التربوي السيء فإن الوالد يلحقه من كل عمل يعمله الولد حظ وكفل ونصيب؛ لأنه رباه على ذلك واستحبه، بل حمله على ذلك حتى صارت معاداة الشرع ديدناً لهذا الولد.

    هب أن الولد تاب من ذلك. هل ينفع الوالد توبة ولده؟ لا ينفعه؛ لأنه لو كان ينفعه لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الميت يُعذب ببكاء أهله عليه)، وقد قال العلماء وهو أرجح الأقوال في المسألة: هذا إذا كان معلوماً من حياته: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39].

    إذاً: ينظر هل كتب وصية وقال: لو أني مت استأجروا فلانة وفلانة ينحن علي ثلاثة أيام أو سبعة أيام أو عشرة أيام فهذا من سعيه، أو أنه لم يفعل ذلك لكن كان أستاذاً كبيراً، فكان إذا مات أحد من الناس ذهب وأدى واجباً وظل يلطم ويشق الجيوب، فإذا عُلم من حياته أنه يحب ذلك ويفعله، حتى لو لم يوص به فإنه يُعذب ببكاء من ناح عليه؛ لأن هذا كان ديدنه في حياته، من خلال ذلك نقول: لو أن شخصاً قال: يا إخواني! لا يبكي علي أحد ولا ينوح، والذي يريد أن يبكي يبكي بالدمع فقط، أما بكاء وولولة ودعاء جاهلية فأنا بريء من ذلك، فلو أن الناس كلهم ناحوا عليه هل يلحقه شيء من ذلك؟ الجواب: لا يلحقه؛ لأنه قد تبرأ منهم، وأوصى بخلافه.

    ومن ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث). فـعبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ابنه رجل صالح، فهل ينتفع الأب بعمل الولد الصالح؟ الجواب: لا.

    فإذا كنا نحن نقطع الآن بغير رجوع إلى كلام أهل العلم أن الكافر لا ينتفع بعمل ولده المسلم الصالح، فلا بد أن تتفرع على هذا تفريعة أخرى، وهو أن الأب الفاسق العاصي الذي كان يكره الخير ويقبل على الشر لا ينتفع بالخير، وهذا كلام الإمام ابن أبي جمرة وكلام الحافظ ابن حجر والإمام النووي والإمام أحمد بن حنبل وغير واحد من السلف.

    [عن ابن عباس : (أن رجلاً قال: يا رسول الله! توفيت أمي ولم توص. أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم)] الولد يسأل عن مدى انتفاع الأم بالصدقة، فالولد ينفع أمه في باب الصدقات، وسيأتي معنا خلاف في عبادات أخر؛ لأن الصدقة عبادة، فإذا فعلها المرء تقرباً عن أبيه أو عن أمه انتفع الأب والأم بذلك.

    قال ابن عباس : [(إن رجلاً قال: يا رسول الله! توفيت أمي ولم توص. أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم. قال: فإن لي مخرفاً فأشهدك أني قد تصدقت به عنها)] والمخرف: هي الأرض المثمرة. أي: أن لي بستاناً ونحن في وقت جني ثماره، فأشهدك يا رسول الله! أني قد تصدقت بثمار هذه الأرض عن روحها. هذا الحديث أخرجه البخاري .

    [عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت)] أي: ماتت فجأة، أي أنها لم تكن متوقعة أنها تموت، فإذا كان الشخص مريضاً بمرض خبيث وهو نائم على الفراش، وكل يوم يزداد سوءاً، فلا بد أنه سيتوقع في هذا المرض الموت، بخلاف شاب قوي، فهذا في الغالب لا يتوقع الموت في هذه اللحظات، ولا مانع أن يصح المريض وأن يموت الصحيح، لكننا نقول: الأصل في حال الشباب والفتوة والصحة أنه لا يتوقع الموت الآن، والأصل في المريض القعيد أنه يتوقع الموت في أي لحظة.

    فقالت عائشة : [(جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها وأظن لو أنها تكلمت)] أي: أنه لو كان هناك فرصة، لكن الموت هنا جاءها فجأة، فقوله: [(وأظن لو أنها تكلمت -أي: إذا كان بإمكانها تتكلم- لتصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)].

    وهذه فيها نكتة زائدة وهي أنها كانت تحب الصدقة ومن أهلها، ولو أن الموت أعطاها فرصة لتكلمت وأوصت بالصدقة، وهذا يدل على أن الصالح يستفيد من الأعمال الصالحة التي يقدمها الولد.

    [عن أبي أسيد البدري قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فجاءه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر والدَيَّ من بعدهما شيء أبرهما به؟)] أي: بعد أن يموت أبواي، طبعاً من الناس من يظن أن البر يكون في حياة الوالدين أو أحدهما، فجاء هذا الحديث ليوضح أن البر بالوالدين إلى قيام الساعة، فهذا الصحابي يقول: يا رسول الله! هل هناك أبواب أخرى يستطيع الولد أن يبر بها والديه إذا ماتا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: [(نعم. الصلاة عليهما)] أي: الصلاة اللغوية، وهي الدعاء، فالصلاة عليهما أي: الدعاء لهما.

    ولو حملناها على الصلاة الشرعية لقلنا: هي صلاة الجنازة، لكن صلاة الجنازة كلها دعاء للميت، فالأولى أن يُحمل هذا القول: (الصلاة عليهما) على أنه الدعاء لهما.

    قال: [(والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما) أي: إذا كان هناك عهد أو ميثاق أو أمان أو شيء من هذا، فينبغي أن تنفذ هذه الوصية وهذا الوعد والميثاق، فإذا لم تنفذ ذلك فأنت تتحمل ذلك عن أبيك، كما لو كان حياً.

    قال: [(وإكرام صديقهما)] ترى من كان أبوك يحبه ويتقرب منه فتبره، فباب من أبواب بر الوالدين هنا إكرام صديق الوالدين وأهل ودهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقي عليك.

    [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (يموت الرجل ويدع ولداً -أي: ويترك ابناً- فترفع له درجة، فيقول: يا رب! ما هذا؟)] يقول ذلك لأنه ارتقى درجة في الجنة ليست له، فيسأل الله عز وجل: من أين لي بهذه الدرجات؟ [(فيقول -أي: الله عز وجل- استغفار ولدك لك)] أي: هو الذي رفعك إلى هذه الدرجة.

    [عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)] وشرطه هنا الصلاح.

    كلام الألباني في تلقين الميت وتجهيزه وقضاء دينه

    الشيخ الألباني رحمه الله في باب تلقين المحتضر من كتاب أحكام الجنائز. يقول: إذا حضره الموت فعلى من عنده أمور، وذكر منها: أن من حضر محتضراً فعليه أن يدعو له، ولا يقول في حضوره إلا خيراً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون).

    وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة المحتضر؛ لأن الشخص يستحيي أن يقول له: قل: لا إله إلا الله أو تشهد أو غير ذلك.. فهذا من أعظم الواجبات عليك إذا حضرت، حتى يكون آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، وأما قراءة سورة يس عند الاحتضار أو عند الميت أو على القبر، أو شيء ورد في فضل يس فلم يكن شيء من ذلك صحيحاً قط في سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    أي: أنه لم يرد في فضل يس قط حديث صحيح يذكر فضلها، وليس معنى ذلك: أن يس ليس لها فضل، يكفي أنها كلام الله عز وجل، لكن الذي اعتاده الناس على أنها تقرأ (70) مرة و(75) مرة و(3000) مرة.. كل هذا غير صحيح، فإنه لم يصح في فضلها ولا في كيفيتها وعدد قراءتها شيء من السنة.

    وكذلك توجيه الميت نحو القبلة لا يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: أليس الميت امرءاً مسلماً؟ أي: لماذا توجهوه؟ ما دام الميت مسلماً فيموت على أي جهة، فإنه لا يلزم أن توجهوه إلى القبلة.

    وكذلك أن يبادر بعضهم لقضاء دينه ولو من ماله، وأنتم تعلمون أن الميت إذا مات فعليه حقوق لله عز وجل في ماله، وعليه حقوق في ماله لعباد الله، واختلف العلماء: هل يُقضى من ماله الدين أولاً أم تجهيزه؟

    فهب أن الدين أكل المال كله ولم يجهز بعد. قالوا: يجب تجهيزه على أوليائه، فإن عجز الأولياء ففي بيت المال، فهنا يجب عليهم أن يبادروا بقضاء دينه ولو أتى عليه كله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه، فإن لم تفعل الدولة وتطوع بذلك بعضهم جاز، وفي ذلك أحاديث كثيرة جداً.

    كلام الألباني فيما ينتفع به الميت

    ويقول الشيخ الألباني رحمه الله في باب ما ينتفع به الميت: ينتفع الميت من عمل غيره بأمور، والأصل أن الميت لا ينتفع إلا بعمله هو: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39] والاستثناء أنه ينتفع بعمل الغير، وهذا هو التخريج على هذا الأصل.

    أولاً: دعاء المسلم له ينتفع به، ولا تزال الأمة تدعو لبعضها البعض، إذا توفر في هذا الدعاء شروط القبول؛ لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    وأما الأحاديث فهي كثيرة جداً، فنذكر منها شيئاً:

    قوله عليه الصلاة والسلام: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين. ولك بمثل).

    بل إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك؛ لأنها دعاء للميت واستغفار له.

    ثانياً: ينتفع الميت من عمل الغير بقضاء ولي الميت صوم النذر عنه.

    أي: أن الدعاء يُقبل من كل أحد للميت، أما الصوم فلا يُقبل إلا من الولي، فلا أقول في شأن شخص أجنبي مات ولا تربطني به علاقة نسب: أنا سأصوم عنه أيام نذره التي نذرها..! فهذا كلام مرفوض، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).

    والولاية: اثنتا عشرة مرتبة، كل مرتبة يمكن أن يكون فيها خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين.. حسب توسع هذه الأسرة.

    والعلماء يفرقون بين هذا والصيام: (من مات وعليه صيام).

    فبعضهم قال: لا يصوم عنه قط؛ لأن الصوم عبادة خاصة.

    والبعض قال: يصوم عنه جميع أنواع الصيام: صيام النفل، وصيام النذر، وصيام الواجب، وصيام الفرض.

    والرأي الراجح: أنه لا يصوم عنه إلا صيام النذر؛ لأنه هو المتعلق بالذمة، أما صيام الفرض فيدور بين أمرين: أن يتركه صاحبه معذوراً أو غير معذور، فإن تركه وهو غير معذور في تركه يأثم بذلك ويستحق العقاب، وإن تركه بعذر فالكفارة فيه إطعام، فيطعم عن كل يوم مسكيناً، والإطعام واجب على الأولياء.

    ثبت عن ابن عباس : أن امرأة ركبت البحر فنذرت إذا أنجاها الله تبارك وتعالى أن تصوم شهراً، فأنجاها الله عز وجل، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: (أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى. اقضِ عن أمكِ).

    وهذا يدل على أن السائلة كانت بنتاً، وبين البنت وأمها ولاية، ولكن إن لم تستطع تكفر، فإن كانت فقيرة لا تستطيع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فانظر إلى رحمة الإسلام!

    وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه: أنه استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: اقضه عنها).

    ثالثاً: قضاء الدين عنه من أي شخص ولياً كان أو غير ولي، وفيه أدلة كثيرة جداً.

    رابعاً: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجرهما شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله عز وجل يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) وهو على شرط الشيخين.

    فالصلاة عبادة متعلقة بالشخص؛ ولذلك أرجح الأقوال في الصيام -أي: صيام الفرض- أنه لا يؤدى عنه.

    أي: أن قوله: (من مات وعليه الصيام فليصم عنه وليه) هذا كلام عام، خصصه حديث سعد بن عبادة : أنه سأل عن نذر أمه التي توفيت، فالعلماء حملوا هذا على ذلك، وفرقوا بين صيام الفرض وصيام النذر.

    والزكاة عبادة متعلقة بالمال، وما دام المال موجوداً يؤدى، وهذا من الحقوق التي هي محل اتفاق بين أهل العلم: إذا مات الميت ولم يخرج زكاة ماله وجب إخراج زكاة المال أولاً قبل توزيع الميراث، وإخراجها عنه تنفعه؛ لأنه كان معتاداً على إخراجها، لكنه إذا تأخر عن إخراجها فأرجح الأقوال عندي: أنه يعذب بذلك، وينتفع الأبناء بهذا الواجب.

    الخامس: ما خلفه من بعده من آثار صالحة ينتفع بها وصدقات جارية؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] أي: وكل شيء تركوه خلفهم.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة أشياء..) إلى آخر الحديث.

    وعن أبي قتادة : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يُعمل به من بعده).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته).

    وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر النهار، فجاء أقوام حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء -أي: العباءات- متقلدي السيوف، وليس عليهم أزر ولا شيء غيرها، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجهه صلى الله عليه وسلم لِما رأى بهم من الفاقة -أي: الفقر والحاجة- فدخل ثم خرج مرات، فأمر بلالاً فأذن وصلى الظهر، ثم صعد منبراً صغيراً، ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد:

    فإن الله أنزل في كتابه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا.. [النساء:1] إلى أن قرأ الآيات وقال: تصدقوا قبل أن يُحال بينكم وبين الصدقة، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من شعيره، من صاع تمره، حتى قال: ولا يحقرن أحدكم شيئاً من الصدقة، ولو بشق تمرة، فأبطئوا حتى بان في وجهه الغضب، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة من ورِق -وفي رواية:- من ذهب كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على منبره فقال: يا رسول الله! هذه في سبيل الله، فقبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام أبو بكر فأعطى، ثم قام عمر فأعطى، ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا، ثم تتابع الناس في الصدقات قال: فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي.. حتى عد الطعام والملابس وغير ذلك، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة) أي: كأنه كالذهب الذي يضيء لمعاناً.

    قال: (ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها)، وهذا فيه رد على أهل البدع. يقولون: إذا كانت البدعة في ظاهرها حسنة فلا بأس، نقول: البدعة الحسنة: هي ما كان لها أصل في الدين غابت فأحياها أحد المسلمين، فأصل الصدقة في شرع الله، ولكنه غاب عن هؤلاء الأصحاب، حتى غاب عن أبي بكر وعمر ، ففسّره الأنصاري الذي انتبه لأول وهلة لكلام النبي عليه الصلاة والسلام، فبادر وسارع بإحضار ما يملك من فضة بدليل أنه ذهب ثم رجع ومعه ما يملك، ثم ناوله النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال على المنبر، وهذا يدل على سرعة الصحابة في استجابتهم لأمر الله ورسوله.

    قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ومثل أجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ومثل وزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، ثم تلا هذه الآية: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]).

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    المدين يعذب حتى يؤدى عنه الدين

    السؤال: ما الدليل على أن الميت الذي عليه دين يعذب بسبب دينه؟

    الجواب: حديث أبي قتادة الذي تحمل الدين عن الأنصاري، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أقضيت عن صاحبك؟ قال: يا رسول الله! إنما مات بالأمس قال: اقض عنه، فقضى عنه إلا دينارين، فلما قضاهما قال النبي عليه الصلاة والسلام: الآن بردت عليه جلده) وهذا يدل على أن العذاب لا يرفع عن المدين حتى يؤدى عنه الدين لا بمجرد الحمالة.

    الفائدة من دراسة الروح ونزولها في البدن من عدمه

    السؤال: ما الفائدة المترتبة من دراسة الروح ونزولها في البدن من عدمه؟

    الجواب: نحن نهينا أن نخوض في كيفية الروح نفسها، يقول تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85] والآية عن ذات الروح، وقلنا: إن الذي يعنينا: أين توجد الروح بعد مفارقتها البدن؟ وهذه من مسائل الاعتقاد، ولو كان الكلام في الروح وأين توجد إذا خرجت من البدن؟ لما كان لقوله عليه الصلاة والسلام: (إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر معلقة أو تعلق في ثمار الجنة حتى يردها الله إلى أجسادها) مجال للتكلم عنه، فالمنهي عنه: الكلام في كيفية الروح وفي أصل الروح فقط، ولذلك حينما تكلمت عن بقية المسائل المتعلقة بالروح قلت: إنما يعنينا الأول الذي ورد به النص، وبقية الفروع نتغاضى عنها؛ لأننا لسنا محاسبون عليها، كما أن المسألة التي اهتممنا بها في هذا المبحث إنما هي مسألة اعتقادية تماماً كما لو قلت: وماذا ينفعنا إذا كان القرآن كلام الله أو غير كلام الله؟ أو أحد يقول عن أي مسألة من مسائل الاعتقاد: ما قيمة الدراسة في هذه المسألة؟ ولو أنك ذهبت إلى ساحر ليخدعك فإنهم لا يتكلمون إلا في الأرواح، ولذلك إذا ذهبت إلى الساحر وليس عندك علم بهذه المحاضرة لاغتررت بكلامه فوقعت في شراكه وحباله، وهذا الكلام معلوم، وكثير من الناس يذهب إلى السحرة فيدجل عليه كلاماً يتعلق بالروح والنفس وغير ذلك فيصدقه، وهذه المسألة تكلم فيها علماء المسلمين، وفوق علماء المسلمين الصحابة والخلفاء الراشدون، وقبلهم النبي عليه الصلاة والسلام، والذي أوحى بهذا الحديث هو جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل، فلا يقال لمسألة فيها نص شرعي صحيح: ما قيمة دراستها؟ قيمة دراستها: أن تكون شخصيتك شخصية علمية اعتقادية، وهذا هو قيمتها.