إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الإيمان بعذاب القبر ونعيمهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عذاب القبر ونعيمه حق، وإثباته أصل أصيل في معتقد أهل السنة والجماعة، كما أنه معتقد أكثر أهل الإسلام حتى من المبتدعة، ولم ينكره غير الخوارج والمعتزلة، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه يلزم منه الإيمان بأن العذاب شامل للروح والجسد، وكذلك النعيم، وسواء كان الجسد في بطون السباع أو أعماق البحر فإنه يلحقه ما قدر عليه من عذاب وما كتب له من نعيم.

    1.   

    سياق ما روي في أن المسلمين إذا دلوا في القبر سألهم منكر ونكير وأن عذاب القبر حق

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم -أي: إذا أنزلوا في المقابر- يسألهم منكر ونكير، وأن عذاب القبر حق، والإيمان به واجب].

    قوله: (سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم). معنى ذلك: أنه يتناول عذاب القبر فيما ثبت في سنة النبي عليه الصلاة والسلام بسنده.

    قوله: (في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير).

    في الحقيقة أن منكراً ونكيراً إنما يسألان كل من أدخل القبر سواء كان مسلماً أو كافراً، وكأن المصنف رحمه الله قاس هنا قياساً أولوياً مع وجود النص أن المسلم إذا نزل في قبره يسأل سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية، فإذا كان قد تقرر في الأذهان أنه سيسأل في قبره عن عمله وعن إيمانه بالله وبالرسول وبالشريعة وغيرها، فمن باب أولى أن يسأل الكافر.

    قوله: (وأن عذاب القبر حق، وأن الإيمان به واجب). يعني: عذاب القبر حق بل هو أصل أصيل من معتقد أهل السنة والجماعة، ونقول: من معتقد أهل السنة والجماعة؛ لأن الخوارج والمعتزلة نازعوا في ذلك، كما قال أبو الحسن الأشعري : اختلفوا في عذاب القبر، فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج. أي: قالوا: ليس هناك شيء اسمه عذاب القبر. ومنهم من أثبته، وهم أكثر أهل الإسلام. أي: أهل السنة قاطبة يثبتون عذاب القبر، وبعض أهل البدع أثبت عذاب القبر، ومنهم من زعم أن عذاب القبر وإن كان حقاً إلا أنه ينزل على الروح دون البدن، كما قالت طائفة: إن المعراج إلى السماوات السبع كان بالروح دون الجسد، وهذا كلام في غاية البطلان والسقوط سواء من جهة النص الشرعي أو من جهة النص اللغوي، فالآيات والأحاديث التي وردت والوقائع والأحداث التي تمت في أثناء رحلته عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس ومنها إلى السماء السابعة ثم العودة، كل هذه لا يمكن أبداً أن تدل على أن المعراج كان رؤية منامية، أو كان بالروح فقط دون الجسد، فكما اختلفوا في هذه المسألة كذلك اختلفوا في عذاب القبر.

    أما أهل السنة والجماعة فعلى مذهب واحد دون خلاف فيه: أن عذاب القبر حق، وأن الإيمان به واجب، وأن عذاب القبر إنما يكون على الروح والجسد.

    وظن هؤلاء الذين يقولون بأن العذاب إنما هو على الروح فقط دون الجسد بما عندهم من شبه أنهم قادرون على أن يردوا على أهل السنة والجماعة قولهم، فقالوا: إذا كان العذاب يلحق الجسد فما بال المرء لو أنه غرق في بحر فأكله السمك؟ أو أن سيارة دهسته فمسح بالأرض تماماً وانتهت آثار بدنه؟ وما بالكم بمن يموت حرقاً؟ فكيف تقولون: إن العذاب يقع على جسده مع أن السمك أكله ومع أن النار أحرقته؟

    الجواب: إن الله على كل شيء قدير، هذا لمن آمن بالله عز وجل؛ فالله تعالى قادر على أن يجري العذاب على البدن حتى وإن لم يوجد البدن.

    والسبب في هذا الانحراف العقدي الذي جعل الخوارج والمعتزلة ينكرون عذاب القبر سواء الذين أنكروه منهم على الروح أو البدن، أو من قال بإثبات عذاب القبر على الروح فقط، فسبب هذا الانحراف أنهم حكموا عقولهم في الأمور الغيبية؛ لأن ما بعد حياة الإنسان غيب، كما أن ما قبل حياة الإنسان غيب، فحياة الجنين في بطن أمه لها قوانين تحكمها حيث لا طعام ولا شراب ولا نفس ولا هواء ولا غذاء ولا شيء من هذا، إلا ما قدره الله عز وجل والذي لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، فإذا كان القانون الذي يحكم حياة الجنين غيباً عن المرحلة التي تأتي بعد ذلك -أي: بعد الولادة- فكذلك الحياة التي تكون بعد الموت غيب، وتحكيم العقل في الغيب لابد أن يذهب بصاحبه إلى التيه والحيرة والضلال؛ لأن الإنسان لا يعرف من علمه ومن حياته إلا ما يعلمه من نفسه وممن يعيش معه على هذا الكون، ولا يمكن قياس الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وإذا كان الله عز وجل إنما جعل الأمر أمران: غيب وشهادة؛ فالله تعالى يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، فإنما سمى الغيب غيباً لأنه غيب عنا، أما الله عز وجل فهو عالم الغيب والشهادة، فإذا أخبر الله تعالى أنه يعذب بعد الموت في القبر وقبل الحساب وقبل البعث آمنا بذلك وسلمنا، ولو أن الله تعالى أخبرنا أنه يعذب الجنين في بطن أمه لصدقنا وآمنا؛ لأننا لا نعلم عن هذا الغيب شيء، فيجب أن نسلم وأن نؤمن بهذه النصوص ولا نرد شيئاً من ذلك.

    قال شارح الطحاوية: قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذه الدار. أي: في دار الحياة.

    حديث البراء في معنى قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ..)

    قال: [عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27])].

    فثبات المرء حين يسأله الملكان في القبر عن شهادته بالله: أن الله إله واحد، وأن محمداً هو رسول الله. وهذا أول سؤال يوجه للمرء في قبره أأنت مسلم أم لا؟ فإذا كان جوابه مصيباً وموافقاً للسؤال فهذا هو التثبيت الذي قص الله تعالى علينا في كتابه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:27]، وهذا يعني أن الكفار لا يثبتون عند السؤال. وهذا كذلك يشير إلى أن عذاب القبر وسؤال القبر يوجه للمسلم والكافر، وكل ما في الأمر: أن السؤال إذا وجه للمؤمن ثبته الله تعالى بالجواب الثابت حين توجيه السؤال إليه، وأن الكافر لا يثبت حين يوجه السؤال إليه، قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27] أي: بشهادة التوحيد والإقرار بها. وهذا الحديث في الصحيحين.

    حديث عثمان: (ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل)

    وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: [(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه)] أي: وقف على القبر.

    وفي هذا إشارة إلى استحباب الجلوس عند القبر، وقد وردت نصوص كثيرة جداً بأن من شيع جنازة جلس عندها قدر ما ينحر جزوراً ويوزع لحمه حتى لا ينصرف الناس بسرعة، وإنما هذا الوقت حق لهذا المقبور على من شيعه؛ أن يقفوا عنده مدة من الزمان تقرب ساعة يدعون له بالتثبيت، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ادعوا الله لأخيكم الآن فإنه الآن يسأل). [(كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه -أي: وقف إليه. أي: بقبالة قبره- وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل) .

    فقوله: (استغفروا لأخيكم) يعني: قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تجاوز عنه.. وغير ذلك مما يفتح الله عز وجل به على الواقف عليه.

    قوله: (ثم سلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل). أي: بمجرد مواراته وإهالة التراب عليه يبدأ الملكان يسألانه. نسأل الله السلامة لنا ولكم!

    أما الموعظة على القبر فإنها أمر مشروع، فقد وعظ النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه على القبر وقال: (لمثل هذا فليعمل) يعني: فليعمل العاملون، من أراد أن يعمل وأن يستعد فلابد أن يستعد لمثل هذا اليوم فإنه لابد وارد، وهو آت إلى هذا المكان، وربما ذهبت تشيع ميتاً فلا ترجع بل تدفن بجواره في مقبرة واحدة، فالموت ليس منك ببعيد؛ سواء كنت شاباً أو هرماً أو عجوزاً أو حتى طفلاً رضيعاً فالموت يلحق الجميع ولا سن له، فليس هناك وعد بأن لا يموت المرء إلا في شيخوخته أو في كبره.

    حديث ابن عمر: (إن أحدكم يعرض على مقعده بالغداة والعشي)

    قال: [عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم يعرض على مقعده بالغداة والعشي -يعني: في الصباح وفي المساء- إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار يقال له: هذا مكانك إلى يوم القيامة)] وهذا الحديث مراده: أن الميت إنما يعرض في قبره على مقعده من الجنة ومقعده من النار، فإذا كان من أهل الجنة فتح له باب في قبره ينظر إلى مقعده في الجنة، أي: بعد مبعثه وحسابه وجزائه فإنه يدخل هذا المكان الذي يتنعم به في قبره. وهذا الحديث فيه: إثبات العذاب والنعيم للمقبور، والله تعالى علم أن هذا العبد من أهل الجنة فقد أعد له مكاناً في الجنة، فيفتح له في كل يوم صباحاً ومساءً، وصاحب القبر لا يعرف الصباح والمساء، إنما الذي يعرفه هو الله عز وجل، (فيفتح له في كل غداة وعشي) أي: في كل صباح ومساء، باباً وهو في مقبرته ينظر منه إذا كان من أهل الجنة إلى مكانه في الجنة، وإذا كان من أهل النار ينظر وهو في قبره إلى النار، (ويقال: هذا مقعدك إلى قيام الساعة). أي: هذا مقعدك إلى يوم القيامة.

    حديث ابن عمر: (ما من عبد يموت إلا وعرضت عليه روحه ...)

    [عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يموت إلا وعرضت روحه، إن كان من أهل الجنة على الجنة، وإن كان من أهل النار على النار)] وهو بمعنى الحديث السابق.

    حديث ابن عباس: (ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه ...)

    [عن مجاهد -تلميذ ابن عباس- قال: ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه -أي: أخلاؤه وأحبابه وأصحابه.. وغير ذلك- إن كانوا من أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر]. يعني: المرء يعذب بأصحابه، لكن هذا الخبر غير صحيح عن مجاهد ، وإن صح ففي النفس منه شيء، على اعتبار أن مجاهداً إنما أخبر بشيء من أمور الغيب، وهل يعذب المرء بصحبته في قبره؟ أمر يحتاج إلى نص مرفوع لا إلى نص موقوف أو مقطوع كمثل نص مجاهد.

    حديث أبي أيوب: (هذه يهود يعذبون في قبورهم)

    [عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوات يهود حين غربت الشمس، قال: هذه يهود يعذبون في قبورهم)] واليهود كفار كما أن النصارى كفار، فهذا الحديث أثبت أن عذاب القبر على غير المسلمين، وهذا ما يمكن أن يضاف إلى تصنيف هذا الباب في قوله: وأن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير، بل كذلك يسألهم منكر ونكير إذا كانوا غير مسلمين.

    شرح حديث زيد: (إن هذه الآمة لتبتلى في قبورها)

    وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: [(بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له -الحائط هو البستان أو المزرعة أو الجنينة- فحادت به فكادت تقلبه)] حادت أي: ماجت به وأسرعت تعدو هنا وهناك بغير هدف كأنها نفرت نفرة عظيمة جداً كادت أن تقلب النبي صلى الله عليه وسلم من على ظهرها. [(وإذا قبر ستة أو خمسة أو أربعة -يعني: كان في هذا البستان أو في هذا الحائط قبر فيه أربعة أو خمسة أو ستة- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن هذه الأمة -أي: الأمة الإسلامية- لتبتلى في قبورها -والابتلاء هو الاختبار والامتحان. يعني: هذه الأمة تبتلى وتختبر في قبرها- فلولا ألا تدافنوا دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه)]. يعني: يريد أن يقول: هذه القبور التي تنظرون إليها ملئت نعيماً وعذاباً، أما من تنعم فيها فإنه لا يصيح أو يبكي.. أو غير ذلك، وأما من يعذب فشأنه أن يصيح وأن يبكي وأن يندم ويتحسر على ذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام يسمع هذه الأصوات بدليل: أنه سمع أصوات اليهود وهم يعذبون في قبورهم.

    وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر في الصحيحين: (لما مر على قبرين قال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) وسيأتي الحديث معنا بإذن الله.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى من القدرة والثبات ما يمكن أن يسمع به العذاب في القبر، والنبي أخبر أن الخلق لا يقدرون على سماع هذا العذاب، ولو أنهم سمعوا العذاب لا يتدافنون قط، لو أن واحداً منهم مات ألقوه على المزابل لا يدفنونه، فلما كان الدفن حق واجب على الأحياء -وهو فرض كفاية وكذلك الصلاة على الميت وغير ذلك من أعمال الميت -حجب الله عز وجل عنهم عذاب المعذبين؛ لأنك لو دخلت قبراً أو مقبرة فسمعت العذاب والبكاء والصياح والعويل والصراخ فلا يمكن قط أن تذهب إلى المقابر ولو أن أباك هو الذي مات أو أمك أو ولدك؛ لأن الهول شديد والعذاب أليم، ولا يمكن للمرء أن يتحمل سماع هذا العذاب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: [(فلولا ألا تدافنوا دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمعه منه)] يعني: لولا مخافة النبي عليه الصلاة والسلام أننا نهمل في دفن الأموات مخافة أن نسمع أصوات المعذبين لدعا الله تعالى أن يسمعنا أصوات المعذبين.

    [ثم قال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر. قلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن. قلنا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من الدجال. قلنا: نعوذ بالله من الدجال) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة].

    فحينئذ يجب على المرء أن يتعوذ بالله من كل شر خاصة عذاب القبر والفتن ما ظهر منها وما بطن، والمسيح الدجال ، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ من هذه في دبر كل صلاة قبل أن يسلم، فإذا فرغ من التشهد قال: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) أو قال: (ومن شر فتنة المسيح الدجال).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من نبي إلا حذر أمته الدجال)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (وما بين يدي الساعة فتنة شر من فتنة الدجال)، والدجال تكلمنا عنه مراراً.

    حديث أنس: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)

    [عن أنس رضي الله عنه قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوتاً من قبر من حيطان بني النجار -أي: من بساتين بني النجار- فسأل عنه، فقيل له: دفن في الجاهلية، فأعجبه.)]. لما سمع صوتاً يخرج من قبر في بعض حوائط بني النجار سأل عن المقبور من هو؟ قالوا: يا رسول الله! هذا دفن في الجاهلية، فأعجبه وإعجاب النبي بذلك أن المعذب لم يكن من أمته، بل كان من أهل الجاهلية الذين يستحقون كل عذاب. وهذا يدل على مزيد شفقته على أمته عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: [(لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)].

    حديث أنس في سماع الميت خفق النعال وسؤال منكر ونكير له

    [عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه -يعني: ذهبوا عنه- حتى إنه ليسمع خفق نعالهم)] يعني: أصوات نعالهم وهم يمشون، فالميت في هذه اللحظة يسمع حركات وكلام الأحياء حتى يسمع خفق النعال الذي بمثابة الهمس، فإن الميت حينئذ يسمع، ولذلك لما وضعت الحرب في غزوة بدر أوزارها ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى قليب بدر -أي: الحفرة التي وضع فيها المشركون وهم قتلى- فوقف على رءوسهم وقال: (يا أهل القليب -وفي رواية- يا أهل بدر) أي: يا من قتلتم في بدر من صناديد الشرك والكفر: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فقام إليه عمر وقال: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد ماتوا؟ فقال: والله ما أنتم بأسمع لما أقوله منهم)، يعني: هم يسمعونني كما أنكم تسمعونني تماماً بتمام وسواء بسواء.

    والجمع بين حديث: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع خفق نعالهم) والحديث الآخر: (رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً يلبس نعلين سبتيتين ويمشي بين القبور، فقال عليه الصلاة والسلام: يا صاحب السبتيتين ألق عنك سبتيتيك) قال العلماء: السنة ألا يدخل المسلم المقابر وهو منتعل. وبعضهم قال: بل هذا خاص بصاحب النعلين. ومنهم من قال: بل هذا خاص بالنعال السبتية دون غيرها. والصواب: أن المرء يستحب له أن يدخل المقابر وهو حاف غير منتعل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: (ألق عنك سبتيتيك). وألق فعل أمر، والأمر للوجوب، لكننا لا نقول: إن الأمر هنا للوجوب، وإنما هو للاستحباب؛ لأن الحديث الثاني قال: (وإن الميت ليسمع خفق نعالهم) والمعلوم أن هذا كان في المقابر. فنقول: هذا الحديث الذي جوز المشي بين المقابر بالنعال ينسخ الوجوب الوارد في قوله: (ألق عنك سبتيتيك)، والمعلوم أن نفي الوجوب لا ينفي الاستحباب. هذه قاعدة أصولية، فإذا نفينا الوجوب في قوله: (ألق عنك سبتيتيك) يبقى استحباب ألا ينتعل الذي يمر بين المقابر.

    قال: [(أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له)]. أول شيء يصنعونه: أنهما يقعدانه، مع أننا ندفن الميت ونهيل عليه التراب حتى نقول: ليس هناك مكان يجلس فيه؛ لأن التراب يحيط به من كل مكان، خاصة لو أننا التزمنا السنة في الدفن، قال عليه الصلاة والسلام: (اللحد لنا والشق لغيرنا).

    واللحد هو أن تشق شقاً في الأرض رأسياً ثم تشق جانبه الأيمن باتجاه القبلة شقاً يسيراً بحيث يسمح بأن ينام الميت على جنبه الأيمن متوجهاً إلى القبلة، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا الشق الثاني أو هذا اللحد عالياً بحيث يتمكن الملكان من إجلاس هذا الميت؛ لأننا نعتقد أن الله تبارك وتعالى إنما يهيئ لهذين الملكين مكاناً عظيماً جداً يجلسان فيه الميت، هذا أمر لا يعجز الله تعالى، ولذلك -يا إخواني- النصوص الشرعية ينبغي أن نتعامل معها بقلوب مؤمنة.

    شخص يقول مثلاً: إذا كانت السنة أثبتت أن الأرض بالليل تطوى، وقال عليه الصلاة والسلام: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) فالذي يخاف على نفسه إنما يبدأ السير من أول الليل. ثم قال عليه الصلاة والسلام: (فإن الأرض تطوى) فكيف تطوى مع أن المسافة من القاهرة إلى المنصورة مائة وعشرين كيلو متر، هل ستصير مائة كيلو مثلاً؟ أو ثمانين؟ فالله أعلم، يمكن تكون أقل من ذلك، يمكن يكون الطي في البركة. أنت الآن إذا نظرت إلى يومك هذا ويوم ابن تيمية أو الذهبي أو ابن حجر أو غيرهم من أهل العلم هو نفس اليوم، فالشمس تشرق في الصباح وتغرب في المساء، يدخل الليل فإذا انتهى الليل بدأ النهار وهكذا، لكن هل يومك كيوم ابن حجر أو ابن تيمية؟ الجواب: أن يومك ليس كيومهما أبداً ولا يمكن، وهذه مسألة ينبغي أن تقرر.

    إذا نظرت إلى تراث ابن تيمية أو الحافظ ابن حجر تجده مذهلاً جداً، ومن حكم عقله لا يكاد يصدق أن هؤلاء الناس مع صغر سنهم قد ألفوا هذه المؤلفات الكثيرة، فالإمام الشافعي مات عن أربع وخمسين سنة، وعلمه أطبق الأرض شرقاً وغرباً، فمتى تعلم ثم متى صنف ومتى انتشر علمه؟ أمر عجيب جداً. نحن الآن نبلغ من العمر خمسين سنة ولا نعرف ماذا كتب الشافعي فضلاً أن نكون قد تعلمنا علمه وصنفنا فوق علمه علماً آخر.

    فإذا أخبر الله تعالى أو أخبر رسوله بأمر يتعلق بالغيب فإنه لا مجال للعقل فيه ألبتة، ويجب على العقل أن يقول: سلمنا وآمنا، سمعنا وأطعنا.. أما غير ذلك فلابد أن يئول أمره إلى الحيرة والتيه والضلال.

    قال: [(أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له)] أول شيء: يرد إليه الروح التي نزعت منه وقت الغرغرة، فإنها ترد إليه مرة أخرى. ثم يقعد فيقولان له: [(ما كنت تقول في هذا الرجل في محمد صلى الله عليه وسلم)] هل كنت تقول فيه كما يقول الناس أم أنك فعلاً كنت تتبعه على حق وعقيدة وبصيرة؟

    [(فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله)] وهذا الأمر ليس مصدره الذكاء ولا الشطارة، ولذلك الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وهل يملك المرء أن يموت مسلماً؟

    الجواب: أنه يملك ذلك بحسن استقامته في حياته، المرء يملك أن ينطق بالشهادتين حين الغرغرة إذا كان عاملاً بمقتضاهما في حياته وفي حال صحته ونشاطه، أما إذا كان معرضاً أو جاحداً فإنه لا يملك ذلك، وإن تذكرها في لحظة الموت فإنه لا يقدر على النطق بها.

    إذاً: قوله: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: اعملوا بالإسلام ظاهراً وباطناً في حال حياتكم وفي حال نشاطكم حتى ترزقوا أن يختم لكم بهذه الشهادة، ولذلك فإن المرء في قبره لا يملك الرد على الملائكة، إنما يرد العمل، العمل الذي كان يعمله يخدمه في مثل هذا، كما لو أن -مع الفارق الكبير جداً بين اختبار الدنيا واختبار الآخرة- المرء الآن ذاكر دروسه جيداً، أو يحفظ القرآن جيداً وقيل له: أنت تدخل اختبار وامتحان. فهذا أمر لا يضره، ولا يغتم به مطلقاً؛ لأنه مستعد. قالوا له: أنت ستدخل على لجنة كبيرة جداً من علماء الأزهر ومشايخه وكذا ويختبرونك في القرآن الكريم أو في الفقه أو في السنة أو غيرها، فسيقول: يا مرحباً أهلاً وسهلاً، ما الذي يخيفني من ذلك؟

    ولو أن واحداً طول السنة أعرض عن المذاكرة، فماذا يكون حاله عند الامتحان؟ إما اليأس المفرط مع مزيد الهم والحزن في قلبه وإن تظاهر بغير ذلك، وإما أنه سيدخل امتحاناً في غاية الهم والغم والحزن لكنه ينتظر الرسوب أكثر من انتظاره للنجاح، فكذلك المرء إذا عمل بالإسلام فإنه قط لا يحمل هم هذه الأسئلة التي توجه إليه، ولذلك رد عن بعض السلف، قيل منهم عمر وأنا لا أذكر هذه الرواية على اعتبار صحتها، وإنما أذكرها على اعتبار أنها تشهد لهذا الكلام وإن لم أكن قاصداً الاحتجاج بها، قيل لـعمر بن الخطاب : إن منكراً ونكيراً سيسألانك: من ربك ومن نبيك وما دينك؟ قال: والله إنهما لو أتياني لسألتهما: من ربكما ومن نبيكما وما دينكما؟ لأنه متأكد من نفسه، وعامل بالتوحيد وبالنبوة وبالرسالة.

    و يزيد بن هارون البغدادي الذي هو إمام أهل السنة والجماعة، بل هو شيخ الإمام الشافعي وهو الذي أوصى الشافعي بتصنيف كتابه: (الرسالة)، وكان يدعو إلى السنة على مدار ستين أو سبعين عاماً، فلما روى هذا الحديث بإسناده ضحك، فقيل: ما يضحكك؟ قال يزيد بن هارون : يسأله منكر ونكير: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ سبحان الله! أما علم أني كنت أدعو إلى السنة ستين عاماً؟ فهو يستعظم جداً أن توجه إليه هذه الأسئلة مع أنه هو الذي كان يوجه هذه الأسئلة إلى الناس على مدار عمره كله ستين سنة، أو سبعين سنة، فهذا دليل على استقرار الإيمان في قلبه، وأنه لا تضره هذه الأسئلة. هذا إن صحت الروايات عنهم.

    قال: [(فيقول: انظر إلى مقعدك من النار)]؛ لأننا قلنا من قبل: إن الله تعالى جعل لكل واحد مقعداً في النار ومقعداً في الجنة، المؤمن والكافر سواء، أما المؤمن فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، ثم انظر إلى مقعدك من الجنة واعلم أن الله تعالى أبدلك بمكانك في النار مكاناً في الجنة. (ويقال للكافر: انظر إلى مقعدك من الجنة) أي: لو أنك آمنت. ثم يقال له: (انظر إلى مقعدك من النار جعلك الله تعالى فداءً للمسلم) أي: بسبب كفرك وجحودك وعنادك فإن الله تعالى أبدل مكانك في الجنة بمكان في النار.. وهكذا.

    قال: [(فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقول: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيراهما كلاهما) -أي: هذان المقعدان- قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً ويملأ عليه خضرة إلى يوم يبعثون]. يعني: ينعم بالنظر إلى هذه المناظر الخضراء التي تدل على الجنة.

    [ثم رجع إلى حديث أنس: (وأما الكافر أو المنافق فيقولان له -أي: منكر ونكير- ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول كما يقول الناس. فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطراق من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة فيسمعها من يليه غير الثقلين)] يعني: يسمعه كل شيء إلا الإنس والجن.

    ومن هنا كره كثير من أهل العلم رعي البهائم بجوار المقابر؛ لأن البهائم تسمع أصوات المعذبين، ولأن هذا تعذيب لها.

    [وقال بعضهم: فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه]. هذا بالنسبة للكافر والمنافق، وإن كان اختلاف الأضلاع في القبر يشمل المؤمن والكافر، لكن الله تعالى يرحم المؤمن، وأما الكافر فيستمر عذابه، لقوله عليه الصلاة والسلام لما دفن سعد بن معاذ: (لقد ضم عليه القبر ضمة اختلفت منه أضلاعه) يعني: أضلاعه دخلت في بعضها البعض.

    وقال: (إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ) مع أن موت سعد بن معاذ اهتز له عرش الرحمن؛ لكرامته على الله عز وجل، ولحسن إيمانه وطاعته ونصرته للنبي عليه الصلاة والسلام، ومع هذا انطبق عليه القبر حتى اختلفت أضلاعه، فالمؤمن سرعان ما يزول هذا عنه، أما الكافر فيبقى هكذا إلى قيام الساعة.

    قال: [أخرجه البخاري ومسلم في حديث سعيد].

    حديث: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)

    قال: [عن ابن عباس قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: إنهما ليعذبان -واللام هنا للتوكيد وليست للنفي- ما يعذبان في كبير) يعني: المسائل التي يعذب بسببها أصحاب هذه القبور ليس أمراً عسيراً ولا شاقاً، كان بإمكانهما أن يتحرزا منها وأن يجتنبا سبب هذا العذاب. [(أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول) وفي رواية: (كان لا يستتر من البول). أما قوله: (لا يستنزه من البول) أي: يتبول ولا يتطهر ثم ينطلق.

    وآلاف من الناس تتنجس ملابسهم وأبدانهم بالبول، فكم من شخص يبول ثم ينصرف، وأعجب من ذلك -والله- أني رأيت منذ شهرين تقريباً أن واحداً بال واقفاً -وكنت في زيارة للإسكندرية- والبول قائماً مخالفة، ثم لم يستنج من بوله، وإنما مسح ذكره بكفه اليمنى -وهذه مخالفة أخرى- ثم مسح كفيه مع بعضهما البعض وأجراهما على وجهه. فلم أدر من أين أبدأ معه.

    ولابد أن تعلم أن الشرع لم يترك لأحد قط أن يتصرف في نفسه أدنى تصرف دون هداية وإرشاد حتى في البول كما في قول اليهود: (لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة). أي علمنا كل شيء حتى علمنا إذا دخل الواحد منا الحمام ماذا يصنع وكيف يتطهر وبأي شيء يتطهر، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وبين لنا فيها أحسن بيان، فأي دين أعظم من هذا الدين؟ وأي رسول أعظم من هذا الرسول؟ لا أحد ولا شيء قط، فهذا دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده.

    وبعض الناس يقول لك: يا أخي! أنا رجل مثلي مثل هذا، فلم أستر نفسي عنه؟ ولعلكم تذكرون أني قلت لكم مرة أني كنت في المدينة المنورة، فرآني أحد الناس في المسجد فألح علي أن أفطر عنده فذهبت تلبية للدعوة، فلما ذهبت لأغسل يدي وجدت أن الحوض خارج الحمام في الصالة، وقد سبقني إلى الحمام والحمام مفتوح على مصراعيه وهو جالس فيه يقضي حاجته، فلما وقع نظري على عورته قلت: أعوذ بالله، ما هذا يا أخي؟ وغضبت غضباً شديداً جداً، فخرج من الحمام وهو غضبان. قال: ولم نغضب؟ قلت له: غضبان! وهل أنت محتاج أن أقول أنك مخطئ أو ماذا؟ فقال لي: هذا ليس خطأ. قلت: بل إنك مخطئ. فقال: ألست أنت رجل؟ قلت: أنا رجل ونصف. قال: وأنا كذلك رجل فلم تضغب؟

    فذهبت إلى الذي سينصرني فقلت له: انظر يا حاج فلان أو يا دكتور فلان، أرأيت فلاناً ماذا قال؟ وهو جالس ينظر إلي باستغراب ويقول: ومم تغضب؟! قلت له: سبحان الله! أهذه المسألة إجماع وأنا المخالف فيها أم ماذا؟! قلت: أهذا صحيح؟ قال: يا أخي! المعذرة وهل بيننا امرأة؟ قلت له: نعم هو امرأة، إنما أنا لا، ألم يكن من المفترض عليها أنها لا تكشف عورتها بهذا الشكل؟ فغضب مني جداً، كيف أنني أقول على الدكتور في الجامعة أنه امرأة! تصور إلى هذا الحد!

    فانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله) يعني: عند أن يأتي للبول يبول أمام الماشي والآتي.

    قال: [(وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)] والمعلوم أن النميمة إنما هي النم والنقل على وجه الإفساد، وهي من الكبائر، فمن علامات الكبائر الوعيد الشديد؛ لأن الناس يتصورون أن الكبيرة معناها أنه لابد أن يقام عليها الحد، وهذا ليس بلازم، كما أن بعض الناس أن علامات الساعة كطلوع الشمس من مغربها من الأمور المحرمة، وهذه أمور كونية ليس لها علاقة بهذا، بل هذه علامات وأمارات للساعة لا يلزم أن تكون حراماً.

    فهنا قال: (وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)، يأتي ويقول لك: إن فلاناً قال عليك كذا، ويذهب إلى فلان ويقول: إن فلاناً قال عليك كذا، فتقع الشحناء والبغضاء بين المسلمين، ولا شك أن هذا باب عظيم جداً من أبواب الكبائر.

    قال: [(ثم أخرج جريدة فشقها بنصفين فغرز في كل قبر واحدة. فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)].

    السؤال الذي أريد أن أطرحه: لو أن شخصاً وضع جريدة الآن أمام القبر أيخفف عن صاحب القبر من عذاب القبر؟ الجواب: لا. لأنه ابتداء لا يدري أهو يعذب أم لا يعذب؟ ولكن الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه علم أن هذان يعذبان، بل علم سبب التعذيب، ثم أطلعه الله تعالى على بعض النجاة لمدة محدودة وهو إشفاق على أصحاب القبور أنه أخذ جريدة وشقها نصفين ثم وضع كل نصف في قبر وهي خضراء. قال: (لعله أن يخفف عنهما -أي: من عذاب القبر بهذا السبب- ما لم ييبسا) أي: ما لم تيبس هاتان الجريدتان.

    فهل لأحد الناس أن يضع جريدة نخل رطبة على القبر؟ لا. ولكن للأسف نحن نراه اليوم على القبور، فعند أن تدخل القبور تجدها بساتين وعمارات وقصور وفلل! وهذا بلاء عظيم جداً.

    حديث عائشة في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم للعجوز اليهودية في إثبات عذاب القبر

    [عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي عجوز من عجائز يهود المدينة)] يعني: امرأة يهودية كبيرة في السن دخلت على عائشة في المدينة. [فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم)]هذا قول العجوز اليهودية، والعجيب أن اليهودية معتقدها في عذاب القبر أحسن من معتقد الخوارج والمعتزلة! فعقائد المعتزلة والخوارج أفسد من عقائد اليهود في هذا الباب [فقالت عائشة: كذبت، ولم أنعم أن أصدقها)] p=1000043>عائشة

    تقول لها: أنتِ كذابة، الذي يموت لا يعذب، ولكن عائشة كان عمرها صغيراً، فكان عمرها: تسع سنين، أو عشر سنين، أما بعد ذلك فهي من كبار المحدثات ومن المكثرات في الرواية، وعاشت حتى احتاجت الأمة إلى علمها وفقهها.

    [قالت: (فخرجت -أي: خرجت هذه اليهودية من عندها- فلما خرجت دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة ، فقالت له: يا رسول الله إن عجوزاً من عجائز اليهود دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم؟ فقال: صدقت)]. فلم يقل لها: هذه يهودية بنت كلب، إياك أن تصدقيها! فلم يقل لها ذلك، انظر إلى الحق!

    وأعظم من هذه اليهودية: الشيطان، فإنه أعظم منها ضلالاً وشيطنة، قال عليه الصلاة والسلام لـأبي هريرة : (صدقك وهو كذوب) أرأيت إلى العدل!

    وقال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:75]، مع أنهم الكفار، لكن منهم الأمناء، ولا يصح أن يلف الكافر بخرقة ويلقى ولا ينتفع به، بل ينتفع به فيما يمكن الانتفاع به.

    وقال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75]، أي: إذا كنت واقفاً على رأسه: هات الدينار الذي عندك، وترفعه إلى المحاكم، ومن أهل الكتاب من لو وضعت عنده قنطار ذهب يؤده إليك.

    والنبي عليه الصلاة والسلام صدَّق هذه اليهودية، وعائشة معذورة في تكذيبها لها، لأنها طفلة صغيرة في ذاك الوقت.

    قالت: [(فقال لي: صدقت. إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها. قالت: فما رأيته في صلاة قط إلا يتعوذ من عذاب القبر)]. يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) والحديث في الصحيحين.

    حديث عائشة في تعوذه صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر

    حديث: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة ...)

    [عن البراء بن عازب قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار -يعني: مسلم وهو من الأنصار- فانتهينا إلى القبر ولم يلحد له -يعني: ذهبنا به إلى المقبرة، ولم يوضع هذا الأنصاري في قبره بعد- فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير)] يعني: تشبيه بالحجارة أو بالشيء الثابت الذي لا يتحرك حتى ظن الطير أنهم ليسوا بشراً! أما اليوم تنظر وتجد الناس يمشون في الجنازة يغمز بعضهم البعض، ويضحكون مع بعض، ويحكون حكايات وروايات وقصصاً، ومنهم الذي يبكي من الضحك جبراً لخاطر أهل الميت .. فهذه مناظر مخزية كلها، لا يفكر صاحبها أنه يمكن أن يكون في آخر النهار في هذا النعش.

    وسئل بعض الناس ممن يمشي مع الجنازة: هل الذي يمشي أمام الجنازة أفضل أم الذي يمشي وراءها؟ قال: يمشي وراءها أو يمشي أمامها لا مشكلة، المهم ألا يكون في النعش! ويمشي وهو يضحك وكأن الأمر يستحق الضحك! [(فجلس رسول الله وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، في يده عود ينكت به في الأرض)]، وهذا تصرف الإنسان الذي امتلأ فكراً وعبرة، الذي يفكر في أمر عظيم وخطير [(فرفع رأسه عليه الصلاة والسلام فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً.

    ثم قال: إن العبد المؤمن)] هو يعقد مقارنة بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين، وماذا يقدم كل منهما؟ وكيف يقدم العبد على ربه؟ فبدأ بالمؤمن.

    قال: [(إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا)] يعني: إذا انتهت حياته وبدأ حياة أخرى، والقبر هو أول منازل الآخرة، وآخر منازل الدنيا، ولذلك قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27] أي: في القبر، كما مر بنا آنفاً.

    قال: [(نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه)] فهو أمر يناسب العبد المؤمن، فالملائكة عند ذلك يأتونه في صورة حسنة بهية، في ثياب بيض. [(كأن وجوههم الشمس -من البياض- معهم كفن من كفن الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه)] وهذا في لحظة الاحتضار، كما قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا) يعني: لحظة الاحتضار، التي يكره المرء فيها لقاء الله أو يحب لقاءه، إذا نظر إلى مكانه من النار كره لقاء الله، وإذا نظر إلى مكانه من الجنة أحب لقاء الله، فتأتي الملائكة بيض الوجوه يجلسون منه مد البصر. أي: بعيداً عنه قليلاً. [(ثم يأتي ملك الموت ويقف عند رأسه فينزع منه الروح نزعاً رفيقاً ليناً)] هذا النزع ربما يكون فيه بعض الإيلام، لكنه إذا قورن بنزع روح الكافر كان في منتهى اليسر والسهولة، وشيء هين لين.

    قال: [(ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين)] قوله: لم يدعوها، الضمير عائد على الملائكة الذين جلسوا منه مد البصر، فالذي يتولى نزع الروح هو ملك الموت، ثم الذي يصعد بها: الملائكة الآخرون، والذي يتوفى الأنفس هو الله عز وجل.

    إذاً: المميت على الحقيقة هو سبحانه وتعالى، والذي يتولى إخراج الروح هو ملك الموت، والذي يتولى الصعود بهذه الروح ملائكة آخرون.

    قال: [(لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلونها في ذلك الكفن وذلك الحنوط -الذي هو من أكفان الجنة ومن حنوط الجنة- فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على ظهر الأرض -أي: لها رائحة طيبة جداً، وهي رائحة الإيمان والعمل الصالح- فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا -أي: هؤلاء الملائكة- ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه الذي كان يدعى بها في الدنيا -أي: في أثناء حياته- حتى ينتهون بها إلى سماء الدنيا -أي: السماء الأولى- فيستغفرون له -وفي رواية-: فيستفتحون له)] يعني: يستغفر للمؤمن أهل السماوات الدنيا، أو يستفتح الملائكة الذين معهم هذه الروح أهل السماء الدنيا من الملائكة فيفتحون لها ولهم.

    قال: [(فيشيعه من كل سماء مقربوها -أي: الملائكة المقربون في كل سماء هم الذين يشيعون هذه الروح الطيبة- إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض)] أي: تذهب الروح إلى جسد صاحبها.

    قال: [(فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتعاد روحه في جسده)].

    إذاً: عند أن قلنا: تعاد إلى الأرض في جسده لم يكن هذا اجتهاداً وإنما هو نص، كما في قوله: [(فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام -لأنه مؤمن نفعه إيمانه- فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، قال: فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، أفرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة -يعني: يفرش له فراشاً من الجنة- وافتحوا له باباً إلى الجنة -افتحوا له في القبر باباً ينظر منه لمقعده في الجنة- فيأتيه من ريحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له: أبشر بالذي يسرك، فهذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة)] أي: أنه مستعجل على الجنة.

    لكن الكافر لن يتمنى قيام الساعة وإن كان في عذاب إلا أنه ينظر صباحاً وعشياً إلى عذاب أشد منه، ولذلك يقول: (رب لا تقم الساعة). يعني: يتمنى المكوث في عذاب القبر؛ لأن هذا العذاب أهون، والكافر في حياته الدنيا وإن كان في الدنيا بالنسبة له هي النعيم كله إلا أنه في عذاب، والواحد فينا يجرب هذا العذاب أحياناً، يعني: الواحد فينا الذي ما زال قلبه حياً إذا فرط في طاعة الله عز وجل، وإذا فاتته صلاة الفجر كيف يكون شكله طيلة النهار؟ إذا كان في قلبه بقية حياة، فيكون كما قال عليه الصلاة والسلام فيمن فاتته صلاة الفجر: (فيصبح خبيث النفس كسلان)، فهو طول النهار كسلان ويتثاءب وضجر ولا يريد أن يتكلم، أو أن يعمل، وهذا كله من التفريط بصلاة الفجر، فكيف بالذي يفرط في كل الطاعات؟ تجد أن البهائم أفضل منه؛ البهائم تؤدي دورها على أكمل وجه، فهي أحسن منه، فالإنسان قد يصل بمعصيته لله إلى درجة تنحط عن درجة الحيوانية والبهيمية!

    قال: [(فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول العبد المؤمن: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي)]. فأهله هم أهل الجنة، وماله هو القصر الذي سيدخل فيه، والنعيم الذي سيكون فيه، وغير ذلك مما أعد الله له، وتعرفون أن أدنى رجل من أهل الجنة نصيبه عشرة أضعاف الدنيا، فالدنيا مجتمعة مضروبة في عشرة تساوي نصيب أقل رجل حظاً في الجنة، مع أن الواحد منا الآن يقنع بأن يكون له شيء بسيط، لأنه في ظل الرخاء الاقتصادي يقنع بأن يأخذ شقة مكونة من غرفتين أو أكثر، وقد يقنع بغرفة وعند أن يأتي إليه ضيف يجلسه مع امرأته لأنه لا يوجد مكان في ظل الرخاء الاقتصادي! وبعد ذلك عندما يأتي إليه أولاد يكون لديه غرفتان، وعندما يأتي له أكثر من ذلك والعيال يكبروا ويكثروا فالله عز وجل يفرج عليه ويأخذ شقة مكونة من ثلاث غرف، وهو الحمد لله مبسوط وراض ويعتبر نفسه أنه قد حيزت له الدنيا بحذافيرها.

    أما في الآخرة فلن يقنع بذلك، عندما يرى القصور والجنان والحدائق والبساتين والنعيم، وأعظم من ذلك كله أن ينادى عليه في كل يوم جمعة يوم المزيد حتى يقف تحت عرش الرحمن انتظاراً لأن يظهر الله تعالى لهؤلاء العباد فينظرون إليه عز وجل.

    إن الواحد -أيها الإخوة- أحياناً عندما يجلس ساعة صفاء مع نفسه يقول: ما الذي جرى لي؟! بلغت من العمر خمساً وأربعين سنة وإلى الآن لم أر النبي ولا مرة واحدة في المنام، فكيف نرى الله عز وجل في يوم القيامة أو في الجنة؟ فالإنسان عندما يرى واحداً من العلماء المعاصرين يكون فرحاً ومسروراً، ويمكن لا يكون عالماً ولكنه رجل صالح فيكون سعيداً جداً، فكيف إذا رأيت النبي عليه الصلاة والسلام أتى إليك وشد على يديك ووصاك بالتمسك بالكتاب والسنة؛ لأنه لا يمكن أن يحل لك أو يحرم؛ لأنه لا تحليل ولا تحريم بعد موته عليه الصلاة والسلام؟!

    قد يقول قائل: إني رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام ورأيته على هيئة لا أستطيع وصفها من حسنها، وقال لي: يا فلان احلق لحيتك. هذا كذاب. أيقول النبي مثل هذا الكلام؟! لا. وهذا الكلام لا يصح أيها الإخوة!

    قال: [(وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وانقطاع من الآخرة)] فالأول كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، أما هنا فالانقطاع من الاثنين. يعني: حياته غم ونكد وهم في الدنيا والآخرة.

    قال: [(نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه)] أما العبد المؤمن فتنزل عليه ملائكة بيض الوجوه [(معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة)] أما المؤمن فيقول: أيتها النفس الطيبة. [(اخرجي إلى سخط الله وغضبه)] وهناك: إلى مغفرته ورضوانه.

    قال: [(فتفرق في أعضائه كلها)] أي: الروح تفرق في جميع بدنه، وكأنها سرطان تدخل في جميع أجزاء البدن [(فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول)]. عند أن تدخل إبرة في صوف مبلول، وتريد نزعها من ذلك الصوف إذا بها تشد معها الصوف، أما روح المؤمن فتخرج مثل القطرة عندما تنزل من في السقاء.

    قال: [(فتقطع معها العروق والعصب)] وهذا فيه نزع شديد جداً، نسأل الله أن يعافينا وإياكم.

    قال: [(فيأخذها هذا الملك، فإذا أخذها لم يدعوها -أي: الملائكة السود- في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح، قال: ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض)]، وهناك كأفضل ريح وجدت على وجه الأرض.

    [(فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟)] وهناك: الطيبة. [(فيقولون: فلان بن فلان بأخبث أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا)] يعني: لو أن شخصاً مثلاً اسمه شنودر مثلاً، واللقب حقه جُبيض، وكان يغتاظ ويتضايق من هذا اللقب ينادى بهذا في الملكوت [ (حتى ينتهون به إلى السماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يفتح لها -أي: السماء الأولى لا تفتح له- ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40])] وهذا تعجيز. وحتى هنا ليست للغاية ولا للتحقيق، بل للتعجيز، أيمكن أن تأتي بإبرة وتدخل فيها جمل؟! إنك عندما تريد إدخال الخيط الذي صنع لأن يدخل في هذا المكان لا تستطيع إدخاله في خرم الإبرة، مع أنه أوسع من هذا الخيط، فما بالك لو أنك أتيت بجمل يدخل في خرم هذه الإبرة؟ فلما كان مستحيلاً أن يدخل الجمل في سم الخياط فكذلك يستحيل على الكافر أن يدخل الجنة.

    قال: [(ثم يقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، قال: فتطرح روحه طرحاً)] يعني: لن تنزل هذه الروح مع الملائكة معززة مكرمة، بل ستترك في السماء الدنيا فتطرح طرحاً في الأرض.

    [وقرأ النبي عليه الصلاة والسلام: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] -يعني: عميق- فتعاد روحه إلى جسده)] أي: فتعاد وهي محطمة.

    قال: [(فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ -في هذا إثبات عذاب القبر بقوله: من ربك- فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه)]، وهذه إجابة الحائر التائه الذي لا يدري ما يقول، الذي فرط وعاند وجحد، فيقول هكذا في كل سؤال يوجه له حتى يكون هذا جوابه في قولهم: (ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي) هذا العبد كذاب وكذب بالحق لما جاءه. (فافرشوا له من النار وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار)] كل حياته نار في نار، بخلاف المؤمن: (أفرشوا له من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة).

    قال: [(فيدخل عليه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه والثياب، نتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك -يعني: بالذي لا يسرك ولا يسعدك- هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك السيئ فيقول: رب! لا تقم الساعة)] يعني: اجعلني هنا أحسن؛ لأن هذا الباب المفتوح على النار لا يبشر بخير؛ بسبب العمل الذي عمله في الدنيا.

    إثبات الصحابة والتابعين لعذاب القبر وإيمانهم بذلك

    [عن ميمون بن أبي ميسرة قال: كان لـأبي هريرة رضي الله عنه صيحتان في كل يوم، أول النهار فيقول: ذهب الليل وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار]. فيصيح أبو هريرة لهذا ويفزع. [وإذا كان العشي قال: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار]. يعني: كان يستعيذ بالله من النار في كل صباح وعشي؛ لأنه يعلم ويوقن أن العذاب قائم وكائن لآل فرعون في هذا التوقيت، كما في قول الله تعالى: يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46].

    قد يقول قائل: هذا العذاب في حق الكافر؛ لأن فرعون وقومه كفار، وعذاب القبر لا يثبت إلا للكفار، فالجواب: أين حديث الجريد؟ وأين حديث صاحب الغيبة وصاحب البول والذي غل من الغنيمة.. وغير ذلك؟

    وهناك من يقول: لا يوجد عذاب قبر بالمرة ولا حتى آل فرعون، فإن آل فرعون سيعذبون يوم القيامة. والجواب: أن يوم القيامة شيء، وعذاب القبر شيء آخر، والدليل على ذلك قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]. يعني: بعد الموت.

    قول الله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] معناه: أن هناك عذاباً بعد البعث، وعذاباً قبل البعث، وهو أنهم يعرضون على النار وهم في قبورهم في الصباح وفي المساء، وأما يوم القيامة فشيء آخر، فعذابهم في الآخرة أشد من عذابهم في القبور، مع أنهم كانوا في قبورهم يعرضون صباحاً وعشياً على النار، لكن النار التي أعدت لهم في الآخرة أعظم، بل لا يقاس عليها عذاب القبر ولا عذاب الدنيا من باب أولى.

    وقال عبد الله الداناج: [شهدت أنس بن مالك وقال له رجل: إن قوماً يكذبون بالشفاعة، قال: لا تجالسوهم، فسأله آخر فقال: إن قوماً يكذبون بعذاب القبر، قال: لا تجالسوهم] وهذا كلام عظيم لأهل العلم، فهم ينهون عامة الأمة عن مجالسة أهل البدع والزيغ والضلال.

    [عن مجاهد قال: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات:13] قال: يحرقون عليها ويعذبون].

    وعن حوثرة بن محمد المنقري البصري قال: [رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليال، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ووهب لي التبعل، قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة، قلت له: بم نلت الذي نلت -يعني: كيف أخذت هذا؟- قال: بمجالس الذكر -أي: مجالس العلم- وتولي الحق، وصدقي في الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر، قلت: ومنكر ونكير حق؟ -بمعنى: أنت فعلاً رأيت منكراً ونكيراً؟- قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وقالا لي: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، فقلت: مثلي يسأل؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس.

    فقال أحدهما لصاحبه: صدق، هو يزيد بن هارون نم نومة العروس: فلا روعة عليك بعد اليوم]، يعني: لا حزن ولا هم عليك بعد اليوم، نم إلى نعيم ورغد لا منتهى له سواء كان في قبرك أو بعد مبعثك ودخولك الجنة.

    وهذا المنام وغيره من المنامات إنما هي من البشارات لأهل الإيمان، وإن كان لا يتوقف عليها حسن اعتقاد ولا سوء اعتقاد ولا تحليل ولا تحريم ولا شيء من هذا، إنما هو عاجل بشرى المؤمن في الدنيا.

    1.   

    سياق ما روي بما أرى الله أو أسمع من عذاب القبر في الصحابة والتابعين ومن بعدهم

    قال حنبل: [سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: إذا صير العبد إلى لحده، وانصرف عنه أهله أعيد إليه روحه في جسده].

    ولذلك فإن عقيدة أهل السنة سهلة، وأنا سأقول لك: هات أي كتاب من كتب المعتزلة أو الشيعة أو الخوارج أو أي فرقة من الفرق الضالة في المعتقد واقرأه أو اقرأ باباً منه ثم اقرأ ما يواجه هذا الباب في كتب أهل السنة والجماعة، فلن تحتاج أبداً إلى شخص يشرح لك، فعندما نقرأ في عقيدة أهل السنة فيما يتعلق بالقبر ستجد الكلام سلساً، وعند أن نأتي ونقرأ العقيدة الطحاوية مثلاً أو في كتاب السفاريني أو في كتاب اللالكائي أو ابن أبي عاصم أو أحمد بن حنبل .. أو غيرهم من أهل العلم الذين صنفوا في المعتقد والسنة تجد أن الكلام سهلاً وحلواً ومقبولاً وجميلاً، ولا تحتاج أبداً أن أبا الأشبال يقول لك: هذه معناها كذا، وهذه معناها كذا، أو أن المحشي سيضع لك تحت هذه الكلمة الصعبة أن معناها كذا، فبمفردك ستفهم هذا الموضوع وتقول: سهل جداً، لكن عند أن تأتي إلى كتب المبتدعة؛ تجدها فلسفة وكلاماً معقداً ومنطقيات ومقدمات ومؤخرات ونتائج، شيء صعب إلى أقصى حد، وربما قرأت الموضوع وخرجت منه وأنت لم تفهم ما هو الموضوع الذي يتكلم فيه؛ لأنه طلاسم، والذي يترك كلام أهل السنة لابد أنه يقع في الحيرة والتيه والضلال، ويكون كلامه كله عبارة عن فلسفات كلامية ومقدمات ومؤخرات منطقية لا يمكن أبداً أن يستقيم في الأمور الغيبية مع كلام أهل السنة والجماعة أبداً، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) لم يقل الصحابة: من هؤلاء الفرق يا رسول الله؟ وإنما قالوا له: من هذه الفرقة الواحدة؟ قال: (هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

    فهذه إشارة إلى وجوب تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم اعلم أن ما عدا هذه العقيدة عقائد فاسدة وباطلة، وأصحابها من أهل النار، أما أن يأتي شخص ويتفلسف ويقول لك:

    عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه

    فيقول: أنا قبل أن أدرس عقيدة أهل السنة لابد أن أدرس عقائد الفرق الثلاثة والسبعين أو الاثنتين والسبعين لا أعرف الفرق الباطلة؛ من أجل أن تحلو لي عقيدة أهل السنة والجماعة!

    إذا كنت تظل تدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة سنوات وسنوات فكيف يتسنى لك أن تدرس عقيدة هذه الفرق كلها؟ أتضمن الحياة؟ وبعد ذلك أأنت مكلف بمعرفة هذه العقائد؟ هل سيقول الله عز وجل لك يوم القيامة: ماذا قالت المعتزلة في رؤية الله عز وجل؟ أم أنه سيسألك عن معتقدك أنت، فيما يتعلق بجواز أو استحالة رؤية المولى عز وجل، سيسألك عن عقيدتك، عقيدة أهل السنة، بل هو سيسأل سبحانه وتعالى هؤلاء الضلال الحيارى عن سر وسبب انحرافهم عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وعملهم يأتي يوم القيامة كله هباء منثوراً؛ لأنه لا يستند إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما استند إلى فلسفات غربية، ولذلك فإنه كلما ازدادت رقعة الإسلام في الأرض ازداد الفساد في الأمة.

    فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه عند أن كان تفتح عليه البلدان كان يظل يبكي؛ لأنه عمر رضي الله عنه الرجل الثالث في الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام وبعد أبي بكر فليس هذا من فراغ أيها الإخوة!

    ولذلك قيل: إن أبا بكر لم يسبق الأمة بكثير صلاة ولا صيام، وإنما بإيمان استقر في قلبه، فنور الوحي استقر في قلبه فصارت الأمور بالنسبة له كما لو كان يشاهدها عياناً، وهذا نور الإيمان جزاءً وفاقاً للعمل الصالح، وهو فضل الله عز وجل أولاً وآخراً، بعث عمر الجيش، فلما سمع أن مصر فتحت وأن الأمر استقر لـعمرو بن العاص بكى عمر بن الخطاب لأنه يذكر قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)، ونحن ننظر إلى الوجه الآخر للفتح، الفتح جيد، وشيء جميل، ودخول الناس في دين الله عز وجل أجمل ما يمكن، لكن الوجه الآخر لهذا الفتح هو الأمر العصيب جداً الذي كان يعصر قلب عمر، وأن كل زيادة في الأرض زيادة في فساد أبناء الأرض.

    ولا شك أن عالم الترجمة أمر يسعد كل مسلم، فلما أمرت الدولة العباسية بترجمة كتب الفلاسفة والمتكلمين، كان هذا مبدأ وأساس الشر في الأمة، بأن تُرجمت كتب فلاسفة اليونان وأثينا للغة العربية، فدخل الشر منها.

    وأنت عندما تجلس مع أستاذ أو طالب في كلية الآداب أو التربية قسم الفلسفة لا يمكن أن تقول: هذا الإنسان مسلم، أو هذا قلبه أو عقله يفكر في الإسلام، لأنه لا يتكلم أبداً بقال الله ولا قال الرسول، فكلامه كله ظلمة إلا من رحم الله عز وجل؛ لأن بضاعته هي قال أرسطو طاليس قال بطليوس قال كذا.. فلا علاقة له أبداً بالإسلام، مثلما تجلس مع محامٍ بالضبط أو تذهب إلى المحكمة وهذا أمر يغمك، لا يمكن أن تتصور قط أنك في بلد مسلم، ولست بذلك أكفر البلد، لكني أقول: تشعر وكأنك في بلد غربي، وإلا فما الفرق بيننا وبين الغرب؟!

    يظل المحامي يقول: وقالت المادة الفلانية وقال النص الفلاني، قالت المادة كذا وكذا وكذا، فتستغرب، ألا يوجد أحد يقول: قال الله وقال رسوله في هذه البلاد أم ماذا؟ أنحن في شيكاغو! أو نحن في مرسيليا أم أين نحن بالضبط؟ فهذا شيء عجيب جداً!

    قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه ورحمه: [إذا صير العبد إلى لحده وانصرف عنه أهله أعيد إليه روحه في جسده، فيسأل حينئذ في قبره، وهو قول الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27] -يعني: القبر- فنسأل الله أن يثبتنا على طاعته، ويبارك لنا في تلك الساعة عند المساءلة، فالسعيد من أسعده الله عز وجل].

    قال حنبل: [وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: نؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، يعني: ونؤمن بأن منكراً ونكيراً يسألان الميت].

    وعلي بن المديني الإمام الكبير قال سنة إحدى وعشرين ومائتين بالبصرة: [نؤمن بعذاب القبر ونقول: إنه حق، وإن هذه الأمة تفتن في قبورها -أي: تبتلى وتختبر، والفتنة والاختبار هو اختبار الملكين منكر ونكير- ويسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام -أي: يسأل الميت عن النبي عليه الصلاة والسلام- ونؤمن بمنكر ونكير].

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.