إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - تكفير المشبهةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل الفرق التي ضلت في صفات الله عز وجل إما نفاة أو مشبهة، وإن كان هناك ضلالة أخرى في هذا الباب فمردها إلى هذين الصنفين، والمشبهة من الفرق التي مرقت من دين الإسلام، وقد حكم أهل العلم والدين بكفر من شبه الله عز وجل بشيء من خلقه؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

    1.   

    النفي والتشبيه في الصفات هما أصلا الانحراف والضلال في هذا الباب

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إن الفرق الضالة التي ضلت في صفات الله عز وجل إما أنهم نفاة، وإما أنهم مشبهة، وإن كانت هناك ضلالة أخرى فمردها ومرجعها إلى هاتين الضلالتين، وحديث الافتراق تعلقه بصفات الله عز وجل بالدرجة الأولى، فما ضلت هذه الأمة أعظم ضلال إلا لاختلاف فرقها، وكان الصدر الأول للإسلام على الجادة والاستقامة خاصة في عهد الخلفاء الراشدين، فلم تظهر تلك الانحرافات إلا في عهد صغار الصحابة، أي: في أواخر المائة الأولى للهجرة، كما روى مسلم في صحيحه: أن أول من قال بالقدر في البصرة هو معبد الجهني.

    فسبب الافتراق والضلال هو أن الأمة اختلفت في ربها وخاصة في صفاته، فمنهم من لم يفهم من صفات الله عز وجل إلا ما يفهم من صفات المخلوقين، وإذا مر على ذكر أو تلاوة صفات المولى عز وجل لا يسعه مع هذا القصور الفكري إلا أن يمثل أو يشبه الله تبارك وتعالى بخلقه، فإذا قرأ: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] قال: إن لله تعالى يداً كيدي، وساقاً كساقي، وعيناً كعيني.

    وقلنا من باب اللزوم: إذا كانت هذه الصفات الثابتة لله عز وجل هي كصفات المخلوقين فيلزم من ذلك أن نقول: إن الذات تشبه ذوات المخلوقين، ومن هنا وقعوا في اضطراب وحيرة شديدة، لأنهم لا يقولون بتماثل ولا بتشابه الذات، فكيف تختلف الذات وتتحد الصفات مع صفات المخلوقين؟

    وهناك فرقة أخرى وهم النفاة الذين أرادوا بزعمهم أن ينزهوا الله تبارك وتعالى، فنفوا عنه هذه الصفات، فقالوا: ليس له عين ولا يد ولا ساق ولا قدم ولا كيت ولا كيت، فلجئوا إلى تأويل النصوص، مع أنه ليس منهجاً للنبي عليه الصلاة والسلام، ولا لأصحابه الكرام، ولا لسلف الأمة، وإنما منهج أهل السنة - وهم أهل العدل والوسطية - أنهم آمنوا بهذه الصفات وأمروها كما جاءت، وفوضوا كيفيتها إلى الله عز وجل، وأما علمها فإنه مستقر معلوم في قلوب أهل السنة والجماعة.

    1.   

    الحكم على بعض الفرق الضالة

    يأتي بعد ذلك الحكم على أصحاب هذه الفرق، فقد اختلف فيهم أهل العلم: هل هم كفار أم لا؟ فمنهم من أطلق الكفر على الغلاة، وهنا أبين أنه في كل فكر غلاة وأتباع، وعند إطلاق لفظ الكفر فإنما يقصد به الغلاة والأئمة الداعين إلى هذا الفكر لا بقية الأتباع، فلو أردنا مثلاً أن نقول: إن أهل العلم كفروا الرافضة فهل كل من تبنى الرفض أو تمذهب به هو كافر؟

    الجواب: لا، وإنما المراد أئمة الرفض والدعاة إليه العالمين بمدلول مذهبهم الفاسد، فهم المعنيون بالكفر لا كل الرافضة، ولا يمكن أبداً أن تسوي بين إمام من أئمة الرفض كـالخميني مثلاً وبين رعاع الشعب الإيراني أو رعاع الشيعة الرافضة، فهذا غلام ولد ونشأ في مجتمع يكفر أبا بكر وعمر ، وهو لا علم له بحقيقة مذهب الرافضة، بخلاف خميني إيران الذي صار صدراً وإماماً يدعو إلى هذه البدعة، ويتقرب بزعمه إلى الله بتكفير أبي بكر وعمر ، فلا يستويان قط.

    ولذلك إذا قرأت في تكفير أصحاب الفرق الضالة فاعلم أنه حكم ينصب على الغلاة لا على بقية أهل المذهب.

    والمشبهة هم الذين مثلوا أو شبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، وأحياناً يطلق أهل العلم لفظ المشبهة ويعنون بها النفاة، مع أنهم نفاة وليسوا مشبهة؛ لأنهم شبهوا الله تعالى بالعدم، وجعلوه إلهاً بلا صفات، فلا يتصور أن يكون هذا الكتاب ذاتاً بغير صفات، فله لون وله حجم وله عرض وله طول وله عمق وهذه صفاته، فلا يتصور أن تكون هناك ذات بغير صفات، والذين نفوا الصفات عن الله عز وجل -بزعمهم حتى لا يمثلوه ولا يشبهوه بالمخلوقين- إنما وقعوا في شر مما فروا منه، وهو أنهم شبهوا الله تعالى بالعدم، فيطلق عليهم مجازاً مشبهة.

    1.   

    سياق ما روي في تكفير المشبهة

    الإمام اللالكائي في هذا الباب يروي ما ثبت عن السلف في تكفير المشبهة فقال: [ قال شعبة بن الحجاج العتكي قال لي الأعمش - وهو سليمان بن مهران الكوفي - ما عندك في قوله: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا [البقرة:137] فقال شعبة : حدثني أبو حمزة قال: قال لي ابن عباس : لا تقل: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ [البقرة:137] فإنه ليس لله مثل، ولكن قل: (فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا ) ].

    وهذه قراءة ابن عباس ، ولا حرج في هذه القراءة وليست شاذة، ولكن ابن عباس يفهم من رده -وهو حبر الأمة-: أن بعض الناس يتصور أنه يجوز له أن يؤمن بإله آخر، وينزل هذا الإله منزلة الإله الأعظم كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فقد كانوا يعبدون أصناماً وخشباً وثماراً وأعظماً وينزلونها منزلة الإله، ويعطون لها ما هو حق خالص للإله الأعظم سبحانه وتعالى، الإله الحق، فيستغيثون بها، ويذبحون وينذرون لها، ويستعينون بها، وغير ذلك مما لا يجوز ولا ينبغي إلا لله عز وجل، فمن صرف شيئاً مما يجب صرفه لله لغير الله فقد اتخذ شريكاً لله عز وجل، وما قام بحق العبودية ولا الوحدانية لله عز وجل.

    فخشي ابن عباس أن بعض الناس يتصور أنه يجوز له أن يعبد إلهاً آخر مماثلاً -في ظنه- لله عز وجل. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ [البقرة:137]، فلو أنهم آمنوا بمثل ما آمنتم به -وهو الله- فقد اهتدوا.

    فيجوز على هذا الفهم لكل واحد أن يعبد إلهاً ليس الله عز وجل، فكانت القراءة عنده في هذه الآية: ( فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا ).

    مناظرة بين عبد الرحمن بن مهدي وأحد المشبهة

    قال: [ قال عبد الرحمن بن مهدي لفتى من ولد جعفر بن سليمان: مكانك، فقعد حتى تفرق الناس ]، وعبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة السلف، وصاحب سنة وهدي، وهو شيخ الإمام أحمد بن حنبل ، ومنه تعلم السنة، والاعتقاد الصحيح، وكانت الحلقة تجتمع لـابن مهدي بما يتجاوز المائة ألف، فيعلمهم السنة والحديث والفقه، فلما أراد القوم أن ينصرفوا بعد فراغ ابن مهدي من المجلس أشار إلى فتى من ولد جعفر بن سليمان الأمير، فقال: مكانك لا تنصرف وأمر الناس بالانصراف.

    [ ثم قال: تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف -يعني: أتعرف ما في هذا البلد وهو بغداد من الأهواء والاختلاف والاضطراب في العقيدة؟- وكل ذلك يجري مني على بال ] يعني: هذه الاختلافات والأهواء المضلة أنا عندي بها خبر، ولست غافلاً عنها.

    قال: [ وكل ذلك يجري مني على بال رضي إلا أمرك وما بلغني ] يعني: إلا أمرك لم يخف علي, وأن هذه الأهواء وهذه الفتن المضلة وإن كانت فتناً إلا أنها أقل خطراً من الذي بلغني عنك، وكأنه قد أتى ببدعة جديدة لا عهد ولا قبل لأهل الإسلام بها.

    قال: [ فإن الأمر لا يزال هيناً ما لم يصر إليكم ] أي: ما لم يصل إليكم يا معشر السلاطين.

    [ فإذا صار إليكم جل وعظم ] يعني: أما الفتن والاختلافات بين عامة الناس فيمكن حلها بالمناظرات والمجادلات وإقامة الحجج والبراهين، وأما إذا تبنى السلطان مذهباً فاسداً فسرعان ما ينتشر ويجد له ظهراً قوياً يحميه، كما كان في الدولة العباسية من تبنيهم المذهب الاعتزالي، فأوذي السلف إيذاءً عظيماً جداً بسبب أن أئمة العباسيين وسلاطينهم قد تبنوا الاعتزال، فلهم ظهر يحميهم، ولهم صولة ونجدة.

    وأما إذا كان الأمر لا يعني السلطان من قريب ولا من بعيد ولا يتبناه فإن الأمر يهون.

    قال: [ فقال: يا أبا سعيد ] وهي كنية عبد الرحمن بن مهدي .

    قال: [ وما ذاك؟ ] أي: وما هذا الذي بلغك عني؟

    قال: [ بلغني أنك تتكلم في الرب تبارك وتعالى وتصفه وتشبهه، فقال الغلام: نعم ] كأنه أراد أن يقول: وما الغضاضة؟ وماذا تنكر علي؟

    قال: [ فأخذ يتكلم في الصفة ] انتقى صفة من صفات الله عز وجل وأخذ يتكلم عنها مع الإمام.

    [ فقال: رويدك يا بني ] أي: على مهلك.

    قال: [ حتى نتكلم أول شيء في المخلوق ] يعني: قبل أن نتكلم في صفات الخالق نتكلم في صفات المخلوق.

    قال: [ فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق أعجز وأعجز، أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعت زراً - وهو ابن حبيش - قال: قال عبد الله - وهو ابن مسعود - في قوله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:18] ] كأنه أراد أن يقول له: ماذا تقول في تأويل هذه الآية؟

    [ قال: رأى جبريل له ستمائة جناح، قال: نعم ] يعني : ابن مهدي يقره على هذا الفهم لهذه الآية.

    [ فعرف الحديث، فقال عبد الرحمن : صف لي خلقاً من خلق الله له ستمائة جناح ] أي: صف لي جبريل.

    قال: [ فلما عجز بقي الغلام ينظر إليه، فقال عبد الرحمن : يا بني! فإني أهون عليك المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين ] أي: جناحاً.

    [ صف لي خلقاً بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعاً غير الموضعين اللذين ركبهما الله تعالى حتى نعلم ] أي: لا تقل له جناح في اليمين وجناح في الشمال، بل ضع الجناح الثالث في المكان الذي ركبه الله عز وجل فيه، فعجز الغلام.

    قال: [ فقال: يا أبا سعيد! نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق، ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز ]، وهذا لمن وفق وهدي [ وأشهدك إني قد رجعت عن ذلك، وأستغفر الله ].

    ومن هذا يتبين: أن وجود أهل العلم من أهل السنة والجماعة في بقعة، أو في كورة من الكور، أو بلدة من البلدان؛ أعز وأكرم على الله عز وجل وعلى أهل القرية من عين تنبع لهم بالماء؛ لأن غذاء القلوب والأبدان والعقول والأفكار أعظم من غذاء الأبدان، فالبدن إذا فسد مع صلاح القلب كان مآله عند الله خيراً، وإذا فسد القلب مع صلاح البدن فقد شبه الله تبارك وتعالى هؤلاء بما شبه به الكافرين: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] أي: لا قيمة لهم مع صلاح أبدانهم، ولذلك يقول عبد الله بن المعتز رحمه الله: العالم في البلد كالعين تنبع بالماء، وهو أعز وأكرم؛ لأن العين تغذي الأبدان، والعالم يغذي القلوب والأرواح.

    فعالم واحد يهدي الله عز وجل به أمة من الأمم، ويرفع به أمة من الأمم، كما أن عالماً واحداً فاسداً تزل به أمة بأسرها إذا انحرف عن الصراط.

    موقف أهل العلم من داود الجواربي

    قال: [ تكلم داود الجواربي في التشبيه ]، وداود الجواربي من أئمة الضلال، ولقب بـالجواربي لأنه من محلة ببغداد كانت تصنع الجوارب، وكان يسكن في هذه المحلة فنسب إليها.

    قال: [ فاجتمع إليه أهل واسط بالعراق منهم: محمد بن يزيد وخالد الطحان وهشيم وغيرهم فأتوا الأمير -أي: أمير البلد- وأخبروه بمقالته، فأجمعوا على سفك دمه ].

    مع أنهم لم يقولوا بسفك دم من سمعه، أو بسفك دم من تبعه، وإنما أجمعوا على سفك دمه هو؛ لأنه داعية إلى بدعته، ولأنه عالم بما يقول بخلاف الأتباع.

    قال: [ فمات في أيامه فلم يصل عليه علماء أهل واسط ] أي: مات قبل أن يتمكن منه السلطان، فلما أجمعوا على سفك دمه طلبوه حتى يقتلوه، ففر وفي أثناء فراره مات، فلم يصل عليه أحد من أهل العلم في ذلك الزمان، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صلى عليه أمة من المسلمين يبلغون أربعون -وفي رواية: مائة- يوحدون الله تعالى ولا يشركون به شيئاً؛ شفعوا فيه) .

    فإذا لم يكن أهل العلم هم الموحدون لله عز وجل حقاً وبعلم وبصيرة فمن هم إذاً؟ فإذا امتنع العلماء عن الصلاة على رجل فهذه عين الخسارة، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يترك الصلاة أحياناً على بعض أصحابه؛ تأديباً للأمة أن يقعوا في مثل ما وقع فيه، كما ترك الصلاة على ماعز الأسلمي ، وصلى على المرأة الغامدية والجريمة واحدة، ولكن توبة الغامدية كانت أحسن ظهوراً من توبة ماعز.

    فقد ساق سيد ماعز وهو نعيم بن هزال ماعزاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، واستدرجه وقال له بعد أن أخبره بالزنا: (اذهب بنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام لعله ينزل فيك قرآناً) يعني: بالتوبة، وهو يعلم أن القرآن قد نزل بوجوب الحد، وأن الحد إذا بلغ السلطان أو الأمير أو الحاكم فلا شفاعة فيه، بل لا يجوز للحاكم أن يسامح فيه؛ لأن ذلك ليس من اختصاصه، وإنما من اختصاص الحاكم أن يغير وأن يبدل في التعزير، وأما في الحد فلا.

    فلما بلغ ماعز إلى النبي عليه الصلاة والسلام شهد عنده أربع مرات بالزنا، فلما شهد قال: (أقيموا عليه الحد)، فلما أجمعوا على حده فر منهم، فلقيه رجل فضربه بوظيف كان معه فقتله، فلما قتل وبلغ أمره إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أقتلتموه؟ هلا تركتموه؟ وغضب غضباً شديداً وقال: صلوا على صاحبكم، فصلوا عليه ولم يصل النبي عليه السلام عليه) .

    وأما المرأة الغامدية التي زنت بعد ماعز فقد أتت إليه عليه الصلاة والسلام وقالت: (لا تفعل معي كما فعلت بـماعز بالأمس)، لأن ماعزاً لما أتى وشهد عنده بالزنا أول مرة أشاح عنه بوجهه، ولم يقبل منه هذا، فأتاه من قبل وجهه فشهد عنده الثانية فأشاح عنه أربع مرات، وماعز يصر على أن يبلغ الخبر النبي عليه السلام.

    قال: (لعلك قبلت؟ قال: زنيت، فقال: لعلك فاخذت؟ قال: زنيت) ثم قال: (أتدري ما الزنا؟ -يعني: أنت تعرف ما معنى الزنا؟- قال: نعم، قال: أغاب هذا منك في ذاك منها كما يغيب المرود في العين، أو كما يغيب الرشاء في البئر، قال: أقيموا عليه الحد) .

    فـالغامدية قالت: (يا رسول الله! أنا زنيت).

    وفي رواية: (إني فجرت فطهرني، وهذا حملي من الزنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين وليها؟ قال: هأنذا. قال: اذهب بها فأكرمها حتى تضع حملها) وهي زانية عاصية ولكنه قال: أكرمها، لا لأنها زنت ولكن لأنها تابت وصدقت مع الله عز وجل. (فذهبت حتى وضعت حملها وأتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: هذا ولدي من الزنا، وإني قد أتيتك بالأمس فأمرتني أن أضع حملي وهذا هو، فطلب وليها وأمرها أن تذهب حتى تفطمه) فذهبت ومكثت عامين وأتت بالغلام للمرة الثالثة وكان بإمكانها ألا تأتي والنبي عليه الصلاة والسلام لا يبحث عنها، وإنما هي تبحث عن الطهارة والنقاء ومغفرة الذنب. (فأتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وفي يد ولدها كسرة من خبز وقالت: هذا ولدي قد فطمته وهو يطعم، فأمر بها فشد عليها ثيابها ورجمت، وصلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى ذلك بعض أصحابه قال: أتصلي عليها وهي زانية؟ قال: إنها تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم) .

    وفي رواية: (إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس -يعني: جامع الضرائب- لتاب الله عز وجل عليه) .

    وفي حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جيء إليه برجل ليصلي عليه، قال: (عليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: صلوا على صاحبكم)، فأمرهم بالصلاة عليه وامتنع هو؛ لأنه الإمام، ولأنه القدوة والأسوة الذي يشار إليه، ولذلك قال أهل العلم: إذا كان الميت من أهل المعاصي فلا يصلي عليه الإمام ولا الأمير؛ عقوبة له، وتحذيراً للأحياء أن يفعلوا فعله، ولذلك لما مات داود الجواربي لم يصل عليه إلا عامة أتباعه، أما العلماء فقد امتنعوا جميعاً، وهم يعلمون مغبة الأمر فضلاً عن إجماع أهل العلم في ذلك الزمان على سفك دمه وإهداره؛ لكفره.

    كلام أهل العلم على داود الجواربي وغيره من المشبهة

    ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال أن داود الجواربي رأس في الرفض والتجسيم -يعني: إمام من أئمة الضلالة- من قرام جهنم. أي: من فحول جهنم كـفرعون .

    قال أبو بكر بن أبي عون : سمعت يزيد بن هارون يقول: الجواربي والمريسي - الذي هو بشر - كافران، ثم ضرب يزيد - وهو يزيد بن هارون - مثلاً للجواربي فقال: إنما داود الجواربي عبر جسر واسط فانقطع الجسر فغرق من كان عليه، فخرج شيطان فقال: أنا داود الجواربي. يعني: أن داود الجواربي والشيطان شيء واحد.

    والذهبي يقول: هذا الضرب -أي: هذا الصنف- من الناس لا أعلم له رواية، مثل: بشر المريسي وأبي إسحاق النظام - وهو صاحب الاعتزال - وأبي الهذيل العلاف، ومعمر أبي المعتمر العطار البصري، وهشام بن عمرو الفوطي وأبي عيسى الملقب بـالمزدا، وأبي موسى الفراء ، فلكونهم لم يرووا الحديث لم أحتفل بذكرهم، ولا استوعبتهم، فأراحنا الله تعالى منهم؛ لأنهم مقلون جداً في الرواية لا تكاد تذكر لهم رواية، فقال: فأعرضت عن ذكرهم.

    والإمام البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق تكلم عن داود الجواربي وقال في ذكر أو في معرض ذكره للمشبهة: ومنهم المشبهة المنسوبة إلى داود الجواربي -يعني: أنه كان صاحب فرقة- الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية.

    وهو القائل كما ذكر ذلك السمعاني في الأنساب بعد ذكر هشام بن سالم الجواليقي : وعنه أخذ داود الجواربي قوله: إن معبوده له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية.

    نقل أبي الحسن الأشعري لمذاهب أهل التشبيه والتجسيم

    وذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين داود الجواربي في أثناء الكلام على اختلاف الناس في التجسيم، فقال: اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم، وهل للباري تعالى قدر من الأقدار، وفي مقداره، على ست عشرة مقالة، فقال هشام بن الحكم : إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، نور ساطع، له قدر من الأقدار -بمعنى: أن له مقداراً في طوله وعرضه وعمقه- لا يتجاوزه، في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم ورائحة ومجسة، لونه هو طعمه، وهو رائحته، وهو مجسته، وهو نفسه لون، ولم يثبت لوناً غيره، وإنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.

    ولولا أن الله تعالى حكى مقالة الكافرين والمشركين في كتابه ما تجرأ آدمي أن يحكي مقالة هؤلاء.

    وحكى عنه أبو الهذيل أنه أجابه إلى أن جبل أبي قبيس أعظم من معبودهم. وجبل أبي قبيس في مكة، وهو أكبر من الله عز وجل عند هؤلاء الضلال!

    فجعلوا بعض مخلوقاته أعظم من الخالق. وحكى عنه ابن الراوندي : أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات، ولولا ذلك ما دلت عليه، وحكى عنه أنه قال: هو جسم لكن لا كالأجسام. ومعنى ذلك أنه شيء موجود.

    وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملوناً، ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة، وأن يكون طويلاً وعريضاً وعميقاً، وزعم أنه في مكان دون مكان، متحرك من وقت خلق الخلق.

    وقال قائلون: إن الباري جسم، وأنكروا أن يكون موصوفاً بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام هذا، غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه.

    واختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه جسماً، فقال قائلون: هو جسم، وهو في كل مكان، وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم؛ لأنه أكبر من كل شيء.

    وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم. وقال الآخرون: إن الباري جسم له مقدار في المساحة، ولا ندري كم ذلك القدر.

    وقال بعضهم: هو في أحسن الأقدار، وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء. وحكي عن هشام بن الحكم : أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه.

    وقال بعضهم: ليس لمساحة الباري نهاية ولا غاية، وإنه ذاهب في الجهات الست: اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت، قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب.

    وقال قوم: إن معبودهم هو الفضاء -الفراغ- وهو جسم تحل فيه الأشياء، ليس بذي غاية ولا نهاية.

    وقال بعضهم: هو الفضاء وليس بجسم، والأشياء قائمة به.

    وقال داود الجواربى -وهو الشاهد في المشبهة والمجسمة- ومقاتل بن سليمان : إن الله جسم، وإنه جثة على صورة الإنسان: لحم ودم وشعر وعظم. فإذا كان هذا إمام من الأئمة فكيف لا يكفر؟

    قال: وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره، ولا يشبهه الغير. وأهل السنة لا يقولون بهذا، ولكن يقولون: إن له أسماء وصفات، وأما أن تجعل الصفات جوارح وأعضاء فلا بد وأنها تمثيل وتشبيه.

    قال: وكثير من الناس يقولون: هو مصمت -يعني: غير مجوف- ويتأولون قول الله تعالى: الصَّمَدُ [الإخلاص:2] بمعنى: المصمت الذي ليس بأجوف. ومعنى الصمد عند أهل السنة والجماعة، بل في اللسان العربي: الذي تصمد إليه الخلائق، أي: ترجع إليه في حوائجها.

    وقال هشام بن سالم الجواليقى : إن الله على صورة الإنسان، وأنكر أن يكون لحماً ودماً. يعني: أنكر على داود مقالته تلك.

    وإنه نور ساطع يتلألأ بياضاً، وإنه ذو حواس خمس. يعني: جعله كالإنسان.

    كحواس الإنسان سمعه غير بصره، وكذلك سائر حواسه، له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم، وإن له وفرة سوداء. يعني: له شعر أسود، تعالى الله عز وجل عن قولهم علواً كبيراً.

    فهذا داود الجواربي قد جعل الله تعالى في نهاية الأمر كالإنسان تماماً بتمام.

    كلام يزيد بن هارون في الجهمية والمشبهة

    [ قال هشام بن يحيى الواسطي : كنت قاعداً عند يزيد بن هارون فجاء رجل فقال: يا أبا خالد ! ما تقول في الجهمية؟ ] والجهمية هم النفاة الذين ينفون الصفات عن الله تبارك وتعالى، ينزهون الله تعالى بزعمهم.

    وأهل السنة وسط بين هذه الفرق، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم فأهل السنة والجماعة وسط بين هذه الفرق الضالة، ولذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم عليها بالضلال وبالنار فقال: (كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هم؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم)، الكلام الباطل الذي أتى به داود الجواربي وهشام بن الحكم وهشام بن سعيد الجواليقي لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن واحد من أصحابه، حاشا وكلا، هذا كلام باطل وسخف يؤدي بصاحبه إلى الكفر البواح، ولذلك لما سئل يزيد بن هارون عن الجهمية النفاة الذين يزعمون تنزيه المولى عز وجل وهم قد نفوا عن الله عز وجل ما أثبته لنفسه في مقابل من عجزوا عن إثبات ذلك لله عز وجل على الوجه اللائق له فقالوا بالتمثيل والتجسيم والتشبيه، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : من مثل فإنما يعبد صنماً، ومن عطل فإنما يعبد عدماً.

    أي: من عطل المولى عز وجل عن صفاته فهو يعبد عدماً، لأن الإله الحق سبحانه وتعالى وصف نفسه بصفات، فإذا نفيتها فيلزمك أن تنفي الذات، وإذا مثلت صفات الخالق بصفات المخلوقين يلزمك أن تعبد صنماً؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فالذي يعبد إلهاً قد مثله بصفات المخلوقين فإنما يعبد صنماً، والذي يزعم أنه نزه الباري عن صفاته فلا بد أن يئول أمره إلى أن هذا الإله عدم، فالذي يعبد إلهاً بلا صفات فإنما يعبد عدماً، والذي مثل صفات الخالق بالمخلوقين فإنما يعبد صنماً.

    [ سئل يزيد بن هارون عن الجهمية النفاة فقال: يستتابون ]. يعني: يحبسون في بيوتهم أو في محابس السلطان ثلاثة أيام فتقام عليهم الحجة؛ فإن تابوا ورجعوا وندموا وإلا قتلوا، لكن لا يقتلون حداً وإنما يقتلون ردة.

    [ إن الجهمية غلت ففرغت في غلوها إلى أن نفت، وإن المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت ] يعني: كل واحد من الفريقين بلغ الغاية في بدعته، هذا بلغ غاية النفي، وهذا بلغ غاية التشبيه والتمثيل.

    [ فالجهمية يستتابون، والمشبهة كذا وكذا رماهم بأمر عظيم ] أعظم مما رمى به النفاة.

    مقالات بشر المريسي وموقف أهل العلم منه

    قال: [ وقال محمد بن عمر بن كميت : سمعت وكيعاً يقول: وصف داود الجواربي الرب عز وجل فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده ] بشر المريسي ] أي: رد على داود الجواربي فقال: أنت قد مثلت الله عز وجل بصفات المخلوقين، فأنت مبتدع، فهذا رأس في بدعته يرد على مبتدع آخر رأس في بدعته.

    قال: [ فقال وكيع : داود الجواربي وصف الرب فكفر بهذه الصفة، فرد عليه بشر المريسي فكفر بشر برده كذلك، إذ قال: هو في كل شيء ].

    وبشر المريسي له كلام خطير جداً، فقد قال البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق لما ذكر المريسية أتباع بشر المريسي في فرق المرجئة قال: هؤلاء هم مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي ، وبشر هو ابن غياث المريسي مبتدع ضال تفقه في أول أمره على قاضي القضاة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وأتقن علم الكلام، ثم جرد القول بخلق القرآن - يعني: قال: القرآن مخلوق - وناظر عليه، ولم يدرك الجهم بن صفوان ولكنه أخذ مقالته، واحتج لها ودعا إليها، وأخذ في أيام دولة الرشيد وأوذي لأجل مقالته.

    وحدث البويطي قال: سمعت الشافعي يقول: ناظرت المريسي في القرعة فذكرت له فيها حديث عمران بن حصين، فقال: هذا قمار، فأتيت أبا البختري القاضي فحكيت له ذلك، فقال: يا أبا عبد الله ! شاهد آخر وأصلبه. يعني: أحضر معك شاهداً ثانياً وأنا سأصلبه، فهو يقول عن القرعة: إنها قمار، وقد فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، غير أنه لما أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف -وهو صاحب أبي حنيفة وكان رجلاً سنياً في المعتقد- وضللته الصفاتية -يعني: الذين يقولون بإثبات الصفات لله عز وجل ضللوه- ولما وافق الصفاتية في القول بأن الله تعالى خالق أجسام العباد، وفي أن الاستطاعة مع الفعل؛ كفرته المعتزلة. يعني: كفرته المعتزلة؛ لأنهم لا يقولون بذلك.

    فصار مهجور الصفاتية والمعتزلة معاً، وكان يقول في الإيمان: إنه هو التصديق بالقلب واللسان جميعاً. يعني: أن العمل لا علاقة له بالإيمان، وهذا قول المرجئة، كما قال ابن الراوندي: إن الكفر هو الجحد والإنكار. يعني: لا يكفر المرء إلا إذا جحد وأنكر بلسانه. وزعم أن السجود للصنم ليس بكفر، ولكنه دلالة على الكفر.

    والخطيب البغدادي أدرى بأهل بلده، فقال في كتابه تاريخ بغداد عن بشر المريسي -وقد ذكر له ترجمة طويلة-: أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي إلا أنه اشتغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكيت عنه أقوال شنيعة ومذاهب مستنكرة أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها، وكفره أكثرهم لأجلها، وقد أسند من الحديث شيئاً يسيراً -يعني: كان مقلاً في الرواية- عن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وأبي يوسف القاضي وغيرهم.

    (وقال عباد بن العوام : كلمت بشراً المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم أنه ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء) يعني: ليس في السماء إله.

    (وعن عمر بن عثمان قال: كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر المريسي فقلت: يا أبت! يدخل عليك مثل هذا؟ فقال: يا بني! وما له؟) يعني: ماذا فيه؟ وماذا يقول هذا الرجل؟

    قال: قلت: إنه يقول: القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض -أي: بذاته- وإن الجنة والنار لم يخلقا، وإن منكراً ونكيراً باطلان، وإن الصراط باطل، وإن الساعة باطل -يعني: هو لا يؤمن بالبعث- وإن الميزان باطل.. مع كلام كثير ذكره. قال: فقال: أدخله علي. أي: أدخله علي لأرى ما هي حكايته.

    قال: فأدخلته عليه، قال: فقال: يا بشر ! أدنه. أي: اقترب مني.

    ويلك يا بشر ، أدنه مرتين أو ثلاثاً. وبشر خائف؛ لأن أهل السنة لهم هيبة ووقار وخشية في قلوب العباد خاصة المبتدعين الضلال.

    (فلم يزل يدنيه حتى قرب منه، فقال: ويلك يا بشر من تعبد؟ وأين ربك؟ قال: وما ذاك يا أبا الحسن؟) أي: لماذا تسألني هذه الأسئلة؟.

    (قال: أخبرت عنك أنك تقول: القرآن مخلوق، وأن الله معك في الأرض، ولم أر شيئاً أشد علي من قولك: إن القرآن مخلوق، وإن الله معك في الأرض، فقال له: يا أبا الحسن! لم أجئ لهذا) يعني: أنا لم أجئ من أجل أن تختبرني.

    (إنما جئت في كتاب خالد تقرؤه علي). يعني: أتيت لأطلب الحديث.

    (قال: فقال له: لا؛ ولا كرامة)، وكان مذهب أهل السنة أنهم لا يحدثون المبتدعة.

    (حتى أعلم ما أنت عليه، أين ربك ويلك؟ فقال له: أو تعفيني) يعني: ممكن تسامحني من الإجابة على السؤال هذا؟

    (قال: ما كنت لأعفيك، قال: أما إذ أبيت فإن ربي نور في نور.

    قال: فجعل يزحف إليه ويقول: ويحكم! اقتلوه فإنه والله زنديق، وقد كلمت هذا الصنف بخراسان) يعني: أن هذا له أتباع في خراسان، وهي بلدة فوق العراق.

    (وقال أبو علي الصواف : وجدت في كتاب أبي قال: حدثنا أبو بكر الباغندي حدثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: دخلت بغداد فنزلت على بشر المريسي فأنزلني في غرفة له، فقالت لي أمه: لم جئت إلى هذا؟) أي: أن أم بشر تقول للشافعي : لماذا جئت عند هذا؟

    قلت: أسمع منه العلم، فقالت: هذا زنديق، قال الشافعي: كلمتني أم المريسي أن أكلم المريسي أن يكف عن الكلام، فلما كلمته دعاني إليه). أي: لما كلمه أن يترك علم الكلام دعاه إلى علم الكلام.

    (فقال: إن هذا دين، قال: فقلت: إن أمك كلمتني أن أكلمك وإنها أدرى بك.

    وعن الحسين بن علي الكرابيسي قال: جاءت أم بشر المريسي إلى الشافعي فقالت: يا أبا عبد الله ! أرى ابني يهابك ويحبك، وإذا ذكرت عنده أجلك) يعني: عظمك.

    (فلو نهيته عن هذا الرأي الذي هو فيه؛ فقد عاداه الناس عليه) أي: أن الناس قد كرهوه.

    (ويتكلم في شيء يواليه الناس عليه ويحبونه) يعني: يتكلم في أمر يحبه الناس ويتبعوه.

    (فقال لها الشافعي : أفعل. قال الكرابيسي : فشهدت الشافعي وقد دخل عليه بشر ، فقال له الشافعي : أخبرني عما تدعو إليه، أكتاب ناطق؟) يعني: شيء موجود في كتاب الله عز وجل.

    (أم فرض مفترض، أم سنة قائمة، أم وجب على الناس البحث فيه والسؤال؟)

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    (قال بشر: ليس فيه كتاب ناطق، ولا فرض مفترض، ولا سنة قائمة، ولا وجوب عن السلف البحث فيه إلا أنه لا يسعنا خلافه).

    أي: صحيح أن هذا ليس موجوداً في الكتاب ولا في السنة، ولا قال به أحد من السلف لكن لا يسعنا إلا أن نقول به، وإن كان السلف لم يقولوا بهذا الكلام ولم يخوضوا فيه.

    (فقال له الشافعي : أقررت على نفسك بالخطأ، فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه وتترك هذا؟) يعني: دعك من هذا الكلام كله، وابق في الفقه الذي تعلمته على يد القاضي أبي يوسف.

    (قال بشر : لنا نهمة فيه.

    فلما خرج بشر قال الشافعي: لا يفلح).

    يعني: أن هذا الإنسان لا يفلح.

    (قال حسين : كلمت يوماً بشراً المريسي شبيهاً بهذا السؤال قال: فرض مفترض، قلت: من كتاب أو سنة أو إجماع؟ قال: من كل) يعني: الكلام الذي أقوله هذا موجود في القرآن والسنة والإجماع.

    (قال: فكلمته حتى قام والناس يضحكون منه) يعني: أنه كلمه إلى أن فضحه.

    (وقال الشافعي : ناظرت المريسي في القرعة فذكرت له حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم في القرعة، فقال: يا أبا عبد الله! هذا قمار).

    وحديث عمران بن حصين فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام جيء له بخبر رجل قد مات، وقد أوصى بعتق الستة من عبيده، وهم مجموع ما له من ميراث. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ائتوني بالعبيد، فجاءوا بهم الستة، فحزبهم أثلاثاً) أي: جعل كل اثنين على حدة؛ لأنه سيعمل قرعة بينهم؛ لأن الوصية لا تنفذ إلا في حدود الثلث، فالذين سيعتقون هم اثنين فقط والأربعة الآخرون سينتقلون للميراث، ويصيرون عبيداً للورثة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (الثلث، والثلث كثير).

    فالنبي عليه الصلاة والسلام نفذ وصية الميت في حدود الثلث، وحاشاه أن يكون مقامراً، فالقمار حرام، وأما القرعة فمشروعة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه.

    فقال الوالي لما رفع الشافعي إليه أمر بشر المريسي، وأنه يقول عن القرعة قماراً؛ قال له: هات لي أيضاً معك شاهداً آخر يشهد على هذا وأنا أقتله؛ لأنه قد كفر.

    (قال قتيبة بن سعيد : دخل الشافعي على أمير المؤمنين وعنده بشر المريسي ، فقال أمير المؤمنين للشافعي : ألا تدري من هذا؟ هذا بشر المريسي، فقال الشافعي : أدخلك الله في أسفل سافلين مع فرعون وهامان وقارون ، فقال المريسي : أدخلك الله أعلى عليين مع محمد وإبراهيم وموسى.

    قال محمد بن إسحاق : فذكرت هذه الحكاية لبعض أصحابنا فضحك، وقال لي: ألا تدري أي شيء أراد المريسي بقوله هذا؟ قلت: لا. قال: لأنه يقول: ليس ثم جنة ولا نار، ولا حساب ولا معاد ولا بعث) أي: أنه لا يدعي للشافعي؛ لأنه لا يعتقد أن هنالك جنة ولا ناراً، ولا بعثاً ولا حساباً، ولا ميزاناً ولا صراطاً.

    (ودخل حميد الطوسي على أمير المؤمنين وعنده بشر المريسي ، فقال أمير المؤمنين لـحميد : أتدري من هذا يا أبا غانم ؟ قال: لا. قال: هذا بشر المريسي، قال حميد : يا أمير المؤمنين! هذا سيد الفقهاء، هذا قد رفع عذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والميزان والصراط).

    يعني: ليس هناك صراط، ولا حساب، ولا نار، ولا عذاب القبر، فهذا فقيه على أعلى مستوى.

    (قال: انظر هل يقدر أن يرفع الموت، ثم نظر إلى بشر فقال: لو رفعت الموت كنت سيد الفقهاء حقاً.

    قال أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم -وهو الملقب بلؤلؤ- : مررت في الطريق فإذا بشر المريسي والناس عليه مجتمعون)، فما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة وخاصة في مصر، والله لو أن بشراً فيها فإنه سيصير أعظم الناس أتباعاً، فالحمد لله الذي عافانا.

    (فمر يهودي وقال: لا يفسد عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة) يعني: هو ضال ابن مضل، وقد كان أبوه يهودياً، ومات على يهوديته، وبشر مثله.

    وأحكي هنا مثل هذا عن ابن طه حسين ، فإنه في سنة (1990م) أعلن نصرانيته في كنيسة في فرنسا، فقال المعلق على الخبر: كما تنصر أبوه من قبل. وهذا كلام جميل جداً ومتين.

    (قال أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي : حدثني أبي قال: رأيت بشراً المريسي -عليه لعنة الله- مرة واحدة شيخاً قصيراً، دميم المنظر، وسخ الثياب، وافر الشعر، أشبه شيء باليهود، وكان أبوه يهودياً صباغاً بالكوفة في سوق المراضع، ثم قال: لا يرحمه الله، ولقد كان فاسقاً زنديقاً.

    وقال سعيد بن عمرو البردعي : سمعت أبا زرعة - أي: الرازي - يقول: بشر المريسي زنديق.

    وقال بشار بن موسى: سمعت أبا يوسف القاضي يقول لـبشر المريسي: طلب العلم بالكلام هو الجهل) يعني: إذا كنت تطلب العلم بالفلسفة والمنطق وغير ذلك فهذا الجهل بعينه.

    (والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار رأساً في الكلام قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة، يا بشر ! بلغني أنك تتكلم في القرآن.

    وقال سليم بن منصور بن عمار في مجلس روح بن عبادة : كتب بشر المريسي إلى أبي منصور بن عمار : أخبرني القرآن خالق أو مخلوق؟) أي: إذا لم يكن خالقاً فإنه يكون مخلوقاً، هكذا قال.

    (قال: فكتب إليه: عافانا الله وإياك من كل فتنة، وجعلنا وإياك من أهل السنة والجماعة، فإنه إن يفعل فأعظم بها من نعمة، وإلا فهي الهلكة، وليست لأحد على الله بعد المرسلين حجة، نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعة، تشارك فيها السائل والمجيب، وتعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، وما أعرف خالقاً إلا الله، وما دون الله مخلوق، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك وبالمختلفين معك إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن من المهتدين، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشونه بالغيب، وهم من الساعة مشفقون.

    وقال المعيطي : كنا عند يزيد بن هارون فذكروا المريسي فقال: ما يقول هذا؟ قالوا: يقول: القرآن مخلوق، قال: هذا كافر بالله العظيم.

    وقال يزيد بن هارون : المريسي حلال الدم يقتل.

    وقال مرة: حرضت أهل بغداد على قتل بشر المريسي غير مرة.

    وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول: كنا نحضر مجلس أبي يوسف فكان بشر المريسي يجيء فيحضر في آخر الناس، فيشغب ويقول: إيش تقول في كذا؟ وإيش تقول في كذا؟ ولا يسمح للمتكلم أن يتكلم) يعني: لا يمكنه أن يتكلم، وكلما أراد أن يتكلم عارضه في الكلام.

    (فلا يزال يصيح ويضج.

    قال أحمد : فكنت أسمع أبا يوسف يقول: اصعدوا به إلي، وكنت في القرب منه، فجعل يناظر في مسألة فخفي بعض قوله، فقلت للذي كان أقرب مني: إيش قال له؟ قال له أبو يوسف : لا تنتهي حتى تصعد خشبة).

    يعني: لن تسكت عن الكلام هذا حتى تصلب على الخشب، وتموت مصلوباً.

    (قال إبراهيم بن الحسين : ركب عفان بن مسلم يوماً وأنا قابض على عنان البغلة فاستقبلنا شيخ قصير، كبير الرأس، كبير الأذنين، فقال: نح البغلة نح البغلة، أما ترى الكافر؟ فقلت: من هذا يا أبا عثمان ؟ قال: هذا بشر بن غياث المريسي).

    موت بشر المريسي

    [ قال إبراهيم : ويوم مات بشر جعل الصبيان يتعادون بين يدي الجنازة ويقولون: من يكتب إلى مالك ؟ من يكتب إلى مالك ؟ ] يعني: كانوا يقولون فرحاً بموته: من يكتب إلى مالك في المدينة أن بشراً قد مات، فقد كان لعبة للصبيان.

    (وقال هارون أمير المؤمنين: بلغني أن بشراً المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحداً قط)، وهذا لما كان الحكام والسلاطين عندهم فهم لدين الله عز وجل، وكانوا يعرفون ما معنى القرآن، ويعرفون صفات الله عز وجل.

    (قيل لـسفيان بن عيينة : إن بشراً المريسي يقول: إن الله لا يرى يوم القيامة) يعني: لا يراه المؤمنون.

    (فقال: قاتله الله، دويبة) يعني: هذا دابة وحشرة من الحشرات، بل أقل من ذلك.

    (ألم يسمع قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15])، وهذا الكلام عن الكفار.

    (فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء فأي فضل للأولياء على الأعداء إذاً؟

    وعن محمد بن أبي كبشة قال: سمعت هاتفاً في البحر يقول: لا إله إلا الله على ثمامة، وعلى المريسي لعنة الله، قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي فخر ميتاً.

    ولما مات بشر بن غياث المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم والسنة أحد إلا عبيد الشونيزي، وهو رجل من أهل السنة.

    فلما رجع من جنازة المريسي أقبل عليه أهل السنة والجماعة وقالوا: يا عدو الله! تنتحل السنة) يعني: تذهب مذهب أهل السنة.

    (وتشهد جنازة المريسي ؟ قال: أنظروني حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت فيها من الأجر ما رجوت في شهود جنازته) يعني: صلاتي على الرجل هذا من أرجى الأعمال لدي عند الله عز وجل.

    (قال: لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف فقلت: اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذبه اليوم في قبره عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحداً من خلقك يوم القيامة. قال: فسكتوا عنه وضحكوا.

    وقال المروزي : سمعت بشر بن الحارث -وهو بشر الحافي، وهو رجل من الأولياء الصالحين- يقول: جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق، فلولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود).

    يعني: لو لم يكن السوق موقع يشهر فيه العبد، فلو سجد شكراً لله على سماع خبر نعي بشر المريسي، فسيقولون: هذا بشر الحارث قد سجد، وهو ما كان يحب أن يشهر؛ لأنه كان ورعاً.

    فقال: [لولا أن موضع السجود في السوق موضع شهرة لسجدت.

    ثم قال: والحمد لله الذي أماته، هكذا قولوا.

    مات بشر المريسي في ذي الحجة سنة ثمان عشرة ومائتين، قال: ويقال: سنة تسع عشرة ومائتين ].

    كلام الذهبي في بشر المريسي

    والذهبي تكلم عن المريسي فقال: (هو المتكلم المناظر البارع أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريم العدوي مولاهم البغدادي المدني ، لأنه كان من موالي آل زيد بن الخطاب رضي الله عنه.

    وكان بشر من كبار الفقهاء، أخذ عن القاضي أبي يوسف ، وروى عن حماد وسفيان بن عيينة ، وناظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة من العلماء، ولم يدرك جهم بن صفوان بل تلقف مقالاته من أتباعه.

    و للمريسي تصانيف كثيرة، ذكره النديم وأطنب في تعظيمه وقال: كان ديناً ورعاً متكلماً، ثم حكى أن البلخي قال: بلغ من ورعه أنه كان لا يطأ أهله ليلاً؛ مخافة الشبهة).

    يعني: كان لا يجامع امرأته بالليل مخافة أن تكون ليست امرأته، والتنطع في الإسلام إما أن يكون بالسلب أو الإيجاب، بإدخال ما ليس من الدين فيه، أو بترك ما فرضه الله عز وجل تنطعاً وانحلالاً.

    قال: (ولا يتزوج إلا من هي أصغر منه بعشر سنين؛ مخافة أن تكون رضيعته، وكان جهمياً له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ، وقال مرة لرجل اسمه كامل : في اسمه دليل على أن الاسم غير المسمى.

    له كتاب في التوحيد، وكتاب في الإرجاء، والرد على الخوارج، والاستطاعة والرد على الرافضة في الإمامة، وكفر المشبهة، وكتاب في المعرفة، وكتاب في الوعيد، وأشياء غير ذلك كثيرة.

    قال ابن مهدي أيام ما صنع بـبشر ما صنع: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.

    وقال يزيد بن هارون: ما في فتيانكم من يفتك به؟) يعني: لا يوجد أحد يتخلص منه.

    (وقال أحمد بن حنبل لما ذكر عنده المريسي : كان أبوه يهودياً، أي شيء ترونه يكون؟) أي: يكون يهودياً مثله بالضبط.

    وقال الإمام الذهبي كلاماً جميلاً جداً، وهذا يدل على قمة العدل والإنصاف عند الإمام الذهبي، قال:

    (مات بشر المريسي سنة ثمان عشرة ومائتين وقد قارب الثمانين، فهو بشر الشر، وبشر الحافي بشر الخير).

    والاثنان كانا في زمن واحد، وفي بلدة واحدة أيضاً.

    (كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة).

    ومن كفر ببدعة وإن جلت -يعني: وإن عظمت وكبرت- ليس هو مثل الكافر الأصلي. يعني: الذي يكفر ببدعة ليس هو كالكافر الأصلي.

    (ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع؛ كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها).

    وهذا كلام فيه اعتدال، فهو يريد أن يقول: إن هذا المجرم كافر، لكن كفره لا يسوى بكفر فرعون وهامان ، فكفرهما كفر أصلي، وهم في جهنم، لكنهم في دركات تختلف بعضها عن بعض، فليس كفر الكافر الأصلي كالكفر الطارئ.

    كلام ابن كثير في بشر المريسي

    وتكلم ابن كثير كذلك عن بشر المريسي فقال: غلب عليه الكلام، وقد نهاه الشافعي عن تعلمه وتعاطيه فلم يقبل منه، وقال الشافعي : لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بعلم الكلام.

    وقد اجتمع بشر بـالشافعي عندما قدم بغداد.

    قال ابن خلكان : جدد القول بخلق القرآن، وحكي عنه أقوال شنيعة، وكان مرجئياً، وإليه تنسب المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنما هو علامة للكفر. وكان يناظر الشافعي ، وكان لا يحسن النحو، وكان يلحن لحناً فاحشاً حتى يضحك منه الصبيان.

    ويقال: إن أباه كان يهودياً صباغاً بالكوفة، وكان يسكن درب المريسي ببغداد، والمريس عندهم هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر. قال: ومريس ناحية ببلاد النوبة تهب عليها في الشتاء ريح باردة ].

    قال اللالكائي نقلاً عن وكيع : [ وصف داود الجواربي الرب عز وجل فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده عليه؛ إذ قال: هو في كل شيء.

    1.   

    حكم من شبه الله بشيء من خلقه

    قال: [ قال نعيم بن حماد ]، وهو من أئمة السنة، وقد كان من شيوخ البخاري ، وهو إمام وجبل من جبال السنة، وكان على عقيدة أهل السنة والجماعة، داعية إليها، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، وأما هو في الحديث فكان ضعيفاً:

    قال: [ من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه ] يعني: حتى لا تحتج علينا الممثلة أو المشبهة أن ربنا له عين وله رجل وله يد وله كذا، نقول: له هذه الصفات كما يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى.

    [ وقال إسحاق بن راهويه : من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه وصف بصفاته إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقال إسحاق : علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة، وما أولعوا به من الكذب: أنهم مشبهة ].

    يعني: أهل البدع كالنفاة يقولون عن أهل السنة: إنهم مشبهة؛ لأنهم أثبتوا الصفات لله عز وجل.

    قال: [ بل هم المعطلة، ولو جاز أن يقال لهم: هم المشبهة؛ لأنهم شبهوه بالعدم لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولون: إن الرب تبارك وتعالى في كل مكان بكماله، في أسفل الأرضين، وأعلى السماوات على معنىً واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر ].

    نبز أهل الأهواء أهل السنة بالألقاب السيئة

    وقال أبو حاتم الرازي : [ علامة الجهمية أنهم يسمون أهل السنة: مشبهة ].

    فالجهمية النفاة يطلقون على أهل السنة والجماعة أنهم مشبهة؛ لأنهم يثبتون الصفات، لكن على المعنى اللائق بالله عز وجل، ولا نقول بأنها تماثل صفات المخلوقين، ونقول بأن من قال بذلك فقد كفر.

    قال: [علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة: مشبهة، وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة: مجبرة] أي: أن العباد مجبورون على أفعالهم.

    [ وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة: نقصانية ]؛ لأننا نقول: إن الإيمان يزيد وينقص حسب العمل والطاعة، فمن زادت طاعته زاد إيمانه، ومن نقصت نقص إيمانه، فالمرجئة يقولون: أهل السنة نقصانية، وهم يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولو تصور نقصانه كان كفراً، وهذا ضلال.

    قال: [ وعلامة المعتزلة تسميتهم أهل السنة: حشوية ]، وهذا من الوقيعة في أهل الأثر، فهم يريدون إبطال الآثار عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيقولون: المحدثون حشوية.

    قال: [ وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة نابتة وصابئة ] والتشيع ليس هو الأسبق في الوجود من السنة، فالسنة هي الأصل، والشيعة يسموننا: ناصبة، أي: أننا ناصبنا علياً العداء، فنحن نحن نحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولكن دون إفراط ولا تفريط، فلا نجافي ولا نغالي، ونضعه في منزلته في الخلافة والإمامة، والمنزلة بعد أبي بكر وعمر وعثمان .

    وشاه إيران عليه لعنة الله أحب أن يعمل مقارنة بين أهل السنة والشيعة، وهو لم يكن له علاقة بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإنما أحب أن يتسلى على عادة الحكام الذين يتسلون بأصحاب الديانة، فجمع علماء أهل السنة وعلماء الشيعة ليتناظروا، وليرى من الذي سيغلب، فقيض الله لأهل السنة رجلاً من كبار أهل العلم، ومن أصحاب الاستقامة، فأمر أتباعه ألا يتكلموا بين يديه بكلمة واحدة، وما عليهم إلا أن يفعلوا كما يفعل هو.

    فلما دخل علماء أهل السنة على شاه إيران قام إمام أهل السنة وخلع نعله ووضعه تحت إبطه، فلما رآه أصحابه قاموا بخلع نعالهم، ووضعوها تحت آباطهم، والشيعة جلسوا في الناحية المقابلة لهم، فإمام أهل السنة وضع الجزمة على الطاولة وكذا أصحابه فـشاه إيران قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: عندنا نص عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الشيعة على عهده كانوا يسرقون النعال، فقام زعيم الشيعة وقال: لم يكن هناك شيعة على عهد الرسول، فقال العالم: قد حكمت.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم كشف العورة للضرورة

    السؤال: ما حكم من تعرض لكشف العورة أثناء العمليات الجراحية؟

    الجواب: معلوم يقيناً أن الطب لا بد فيه من كشف العورات، وبلا شك أنه كلما ضاقت هذه الدائرة كان ذلك أفضل، ولا شك أن الطبيب إذا كان رجلاً والمريض كذلك فهو الأصل ولا يصار إلى غيره إلا لعذر، كأن تكون هناك طبيبة جراحة في قرية وليس في هذه القرية طبيب غيرها، والحالة قد أتتها مستعجلة ولا يمكن حملها إلى مكان آخر، ففي هذه الحالة لا حرج على هذه المرأة أن تجري العملية على هذا النحو، والعكس بالعكس بين النساء والرجال.