إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏الجنة وصفة نعيمها وأهلها
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - نعيم الجنة وصفة أهلها [1]

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - نعيم الجنة وصفة أهلها [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفقراء والضعفاء والمساكين من المؤمنين هم أهل الجنة، وكل مؤمن لا يشرك بالله شيئاً، ولأهل الجنة فيها أن ينعموا فلا يبأسوا أبداً، وأن يشبوا فلا يهرموا أبداً، وأول زمرة يدخلون الجنة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم المهاجرون الأولون، ومن أمة محمد سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فينبغي للمسلم أن يدعو الله تعالى أن يجعله من أهلها الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

    1.   

    سؤال الله الجنة والاستعاذة من النار

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فلا زال الكلام موصولاً عن الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من مسلم يسأل الله تعالى الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، وقالت النار: اللهم أجره مني)، فإننا نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يدخلنا الجنة، اللهم أدخلنا الجنة، اللهم أدخلنا الجنة، اللهم أدخلنا الجنة، وأن يجيرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، وهذه شفاعة للعبد المؤمن إذا قدم السبب، ومعلوم أن الاعتماد على السبب شرك بالله عز وجل، وترك الأسباب قدح في التوحيد، ولو أنك اعتمدت أن هذا الطعام هو الذي يشبعك فهذا شرك بالله؛ لأن الطعام ما هو إلا سبب، وكذلك المرأة أنت تزوجتها التماساً للولد ولا يلزم من ذلك وجود الولد، فكم من رجل تزوج لينجب وليكون له الولد ولم يأت الولد، ولكنه التمس السبب وأدى ما عليه، وكذلك المرء إذا عطش شرب ومع هذا هو يشرب ثم يشرب ثم يشرب ولا يشعر بالري؛ لأن الله لم يروه.

    فكونك تأتي بالسبب هذا أمر واجب، أما أن تعتمد عليه وتعتقد أن هذا السبب هو الموصل للغرض بغير مراد الله عز وجل ومشيئته فهذا شرك بالله عز وجل، فالاعتماد على الأسباب والتوكل عليها، والظن أن لها تأثيراً فعالاً بطبيعتها كما قال عليه الصلاة والسلام: (ماء زمزم لما شرب له)، وقال: (ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم)، يعني: من شربه ليطعم ويشبع كان ذلك، ومن شربه ليشفى من علته كان ذلك، فمن تصور أن هذا الماء يقوم بهذا الدور بطبيعته بغير إرادة الله له وأمر الله له فلا شك أن هذا باب من أبواب الشرك، فالاعتماد على الأسباب شرك بالله، وترك الأسباب قدح في التوحيد.

    فمثلاً: لا أحد يقول في هذا الوقت: الله قادر على أن يرزقني الولد من غير زواج، أليس كذلك؟ يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، ومن كمال قدرته سبحانه وتعالى أنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ضلع آدم، وخلق عيسى من غير أب؛ وهذا يعني أنك تترك الأسباب، والله تعالى قدر ذلك لحكمة عظيمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، وهذا لا يعني أن تترك أنت الأسباب، وتقول: الله تعالى قادر على أن يطعمني ويسقيني وأنا لا آكل ولا أطعم، نعم. الله تعالى قادر على أن يجعلك ممتلئاً دائماً بغير طعام ولا شراب، لكن القادر على ذلك هو الذي أمرك أن تأكل وأن تشرب التماساً للسبب، وأنت بإمكانك أن تأكل ولا تشبع، وتشرب ولا تروى إلا أن يطعمك الله ويسقيك الله عز وجل.

    فكذلك من أسباب دخول الجنة: أن من سأل الله الجنة ثلاثاً، واستعاذ من النار ثلاثاً كانتا له شفيعاً، الجنة تقول: (اللهم أدخله الجنة)، والنار تقول: (اللهم أجره مني).

    ولذلك روى أنس مرفوعاً، أي: من قوله عليه الصلاة والسلام، وموقوفاً: أي: من قول الصحابي، ومقطوعاً من قول التابعي فمن دونه.

    والمرفوع: من الرفعة وعلو الشأن، أي: من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا كان أدون من ذلك وأقل من ذلك فنقول عنه: أثر، والأثر مما جاء عن الصحابة.

    وحديث أنس المرفوع هو: (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاثاً قالت النار: اللهم أجره مني)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه هو نفس المعنى لكن بلفظ آخر، فقد جاء عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احتجت الجنة والنار) يعني: اختلفتا، وتحاجتا، كل منهما قدمت حجتها، وقدمت ما لديها من أقوال، (فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون)، وهم أهل النار وسكانها أعاذنا الله منها، (وقالت الجنة: يدخلني الفقراء، والضعفاء، والمساكين)، غالب أهل الجنة، كما أن غالب أهل النار الجبارون والمتكبرون، (فقال للنار -أي: الله عز وجل قال للنار- أنت عذابي أعذب بك من شئت، وقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من شئت)، فالنار هي عذاب الله تعالى، والجنة هي رحمة الله تعالى ونعمته لبعض عباده، وهذا الحديث في الصحيحين.

    1.   

    أهل الجنة وأهل النار

    وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت على باب الجنة -أي: وقفت على باب الجنة- فإذا عامة من يدخلها الفقراء والمساكين)، الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء من المؤمنين والموحدين بنصف يوم وهو خمسمائة عام، وإنما يحبس الأغنياء للحساب: من أين اكتسبت؟ وفيما أنفقت؟ والحديث كذلك في الصحيحين.

    [وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ -التقدير: قالوا: بلى- قال: هم الضعفاء والمساكين)]، ولا يعني ذلك أن الأقوياء الأفذاذ لا يدخلون الجنة، وإنما المقصود: أن الضعفاء يدخلون الجنة أولاً، فهم أول ثلة وزمرة يدخلون الجنة، فالجنة هي دار الأتقياء، وأهل الإيمان والإسلام منهم القوي والضعيف، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير)، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ما عند القوي والضعيف خيراً أي من الإيمان، قال: (وفي كل)، أي: في القوي والضعيف من الإيمان خير، فالجنة لأهل الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة نفس منفوسة إلا نفس مسلمة)، وفي رواية: (مؤمنة)، وهذا قد ذكرناه في الدرس الماضي.

    [وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على أهل الجنة)] وكلمة (ألا أدلكم) من أساليب التشويق في اللغة العربية وهي بمعنى: ألا أخبركم، ألا أنبئكم، ألا أحبوكم، فلابد أن هذا الأسلوب إنما يسترعي انتباه الناس، بحيث تكون حواسهم كلها مجتمعة لسماع ما يدلهم عليه المخبر بذلك [قال عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على أهل الجنة -والتقدير: بلى يا رسول الله- قال: كل ضعيف متضعف)] والضعيف بمعنى: المتذلل، الخاضع لله عز وجل لا لأحد من العباد، إنما لله عز وجل، فالمرء عنوان إسلامه واستسلامه لله عز وجل أن يضع هامته وهي أعلى شيء فيه في الطين والوحل سجوداً لله عز وجل، وهذا دليل الذل والخضوع والقرب من الله عز وجل، فإذا كان هذا من المسلم لله عز وجل، فهذا عنوان صدق إيمانه، وإخلاصه لله عز وجل.

    أما من أبى أن يسجد كما أبى المشركون، لما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام سورة النجم فسجد المشركون وسجد المسلمون، إذعاناً لله عز وجل، أما المؤمنون فلهم وجه في سجودهم، والمشركون لهم وجه آخر لا يدخلهم هذا الوجه في الإيمان والإسلام، ولكنهم ذهلوا تماماً لما سمعوا هذه الآيات العظيمة فسجدوا لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد سجد، إلا واحداً أبى أن يسجد، وأخذ كفاً من حصى فوضعه عند جبهته فأذله الله عز وجل، فعنوان الذل والخضوع لله عز وجل والتضعف أن يسجد المرء لله عز وجل وأن يجعل هامته -التي هي شرفه، وأعلى شيء فيه- في الطين، والوحل، والتراب لله عز وجل.

    [قال: (ألا أدلكم على أهل الجنة، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره)] إن عامة الناس خير من كثير ممن يشار إليهم بالبنان، فلو أتينا برجل علم من أعلام الناس، وأتينا بهذا الخادم الذي يخدم المسجد الذي لا أعرف اسمه، وأنا أظن أنه أقرب إلى الله عز وجل من ملء الأرض مثلي، وأنا أطلب منه الدعاء في الذهاب والمجيء؛ لعلمي أنه ضعيف متضعف ربما لو أقسم على الله لأبره.

    وكان معنا في بلاد الشام رجل لا يترك طاعة إلا وله فيها سبق عظيم لكن لا يؤبه له، وأحياناً يكون الإنسان بينه وبين ربه عمار والناس لا ينتبهون إليه، حتى لا نعقد قلوبنا على أن أعلام الناس هم الذين يعلمون الناس، أو الواسطة بين الخلق وبين العباد، فربما ينفعك من عامة الناس ما لا ينفعك من أعلامهم.

    كان هذا الأخ ضعيفاً متضعفاً، وكان في الغالب إذا ذهب إلى أخ أو شيخ أو غير ذلك أغلق الباب في وجهه، وكنت إذا وقعت في ضائقة والله لا أجد باباً مفتوحاً إلا باب هذا الأخ، فإذا ذهبت إليه فلا أغادره إلا وقد انكشفت عني الغمة، فكنت أقول دائماً إذا لقيته: (رب عبد مدفوع بالأبواب، أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره)، ولا زلت أعتقد هذا في الأخ لفرط تقواه وصلاحه، والله تعالى حسيبه.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام دائماً يحذرنا من الاستهانة بالمعروف وإن قل، ويحذرنا كذلك من الوقوع في المعصية وإن دقت، فالطاعة مهما قلت فهي من أعظم أسباب الفشل والرجوع إلى القهقرى والاستهانة بسلاح العدو، والاستهانة بما عند العدو، حتى وإن لم يكن على شيء فينبغي احترام كونه عدواً، ومن احترامه إعداد العدة له مهما بلغ في الضعف، فلابد أن أظن أنه في قمة القوة والنشاط والمواجهة حينئذ إذا لقيته نجحت معه في هذا اللقاء.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـسراقة رضي الله عنه: (ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: أما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون) أي: المظلومون، (وأما أهل النار فكل جعظري، جواظ، مستكبر)، الجعظري: هو الغليظ، الفظ، وقيل: الذي لا يمرض، جواظ: أكول كأنه من كثرة أكله صار غليظاً، فظاً، لا يمرض، وليس معنى ذلك أن كل قوي يدخل النار، (مستكبر) أي: عن قبول الحق، وهم أهل الكفر بلا شك، ولذلك فإن الجنة أعدت لأهل الإسلام والإيمان من أتباع كل نبي حتى بعثة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وبقيت النار لمن عصى النبي محمداً عليه الصلاة والسلام، أما من أطاعه من أهل الملل والنحل، وسائر أتباع الأنبياء فهو من أهل الإسلام، وإلا فهو كافر حتى وإن زعم أنه نصراني أو يهودي.

    وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام معنى الكبر بأنه غمط الناس وبطر الحق، أي: رد الحق وظلم الناس.

    1.   

    النبي أول من يقرع باب الجنة وأمته أول الأمم دخولاً الجنة

    [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة)]، (نحن الآخرون) أي: نحن آخر أمة في الأمم، وإن كنا أسبق الأمم يوم القيامة، قال: (نحن الآخرون الأولون)، الآخرون في الأمم الأولون يوم القيامة، أول الأمم تحاسب، وأول الأمم تدخل الجنة، وكل الأمم تدخل من بعد أمة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولا يدخل الجنة قط أحد قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو أول من يقرع باب الجنة.

    [وقال عليه الصلاة والسلام: (أنا أول من يقرع باب الجنة)، يعني: يدق باب الجنة، (فيقول الخازن -أي: خازن الجنة- من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك)]، أي: أمرت ألا أفتح الباب قط لأحد إلا لك أولاً ثم يأتي الناس من بعدك، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل الجنة دخلها أتباعه من أمته صلى الله عليه وسلم.

    وعن أنس رضي الله عنه قال: (أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها) أي: فأحركها، وهذا الحديث يشهد له أحاديث كثيرة.

    1.   

    شرح حديث: (لا تؤذي امرأة زوجها إلا قالت زوجته من الحور العين ...)

    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا)، هذه بشارة عظيمة جداً لأهل الإيمان والإسلام، ولأهل التوحيد ممن يدخل الجنة بإذن الله، وعامة أهل الإسلام يتزوجون من الحور العين اثنتين، أما الشهداء فيتزوجون اثنتين وسبعين حورية، فالشهيد له منزلة خاصة.

    وزوجة المؤمن إذا دخلت الجنة فإنه يتزوجها، فإن كان يبغضها فإن الله تعالى قال: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43]، أما لو دخلت هي الجنة وهو لم يدخل فإن الله تعالى يخلق لها زوجاً.

    قال عليه الصلاة والسلام: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين) يعني: غضباً لزوجها الذي سيكون في الآخرة.

    (لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا)، يعني: هو ضيف يوشك أن يرحل بأن يموت فيأتي إلينا فيتنعم بنعيم الجنة وإن كان في القبر، كما جاء في حديث البراء رضي الله عنه في الحديث الطويل: (وإذا كان من أهل الجنة قيل: افرشوا له فرشاً من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من ريحها وطيبها، ونعيمها)، ويتمتع بالنظر إليها، خلافاً لمن كان من أهل النار.

    وكثير من الزوجات ينسين هذا، ويعتبرن إيذاء الزوج أمراً يسيراً، بل هو أمر يحول بينها وبين الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (واطلعت في النار فإذا عامة أهلها النساء، فقامت إليه امرأة جزلة - أي: عاقلة- وقالت: يا رسول الله! ولم؟ قال: لأنهن يكفرن، قالت: أيكفرن بالله؟ قال: إنما يكفرن العشير)، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا فقال: (يحسن إليكن الرجل الدهر كله فإذا بدا منه شيء -أي: في يوم من الأيام- قلتن: ما رأينا خيراً قط)، فبسبب هذه الكلمة تدخل المرأة النار وتستوجب لنفسها النار، وقد كان بإمكانها أن تسكت، أما إذا كانت ترد على زوجها الكلمة بالكلمة، والصاع بالصاع، والحجة بالحجة، فهذا بلاء عظيم جداً، كأنها تقذف بنفسها في النار، وأنا أعرف كثيرات من طالبات العلم -وللأسف الشديد- كأن طلب العلم صار للنساء بلاء عظيماً وشراً مستطيراً، تظن المرأة أنها بطلبها للعلم صارت مثل الزوج وربما فاقت عليه، فلو كان لا يحفظ القرآن وهي تحفظه تظن في نفسها أنها أفضل منه، فربما أنها تحفظ القرآن والقرآن يلعنها بالليل والنهار إذا أساءت عشرة زوجها، ولا ينفعها حفظها للقرآن حينئذ.

    وأذكر أن امرأة في الإسكندرية في أواخر الثمانينيات لما خطبها أخ فاضل من أهل العلم ومن طلبة العلم وقد طلب الحديث على يد الشيخ الألباني رحمه الله، وكان من أئمة الحديث في ذلك الوقت بالشام، فلما رجع إلى الإسكندرية وخطب امرأة قرأت عليه فتح الباري من أوله إلى آخره في فترة العقد وهو ثلاثة عشر مجلداً، وكانت نبيهة جداً، فظنت أنها بلغت من العلم مبلغاً عظيماً، وهذا على أية حال شأن الجاهل، إذا تعلم شيئاً ظن أنه تعلم كل شيء، ولذلك يقول الخليل بن أحمد إمام اللغة صاحب كتاب العين: العلم ثلاثة أشبار، إذا بلغ الطالب الشبر الأول ظن أنه عالم، وإذا بلغ الشبر الثاني علم أنه لم يعلم شيئاً، وإذا بلغ الشبر الثالث علم أنه أجهل الناس.

    إذاً: المتكبر هو الذي حصل على قدر يسير من العلم وظن أنه قد حاز العلم كله، وهو لا يزال على العتبة الأولى، بل ربما لم يثبت عليها، فتجد منه الغرور، والعجب، والكبر، والتعدي على أهل العلم من الكبار والمشايخ، تجد مساوئ الأخلاق في ابتداء الطلب، ولذلك يقول الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    قيل للشعبي: كيف حالك أيها العالم؟ قال: لست بعالم، إنما العالم من يخشى الله، أي: العالم حقيقة هو الذي يخشى الله، والذي يخشى الله لابد أنه يؤدي حقوق الله وحقوق العباد، أما عبد يأخذ الكتاب تحت إبطه، ويظن أنه أعلم الناس، فيضرب هذا، ويشتم ذاك، ويسب هذا، ويملأ الدنيا ضجيجاً وصياحاً، فهذا ليس بآدمي أصلاً، ولا يصح أن يكون إنساناً سوياً أو محترماً فضلاً عن أن يكون طالب علم.

    هذه المرأة الاسكندرانية لما بلغت هذا المبلغ على يد زوجها قالت له قبل البناء: الذي يغلب على ظني أنك لا تستحق زوجة مثلي، إنما الذي يستحقني فلان، وذكرت له عالماً كبيراً، فلما اتصل بي تلفونياً قلت له: لو أن هذه الكلمة قيلت لي ما ترددت قط في طلاقها ولو كان لي منها مائة ولد، فطلقها؛ لأن هذه المرأة قد أظهرت وأبدت غروراً، وكبراً وعجباً من أول الأمر.

    امرأة أخرى تعلمت أصول الفقه، فإذا قال لها زوجها: اعملي كوب شاي، تقول له: هذا مستحب أم واجب؟! ما هذه الخيبة؟! هل صار طلب العلم بلاءً أم ماذا؟ أنمنع النساء من طلب العلم؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، أي: إذا خرجت للصلاة، أو لطلب العلم، أو تخرج لشيء فيه فائدة، لكن ينبغي للمرأة وكذلك الرجل كلما ازدادا علماً ازدادا تواضعاً وذلاً وخشية؛ لأن هذا من ثمرة العلم، ومعلوم أن أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة من أصحاب الفضل في عيون الناس: عالم، ومجاهد، وجواد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة: العالم، والمجاهد، والجواد، أما العالم فيأتي بين يدي الله عز وجل فيقال له: لقد علمتك العلم فماذا فعلت فيه؟ قال: يا رب تعلمت فيك) يعني: تعلمت العلم لله (وعلمته الناس، قال الله تعالى: كذبت؛ بل ليقال عالم ثم يؤمر به فيسحب على وجهه)، نحن نعلم أن السحب يكون على الجنب، أو على الظهر، أو على البطن، أما على الوجه فهذا شيء عجيب، وهذا شيء يحفظ ولا يقاس عليه، فيؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار.

    وكذلك لابد من العمل بالعلم، كما في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قال: (يجاء بالمرء يوم القيامة فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى)، أقتاب البطن، أي: أمعاء البطن، يلقى في النار حتى تندلق معدته وأمعاؤه، وأحشاؤه، ويدور في النار كما يدور الحمار في الرحى، (فيجتمع إليه الناس: يا فلان ما بالك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يتصدر به المجالس فالنار النار)، فمن أهمية الإخلاص أنه نجاة من عذاب الله.

    وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى إمام أهل الحديث في الكوفة في زمن الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، كان إذا قيل له: هيا بنا نتبع الجنازة، قال: انتظروا حتى أصحح نيتي، يعني: أنا لن أذهب من أجل أن هذا جاري، وهذا قريبي، إنما من أجل أن أحقق وعد الله تعالى، ووعد رسوله عليه الصلاة والسلام في مثل هذه العبادة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى توارى فله قيراطان، والقيراط مثل جبل أحد)، لما سمع بذلك عبد الله بن عمر بكى، وقال: والله لقد فرطنا في قراريط كثيرة، هذا موقف الصحابة رضي الله عنهم من الإخلاص في الأعمال والأقوال لله عز وجل.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، إنما هو دخيل عندك، يوشك أن يفارقك إلينا)، هذا نذير شر لكل امرأة تؤذي زوجها، حتى وإن كانت محقة فلا يحل لها بل هي بالمحل الأدون من ذلك، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، و(لو) حرف امتناع لامتناع؛ لأنه لا سجود إلا لله، لكن كأنه أراد أن يقول: افترضوا لو أن الشرع أجاز لأحد أن يسجد لأحد لكان أولى بهذا السجود المرأة أن تسجد لزوجها، والسجود عبادة، ومع هذا لو كان مشروعاً لكان لزاماً على المرأة أن تسجد لزوجها.

    وفي حديث معاوية بن حيدة قال: (لعظم حقه عليها)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لو أن الزوج دعا امرأته وهي على تنور لأجابته)، أي: لو أن امرأته وهي على الفرن تخبز الخبز، وهي في حالة رثة، وفي حالة تعب وإرهاق وغير ذلك لما أجاز لها أن تمتنع منه.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لو دعا أحدكم امرأته وهي على قتب بعير أجابته)، يعني: وهي على ظهر الجمل تنزل فوراً وتسمع الكلام، أما أن تقول له: ما دليلك؟ ما حجتك؟ هل هذا مستحب أم واجب؟ وغير ذلك، فهذا من سوء الأخلاق، وعلامة من علامات كراهة طلبها للعلم، فلأن تكون جاهلة خير من أن يؤدي بها العلم إلى هذا، لأن تعيش المرأة جاهلة إلا في أركان الإيمان والإسلام خير لها من أن تقارع زوجها الحجة بالحجة، والقول بالقولين، والثلاثة بالثلاثة.

    1.   

    نعيم أهل الجنة فيها

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه، وأبي سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان المدني أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (في قول الله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]، قال: نودوا أن صحوا فلا تسقموا أبداً)، أي: أنتم في صحة وعافية ليس بعدها مرض، (واخلدوا فلا تموتوا أبداً، وانعموا فلا تبأسوا أبداً)].

    وعن ابن عباس في قول الله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان:51] قال: في خلود دائم، ونعيم ليس فيه شخوص -أي: انزعاج- قد أمنوا العذاب، ورضوا بالثواب، واطمأنت بهم الدار، في جوار الرحمن تبارك وتعالى، يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ [الدخان:55] أي: أمنوا من الموت، والأسقام، والأوجاع، والأمراض، والتخم، لا يذوقون فيها طعم الموت، حياتهم كلها نعيم أبدي، سرمدي، دائم لا انقطاع له.

    وعن الضحاك رحمه الله تعالى في قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان:51] قال: أمنوا الموت فلا يموتون أبداً، ولا يهرمون أبداً، ولا يكبرون عن هذا السن.

    وفي الأثر: أن أهل الجنة يدخلون على سن عيسى بن مريم ثلاث وثلاثين لا يزيدون عليها؛ لأن الجنة والنار ليستا بحساب الأيام والليالي، ولا الصباح المساء؛ لأنه لا شمس ولا قمر ولا شيء من هذا، فلا يقال هناك أيام.

    وأهل الجنة لا يعرون أبداً، ولا يجوعون أبداً، ولا يكبرون أبداً، ولا يسقمون أبداً، فهذا هو المقام الأمين في قوله إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان:51].

    وعن جابر رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لما سئل: أينام أهل الجنة؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون)، إذاً: لا نوم في الجنة، والأمور كلها تتبدل، فلا يحتاج أحد أن يستريح قليلاً؛ لأنه لا يحتاج لهذه الراحة ابتداء، ولا يفكر فيها.

    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم) الله تعالى يأمر الملائكة أن يأتوا أهل الجنة فيحيوهم ويسلموا عليهم، (فتقول الملائكة -أي: المقربون: نحن الذين ألهمنا التسبيح والذكر كما ألهمنا النفس، فيكف تأمرنا أن نذهب إلى هؤلاء ونسلم عليهم، كأنهم أرادوا أن يقولوا ذلك- قال: فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وجيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عباداً يعبدونني، ولا يشركون بي شيئاً)، وهذا من إخلاص توحيد الله عز وجل، وإخلاص العبادة لله، ونبذ الشرك، وهذا أعظم سبب لدخول الجنة.

    والله تعالى له من الملائكة خدم للمؤمنين في الجنة، قال: (فتأتيهم عند ذلك -أي: الملائكة- فيدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).

    1.   

    أول زمرة تدخل الجنة من أمة محمد وذكر السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب

    وعن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: المهاجرون هم الذي يدخلون الجنة أولاً، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فتقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟) أي: هل قد حاسبكم الله عز وجل، (فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم الخازن فيقيلون فيها أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس)، أي: يمكثون في الجنة أربعين عاماً قبل أن يدخلها بقية أهلها.

    وأنتم تعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا سابقة عذاب مع كل واحد منهم سبعون ألفاً) فهم سبعون ألفاً في سبعين ألفاً، قال: (وهم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، قال رجل من أصحابه عليه الصلاة والسلام: ادع الله أن أكون منهم، قال: أنت منهم، فقام آخر فقال: ادع الله أن أكون منهم، قال: سبقك بها عكاشة)، ولا يفهم من الحديث أن السائل الثاني ليس منهم؛ لأن الجواب ليس فيه سرد لهم، وإنما الجواب يفهم منه: عدم فتح الباب لكل من أراد أن يسأل هذا السؤال، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام علم حذيفة أسماء المنافقين، وأنتم تعلمون أنه لا يدخل الجنة منافق، وعمر رضي الله عنه من المبشرين بالجنة، ولذلك قال عمر لـحذيفة: يا حذيفة! أسماني لك رسول الله في المنافقين؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولا أزكي أحداً بعدك، يعني: لا تفتح علي هذا الباب يا أمير المؤمنين؛ لأنك لو فتحته فربما أتى المنافق فسأل عن نفسه فلا يسعني إلا الجواب، فحينئذ تكون الفتنة، فاعتذر إليه حين أجابه عن نفسه، ثم أغلق الباب.

    وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام، لما سأله عكاشة: ادع الله أن أكون منهم يا رسول الله! قال: أنت منهم، فقام آخر فقال: وأنا أدع الله لي أن أكون منهم، قال: سبقك بها عكاشة، لأنه يمكن أن يقوم من المنافقين من يسأله، لأنه إذا كان جريئاً على الله، فكيف لا يكون جريئاً على النبي عليه الصلاة والسلام؟! فأراد النبي أن يغلق باب الشر وباب الفتنة.

    أما بيان العلامات لهؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب فهي: أنهم: (لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) وهناك رواية عند البخاري وهي شاذة: (الذي لا يرقون ولا يسترقون) وهذا غير صحيح، إنما الرواية الصحيحة: (هم الذين لا يتطيرون)، والعرب كانت تتشاءم بالطير، فكان من قتل له قتيل مثلاً أو أراد أن يسافر أتى بالحمام ورماه في الهواء وقال: إذا ذهب يميناً ثأرت للقتيل، وإذا ذهب شمالاً لا أثأر، أو إذا ذهب الطير يميناً أسافر وإذا ذهب يساراً لا أسافر وغير ذلك، وهذا من التشاؤم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: المرأة، والفرس، والدار)، وفي رواية: (المرأة، والمركب، والدار)، و(لو) حرف امتناع لامتناع، يعني: الأصل أنه لا شؤم في الإسلام البتة، ولا حتى في المرأة، ولا في الفرس أو الدابة، ولا في الدار، فلا شؤم في الإسلام، وهذا نص كلامه قال: (لو كان الشؤم في شيء) يعني: لو صح أن هناك شيئاً اسمه شؤم مشروع لكان في هذه الثلاث، لكن ليس هناك شيء اسمه شؤم فلا يصح للمرء أن يتشاءم.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام لـعبد الله بن عمرو رضي الله عنه: (أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فتقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله عز وجل حتى متنا على ذلك).

    1.   

    ذكر شيء من أوصاف الجنة وما أعد الله فيها للمؤمنين

    وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة كيف هي؟) يعني: صفها لنا، (قال: من يدخل الجنة يحيا فيها لا يموت)، يعني: يحيا حياة أبدية دائمة لا موت فيها، كما في الحديث الآخر: (خلق الله الجنة والنار، وجعل لكل قسماً، وقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت). قال: (من يدخل الجنة يحيا لا يموت، وينعم فيها لا يبأس، لا تبلى ثيابه -يعني: لا تتسخ- ولا يفنى شبابه، قيل: يا رسول الله! كيف بناؤها؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: لبنة من ذهب ولبنة من فضة) يعني: طوبة من ذهب وطوبة من فضة، (ملاطها مسك أذفر)، الملاط الذي هو بمثابة الأسمنت الذي يعمل على تماسك اللبنات: (وحصباؤها اللؤلؤ، والياقوت، وترابها الزعفران).

    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: إلى اليمن- قال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، واعلموا أن المرد إلى الجنة أو إلى النار خلود بلا موت)، أي: في الجنة والنار خلود بلا موت، (وإقامة لا ظعن)، أي: لا سير منها.

    وقال له عليه الصلاة والسلام: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب -يعني: يهوداً ونصارى- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) حتى عدد له بقية شرائع الإسلام، وهذا يدل على أهمية ترتيب الأهم فالأهم، وأولويات الدعوة إلى الله عز وجل.

    ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة وغيره في الصحيحين: (الإسلام بضع وستون)، وفي رواية: (بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان أو الإسلام شعب.

    وعن مجاهد بن جبر المكي الإمام الكبير تلميذ ابن عباس رضي الله عنه قال: في قول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34]، قال: حزن الموت، أمنوا أن يموتوا بعد ذلك.

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال: النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله بنى جنات عدن بيده)، الجنات متعددة منها: جنة عدن، وقيل: عدن جنات كثيرة، فإما أنها ذكرت بجنات على سبيل التعظيم والتشريف، وإما أنها درجات كثيرة أو جنات متعددة. فقوله: (إن الله بنى جنات عدن بيده)، هذه خاصية لها كما خلق الله عز وجل آدم بيده، وكتب التوراة لموسى بيده، وهذه ثلاث مخلوقات باشر الله تبارك وتعالى خلقها بيده تشريفاً لها، ثم قال: (وبناها لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وجعل ملاطها المسك الأذفر -أو الإذفر- وترابها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت).

    وفي الجنة نعيم أعظم من هذا كله وهو النظر إلى وجه الله الكريم في كل أسبوع مرة وهو يوم الجمعة، الذي يسمى في الآخرة: يوم المزيد، أي: يزداد فيه المؤمنون بهاءً وحسناً وجمالاً؛ بسبب النظر إلى وجه الله الكريم.

    قال: (ثم قال الله لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، ثم عددت صفات المؤمنين، فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك) إذاً: الملك الحقيقي هو من حرص على دخول الجنة؛ لأن الجنة منزل الملوك.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (جنتان من ذهب، وجنتان من فضة)، فجنات الفردوس أربع: جنتان بناؤهما من الذهب، وجنتان بناؤهما من الفضة، وكذا بالنسبة للحلي والأواني، والتراب، والحصباء وغير ذلك.

    وعن أبي موسى رضي الله عنه في قول الله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين، أي: للتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم -أي: أهل هذه الجنات- وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن).

    وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (جنتان من ذهب للمقربين) أو قال: (للسابقين، وجنتان من ورق) الورق بكسر الراء هي الفضة، (لأصحاب اليمين).

    وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كخبزة النقي)، ولم يقل: المؤمنون، وإنما كل الناس يحشرون على أرض بيضاء كالخبزة، وتكون من فضة ملساء، ومعنى ملساء: ناعمة مستوية لا التواء فيها ولا اعوجاج؛ حتى لا يتخيل متخيل أنه بإمكانه أن يهرب يوم القيامة من الحساب، فلا هرب من الله عز وجل إلا إليه سبحانه وتعالى.

    لما تأتي بخبزة بيضاء مستوية لا فقاقيع فيها ولا التواءات ولا نتوء، فكذلك تكون أرض المحشر يوم القيامة، قال: (ثم تدنو الشمس من الرءوس حتى تكون على قدر ميل)، قيل: هو ميل الأرض، وقيل: هو المرود الذي تكتحل به المرأة، فتصور أنه على أحسن القولين: أن الشمس تدنو على قدر ميل من الأرض، إذا كانت الشمس في هذا الوقت عندما تقرب قليلاً من خط الاستواء وتكون درجة الحرارة في مصر أربعين درجة مئوية، الناس تترك بيوتها وتخرج إلى الشوارع، فكيف عندما تكون الحرارة ملايين الأضعاف لهذه الحرارة التي نحن بصددها الآن؟ إذا كانت نار الدنيا لا تمثل بجوار نار الآخرة نسبة واحد إلى سبعين، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم)، فاتقوا الله عز وجل.

    قال ابن مسعود رضي الله عنه في قول الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، قال: تبدل بأرض بيضاء كلها فضة، وهذا تفسير للحديث الأول: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء كخبزة النقي) أي: تبدل بأرض بيضاء كلها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة).

    وقال عبد الله بن مسعود: تبدل أرض بيضاء مثل الفضة لم يعمل عليها خطيئة، ولم يسفك عليها دم حرام.

    وعن أبي بن كعب قال: تطير السماوات جناناً.

    وعن أبي هريرة قال: تبدل خبزة بيضاء نقية حتى يأكل المؤمن من بين رجليه.

    وعن ابن عباس : تبدل السماوات جناناً والأرض جهنم، أعاذنا الله وإياكم منها.

    1.   

    الأسئلة

    معنى كفت الثوب في الصلاة وحكم تشمير الكم فيها

    السؤال: ما معنى (أمرت ألا أكف ثوباً في الصلاة)؟ وهل يجوز تشمير الكم في الصلاة؟

    الجواب: الحديث في الصحيحين: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كفت الشعر والثوب)، وفي رواية: (عن عقص الشعر في الصلاة)، والكفت: هو الجمع والضم، وأنتم تعلمون سنة النبي عليه الصلاة والسلام في شعره أنه كان يطيله حتى يبلغ منكبيه، فإذا كان ذلك من المسلم فإنه إذا طال على هذا النحو فكلما أراد أن يركع أو أن يسجد جمع شعره وطرحه في الخلف حتى يتسنى له أن يسجد على الأرض وأن يباشر الأرض بجبهته، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وكما جاء النهي في الثوب جاء في الكم وفي الإزار، كلما هم المرء أن يركع أو يسجد جمع ثوبه بين فخذيه أو كفت بمعنى: جمع وضم إزاره أو بنطلونه وكذلك الكم، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فهذا معنى كفت الشعر والثوب والنهي عنه، وبالإجماع هذا النهي نهي تنزيه أي: كراهة تنزيهية، ومن خالف ذلك لا حرمة عليه.

    حكم العمل بالقرعة عند الهم بأي أمر من الأمور

    السؤال: هل يجوز للمرء أن يعمل القرعة، أي: يأخذ ورقة ويكتب فيها: أفعل ولا أفعل ثم يقوم بالسحب، فهل هذا من الشؤم؟

    الجواب: يعني: واحد في هذا الوقت يريد أن يسافر الإسكندرية وهو متردد ماذا يصنع؟ فيقول: سأكتب ورقتين، ورقة منهما مكتوب عليها أسافر، والورقة الأخرى لا أسافر، ثم يبدأ عملية السحب على المكشوف، فإذا طلعت ورقة لا تسافر لن يسافر، وإذا طلعت سافر فإنه يسافر، هذا من الشؤم، وهذا من طيرة الجاهلية، هو لم يستقسم بالأزلام من غير يمين، لكن أنا أدلك على ما هو خير لك من هذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان هذا الأمر) مثلاً: سفري إلى الإسكندرية، أو زواجي من فلانة، أو الموضوع الفلاني أو العلاني (خيراً لي في ديني، ومعاشي، ومعادي، وعاقبة أمري آجله وعاجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان هذا الأمر -ويسميه- شراً لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري آجله وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيث كان ورضني به)، وهذا يسمى بدعاء الاستخارة، فالمرء إذا هم بأمر من أموره وهو لا يدري وجه الخير والشر فيه فيصلي ركعتين، أو يدعو بعد النوافل المطلقة أو الراتبة، يدعو بعد نافلة أو بعد سنة العشاء، أو سنة المغرب، أو بعد ركعتين من الليل، أو في أي وقت، ولا بأس أن تتكلف أن تصلي ركعتين إذا كان الأمر يستحق ذلك ولو كان ذلك في وقت الكراهة؛ لأن النهي عن الصلاة في وقت الكراهة محمول على مطلق النوافل، أما صلاة لها سبب -وهذا مذهب الشافعي- فلا بأس في ذلك وهو الذي نرجحه دائماً.

    وكان الصحابة رضي الله عنهم يبالغون جداً في الاستخارة، حتى ورد أنهم كانوا يستخيرون الله تعالى في شراك نعالهم، في أقل أمورهم وأحوالهم كانوا يستخيرون الله عز وجل، واعلم أن الاستخارة لا أمارات ولا علامات لها؛ فالحديث لم يبين أن الطريق لقبول الأمر ورده أن ترى ذلك في المنام، أو أن ينشرح لذلك صدرك أو لم ينشرح، أو تجد نوراً في قلبك أم لا، كل هذا الكلام من اختراع الناس، وإنما أنت تقول: (إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ومعاشي فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه)، فمثلاً: أنا أريد أن أتزوج بنت فلان، فاستخرت الله قبل أن أذهب وبعده، وقبل أن أرى وبعد ذلك، فلا أقول بعد ذلك: أنا لن أذهب إلى هذا الرجل ولن أمشي في الموضوع إلا لما أرى رؤيا، بل أذهب ولو قدر الله لي وقد سبق في علمه أن هذا الزواج خير لي فسييسره، وإذا كان ربنا لم يرد ذلك فسيجعل الأمر غير ميسر ويجعل الباب مقفلاً.

    معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (لو كان الشؤم في شيء ...)

    السؤال: ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: المرأة، والدار، والدابة

    الجواب: لا شؤم قط في الإسلام ولا حتى في هذه الثلاث، والمعنى: لو كان هناك شؤم فهو في هذه الثلاث، لأن المرء في الغالب يتشاءم بها، فلما كان معظم حال الناس أنهم يتشاءمون بالمرأة والدار والفرس، ذكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام.

    حكم الغناء

    السؤال: ما حكم الغناء؟ علماً أنني تناظرت مع أحد طلبة جامعة الأزهر حول ذلك.

    الجواب: كنت أتمنى أنني لم أقرأ السؤال ما دام الحوار مع طالب أزهري يذهب إلى حل الخمر، والميسر، والخنزير، والغناء، مع أن الأدلة من الكتاب والسنة أمام عينيه، فطلبة ومشايخ وأساتذة الأزهر لا يكادون يحرمون شيئاً، ها أنتم تعرفون أكبر طربوش لا يحرم أي شيء، وطوال عمره لم يقل على شيء حرام أنه حرام، بل كل شيء عنده حلال، حتى إن الربا عنده حلال وغير ذلك. والذي أقل منه وأدنى منه في المرتبة والمنزلة الأصل أنه لا يحرم شيئاً، فهو أستاذ كبير جداً، ورئيس قسم العقيدة، لما ذهبت معه في مدينة ناصر رأيته ومعه السيجارة وهو لابس للشورت، فهو لم يأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (الفخذ عورة)، ولم يأخذ بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) ولم يسمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مسكر ومفتر حرام)، والسجائر تفتر، وهو يقول: أنا لن أهدأ إلا لما أشرب السيجارة، العوام الذين يشربون السجائر يقرون بأن السجائر حرام، والذين يسمعون الأغاني والموسيقى يعلمون أنهما حرام، وكثير من مشايخ الأزهر إلا من رحم الله لا يذهب إلى حرمة شيء من ذلك، أقسم بالله العظيم أن منهم من ينازع في الوسكي والشنبانيا، ويقول: لابد أن يكون مكتوباً عليها (خمراً)، وسكي وشنبانيا هذه ليست خمراً! ويتعنت في ذلك، ومثله كمثل رجل في رابعة النهار ينظر إلى الشمس ويقول: أين الشمس؟ نقول له: هذه هي الشمس، فيقول: ما الدليل على أن هذه شمس؟ هذا قمر، فلا يستطيع أحد أن يعطيه دليلاً أن هذه هي الشمس لأنه إنسان فقد عقله تماماً.

    والنبي عليه الصلاة والسلام كما أورد ذلك البخاري معلقاً بصيغة الجزم قال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف)، وكلمة (يستحلون) معناها: أن هذه الأمور ليست حلالاً وإنما هي حرام، و(الحر) هو الزنا، (والحرير) محرم للرجال دون النساء، (والخمر): يسمونها بغير اسمها من أجل أن يهربوا من حرمتها، (والمعازف) هي آلات اللهو والطرب.

    كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه إذا ذهب إلى واد أو قرية أو بلد أخذ معه مولاه نافعاً، وكان إذا سمع غناء وضع أصبعيه في أذنيه حتى إذا عبر هذا الموطن قال: يا نافع أتسمع شيئاً؟ فإن قال: لا، أخرج أصبعيه؛ لأن الغناء مزمار الشيطان، والموسيقى مزمار الشيطان كذلك، وبعض الأخوات أو الإخوة يقرءون في الكتب التي اعتنت بتربية الأطفال وكتبها أهل الغرب ومنها النافع ومنها الضار، ولكنهم يأخذون منها النافع والضار على السواء، وكثيراً ما ينصح الأطباء الغربيين ومن لا دين لهم ولا خلاق لهم بسماع الموسيقى الهادئة من أجل أن يهدأ الطفل، والطفل سيظل يتعود على هذه الموسيقى إلى أن يصبح كبيراً، ومن شب على شيء شاب عليه، والطفل على ما عودته، إن عودته الطاعة اعتاد الطاعة، وإن عودته المعصية اعتاد المعصية، وفي هذا الوقت عندما تقول لواحد: بالله عليك السجائر التي تشربها حلال أم حرام؟ يقول لك: والله أنا عارف أنها حرام، وادع لي يا شيخ أن الله يخلصني منها، فأنا محتاج إليها، لا أستطيع تركها، لأنها تركت أثراً عظيماً جداً في الدم والمخ والعظم واللحم فلا يقوى على ذلك، وأنا مقدر هذا الرد، لكن على أية حال هذا لا يكون إلا من إنسان ضعيف العزيمة، وإلا فالصحابة رضي الله عنهم قد شربوا الخمر إلى أمخاخهم، ولما نزل تحريم الخمر امتنعوا جميعاً، والفارق الذي بيننا وبينهم فارق إيماني، فهم لما تربوا على العقيدة الصحيحة وأتاهم تعظيم الله عز وجل، وتعظيم أمره ونهيه، فلما أتاهم النهي عن الخمر انتهوا عن الخمر، وكذا النهي عن الزنا انتهوا عن الزنا، والنهي عن وأد البنات أحياء انتهوا، وغير ذلك من الفظائع والعظائم التي كان يفعلها أهل الجاهلية.

    فالغناء حرام؛ لقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان:6] يقول ابن مسعود : أقسم بالله، أقسم بالله، أقسم بالله أن لهو الحديث هو الغناء، هل نصدق علماء الأزهر كلهم أم ابن مسعود ؟ يأتي هناك في المقابل شبهات وهي: (أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته بعد أن رجع من غزوة خيبر، فوجد جاريتين تغنيان، فقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟ وغضب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)، وفي رواية عند أبي داود (دخل عمر على النبي عليه الصلاة والسلام وعنده جاريتان تغنيان وليستا بمغنيتين) ولذلك العلماء يقولون: الغناء حلال بشروط:

    الشرط الأول: أن تكون المغنية جارية صغيرة لم تبلغ الحلم، والجارية: هي البنت الصغيرة التي لم تبلغ الحلم.

    الشرط الثاني: ألا يكون الغناء حرفتها.

    الشرط الثالث: أن يكون الغناء هادفاً يدعو إلى الفضيلة، وينهى عن الرذيلة، مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (أعرفتم فلانة؟ قالت: نعم، قال: هلا غنيتم لها، فإن الأنصار يحبون ذلك، قالت: يا رسول الله! قلنا: أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم، ولولا الحبة السمراء ما سمنت عذاريكم) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، والسام: الموت، فقولها: (أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم، ولولا الحبة السمراء ما سمنت عذاريكم) يعني: أن عروستكم -ما شاء الله- حلوة، ومنظفة، مثل الفل؛ لأنكم كنتم تؤكلونها الحبة السوداء، وهذه دعوة للحبة السوداء.

    وغير ذلك مما ينشد في قدوم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، ورجوعه، وقفوله من غزوة من الغزوات من الكلام الهادف المحترم، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول لـحسان بن ثابت : (قم يا حسان فاهجهم وروح القدس معك) الذي هو جبريل عليه الصلاة والسلام، أي: اهج المشركين ورد عليهم بمثل ما هجونا به، فإن جبريل يؤيدك ويسددك.

    والحقيقة أن حديث المعازف معلق في صحيح البخاري ، لكن لا يعني كونه معلقاً في صحيح البخاري أنه ضعيف، والحديث المعلق: هو ما حذف من مبدأ إسناده من جهة المصنف راو فأكثر، أي: أن البخاري يروي عمن لم يدركه، ولا يعني ذلك أنه لا سند له، بل هذا الحديث الذي علقه البخاري موصول عند أهل الحديث بسند صحيح، ولم يذهب أحد من أهل العلم بالحديث إلى تضعيف هذا الحديث إلا الإمام ابن حزم ، ومعلوم أن ابن حزم مجازف جداً إلى أقصى حد في الحكم على الرجال والحكم على الأحاديث، كـابن الجوزي تماماً بتمام وسواء بسواء، مع أنهما من أئمة أهل الإسلام ولا مطعن عليهما في ذلك، ولكن أقول: هذه الكبوة التي وقع فيها ابن حزم أنه مجازف جداً وكذلك ابن الجوزي .

    فـابن الجوزي حكم على حديث في صحيح مسلم أنه حديث موضوع، أي: أنه حديث مكذوب مفترى على النبي عليه الصلاة والسلام، وابن حزم ذهب إلى تضعيف هذا الحديث، لكن هل ذهب ابن حزم بعد تضعيفه لهذا الحديث الذي ليس هو الحديث الأوحد في القضية إلى حل الغناء؟ إنما ذهب فقط إلى تضعيف الحديث، وهذا لا يفهم منه أن الغناء حلال عند ابن حزم ، ولو افترضنا أن ابن حزم ذهب إلى حل الغناء، فهل ابن حزم يذهب إلى عمل السخافات، وقلة الحياء، وقلة الأدب في هذا الوقت تحت اسم الفن والغناء؟ ابن حزم لو سمع: (يا تشط يا اللي، يا حلو يا قلي)، لن يرضى بهذا أبداً، بل يأباه تماماً؛ لأن هذا الكلام تأنف منه النفوس الصحيحة السوية حتى لو كانت هذه النفوس كافرة؛ لأن هذا الكلام يخالف الأدب، والحياء، والعفة، والشرف، والصيانة، ويخالف كل ما عليه أهل الإسلام بل أهل الأرض من قواعد وأحكام تحكم أخلاقهم وآدابهم.

    أما هذه المعلقات فمنها ما روي بصيغة الجزم كقال، وعن، وذكر، ومنها ما يروى بصيغة التمريض: كيروى، ويحكى، ويقال، أما ما كان بصيغة التمريض فيغلب عليه الضعف، وما كان بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علقه البخاري إليه، ولما وجه الطعن للإمام البخاري في هذه المعلقات لم يرد من طعن في هذه المعلقات بضعفها وإنما أراد أنها مخالفة لشرط البخاري في صحيحه، فـالبخاري لما سلك مسلكاً معيناً في صحيحه خالف هذا المسلك في هذه المعلقات، وهذا لا ينفي أن تكون هذه المعلقات صحيحة، مثل قول الإمام الترمذي مثلاً لما يروي حديثاً: هذا أصح شيء في الباب، فمثلاً: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أذن فهو يقيم) عندما نبحث عن الحكم على هذا الحديث نراه ضعيفاً بجميع طرقه، فكلام الإمام الترمذي أصح شيء في الباب، يعني: أن هناك أحاديث أخرى أشد ضعفاً منه.

    فقوله: أصح شيء في الباب لا يلزم منه الصحة، وإنما يلزم منه أنه أخف الأحاديث ضعفاً، أو أقل الحديث علة، ومثل ذلك عندما تأتي في أي باب من أبواب العلم فتقول لأحد الأشخاص: افعل في هذا الأمر كيت وكيت، هذا قول سعيد بن المسيب مثلاً، فيقول: لا يوجد في هذه المسألة إلا قول سعيد؟! هذا قول التابعي اعمل به والأمة كانت عليه، فأنت لست أحسن من الأمة، ماذا كانت الأمة تعمل لما يموت الميت؟ هل هناك دليل في السنة أو في القرآن؟ بل إن سعيد بن المسيب لما دخل على رجل ميت، فسمع بعض الناس يقول: وجهوه إلى القبلة، قال: أونصراني هو؟ أويهودي هو؟ فليمت حيث شاء، يعني: إلى ناحية القبلة، أو ظهره للقبلة، أو بطنه للقبلة، فالمعلقات لا يلزم أن تكون ضعيفة.

    حكم لبس الذهب المحلق

    السؤال: ما حكم الذهب المحلق؟

    الجواب: الذهب المحلق حلال، وهذا مذهب عامة أهل العلم من أمة لا إله إلا الله، وذهب خلاف ذلك شيخنا العلامة الألباني عليه رحمة الله، وقال بحرمة الذهب المحلق للنساء، واستشهد بأحاديث لم تخف على عامة الأمة وإنما علموها ورووها ولم يفهموا منها ما فهم الشيخ الألباني رحمه الله.

    والأحاديث التي احتج بها الشيخ الألباني حملها علماء الأمة على منع الزكاة، ومنها: (أن امرأة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام ومعها ابنتها وفي يدها سواران من ذهب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن تسوري بسوارين من نار يوم القيامة؟ فخلعتهما وألقتهما في حجر النبي عليه الصلاة والسلام)، ولو كان الذهب المحلق حراماً لقال لها: اخلعيهما فإنهما حرام لا يحل لك، ولكنه قال لها أولاً: (أتؤدين زكاة هذا؟) فلو قالت: نعم، لما تكلم بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام.

    حكم لبس الثوب الأحمر

    السؤال: ما حكم لبس الثوب الذي لونه أحمر؟ وما الدليل؟

    الجواب: جاء في سنن أبي داود وعند أحمد في المسند: (نهى النبي عليه الصلاة والسلام الرجل أن يلبس اللبس الأحمر أو الثوب الأحمر)، مع أنه عليه الصلاة والسلام كما قال عبد الله بن عمر : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وقد لبس ثوباً أحمر مخططاً)، فالنهي محمول على الأحمر الخالص الذي لا شية فيه، ولا علامة فيه، ولا خطوط، ولا مربعات، ولا سرهات، ولا سيور، يعني الأحمر المصمت، فمن لبس جلابية حمراء مخططة أو فنيلة حمراء مخططة فلا بأس بذلك ولا حرمة في ذلك. ولا تدخل النساء في هذا النهي.

    لمن تكون المرأة المؤمنة إذا دخلت الجنة وقد تزوجت في الدنيا أكثر من زوج

    السؤال: إذا تزوجت المرأة اثنين أو أكثر ودخلوا جميعاً الجنة، فهي زوجة من منهم؟

    الجواب: زوجة أحب واحد من الثلاثة إليها، وإذا تزوج الرجل أربعاً أو أكثر من ذلك، بشرط ألا يكن أكثر من أربع نساء في وقت واحد، فإنه يتزوج أحب النساء إليه، أو يتزوجهن جميعاً.

    حكم العمليات الاستشهادية في فلسطين

    السؤال: بالنسبة لعملية تفجير النفس التي يقوم بها الإخوة الفلسطينيون، وذلك لقتل المدنيين اليهود اختلف علماء السنة فيها، فمنهم من قال: إنها عملية انتحارية وصاحبها منتحر، ومنهم من قال: إنها عملية استشهادية وصاحبها مجاهد في سبيل الله، فماذا ترجح لديكم؟

    الجواب: الذي يترجح لدي أنها عملية استشهادية وليست انتحارية، فالمنتحر لا ينتحر إلا وهو يائس من رحمة الله عز وجل، والذي يستشهد في فلسطين ليس يائساً من رحمة الله، وإنما يفعل ذلك نصرة للدين، ودفعاً للعدو، فلابد أن يراعى هذا الفارق، وقد حدث في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من حادث.

    لكن على أية حال أنا أعد محاضرة الآن في هذا الباب وسنلقيها بإذن الله تعالى في مؤتمر القدس في مسجد (العز بالله) الذي سينعقد في يوم 24/8 (في مؤتمر عن القدس)، وسيحاضر فيه سيادة اللواء أحمد عبد الوهاب رئيس مجلس إدارة مسجد العزيز، والدكتور جمال عبد الهادي ، والدكتور علي السالوس، والدكتور عبد الوهاب النصيري أستاذ كبير جداً وتخصصه: الرد على اليهود، وهو الذي عمل موسوعة عن اليهود في خمسة عشر مجلداً، فهو قنبلة علمية إذا انفجرت يكون عوضنا على الله، وهو حليق ويلبس بدلة لكنه أستاذ خبير، وليس هو شيخاً، وستستفيدون منه إن شاء الله أكثر من الشيوخ بإذن الله تعالى؛ لأن ربنا يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وهو من أهل الذكر في القضية، وسيحاضر فيها شيخنا وأستاذنا محمد عبد المقصود ، والشيخ محمد حسان ، والشيخ سيد عربي ، والأستاذ كامل الشريف الذي هو رئيس وزراء الأردن الأسبق، سيحاضر معنا إن شاء الله.

    وسيكون المؤتمر لمدة ثمانية أيام من الجمعة 24/8 إلى الجمعة الأخرى 31/8، ما بين المغرب والعشاء.

    حكم تداخل صلاة قضاء الحاجة مع صلاة النافلة

    السؤال: هل يجوز صلاة قضاء الحاجة مع صلاة النوافل؟

    الجواب: نعم يجوز؛ لأن أهل العلم على جواز تداخل النيات في النوافل دون الفروض.

    ويجوز أن يدعو بتفريج حاجته.

    نصيحة لمن يفزع من النوم دائماً

    السؤال: امرأة شاهدت على الإنترنت بعض الجماعات التي في تايوان والتي تقوم بأكل الأطفال الصغار بعد الطهي، ومنذ ذلك الوقت تفزع في نومها، فماذا تفعل؟

    الجواب: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، على أية حال إجابتي على سؤال السائلة: أنه ينبغي عليها أن تعتصم بكتاب الله عز وجل وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وتكثر من قراءتها للأذكار من الكتاب والسنة قبل نومها.

    حكم حضور الحائض لدروس العلم في المسجد ومسها للمصحف

    السؤال: هل يجوز للمرأة الحائض حضور دروس العلم في المساجد، وهل يجوز لها القراءة من المصحف بمس أو بدون مس؟

    الجواب: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم اختلافاً بيناً، وجمهور الفقهاء على حرمة ذلك، ولا دليل صحيح في هذا الباب، فيبقى عندنا الأصل وهو جواز أن تدخل الحائض المسجد وتمكث فيه، وجواز أن تمس المصحف بيدها وتقرأ فيه، إذا كانت تسأل عن الجواز، أما إذا كانت تسأل عن الأفضل، فالأفضل بلا شك ألا يعبد المرء ربه إلا وهو كامل الطهارة.

    مسألة في الرضاع

    السؤال: امرأة لها بنتان، وامرأة أخرى لها ولدان، والمرأة التي لها بنتان أرضعت ولداً من الولدين، فهل يجوز للولد الآخر الذي لم يرضع أن يتزوج من إحدى البنتين؟

    الجواب: يجوز؛ لأنه لم يجتمع معه على الثدي، فالولد الآخر الذي لم يرضع يجوز له أن يتزوج أياً من البنتين التي رضعت مع أخيه أو التي لم ترضع.

    حكم التسبيح بالسبحة

    السؤال: ما حكم التسبيح بالسبحة، وقد قرأت في أحد الكتب أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رأى امرأة تمسك سبحة فأخذها فقطعها، ثم ضربها بقدمه وقال لها: والله لقد ابتدعتم في الدين بدعة ما فعلها أصحاب محمد، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: هذا ليس صحيحاً أبداً، أن عبد الله بن مسعود يأخذ السبحة من المرأة ويقطعها ويضرب المرأة على ذلك.

    أما حكم التسبيح بالمسبحة فالأصل الجواز؛ لأنه لم يرد فيها نهي ابتداء، وقد ورد إباحة ذلك بفعل أبي هريرة، وسلمان الفارسي ، وأبي الدرداء رضي الله عنهم، وقد أورد حديثهم الإمام الطبراني في كتاب الدعاء، أنهم كانوا يسبحون على الحصى، وأصل السبحة عبارة عن حصى، حتى قيل لـأبي هريرة: أتسبح على المسبحة؟ قال: وما يمنعني من ذلك؟ أي: أين النهي الوارد في ذلك؟ وقال النبي عليه الصلاة والسلام لـأم سلمة : (اعقدن التسبيح على الأنامل فإنهن مستنطقات)، فالأولوية في التسبيح أن يكون على الأصابع اليمنى، ثم على المسبحة، فكلاهما جائز، لكن الأولى أن يكون التسبيح على الأنامل، والشيخ الألباني عليه رحمة الله قد ذهب إلى بدعية التسبيح على المسبحة، ثم رجع عن هذا الحكم وقال بالجواز بعد ذلك لما طبع الدعاء للطبراني واطلع على هذه النصوص رجع عن فتواه.

    وإذا كان هذا المباح قد صار علماً على أهل البدع، أو كانت المسبحة علامة على أهل البدع من أهل الانحراف كالصوفية وغيرهم فيستحب تركها، أما إذا كانت واجبة فأنا أعمل بها وإن فعلها اليهود، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (خالفوا اليهود والنصارى) أو (خالفوا أهل الكتاب وخالفوا المشركين أطلقوا لحاكم فإنهم لا يفعلون ذلك)، فمن قال أن شنوده مطلق للحيته، فما دام أن القضية قضية المخالفة فأنا سأحلق من أجل مخالفته، فنقول: إطلاق اللحية هذا هو الواجب علينا، وهو الذي وافقنا ولسنا نحن الذين وافقناه، ثم إن هذا من شعائر ديننا.

    فأهل العلم إذا تبين لهم الحق والصواب رجعوا إليهما، أما الذين ليسوا من أهل العلم فإنهم يستمرون في جهلهم.

    حكم الصلاة بين السواري

    السؤال: هل يوجد نهي عن الصلاة بين السواري؟

    الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة بين السواري، والسواري هي الأعمدة، فلا يجوز الصلاة بينها إلا للضرورة، والعلة انقطاع الصف، ولا يجوز قطع الصف إلا لعلة ازدحام، أو للضرورة أو غير ذلك.

    والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (دخل النبي عليه الصلاة والسلام وعثمان بن طلحة وأسامة بن زيد الكعبة، فصلى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فلما خرجوا قلت لـأسامة بن زيد : ماذا فعلتم؟ قال: صلينا، قلت: هل صلى رسول الله؟ قال: نعم، قلت: أين صلى؟ قال: إلى الاسطوانة)، والمقصود بالاسطوانة هي العمود أو السارية، وهي مبنية بالطوب وليس بالخرسان.

    والنبي عليه الصلاة والسلام اتخذ الدابة سترة، واتخذ عائشة رضي الله عنها سترة، واتخذ السرير سترة، واتخذ العنزة سترة، والعنزة: هي عصاً كمؤخرة الرحل، وهي عصا تتخذ عند قتب الجمل أو البعير يعلق عليها البضائع والمحمولات وغير ذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى إلى هذه العنزة بعدما غرزها في الأرض، واتخذها سترة له، ولذلك العلماء يقولون: السترة لابد أن تكون على قدر العنزة، أي: قدر شبر، ولا يعتبر الفارق بين السجادتين سترة، أو معه خيزرانة يلقيها أمامه ويعترضها، كل هذا لا يبيح للمار أن يمر من أمامها؛ لأن السترة لابد أن تكون مرتفعة قدر شبر عن الأرض؛ لأن أقل الوارد من النصوص في حق السترة مؤخرة الرحل واسمها العنزة.

    وحديث: (صلى النبي عليه الصلاة والسلام إلى عنزة)، ومن التصحيف في الفهم أن رجلاً من بلدة اسمها عنزة، وعنزة وعنيزة في السعودية، فهما قريتان متجاورتان وهما في القصيم، فهذا الرجل الذي من عنزة تفاخر على أصحابه وقال لهم: نحن قوم لنا شرف، قالوا له: وما هو هذا الشرف؟ قال: لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلينا، فقد ظن أن العنزة في الحديث هي البلد التي هو منها، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يصل إلا إلى قبلة المسلمين المعروفة.