إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏صفات المنافقين وأحكامهم
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب ‏صفات المنافقين وأحكامهم - الدخان وانشقاق القمر

شرح صحيح مسلم - كتاب ‏صفات المنافقين وأحكامهم - الدخان وانشقاق القمرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اختلف سلف الأمة في الدخان المذكور في آية الدخان، فمنهم من قال: إنه ما رآه المشركون من كفار مكة عندما أصيبوا بالجوع والقحط، ومنهم من قال: إنه من علامات الساعة الكبرى التي ستكون في آخر الزمان. وأما انشقاق القمر فهو آية وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق العلماء.

    1.   

    باب الدخان

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن منصور -وهو ابن المعتمر بن سليمان - عن أبي الضحى -وهو مسلم بن صبيح - عن مسروق - وهو ابن الأجدع - قال: كنا عند عبد الله جلوساً -أي: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود- وهو مضطجع بيننا].

    وفي هذا جواز أن يضطجع العالم في وسط تلاميذه وطلابه، وقد جاءت غير رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجلس متكئاً في وسط أصحابه، ومسنداً ظهره إلى الكعبة وغير ذلك، فهذه الصورة جائزة للعالم بين طلابه.

    وأما الطالب في مجلس العلم فإن من سوء الأدب أن يمد رجليه أو غير ذلك.

    قال: [فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن!] هذا السائل غير معروف، ولم تأت رواية فيها اسم هذا الراوي بسند صحيح.

    قال هذا الرجل لـعبد الله بن مسعود: [إن قاصاً عند أبواب كندة يقص ويزعم: أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام].

    أي: علامة الدخان قبيل الساعة: أنها تأخذ بأنفاس الكفار حتى تخرج من أدبارهم، وتدخل من أدبارهم وأسماعهم وأفواههم وأنوفهم ومن كل المداخل الطبيعية في بدن الكفار، وتخرج منها.

    وأما المؤمنون فإن حظهم وقسطهم من هذه العلامة أنه يصيبهم الزكام فقط، فكأنهم زكموا من رائحة هذا الدخان، أي: لا تصيب المؤمن إلا على هذا القدر وهذا النحو.

    حرمة القول على الله بغير علم

    [فلما سمعه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه غضب لذلك غضباً شديداً، وجلس وهو مغضب وقال: أيها الناس! اتقوا الله].

    وهذا الكلام وإن كان موجهاً إلى ذلك القاص إلا أنه يعم جميع الناس إلى قيام الساعة، فتقوى الله في باب العلم، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلزم المرء ألا يتكلم إلا بما علم، فالله تبارك وتعالى حرم القول عليه بغير علم، وقرنه بالشرك؛ للدلالة على خطورة هذا القول.

    قال الله تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    وقال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33].

    والآيات الزاجرة عن القول على الله بغير علم كثيرة جداً، والأحاديث أكثر من الآيات، وكلها تدل على حرمة القول على الله بغير علم، حتى كان الصحابة رضي الله عنهم يتورعون في باب رفع الأحاديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فالواحد منهم ينقل القول ولا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول.

    وأتى التابعون من بعدهم فسلكوا نفس المسلك، فكانوا يقولون: قال أبو ذر ، قال حذيفة ، قال أبو قتادة ، قال أبو هريرة ويتورعون أحياناً عن نسبة القول، أو عن وصل هذا القول إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا سئلوا عن ذلك قالوا: إن كذباً على أصحابه ليس ككذب عليه عليه الصلاة والسلام، أي: أنهم في الأمر الذي لم يتأكدوا منه تماماً ويقيناً كانوا يوقفونه على الصحابة، وما كانوا يرفعونه إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ مخافة ألا يكون قد قاله حقيقة.

    فإذا كان السلف رضي الله عنهم قد سلكوا هذا المسلك، فحري بنا أن نتوقف في شيء سئلنا عنه ولا علم لنا فيه، وأن نقول: الله أعلم، ولذلك قال ابن مسعود : [يا أيها الناس! اتقوا الله! من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم]، أي: فإنه أرفق بأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، [فإن الله عز وجل قال لنبيه: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86]].

    ما أصاب قريش من قحط وبلاء بسبب عنادهم

    ثم قال: [(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدباراً)].

    أي: لما رأى من كفار قريش إدباراً وإعراضاً وجحوداً، بل واستهزاءً بهذه الدعوة، وسباً لصاحبها عليه الصلاة والسلام بقولهم: إنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مجنون، فلما رأى منهم ذلك [قال: (اللهم سبع كسبع يوسف)].

    أي: أرسل على قريش سبع سنين جدب وقحط يهلكوا فيها كما هلك أهل مصر في زمن يوسف عليه السلام بهذه السبع السنوات العجاف القحط.

    قال: [(فأخذتهم سنة حصت كل شيء)]، فدعاء الأنبياء مستجاب، والسنة بمعنى: الجدب والقحط، وحصت كل شيء أي: استأصلت كل شيء، لم يعد عندهم خير حتى كانوا يأكلون أبعار البهائم، ويأكلون العظام والخشب، ويأكلون جلود الأسماك إذا جفت، وهذا من شدة ما نزل بهم من قحط وجدب، حتى أكلوا التراب الذي تحت أرجلهم.

    قال: [(فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان)] أي: ينظر أحدهم إلى السماء فمن فرط الجهد والتعب والجوع يرون وكأن السماء قد امتلأت دخاناً، وهي ليست كذلك.

    ولذلك جاء في الرواية أنه قال: (فيرى كهيئة الدخان) ولم يقل: رأى الدخان، يعني: يخيل إلى أحدهم أن السحابة التي فوقه هي عبارة عن دخان، وهذا أمر يراه الواحد منا إذا جهد وتعب تعباً شديداً وشق ذلك عليه، فإذا نظر إلى السماء ربما يرى الأمر كما نقول نحن: خمسات وعشرات.

    فكان ينظر أحدهم إلى السماء وكأنها مليئة بالدخان، فهذه الحالة إنما أصابت قريشاً بسبب الجهد والجوع الذي نزل بهم، وليس بلازم أن هذا التخيل والتهيء والتصور الذي يراه أحدهم وهو الدخان في السماء أن تكون السماء فيها دخان حقيقة.

    قال: [(فأتاه أبو سفيان -وكان كافراً في ذلك الوقت- فقال: يا محمد! إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم -أي: فادع الله أن يمطر السماء عليهم- قال الله عز وجل: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان:11-12]... إلى قوله: إِنَّكُمْ عَائِدُونَ [الدخان:15]، أفيكشف عذاب الآخرة؟)].

    أي: أن عبد الله بن مسعود يسألهم سؤال استنكار فيقول لهم: إن الدخان هذا ليس دخان الآخرة، وإنما هو الدخان الذي أصاب قريشاً، بدليل قول الله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان:16]: يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان:11].

    وهذا يشمل جميع الناس ولا يشمل واحداً بعينه، فيقول: لا يمكن في يوم القيامة إذا أنزل الله عذاباً أن يكشفه، والآية أثبتت أنه يكشف العذاب قليلاً، فهذا لا يكون يوم القيامة، وإنما هذا يدل على أن الدخان الذي أصاب قريشاً هو المعني في سورة الدخان.

    قال: [يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان:16]، فالبطشة الكبرى يوم بدر، قال: وقد مرت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم].

    واللزام هو ملازمة العذاب للكافرين، وآية الروم هي آية غلبت الروم.

    أنواع تفسير القرآن

    قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع، وحدثني أبو سعيد الأشج أخبرنا وكيع، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير كلهم عن الأعمش .

    وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح -وهو المعروف في الرواية الأولى: أبو الضحى- عن مسروق قال: جاء إلى عبد الله رجل فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه].

    هذا الرجل يتهم ذلك القاص، وسياق الرواية تقول: إن هذا الرجل لما نقل كلام القاص إلى عبد الله بن مسعود لم يكن يعرفه؛ بدليل أنه استنكر كلامه فذهب إلى عبد الله بن مسعود ليسأل عن صحة هذا الكلام الذي سمعه، ثم هو يغمزه في الرواية الثانية ويقول: سمعت رجلاً في المسجد يقص أو يفسر القرآن برأيه، وتفسير القرآن بالرأي مذموم، بينما التفسير الممدوح هو تفسير القرآن.

    والنوع الثاني: تفسير القرآن بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي يسميه العلماء بالتفسير النبوي.

    ثم النوع الثالث: تفسير القرآن بكلام العرب؛ لأن القرآن عربي.

    والرابع: تفسير القرآن بالرأي، وهو مذموم.

    ولذلك غمزه هذا الرجل فقال: سمعت رجلاً في المسجد -أي: في مسجد بني كندة- يفسر القرآن برأيه.

    قال: [قال في قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10] أي: يأتي الناس يوم القيامة دخان، فتأخذ بأنفاس الكفار عامة، أما المؤمنون فتصيبهم على هيئة الزكام.

    فقال عبد الله بن مسعود : من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم.

    إنما كان هذا أن قريشاً لما عصت النبي عليه الصلاة والسلام دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجدب حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: محمد! استغفر الله لمضر فإنهم قد هلكوا].

    ومضر هم أشد الناس عداوة وبراءة من الإسلام.

    وفي رواية البخاري : (استسق لمضر).

    وبعضهم يقول: إن لفظة (استغفر) خطأ من الراوي، وبعضهم يقول: إنما هي تصحيف؛ لأن (استغفر) و(استسق) مسمع واحد.

    والإمام النووي نازع في ذلك وقال: والروايتان صحيحتان، (استسق) أي: اطلب السقيا وهو المطر،(واستغفر) أي: ادع الله لهم بالهداية، ثم استسق لهم بعد ذلك.

    فقد جمع بين القولين حتى لا يضطر إلى رد إحدى الروايتين.

    [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لمضر؟! إنك لجريء، قال: فدعا الله لهم فأنزل الله عز وجل: إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ [الدخان:15])].

    أي: رغم أني رفعت عنكم البلاء إلا أنكم بعد قليل ستعودون إلى ما كنتم عليه من إيذاء وجحود ونكران.

    قال: [(فمطروا -أي: بسبب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم- فلما أصابتهم الرفاهية واخضرت الأرض، عادوا إلى ما كانوا عليه، فأنزل الله عز وجل: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان:16] يعني: يوم بدر)].

    اختلاف العلماء في الدخان المذكور في الآية

    قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: خمس قد مضين -يعني: خمس علامات وأمارات قد مضت وانتهت-: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر، أي: انشقاق القمر.

    وعن أبي بن كعب في قول الله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ [السجدة:21] أي: العذاب الأدنى هو مصائب الدنيا، والروم والبطشة أو الدخان، شعبة هو الذي شك في البطشة، أو الدخان].

    أنتم تعلمون أن الدخان من علامات الساعة، والراجح من أقوال أهل العلم: أنه من العلامات الكبرى، والله تعالى يقول: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان:10-16].

    قال ابن كثير : يقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون، أي: قد جاءهم الحق اليقين وهم يشكون فيه ويمترون، ولا يطبقون به.

    ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10].

    ثم ذكر رواية مسلم من طريق عبد الله بن مسعود ، ورواية أخرى كذلك من طريق ابن مسعود في الصحيحين بنحو الرواية الأولى في هذا الباب.

    قال ابن كثير : وقد وافق ابن مسعود على تفسير هذه الآية بهذا التفسير، وأن الدخان قد مضى، وأن الدخان هو العلامة التي عاقب الله تعالى بها مشركي مكة؛ وافقه على ذلك التفسير، جماعة من السلف كـمجاهد وأبي العالية الرياحي ، والضحاك ، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير .

    إذاً: هل الدخان من العلامات التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنها ستأتي في آخر الزمان؟ محل نزاع بين أهل العلم، فمذهب ابن مسعود وبعض السلف: أنها التي كانت في سنين القحط والجدب على مشركي مكة.

    قول منكر لعبد الرحمن الأعرج أن الدخان المذكور في الآية كان يوم فتح مكة

    وفي رواية عبد الرحمن الأعرج أنه قال: يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10] قال: كان ذلك يوم فتح مكة، وهذا القول منكر جداً وغريب جداً، فلا عبرة به.

    أما الرأي الثاني: أن آية الدخان لم تمض بعد، وإنما ستأتي إن شاء الله في آخر الزمان، وهي من أمارات الساعة كما تقدم في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: (أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس -أو تحشر الناس- تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا).

    فذكْر الدخان مع هذه العلامات يدل على أنه سيكون في آخر الزمان؛ لأن هذه العلامات كلها لم تظهر بعد، فكيف تكون علامة الدخان في زمنه عليه الصلاة والسلام وبقية هذه العلامات كلها في آخر الزمان مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (لا تقوم الساعة إلا إذا رأيتم عشر آيات) وعد منها: الدخان؟!

    فهذا يدل على أن الدخان سيكون في آخر الزمان.

    وأنتم تعرفون ابن صياد، وقد قيل: إنه المسيح الدجال ، وقيل: هو غير المسيح الدجال، وكلام أهل العلم فيما يتعلق بـابن صياد سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في نهاية كتاب الفتن من صحيح مسلم.

    وقد جاء في غير ما حديث أنه دجال، وكان كثير من الصحابة يعتقدون أن ابن صياد هو المسيح الدجال، وقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم له: (إني خبأت لك خبأً، فقال ابن صياد: هو الدخ)، وهذا كلام السحرة والكهان والدجالين كلهم يقولون هذا، ولذلك إذا قرأت الحجاب الذي يعمله السحرة فإنك لا تكاد تقف على حقيقة أمره؛ لأن من شأن السحرة والكهان والعرافين أن يجيبوا على بعض الكلمة فيأتون بها مقطعة، وأحياناً يأتون بها مقطعة الحروف، أو يجيبون بحرف، ويتركون الحرف الثاني، فهم لا يكتبون كلمة كاملة، ولذلك أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الدجال وهو ابن صياد عرف ما خبأه له، وهذا إنما يكون بوحي الشيطان إليه.

    وهذه العلامة التي هدده بها النبي عليه الصلاة والسلام إنما هي سورة الدخان، ولذلك عبر عنها ابن صياد بالدخ، فالنبي صلى الله عليه وسلم فهم ذلك فقال له: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك).

    يعني: ما قد قدره الله تعالى فيك لابد أنه كائن، والوعيد والتهديد الشديد الذي جاء في سورة الدخان سيصيبك منه لا محالة، حتى وإن كنت عارفاً بما خبأته لك، ولذلك قال: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك)، وقد خبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10].

    قال ابن كثير: وهذا فيه إشعار بأن الدخان هو المنتظر لا أنه قد وقع فيهم بالفعل.

    وابن صياد كاشف -أي: كاهن- على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة، يعني: يقطعونها تقطيعاً، ولهذا قال: هو الدخ، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مادة ابن صياد أنها مادة شيطانية قال له: (اخسأ فلن تعدو قدرك).

    وقد أورد ابن جرير حديثاً طويلاً عن حذيفة لكنه موضوع، وابن كثير يقول: لو صح هذا الحديث لكان فاصلاً، لأن الحديث صريح، والأحاديث الأخرى منها ما هو صحيح لكنه ليس صريحاً في الباب، ولذلك وقع الخلاف.

    واختلف أهل العلم في الدخان إلى مذهبين؛ خلافاً لمذهب عبد الرحمن الأعرج حيث قال: الدخان هو ما كان يوم فتح مكة، وهذا مذهب منكر جداً لم يوافقه عليه أحد، وليس كلاماً صحيحاً، لكن الخلاف المعتبر: هل الدخان هو الذي كان في سنوات القحط والجدب على أهل مكة، أم أنه الذي سيكون في آخر الزمان؟

    فـابن مسعود ومن معه يذهبون إلى أن هذا الدخان هو الذي وقع في سنوات الجدب والقحط على أهل مكة.

    وجمهور السلف على أن آية الدخان وعلامتها إنما تكون في آخر الزمان.

    قول ابن كثير بأن العلامة من علامات القيامة يمكن أن تقع مرتين

    وابن كثير توسط في الأمر فقال: لا مانع أن تقع العلامة والأمارة مرتين، كما تقع المعجزة مرتين. يعني: كقصة شق الصدر فقد وقعت مرتين: مرة والنبي صلى الله عليه وسلم طفل، ومرة بعد البعثة وقبل ذهابه لرحلة الإسراء والمعراج.

    وانشقاق القمر حصل مراراً، فالذي كان في شأن المشركين في مكة ربما يكون دخاناً وربما يكون غيره، وهب أنه دخان فلا يلزم منه عدم وقوع الآية في آخر الزمان، ولا بأس أن يشتمل هذا التهديد والوعيد ما نزل بكفار قريش، وهذا ما توسط به الحافظ ابن كثير .

    لكن أورد حديثاً موضوعاً ثم قال: إن أول الآيات الدخان، والصحيح أن أول الآيات الدجال ، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم حيث قالوا، والدخان.

    ولذلك تكرر الدخان في أول الحديث وآخره، وهذا الحديث عند الترمذي أيضاً: أن أول الآيات الدجال وهو الصحيح، وإن كنا نحب الترتيب لكن الحديث موضوع.

    الأحاديث والآثار التي هي على خلاف قول ابن مسعود في آية الدخان

    قال حذيفة : (يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا هذه الآية: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان:10]) أي: يملأ ما بين المشرق والمغرب، ويمكث أربعين يوماً وليلة).

    فأما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره.

    وهذا الحديث صريح، لكنه غير صحيح، وأنتم تعلمون أن الحجة لابد أن تكون صريحة وصحيحة، ولذلك قال ابن جرير : لو صح هذا الحديث لكان فاصلاً، وإنما لم أشهد له بالصحة.

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه) أي: من الفم والأنف والعين وغير ذلك.

    وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية: الدابة، والثالثة: الدجال).

    وعن علي رضي الله عنه قال:لم تمض آية الدخان بعد.

    وهذا الكلام منافي لقول ابن مسعود: خمس مضين: البطشة، واللزام، والروم والقمر، والدخان.

    ومعنى ذلك: أن آية الدخان عند ابن مسعود قد وقعت ومضت، وعلي بن أبي طالب يرفض هذا، وليس وحده فمعه ابن عباس، وغير واحد من السلف، فإنهم يذهبون إلى هذا المذهب، حتى إن العاد لهذا الرأي يجد أنهم جمهور السلف.

    قال علي رضي الله عنه: لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وتنفخ الكافر حتى ينفد.

    وعن ابن عمر قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ، أي: المشوي على الفحم.

    ولم تنقل إلينا الروايات أن هذا الدخان أخذ برأس الواحد منهم كهذه الصورة التي صورها ابن عمر ، وهذا يدل أن الدخان آية لم تمض بعد.

    وعبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت إلى ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: ولم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق.

    وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهذا القول وافقه عليه جمع من الصحابة والتابعين، وتدل عليه الأحاديث المرفوعة الصحاح والحسان التي أوردناها، والتي فيها دلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة.

    وأقصى ما يقال عن كلام ابن مسعود السابق أنه اجتهاد منه، لما قال: الدخان هو الجدب والقحط الذي نزل على كفار قريش، وهذا كلام مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا قال الصحابي قولاً لم يخالفه فيه أحد من الصحابة وانتشر هذا القول كان كالإجماع، إن لم يكن إجماعاً على الحقيقة.

    وأما إذا خالفه صحابي آخر فليس في قول واحد منهما حجة فضلاً أن يخالفه جمهور الصحابة، فإذا خالف جمهور الصحابة ابن مسعود فيما يتعلق بالدخان، فيقدم قول جمهور الصحابة، والدليل على ذلك: موافقة علماء الأمة الذين أتوا من بعدهم من التابعين وغيرهم إلى يومنا هذا أن الدخان آية مرتقبة. ولذلك يخطئ بعض العلماء إذا اغبرت السماء، أو أصابها دخان أو غير ذلك قال: هذه آية الدخان المرتقبة، ثم نفاجئ بأن بعض هؤلاء يذيعون في خطبهم ودروسهم ومنازلهم أننا نمر بآية اليوم، أو قد مررنا بها بالأمس أو غير ذلك، وهذا كلام خطأ؛ لأن السنة بينت أن آية الدخان لا تكون إلا بعد آية الدجال، إلا إذا كان هذا الخطيب يعتقد أن الدجال موجود، فهذا شيء آخر؛ لكثرة الدجاجلة.

    وفي مرة من المرات دخل الشيخ سيد سابق الله يرحمه ويحسن إليه المسجد فصلى ركعتين قبل صلاة المغرب، فأنكر عليه أحد الأشخاص إنكاراً شديداً جداً؛ كيف تصلي ركعتين في وقت الكراهة؟ فبعد أن صلى ركعتين، قصد المجلس واستمر في الدرس، ولما جاء المغرب صلى، ثم صلى صلاة العشاء بعد أذان العشاء، ثم أدنى هذا الذي أنكر عليه منه وقال له: أين قرأت أن الصلاة في وقت الكراهة لا تجوز؟ قال: قرأت في كتاب كذا وكذا، وذكر من بين الكتب فقه السنة، قال له: أتعرف فقه السنة؟ قال: نعم للشيخ سيد سابق ، وهو لا يعرف أن هذا الشيخ هو سيد سابق ، فقال له: أنا سيد سابق ، فوضح له الخلاف الذي بين أهل العلم، ورجح أن الصلاة في وقت الكراهة تجوز إذا كانت لسبب، وهذا مذهب الشافعية، وحملوا النهي على مطلق التنفل، وأما ما كان من الصلاة لها سبب كتحية المسجد أو غير ذلك فلا بأس بذلك.

    فبهذا نعرف سبب نهي ابن مسعود وإنكاره على هذا القاص، فإنه أنكر لما استقر في علمه أن هذا هو الحق، ولذلك لا يزال هذا المذهب يحكى عن ابن مسعود إلى قيام الساعة أنه يعتقد أن آية الدخان قد مضت، وليس كل اجتهاد حتى وإن كان لـأبي بكر أو عمر قائماً يعمل به؛ لأنهم غير معصومين رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    باب انشقاق القمر

    (باب انشقاق القمر).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد - وهو مجاهد بن جبر المكي -عن أبي معمر عن عبد الله قال: (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشقتين -يعني: فلقتين- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اشهدوا)]. أي: انظروا إلى القمر وقد انشق.

    قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن أبي معاوية -محمد بن خازم الضرير- وحدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي، كلاهما عن الأعمش ح وحدثنا منجاب بن حارث التميمي واللفظ له، أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: (بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى)].

    وفي رواية: [(بمكة)].

    ولا تعارض بين الروايتين، وليست الروايتان تدلان على انشقاق القمر مرتين في زمنه عليه الصلاة والسلام، والجمع بينهما: أن منى من مكة، فقول الراوي: (كنا معه بمنى) أي: كنا معه بمكة.

    قال: [(إذ انفلق القمر فلقتين - يعني: شقتين - فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا)].

    يعني: انشق القمر فلقتين: فلقة منه سقطت حتى واراها جبل حراء، والثانية كانت فوق الجبل، وهم ينظرون إليها.

    قال: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين، فستر الجبل فلقة -وهي التي ذهبت خلف الجبل- وكانت فلقة فوق الجبل -أي: ينظرون إليها- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم اشهد)].

    وفي رواية ابن أبي عدي قال: [(اشهدوا اشهدوا)] يعني: انظروا يا معشر قريش!

    [حدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد قال: حدثنا يونس بن محمد حدثنا شيبان -وهو النحوي - قال: حدثنا قتادة عن أنس : (أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية)].

    إذاً: السبب هو: أن أهل مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرنا آية، فهم هنا كبني إسرائيل حينما طلبوا ذلك من موسى وعيسى.

    قال: [(فأراهم انشقاق القمر مرتين)].

    اختلاف العلماء في مرات انشقاق القمر

    قال بعض العلماء: انشق القمر في زمنه صلى الله عليه وسلم مرتين، وبعض العلماء حمل المرتين على الفلقتين، والذي يترجح من أقوال أهل العلم أن القمر انشق في زمانه عليه الصلاة والسلام مرتين.

    قال: [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـغندر- وأبو داود -وهو الطيالسي-، وحدثنا ابن بشار حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وأبو داود كلهم عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: (انشق القمر فرقتين)].

    وبعضهم يقول: (مرتين) تصحيف فرقتين أو فلقتين، والصواب: أن الرواية صحيحة.

    وفي حديث أبي داود : [(انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    وفي حديث ابن عباس قال: (إن القمر انشق على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا، والرد على المنكرين

    قال القاضي عياض : انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ومعجزات النبي عليه الصلاة والسلام بلغت أكثر من ألف معجزة، منها المعجزات المادية، ومنها المعجزات المعنوية، وانشقاق القمر من كبريات معجزات نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد رواها عدة من الصحابة رضي الله عنهم، مع ظاهر الآية الكريمة: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1].

    قال الزجاج : وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين المخالفين أمر الله، وذلك لأن الله أعمى قلوبهم، ولا إنكار للعقل فيها؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء، كما يثنيه ويكوره يوم القيامة، فالله تعالى يكور الشمس والقمر، ويثنيهما، ويثني جميع الخلائق فيقضي عليها بالموت، والقمر والشمس مخلوقتان، وجميع هذه المخلوقات مسخرة بأمره، يفعل فيها ما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا لنقل إلينا بالتواتر، فنقول: ألا يكفي في انشقاق القمر أنها آية عامة يراها كل من كان في مكة، وفي خارجها، المؤمن والكافر.. المسافر والحاضر، وذلك مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فلم يروه إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي ، ومع ذلك فهو حديث متواتر.

    قال: وأما قول بعض الملاحدة، لو وقع هذا لنقل متواتراً، واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص به أهل مكة.

    فأجاب العلماء: بأن هذا الانشقاق حصل في الليل، ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة، وهم متغطون بثيابهم، فقل من يتفكر في السماء أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر، ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر والشهب العظام وغير ذلك مما يحدث في السماء ليلاً لا يتحدث به إلا آحاد من الناس وليس كل الناس.

    وما يحدث في الإرصاد والصحافة والإذاعات من معرفة وقوع الشيء قبل أن يقع ليس من باب علم الغيب؛ لأن الغيب غيبان: غيب يعلمه بعض الناس، وغيب لا يعلمه إلا الله، فهذا من الغيب المعلوم الذي يعلمه بعض الناس.

    فانشقاق القمر ليس بلازم أن يراه كل الناس، خاصة وأنه وقع بالليل والناس نيام، والذي ليس نائماً قد لا ينظر إلى السماء.

    قال الإمام النووي : وكان هذا الانشقاق آية حصلت في الليل لقوم سألوها، واقترحوا رؤيتها، فلم يتنبه لها، قالوا: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري والمنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهراً لقوم غائباً عن قوم آخرين.

    كما قد يجد الكسوف أهل بلد دون بلد آخر، وأحياناً لا تطلع الشمس عند قوم البتة، وأعجب ما رأيت في أمريكا أن النهار أربع ساعات والليل عشرون ساعة، وهذا في نهاية الجنوب، وأنا الآن لا أذكر اسم الولاية أو البلد، فكانوا يسألونني عن الصيام وعن الصلاة، فاتصلنا بالشيخ عبد العزيز بن باز فقال: قدروا للصلاة والصيام قدرهما، وصلوا وصوموا باجتهاد.

    فهذا يعني أن هذه الظواهر الكونية الطبيعية تختلف من بلد لآخر.

    بعض الأحاديث الواردة في انشقاق القمر

    قال: ابن كثير رحمه الله في قول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]:

    يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها، كما قال تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، وقال: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1].

    وقد وردت الأحاديث بذلك:

    منها: حديث عند أحمد من طريق ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس على قعيقعان -أي: على جبل قعيقعان- بعد العصر، فقال: ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقى من النهار فيما مضى منه).

    وهذا كان بعد صلاة العصر، ولو أنا قلنا: إن عُمْر الدنيا يساوي نهاراً، فما بقي من عُمْر الدنيا إلا ما يساوي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، وأما ما سبق من أعمار الأمم قبلكم فهو مثل ما بين الفجر إلى العصر.

    وأعظم ما يمكن أن نستفيد من هذا الحديث هو اقتراب الساعة، وانقضاء الدنيا، وأنتم تعلمون أن هذا الحديث وغيره مما سار في فلكه قد استخدمه أقوام في تحديد وقت الساعة.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (بعثت والساعة هكذا وأشار أو وجمع بين السبابة والوسطى).

    وقدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ قال: سمعته يقول: (أنتم والساعة كهاتين).

    ومن أسمائه عليه الصلاة والسلام الحاشر، قال: (أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمه) يعني: لا نبي بعدي.

    وعند أحمد من حديث خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان فقال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإن الدنيا قد آذنت بصرم) يعني: لم يبق منها إلا الشيء اليسير، فقد أعلمت وأخبرت أنها مولية، (وولت حذاء، ولم يبق منها الا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم) يعني: استغلوا هذه الدنيا بالأعمال الصالحة والطاعة، (فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً ما يدرك لها قعراً، والله لتملؤنها، أفعجبتم؟! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصارع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام).

    وقال الإمام ابن كثير في انشقاق القمر: قد وقع في زمانه عليه الصلاة والسلام، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: (خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر).

    قالوا: أما انشقاق القمر فهذا أمر متفق عليه بين العلماء أنه قد وقع في زمان النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه أحد المعجزات الباهرة، وهذا ليس محل خلاف مثل الدخان.

    ثم قال: ذكْر الأحاديث الواردة في انشقاق القمر:

    ومنها: سؤال أهل مكة النبي عليه الصلاة والسلام أن يريهم آية، قال: فانشق القمر بمكة مرتين.

    وعند البخاري: (أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما).

    ورواية جبير بن مطعم عند الإمام أحمد قال: (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فلقتين: فلقة على هذا الجبل، وفلقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، ثم قالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم).

    ولذلك جاء في رواية: (فاسألوا المسافرين، فلما قدم المسافرون سألوهم، فقالوا: رأينا الذي رأيتم).

    وجاء عن ابن مسعود : (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة) والمقصود به: النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لقب له؛ لأن جده من جهة أمه كان ملقباً بـأبي كبشة أو كنيته أبو كبشة .

    (ثم قالوا: انظروا ما يأتيكم به المسافرين، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء المسافرون فقالوا: نحن رأينا أن القمر انشق نصفين).

    وعن عبد الله قال: (انشق القمر بمكة حتى صار فلقتين فقال كفار قريش: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، ثم قالوا: فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به، فسألوا المسافرين الذين قدموا من كل وجهة -من الشمال والجنوب والشرق والغرب- فقالوا: نحن رأيناه كذلك، فسكت أهل مكة).

    لأن المماحل والمناظر والمجادل يجادل عن رأيه وهواه إلى آخر نفس يتنفسه، وكنت متوقعاً أن أهل مكة سيقولون للمسافرين: أنتم أيضاً كذابين، فما صدقوا الكفار، ولا صدقوا النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال عبد الله بن مسعود : حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر.

    وقال مجاهد: (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فلقتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر : (اشهد يا أبا بكر، فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق).

    ولذلك قال الله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:2] أي: وإن يروا دليلاً وحجة وبرهاناً لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أي: باطل مضمحل لا دوام له.

    وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [القمر:3] أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقولهم، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:3] أي: أن الخير واقع عند أهل الخير، وأن الشر واقع عند أهل الشر، فكل أمر واقع بأهله ولأهله، وهذا في يوم القيامة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.