إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب ‏الإمارة
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - وجوب طاعة الأمراء في غير معصية

شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - وجوب طاعة الأمراء في غير معصيةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية؛ لورود الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة على ذلك، كما استقر الإجماع على عدم جواز الخروج على الحاكم الفاسق الظالم، وانعقد الإجماع كذلك على وجوب خلع الكافر من الولاية إذا تبين كفره وباح به قولاً واحداً، بخلاف المبتدع المتأول.

    1.   

    باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    (باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية).

    وعموماً سواء كان الأمراء أو غيرهم فيحرم طاعتهم في معصية الله عز وجل، أما مسألة: هل طاعتهم واجبة أو غير واجبة فمتوقف على كنه الآمر، إذا كان أماً أو أباً أو رئيساً للعمل أو أميراً أو سلطاناً أو عالماً أو آحاد الناس، فلا شك أن آحاد الناس إذا أمر أو نهى ولم يكن له سلطان على المأمور فإن طاعته حينئذ غير واجبة، أما إذا كان أميراً أو عالماً أو والداً وكان أمره في طاعة الله عز وجل فطاعته حينئذ تجب على المأمور، فبوّب النووي لهذه الأحاديث بـ(باب وجوب طاعة الأمراء في طاعة الله عز وجل وتحريم طاعتهم إذا أمروا بمعصية الله عز وجل).

    فأياً كان الآمر، وأياً كانت صفته أو هيئته أو سلطانه فإن طاعته غير ملزمة للمأمور إذا كان الأمر في معصية الله عز وجل، أما إذا كان في طاعة فإما أن يكون واجباً أو مستحباً على حسب صفة الآمر.

    شرح حديث ابن عباس في وجوب طاعة الأمير

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني زهير بن حرب وهارون بن عبد الله -وهو المعروف بـهارون الحمال - وهو أيضاً أبو موسى البغدادي البزاز - كلاهما قالا: حدثنا حجاج بن محمد -وهو أبو محمد المصيصي الأعور وهو ترمذي الأصل نزل بغداد ثم استقر بالمصيصة ونُسب إليها- قال: قال ابن جريج: (نزل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية)].

    أي: بعثه أميراً على سرية فنزلت هذه الآية فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: وَأُوْلِي الأَمْرِ [النساء:59]، فالآية ليس فيها إفراد أولي الأمر بطاعة، وإنما فيها إفراد الله بالطاعة، وإفراد الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة، وعطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله ورسوله؛ وذلك لأن الله لا يأمر إلا بطاعة، ولا يأمر إلا بحق، ولا ينهى إلا عن خبيث، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وللنبي حق الأمر ابتداءً دون وروده في القرآن، وكم من تشريع استقل به النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك طاعته واجبة مع طاعة الله عز وجل، فالشرع إما ورد في القرآن، وإما ورد في القرآن والسنة، وإما ورد في السنة فحسب، فالنبي صلى الله عليه وسلم واجب الطاعة وإن لم يكن أمره الذي أمر به في الكتاب؛ لأن الله تعالى جعل لرسالته خصوصية، فالأمر أحياناً يأتي في القرآن فحسب، وأحياناً تجد أدلة الأمر في القرآن وفي السنة معاً، كما لو ذكرنا أي مسألة قلنا: ودليل هذه المسألة في الكتاب والسنة والإجماع، أو في الكتاب والسنة، أو دليل هذه المسألة في السنة فحسب، أو دليل هذه المسألة الإجماع فحسب وهكذا.

    فالسنة لها حق الاستقلال عن الكتاب، وهذا فيه رد على من يزعم التمسك بالقرآن دون السنة، ويحتج بظواهر بعض الآيات، كقوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] ولا شك أن مرد كل ما استقلت بها السنة إلى كتاب الله إلى عمومات الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يطيع النبي عليه الصلاة والسلام فهو في الحقيقة طائع لله تعالى، وحينما كان هذا الأمر مفقوداً عند أولي الأمر عطف الله تعالى طاعتهم على طاعته وطاعة رسوله، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، وإنما قال: وَأُوْلِي الأَمْرِ [النساء:59] فإذا كان أولي الأمر يأمرون بما أمر به الله فطاعتهم حينئذ واجبة، لا لكونهم ولاة أمر، ولكن لكونهم أمروا بما أمر به الله، وكذلك طاعتهم معطوفة على طاعة الرسول، ولم يكن لهم طاعة مستقلة، ولو كانت لهم طاعة مستقلة بعيداً عن الكتاب والسنة لكان الأولى أن يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر. أي: بأي أمر يأمرون، وعن أي نهي ينهون، ولكنه سبحانه وتعالى بيّن أن طاعة ولاة الأمر في هذه الآية مرهونة بالأمر بطاعة الله وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    قال: [قال ابن جريج : (نزل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي . بعثه النبي عليه الصلاة والسلام في سرية)].

    والمعلوم أن السرية: هي القطعة من الجيش يرسلها الأمير لأداء مهمة عسكرية أو حربية أو قتالية ليس فيها الأمير العام، فإن وجد الخليفة العام والأمير العام في سرية سمي جيشاً لا سرية، فالسرية: هي التي ليس فيها الأمير، والجيش: هو الذي فيه الأمير.

    قال ابن جريج : [أخبرنيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس].

    انظروا إلى هذا الإسناد العجيب!

    ابن جريج كان حقه أن يقول: أخبرني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي . بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، ولكن الإمام مسلم جزّء الإسناد على مرحلتين، توقف عند ابن جريج وقال: نزل قوله تعالى كذا وكذا في عبد الله بن حذافة السهمي . أخبرني بهذا يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فلِم فعل ذلك؟

    الجواب: هذا يسمى التنويع في الرواية، والتنويع في الرواية على ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: أن يقول المصنّف أو الراوي: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: كذا وكذا وكذا، وهذا هو المشهور والمعروف.

    النوع الثاني: أن يقول الراوي: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وكذا، أخبرني بهذا فلان عن فلان عن فلان عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإما أن يقدم الإسناد كله قبل المتن أو يقدم المتن كله ثم يسوق الإسناد.

    النوع الثالث: يقدم الإسناد على مرحلتين: نصفه أولاً ثم المتن ثم النصف الثاني في نهاية الرواية.

    فهذه ثلاثة أنواع، والنوع الأخير الذي هو تقسيم الإسناد إلى مرحلتين وبينهما المتن نادر جداً، ولذلك هذه نبذة إسنادية أفادنا بها الإمام مسلم عليه رحمة الله.

    شرح حديث أبي هريرة: (من أطاعني فقد أطاع الله...) وذكر طرقه

    [حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة].

    أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، يروي عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني، وروايته عن أبي هريرة معروفة ومشهورة.

    [عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أطاعني فقد أطاع الله)] إذاً: طاعة الرسول من طاعة الله عز وجل. ومن الناس من يقول: أنا لا آخذ من السنة شيئاً، يكفيني كتاب الله عز وجل آخذ منه ما شئت، أأتمر بأوامره وأنتهي عن نواهيه، أما السنة فقد دخلها الزيغ والتحريف؛ ولذلك طُعن في بعض رواة السنة على المعنى الدقيق، ولذلك أنا لا أعتمد مطلقاً على حديث يأتيني في كتاب من كتب السنة، وإنما عندي القرآن آخذ بآياته من أوله إلى آخره.

    وإن من يقول ذلك لاشك أنه إما جاهل ومقلّد لغيره، وإما أنه علماني جاحد ملحد يلحد في أسماء الله تعالى وكتابه؛ وذلك لأن الله تعالى قد أمر في كتابه بطاعة الرسول استقلالاً، والذي يأخذ بالقرآن ماذا يصنع بهذه الآيات الكثيرة التي تأمر بطاعة الرسول؟ وما قيمة أخذك بالقرآن دون أن تأخذ ما جاءك من جهة الرسول وأنت مأمور بطاعة الرسول، ففيم تطيعه إذاً؟ إذا كنت تزعم أنك تأخذ بالقرآن فقط فأطع الله في أمره بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف تطيع الله دون أن تأخذ بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام؟

    [عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله)] وربما يكون المعنى: (من يطعني فكأنما أطاع الله، ومن يعصني..)؛ لأن الرواية حملت في سياقها صيغة الماضي وصيغة المضارع (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله) ولم يقل: ومن عصاني، وإنما قال: (ومن يعصني) وأنتم تعلمون أن فعل المضارع يفيد الاستمرار. أي: ومن يعصني إلى يوم القيامة، فقد عصى الله تعالى: [(ومن يطع الأمير فقد أطاعني)] فأي أمير يُبعث عليك فطاعته من طاعة الرسول. قال: [(ومن يعص الأمير فقد عصاني)] إذا كانت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم هي معصية لله، وطاعة الأمير من طاعة الرسول، ومعصية الأمير من معصية الرسول فإن طاعة الأمير من طاعة الله، ومعصية الأمير من معصية الله.

    ولا شك أن المستمع لهذه النصوص يعلم يقيناً أنه لا يمكن استقامة هذا الدين في قلوب الخلق إلا إذا تعاملوا مع الخالق سبحانه وتعالى، فلو أن أميراً أمرني بأمر وركبت هواي وقلت: لن أطيعك في شيء، وعلمت بالوازع الإيماني الموجود في قلبي أن رفضي لأمر الأمير إذا أمرني بطاعة الله تعالى وخدمة الجيش والجند يوجب علي عقاب الله عز وجل لأطعت الأمير؛ وذلك لأن عصياني لأمر الأمير هو عصيان في الحقيقة لله عز وجل ولرسوله؛ فلو أن هذه المعاني لم تكن مكتملة في قلبك لفسدت الدنيا والآخرة، ولذلك المسلم دائماً والعربي خاصة يحتاج إلى وازع إيماني يتعامل به مع الله عز وجل، ثم يفيض هذا الوازع على المعاملة مع الخلق، فلو لم يكن الوازع الديني على أشده في قلب العبد المؤمن فإنه لا يمكن أن يستقيم له أمر ولا نهي؛ لأنه لا يستشعر مراقبة الله عز وجل، فالذي يفقد هذا المعنى لا بد أنه سيضيع أمره، ويتشتت شمله في دنياه وآخرته، فالذي يطيع الأمير كأنما يطيع الرسول، والذي يطيع الرسول كأنما يطيع الله تعالى.

    إذاً: الذي يطيع الأمير يطيع الله ورسوله في الحقيقة، والذي يعصي الأمير يعصي الله ورسوله في الحقيقة، فلا بد لكل إنسان أن يتعامل مع الله عز وجل.

    قال: [وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا ابن عيينة -أي سفيان - عن أبي الزناد بهذا الإسناد ولم يذكر (ومن يعص الأمير فقد عصاني).

    وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي المصري أخبرني ابن وهب عبد الله القاضي المصري أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب أخبره قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)].

    قوله: (ومن عصى أميري) وقوله: (ومن أطاع أميري) جعل بعض أهل العلم يذهبون إلى أن هذا الحديث خاص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم أمراء على السرايا، ولكن جماهير العلماء قالوا: هذا عام في كل أمير إلى يوم القيامة بدليل أنه قد جاء في معظم الروايات: (ومن يعص الأمير) (ومن يطع الأمير)، ولم يقل: أميري.

    قال: [وحدثني محمد بن حاتم حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا ابن جريج عن زياد] وهو زياد بن عبد الرحمن الخرساني نزيل مكة ثم اليمن وهو ثقة ثبت قال ابن عيينة : هو أصدق الناس في الزهري، يروي عن شيخه ابن شهاب الزهري: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله سواء.

    وحدثنا أبو كامل الجحدري -وهو فضيل بن حسين- حدثنا أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن سيده يعلى بن عطاء الطائفي - أبو عوانة كان مولى لـيعلى بن عطاء - عن أبي علقمة -وهو الفارسي المصري مولى بني هاشم ويقال: مولى الأنصار قاضي إفريقية- قال: حدثني أبو هريرة من فيه إلى في -أي: من فمه إلى فمي مشافهة. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وحدثني عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي معاذ بن معاذ العنبري ، وحدثنا محمد بن بشار المعروف بـبندار حدثنا محمد بن جعفر المعروف بـغندر قالا: حدثنا شعبة -وهو زوج أمه وغندر ربيبه- عن يعلى بن عطاء . سمع أبا علقمة . سمع أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديثهم.

    وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني حدثنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني - عن همام بن منبه عن أبي هريرة - في تلك الصحيفة المشهورة وهي المعروفة بصحيفة همام بن منبه - عن أبي هريرة - قد جمعها الإمام أحمد في الجزء الثاني من مسنده- بمثل حديثهم، ولكن بلفظ: (من أطاع الأمير) ولم يقل: من أطاع أميري.

    وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن حيوة أن أبا يونس .. كل هؤلاء مصريون، فـأبو الطاهر مصري، عبد الله بن وهب مصري ، حيوة وهو ابن شراحيل المصري التجيبي أبو زرعة المصري ثقة ثبت فقيه زاهد، كان معروفاً بإجابة الدعاء، حتى قيل: إنه كان يأخذ راتبه فلا يدخل بيته حتى يتصدق به، وكان صاحب كرامات، فكان إذا دخل فراشه وأراد أن ينام وجد ما تصدق به تحت وسادته ذهباً، فتعجب منه ابن عم له، فقال: والله لأفعلن مثلما يفعل حيوة . فأخذ راتبه فتصدق به، وذهب لينام فلم يجد شيئاً، فقال لـحيوة : عجباً لك، كيف تجد ما أنفقت ورقاً ذهباً وأنا تصدقت بمالي ذهباً فما وجدت شيئاً؟! قال: لأني أنفقته يقيناً وأنت أنفقته تجربة، فيبدلني الله تعالى خيراً منه.

    [قال أبو يونس : حدثنا أبو هريرة قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وقال: (من أطاع الأمير) ولم يقل: (أميري)، وكذلك في حديث همام السابق عن أبي هريرة].

    وجوب طاعة الأمير في غير معصية

    قال الإمام النووي: (أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمير في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع على هذا القاضي عياض وآخرون).

    إذاً: طاعة الأمير والسلطان من مسائل الإجماع، والمعلوم أن معصية الأمير أو السلطان مهلكة للدين والدنيا سواء.

    تفسير قول الله تعالى: (وأولي الأمر منكم) وبيان المراد من ذلك

    قال: (قوله نزل قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] في عبد الله بن حذافة أمير السرية).

    قال العلماء: المراد بأولي الأمر: من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء. هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم. وقيل: الأمراء والعلماء).

    أي: لو قلنا: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] هل المقصود بأولي الأمر: الأمراء والسلاطين والخلفاء؟ أم هم العلماء؟ هذا منشأ الخلاف ومنبع الخلاف.

    مذهب جماهير العلماء أن أولي الأمر: هم الأمراء والولاة. وذهب البعض الآخر إلى أن ضمن أولي الأمر: العلماء. وهذا الرأي الآخر هو أعجب الآراء وأحبها إلي؛ لأنه في حقيقة الأمر ينبغي أن يأتمر الولاة والسلاطين بأمر العلماء، والله تعالى أثنى في كتابه في غير ما موطن على أهل العلم أعظم من ثنائه على الصلحاء من أولي الأمر، وقد نُقل عن السلف كثيراً أنهم قالوا: الولاة فوق الناس، والعلماء فوق الولاة. فيكون العلماء هم أعلى وأعظم طبقة يمكن أن يؤتمر بأوامرهم وينتهى عن نواهيهم جميع الناس بما فيهم الحكام والمحكومين، فحينئذ دخول العلماء في أولي الأمر دخول أولوي. أي: أن طاعتهم أوجب من طاعة الولاة والسلاطين.

    بيان أن طاعة ولي الأمر طاعة لله ولرسوله

    قال: (أما قوله: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع وليي فقد أطاعني) وقال في المعصية مثله؛ لأن الله تعالى أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمر هو صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير؛ فتلازمت الطاعة)، فكأن الذي يطيع الأمير يطيع الله ورسوله على الحقيقة.

    شرح حديث أبي هريرة: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك...)

    قال: [وحدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد كلاهما عن يعقوب -وهو يعقوب بن عبد الرحمن القارئ - عن أبي حازم -وهو سلمة بن دينار - عن أبي صالح السمان ذكوان بن السمان المدني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك)].

    عليك السمع والطاعة في كل الأحوال، إذا كنت تكره هذا الأمر أو تحبه، إذا كنت كسولاً أو نشيطاً، في كل الأحوال طاعة أولي الأمر واجبة عليك، ما داموا موحدين ويأمرون بطاعة الله عز وجل فأمرهم واجب النفاذ، ونهيهم واجب الانتهاء، لا يحل لك الانتكاس عنه أبداً، سواء كنت تحب هذا الأمر أو تكرهه، سواء وجّه إليك في حال النشاط أو في حال الكسل.

    قال: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك).

    هذا فيه بيان أن السلاطين في وقت من الأوقات يؤثرون الدنيا لهم على حسابكم، يؤثرون الدنيا لا الدين، فيأخذونها دونكم، فإذا أخذوها دونكم فاحتسبوها عند الله عز وجل، ولا تنازعوا ولاة الأمر في دنياهم، وإنما الذي يجب عليكم طاعتهم فيما أطاعوا فيه الله ورسوله، ومعصيتهم فيما عصوا فيه الله ورسوله، أما إذا أخذوا حظوظهم كاملة مستوفاة من الدنيا فلا يحل لكم أن تنازعوهم في ذلك، وإنما النزاع دائماً في الدين، أما في الدنيا فهذه هي الأثرة، وكان هذا محل البيعة كما ورد في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت. وسيأتي معنا بإذن الله تعالى.

    وجوب طاعة ولاة الأمر فيما يشق وتكرهه النفوس

    قال النووي: (قال العلماء: معناه: تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية). أي: إذا كان يأمرنا بأمر نكرهه، ولكنه طاعة وليس معصية، فحينئذ طاعتهم واجبة. (فإن كانت لمعصية فلا سمع لهم ولا طاعة كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الباقية، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في معصية الله).

    الأمر بعدم منازعة ولاة الأمر في حظوظهم من الدنيا

    (أما الأثرة -ويقال: الأُثرة- وهي: الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم. أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء أنفسهم بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم. وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسبب اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم).

    أما إذا كان هذا سبباً في فساد في الدين فلا وألف لا، إذا أمرونا بمعصية أو نهونا عن طاعة فلا وألف لا، أما إذا أخذوا حظهم عشرة أضعاف من الدنيا فهذا أمر لا يحل لنا أن نقاتلهم عليه، ولا أن نخرج عليهم بسبب الدنيا؛ لأنه متاع زائل لا يستحق الوقوف عنده، ولا نفسد ديننا ودنيانا بسبب هذا، وفي النهاية الغلبة لهم؛ لأنهم يملكون القوة ويملكون النجدة.

    شرح حديث أبي ذر: (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف)

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن براد الأشعري وأبو كريب جميعاً قالوا: حدثنا ابن إدريس -وهو عبد الله بن إدريس الأودي أبو محمد الكوفي - عن شعبة عن أبي عمران -وهو عبد الملك بن حبيب الجوني - عن عبد الله بن الصامت الغفاري البصري يروي عن عمه أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: (إن خليلي -أي: حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم- أوصاني أن أسمع وأطيع)] أي: أسمع للأمير، وأُطيع الأمير، وليس أن تسمع بأحد أذنيك وتُخرجها من الأخرى. المقصود بالسمع هنا: سمع الإجابة وسمع الطاعة، أن نسمع ونطيع ما دام الأمر في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي طاعة الله عز وجل.

    قال: [(إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدّع الأطراف)].

    (مجدّع) بمعنى: مقطوع. فلان مجدوع الأنف. أي: مقطوع الأنف. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوصى بالسمع والطاعة للأمير وإن كان عبداً مجدّع الأطراف. يعني: مقطوعة يداه ورجلاه وأنفه. فمع كل هذا فالمطلوب مني سماع الأمر له. فالمقصود من الأمير: أنه يملك القوة ويملك البطش والبأس وغير ذلك، لكن هذا مجدّع الأطراف، ومع هذا فإنه لو أمرني بأمر وجب عليّ الطاعة، فإذا لم أسمع فالذي سيتولى العقاب هو الله عز وجل، فإذا كنت أنا أعلم أن معصيتي لهذا الأمير تعرضني لسخط الله عز وجل فلابد أن أسمع له وأطيع مع أنه عبد، مع أنه لا يحل مطلقاً اختيار العبد ابتداء للولاية والإمارة، وولاية العبد اختياراً وابتداء بالإمارة والولاية باطلة؛ وذلك لأن الحرية شرط في الأمير والوالي، لكن إذا عيّن الخليفة عبداً والياً أو سلطاناً على بلد أو على سرية، فله ذلك مع مخالفته للأولى، ولا يكون العبد والياً عاماً، -أي: خليفة في الخلافة العامة- إلا إذا وصل العبد إلى الإمارة بانقلاب عسكري، واستخدم حيلة حتى تمكّن من الولاية، وهذا ممكن والتاريخ يشهد بذلك، فكم من العبيد والبربر وغيرهم كانوا ملوكاً وولاة وأمراء، ومع هذا وجب السمع لهم والطاعة؛ لأنهم بعد تملكهم وإمارتهم يملكون القوة التي يهلكون بها الحرث والنسل، فطاعتهم واجبة حينئذ لحقن دماء المسلمين، مع أن أصل توليتهم باطل.

    قال: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر وحدثنا إسحاق أخبرنا النضر بن شميل جميعاً عن شعبة - النضر وغندر يرويان عن شعبة - عن أبي عمران بهذا الإسناد، وقالا في الحديث: (عبداً حبشياً مجدع الأطراف)].

    فإن كان عبداً حبشياً مجدّع الأطراف وصار أميراً فحينئذ يجب السمع له والطاعة، والسمع والطاعة في كل هذه الأحوال مرهون بطاعة الله، أما إذا كانت في معصية الله حتى وإن كان أميراً سيد الأحرار، أو كان أبا بكر الصديق فإنه لا سمع ولا طاعة حينئذ؛ لأن السمع والطاعة مرهونان بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام.

    شرح حديث أم الحصين الأحمسية: (لو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا)

    قال: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يحيى بن حصين -وهو الأحمسي- قال: سمعت جدتي -وهي أم الحصين مشهورة بكنيتها الأحمسية - تحدث: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: (لو استُعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)].

    (لو استُعمل عليكم) أي: لو كان عليكم عامل (يقودكم بكتاب الله) وجب عليكم أن تسمعوا وتطيعوا له مع أنه عبد، ولا يحل لأحدكم أن يقول له: أنت عبد ولا يمكن أن تكون أميراً ولا سلطاناً.

    [وحدثناه ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي عن شعبة بهذا الإسناد وقال: (عبداً حبشياً) وفي رواية: (عبداً حبشياً مجدعاً).

    وفي رواية من طريق عبد الرحمن بن بشر عن - بهز وهو ابن أسد العمي - حدثنا شعبة ولم يذكر: (حبشياً مجدعاً) ولكنه زاد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى أو بعرفات].

    أي أم الحصين الأحمسية سمعت في حجة الوداع -إما بمنى وإما بعرفات- النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لو استعمل عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا ما دام يقودكم بكتاب الله عز وجل).

    [وحدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا معقل -وهو ابن عبيد الله الجزري - عن زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول: (حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً كثيراً) يعني: تكلم وخطب فينا خطبة طويلة عظيمة من بين ما سمعته أنه قال: (إن أُمِّر عليكم عبد مجدع -حسبتها قالت: أسود- يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)].

    أي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فاسمعوا له وأطيعوا).

    شرح حديث ابن عمر: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب...)

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة)] هذا الخطاب خاص بالمسلمين؛ لأن الكافر من باب أولى لا يسمع.

    قال: [(على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)].

    أي: لا تجب عليه طاعة هذا الأمير في معصية الله، بل يحرم عليه طاعته حينئذ.

    [وحدثناه زهير بن حرب ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي كلاهما عن عبيد الله بهذا الإسناد مثله].

    ذكر أمر عبد الله بن حذافة مع سريته حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم عليها وقصة أسر الروم له

    [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار] وكلاهما على فرسي رهان، فإن محمد بن بشار -أي: بندار- وابن المثنى العنزي كلاهما كان على خط من العلم والعبادة والتقوى والسن، والعجيب أنهما ولدا في عام واحد وماتا في عام واحد.

    قال: [واللفظ لـابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن زبيد -وهو ابن الحارث اليامي أبو عبد الرحمن الكوفي- عن سعد بن عبيدة -وهو السلمي الكوفي - عن أبي عبد الرحمن وهو أبو عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب عن علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً)] قيل: هذا الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي الذي نزل فيه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] وقيل: غيره. ورجّح النووي : أنه غيره؛ ويذكر أن عبد الله بن حذافة السهمي في سريته كان رجلاً ظريفاً، والظريف من الرجال هو صاحب النكتة والفكاهة، وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه كان ظريفاً مازحاً، فحينما أمره النبي صلى الله عليه وسلم على تلك السرية قال لقومه: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا حطباً وقال لهم: أججوا فيه ناراً. فأججوا فيه ناراً، قال: ألقوا بأنفسكم فيها ألست أميركم؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وقام بعضهم فتهيأ للوقوع فيها، وأما البعض الآخر فقال: يا عبد الله ! إنا قد فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنحن لم نسلم إلا فراراً من النار، فتأتي أنت الآن وتأمرنا بالوقوع في النار! وقام أناس آخرون وتهيئوا للنزول فيها، فقال عبد الله بن حذافة : على رسلكم.. انتظروا وليحذر أحدكم أن يقع في النار، إني أُمازحكم.

    وقد وردت روايات: أنه غضب غضباً شديداً فأمرهم بذلك، فلما تهيئوا للنزول في النار سكن عنه الغضب فنهاهم عن النزول في النار، فلما رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: لقد كان من أمر عبد الله بن حذافة أن فعل كذا وكذا، قال: [(أما إنهم لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة في معصية الله).

    إذاً: فليس كل أمير يُطاع إلا إذا كان في طاعة الله عز وجل، وعبد الله بن حذافة السهمي وردت عنه هذه القصة من ثلاث طرق، وفي كل طريق منها علّة، فالبعض يثبت الرواية والبعض ينكرها، ويترجّح لدي أنها ثابتة واشتهرت في كتب السير وتراجم الأصحاب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمّره على سرية ناحية الروم، فأُسر عبد الله بن حذافة في ثلاثمائة نفر من أصحابه، فجيء بـعبد الله بن حذافة السهمي إلى أمير الروم فقال له الأمير: قبّل رأسي وأنا أفُك أسرك. قال: لا. فحاول بكل وسيلة أن يقبّل رأسه فأبى، فأمر الرومي بماء يغلي، فجيء به فوضع واحداً من أصحاب السهمي فيها حتى ذاب، وعبد الله بن حذافة السهمي ينظر إليه، ثم جيء بالثاني والثالث وهكذا والسهمي ينظر إلى جنده الذين كانوا معه، وانصرف الأمير الرومي، فحينما رأى السهمي أن أصحابه يُلقون في هذا الماء المغلي حتى يذوبوا في هذا الماء بكى، فاستبشر جند الروم بذلك، وذهبوا إلى الأمير وقالوا: أبشر أيها الأمير! لقد بكى عبد الله بن حذافة كأنه رق، فجيء به إلى هذا الأمير، فقال له الأمير: مالك؟ فقال: وددت أن لي أرواحاً بعدد شعر رأسي، فإذا وضعت في هذا القدر وذبت فيه ذلك الذوبان رد الله تعالى إلي روحي فقُتلت قتلة ثانية وثالثة ورابعة بعدد شعر رأسي، فاغتاظ الرومي جداً. قال: تقبّل رأسي وأفُك أسرك وأسر مائة من أصحابك. قال: بل تفك أسري وأسر جميع المسلمين عندك. قال: لك ذلك. فقام إليه عبد الله بن حذافة وقبّل رأسه وأخذ أصحابه وانطلق إلى المدينة إلى عمر ، وكان الخبر قد طار إلى عمر بن الخطاب ، فاستقبله عمر على باب المدينة وقال: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أولكم، فقام عمر وقبّل رأسه.

    وهذا عمل بطولي رائع جداً، قام وقبّل رأس كلب من الكلاب، ولا مشكلة حينئذ إذا كان هذا ثمن فكاك (300) رقبة مؤمنة، فإن ذلك من باب المصلحة العامة؛ ولذلك أقره عمر ولم يُعلم لـعمر مخالف في ذلك، مما دل على مشروعية ذلك ما دام في الصالح العام.

    شرح حديث: (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)

    [عن علي : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً وأمّر عليهم رجلاً فأوقد ناراً وقال: ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنا قد فررنا منها. فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة)].

    إن هذا الحديث يثبت أمراً في غاية الأهمية، يُثبت لنا عذاب القبر، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقل: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، وإنما قال: (لو دخلتموها ما خرجتم منها إلى يوم القيامة).

    فما بين وقوع هذا الحادث إلى يوم القيامة برزخ، والنبي صلى الله عليه وسلم أثبت عذاب البرزخ، وهذه الفائدة لم يذكرها الإمام النووي.

    قال: (لو دخلتموها لم تزالوا) أي: تُعذّبون في النار (إلى يوم القيامة)، وقال للآخرين قولاً حسناً؛ لأنهم عصوا الأمير حينما أمر بمعصية الله عز وجل وقال: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف).

    شرح حديث: (لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة بالمعروف)

    شرح حديث عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة...)

    قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده -أي: عن أبيه الوليد بن عبادة بن الصامت عن جده عبادة بن الصامت رضي الله عنه- قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة)] فهذا محل البيعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع على أشياء كثيرة، يبايع على النصرة، على المنع، على القتال، على الإسلام، على ترك المعاصي وغير ذلك من سائر صنوف أمور البيعة قال: [(بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)].

    انظر إلى محل البيعة! السمع والطاعة بأحوالها، (في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم). وهذه المسألة صعبة جداً، ولا يقدر عليه إلا الرجال حقيقة.

    قوله: (في المنشط): أن تكون واقفاً بجانب الأمير تنتظر أن يأمرك بأمر وتنطلق كالسهم لتنفّذ هذا الأمر.

    قوله: (والمكره): فلا تبتعد من الأمير وتتخفى خلف كل جدار وحائط وعمود، لا تريد أن يراك، فيأمرك.

    والصحابة رضي الله عنهم حينما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة باردة يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟) فأحجم الناس جميعاً ولم يقل أحد: أنا يا رسول الله! إذ كانوا متعبين من البرد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قم يا يا حذيفة)! فقام حذيفة في هذا الوقت وهو كاره، وهو ليس في حقيقة أمره كارهاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما لظروف البرد والجو، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يُذهب عنه البرد. قال حذيفة: (فكنت أمشي أتصبب عرقاً، حتى أتيت على القوم فوجدتهم قد أوقدوا ناراً يدفئون أبدانهم).

    فالطاعة واجبة في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر.

    قوله: (وعلى أثرة علينا) أي لا ننازعه دنياه، حيث يأخذ منها ما يشاء، والناظر لتاريخ الأمة الإسلامية وولاتها وأمرائها يعلم أن أي أمير أو سلطان ما تولى إلا وحصّل من الدنيا الكثير والكثير إلا القليل من الولاة، ولو أردنا أن نذكر بعضهم لقلنا: من هؤلاء جميعاً: النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الأربعة، ثم عمر بن عبد العزيز.

    وأما الكثرة الكاثرة من الولاة والأمراء فأول ما يحرصون على جمع الدنيا والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذا سيقع منهم لا محالة، فلا تنازعوهم؛ لأن منازعتكم إياهم حينئذ فساد لدينكم ودنياكم، فالمنازعة تؤدي إلى القتال، والقتال فساد للدين والدنيا.

    إذاً: إذا أمروا بالطاعة وجب علينا الامتثال، وإذا أمروا بالمعصية وجب علينا الرد وحرمت علينا الطاعة حينئذ.

    قال: (وعلى ألا ننازع الأمر أهله) بلا شك ينصرف إلى الذهن أولاً أننا لا ننازع الولاة أمورهم وشئونهم وولايتهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كان المقصود بالأمر: الولاية والسلطان والخلافة، فهذا بلا شك أولى وأولى؛ لأن هذا سياق الحديث، وإذا أخذنا بعموم اللفظ لقلنا: إنه لا يجوز لأحد أن ينازع أو أن يهجم على أمر ليس له فيه شيء، فلو أن طبيباً بنى عمارة، لقلنا بأنه نازع الأمر أهله، ولو أن مهندساً أجرى عملية جراحية فقتل المريض، لقلنا: يحاكم ويعاقب؛ لأنه نازع الأمر أهله، وليس الأمر من شأنه.

    شرح حديث عبادة بن الصامت في النهي عن منازعة أولي الأمر إلا إذا أتوا كفراً بواحاً

    قال: [حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم حدثنا عمي - عبد الله بن وهب - حدثنا عمرو بن الحارث حدثني بكير -كل هؤلاء مصريون- عن بسر بن سعيد عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدثنا -أصلحك الله- بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً) وفي رواية: (براحاً) يعني: ظاهراً لا لبس فيه ولا خفاء (عندكم من الله فيه برهان)].

    أي: أن الذي يعمله كفر ومحادة لله ورسوله، ودليلنا في ذلك ظاهر من الكتاب والسنة، وهذا هو البرهان قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله) أي: في الكتاب (فيه برهان).

    أما قوله: (إلا أن تروا كفراً بواحاً) إلى آخره معناه: كفرا ظاهراً. والمراد بالكفر هنا: المعاصي؛ لأن الكفر أحياناً يطلق على المعصية، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). إذاً: الحلف كفر لا يخرج من الملة؛ لأنه معصية، فأحياناً يُطلق الكفر ويراد به المعصية، وأحياناً تُطلق المعصية ويراد بها الكفر، وهذا باب طويل.

    ومعنى (عندكم من الله فيه برهان). أي: تعلمونه من دين الله تعالى علماً يقينياً.

    ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم، لا تهابوهم ولا تخافوا منهم؛ لأنهم في قبضة الملك سبحانه وتعالى، وأنتم وإياهم عبيد عند الله، وأخطأ من ظن أنهم يملكون لأنفسهم نفعاً أو ضراً فضلاً أن يملكوا لغيرهم شيئاً من ذلك، فالكل في قبضة الله عز وجل، إن أراد الله تعالى أن يُهلك الجميع أهلكهم، وإن أراد أن ينجيهم جميعاً أنجاهم أو أراد أن يُهلك البعض وينجّي البعض الآخر فعل، فالكل عبيد لله تعالى، وقلوب العباد جميعاً بين يدي الله تبارك وتعالى، وبين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، يجعل من يشاء كافراً ويجعل من يشاء مؤمناً، يجعل من يشاء شقياً ومن يشاء سعيداً، وغير ذلك.. كل يوم هو في شأن سبحانه وتعالى، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين.

    تحريم طاعة ولي الأمر في معصية الله وبيان حكم الخروج عليه

    هناك فرق بين أمرين: الأمر الأول: تحريم طاعتهم في معصية الله. الأمر الثاني: والخروج عليهم، فما دام هذا الأمر الموجه إلي بمعصية الله ليس أمراً يؤدي إلى الكفر البواح -أي: المخرج من الملة- وما دام الوالي موحداً فلا يجوز الخروج عليه البتة؛ لذا يا إخواني! لا بد أن نفرّق بين أمرين: أن يأمرني الوالي أو السلطان أو الحاكم بأمر فيه معصية لله فحينئذ يحرم عليّ طاعته في هذا الأمر، لكن أمره بمعصية الله لا يسوغ لي الخروج عليه وقتاله ما لم يكفر بذلك كفراً مخرجاً من الملة، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرت، وأجمع عليه أهل السنة، أنه لا ينعزل السلطان بالفسق أو مجرد الظلم، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض الشافعية أنه ينعزل فهو محكي عن المعتزلة لا عن أهل السنة، ومع ذلك فهو غلط من المعتزلة، ومخالف لإجماع العلماء.

    قال النووي: (وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه).

    فالوالي إما أن يكون كافراً كفراً مخرجاً من الملة، وإما أن يكون ظالماً أو فاسقاً ليس كافراً، أو يكون مؤمناً موحداً، فإذا أمر بمعصية الله تعالى ففي كل هذه الأحوال يحرم طاعته، وفرق بين عدم طاعته فيما أمر بمعصية الله وبين الخروج عليه، فلا يحل الخروج عليه ولا قتاله لمجرد كونه ظالماً أو فاسقاً؛ لأن الخروج عليه وقتاله يؤدي إلى مفسدة عظيمة جداً وإراقة للدماء، فلو بقي في مكانه مع فسقه وظلمه لكان ذلك أحقن لدماء المسلمين، وأقل خطراً من الخروج عليه بالقتال أو المحاربة.

    (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر). وهذا من مسائل الإجماع، لقول الله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] فلا يولى كافر قط على مسلم، ولذلك إذا أسلمت امرأة كافرة ولم يُسلم من أوليائها أحد، تولّت آحاداً من المسلمين، رجلاً من أصحاب الوجاهة كالعالم أو السلطان أو القاضي أو غير ذلك.. لا بد أن تتخذ لها ولياً في الزواج من المسلمين، أما أن تزوج نفسها أو تتخذ لها ولياً من الكافرين من أوليائها فلا وألف لا.

    قال: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل).

    إذاً: يحرم ابتداءً عقد الولاية لكافر، وإذا كان مسلماً فطرأ عليه الكفر في أثناء الولاية وجب على المسلمين عزله عن هذه الولاية.

    قال: (وكذلك لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها). يعني: لو أمر أمته بأن لا تصلي، أو أغلق في وجهها المساجد، أو جعل المساجد كنائس، أو غير ذلك من الأماكن العامة أو الخاصة فحينئذ وجب عزله.

    قال: (وكذلك عند جمهورهم -أي جمهور العلماء- صاحب البدعة). أي: الوالي صاحب البدعة.

    (وقال بعض البصريين: تنعقد لصاحب البدعة الإمامة ابتداءً، وتستدام له -أي: يستمر فيها ما دامت بدعته لا يكفر بها- لأنه متأول). أي: يظن أنه على الحق.

    (قال القاضي عياض : فلو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع -تغيير عام للشرع كله- أو بدعة خرج عن حكم الولاة، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه حينئذ). لكن هذا القيام وإسقاط الولاية يجب أول ما يجب على أهل الحل والعقد، والخطاب يوجه إلى الأمة في صورة أهل الحل والعقد.

    قال: (ووجب عليهم نصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام).

    فإن تحققوا من عجزهم وعدم نجاحهم في خلع هذا الكافر أو المبتدع بدعة مكفرة حينئذ لا يجب القيام. قال: (وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه، ولا تنعقد لفاسق ابتداء، فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب. وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل للفسق والظلم وتعطيل الحقوق، وإنما ينعزل بالكفر، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك.

    قال القاضي : وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج بن يوسف الثقفي مع ابن الأشعث وغير ذلك. وتأول هذا القائل قوله: ألا ننازع الأمر أهله في أئمة العدل). أي: بايعنا رسول الله ألا ننازع الأمر أهله العدول، أما إذا كفروا أو فسقوا فينازعوهم الأمر.

    قال: (وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق؛ بل لما غيّر من الشرع وظاهر من الكفر.

    قال القاضي : وقيل: إن هذا الخلاف كان أولاً، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم. والله أعلم.

    وأنتم تعلمون أن الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف، فكان الخلاف في الصدر الأول: هل يُخرج على الإمام الفاسق أو المبتدع أو لا يُخرج؟ فالبعض قال: يخرج. والبعض قال: لا يخرج. ولكن إجماعاً عقد بعد ذلك أنه يحرم الخروج على الإمام أو على الوالي الفاسق أو المبتدع، وبهذا الإجماع نسخ الخلاف الذي تقدم.

    معنى المبايعة والبيعة

    أما قوله: (بايعنا على السمع) المراد بالمبايعة: المعاهدة، وتكون بوضع اليد في اليد؛ لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف. وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة؛ لأن الله تعالى قال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] فكانت هذه بيعة مع الله عز وجل.

    حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    قال: (وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم).

    أي: نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نداهن فيه أحداً ولا نخافه، ولا نلتفت إلى الأئمة، فلابد من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أجمع العلماء على أنه فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو على غيره سقط الإنكار بيده ولسانه، وبقي الإنكار بقلبه؛ لأن هذا في مقدور كل إنسان.

    ووجبت كراهته بقلبه. وهذا مذهب الجماهير، وحكى القاضي هنا أن بعضهم ذهب إلى الإنكار مطلقاً في هذه الحالة وغيرها، وقد سبق في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب الإيمان، وبسطته بسطاً شافياً هناك.

    أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    حكم زجر الخطيب وإنزاله من المنبر لعلة فيه

    السؤال: إذا كان الخطيب لديه أخطاء، ولكنها غير عقائدية، هل عليّ زجره أو إنزاله من على المنبر؟

    الجواب: لا. ليس لك ذلك، ولا يجوز لك أن تفعل هذا، وهذا في كل خطيب يصدر منه أي خطأ.

    حكم قول المرأة لزوجها: (أنت محرم علي)

    السؤال: امرأة قالت لزوجها: أنت مُحرّم عليّ، فهل لها كفارة؟

    الجواب: قول هذه المرأة لا عبرة له في الشرع، فهو قول صدر من غير مختص، فلو قالت المرأة لزوجها: أنت طالق ثلاثاً لا يقع الطلاق، فكذلك لو حرّمته على نفسها لا يحرم.

    حكم من وطئ سجادة كانت متنجسة بالبول ثم جفت

    السؤال: إذا وطئت سجادة كانت متنجسّة بالبول ثم جفّت، فهل يجب غسل قدمي؟

    الجواب: إذا كان يقصد بالجفاف جفاف القدم فيجب غسل القدم وإن جفّت، أما إذا كان يقصد السجادة فوطئها وهي متنجسّة بعد الجفاف فلا يجب غسل القدم.

    بيان ما يطهر به البلاط إذا أصابه بول

    السؤال: هل يلزم من غسل البلاط النجس بالبول الدلك بالمساحة؟

    الجواب: لا، وإنما يكفي سكب الماء عليه.

    حكم التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هل يجوز التبرك بأي أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم كقطعة خشب من السور المحيط بقبره مثلاً؟

    الجواب: لا يجوز مطلقاً، هذا شرك بالله عز وجل، إنما التبرك المشروع بآثار النبي صلى الله عليه وسلم بما هو خاص به من حاجاته، كشيء من ثوبه أو شيء من شعره أو غير ذلك، وقد ثبتت النصوص بذلك.

    نبذة عن علم الدكتور إسماعيل منصور وتنكبه عن منهج السلف

    السؤال: كلما مر الزمان انتشرت الفتن وتعاظم أمرها، وقد حدث شيء عجيب لي بالأمس، إذ وقع في يدي كتابان لم أشترهما، وهما: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب)، وكتاب (شفاء الصدر بنفي عذاب القبر)؟

    الجواب: هذان للدكتور إسماعيل منصور ، كان هذا الدكتور إسماعيل منصور من ألزم الناس لطلب العلم على منهج السلف، وهو من المنصورة، ويدرس تقريباً مذهب الإمام الشافعي ، وكان قمة في الدعوة إلى مذهب السلف سنة (1978م و1979م و1980م و1981م) أربع سنوات، وما كنا نقنع أبداً بالسماع من أحد مطلقاً إلا منه هو. ومن عظيم فتنته: أنه كان يحفظ الكتب الستة بالإسناد، وكان إذا خطب خطبة استمر فيها إلى قرابة العصر، يخطب ويذكر أحاديث قد تصل إلى (100) حديث يسوقها بإسناد كل مصنّف، وكنا نراجع الخطبة وراءه فلا نجده يخرم حرفاً واحداً وهذه فتنة عظيمة جداً.

    وحينما سافرنا ورجعنا في (1986م) وجدنا الإخوة كلهم انفضوا عن إسماعيل منصور، فقلنا: ما الذي جرى؟ هذا شيخنا. قالوا: لا. قلنا: لماذا؟ قالوا: لأنه الآن له آراء سيئة جداً. وكانت زوجته من قبل منتقبة وتلبس السواد، فهو كما قلت كان شيخ السلفيين، فأتيت إليه مرة من المرات وقلت له: يا شيخنا! أنت اليوم عندك خطبة في المنصورة؟ وكان قد طُرد من الجمعية الشرعية في المنصورة. فقال لي: نعم. عندي خطبة في المنصورة. قلت له: هل من الممكن أن أصطحبك فأنا تلميذك. قال: لم لم أرك من زمن؟ قلت له: كنت في الأردن. فظن أنه لا علم لي بأخباره السيئة. فقال: تفضّل. فركبت معه السيارة، فوجدت امرأة قد تحللت من كل شيء وهي تتكلم، فسمعت منه عن الإمام الشافعي ما يحملني على النزول، فتحملت أن أسمع البلاء كله حتى وصلت إلى المنصورة، فعندما نزلت هناك قال لي: أين تصلي؟ قلت: أصلي في الجمعية الشرعية. قال: عند المبتدعة؟ قلت له: الجمعية الشرعية مبتدعة! وأنت إلى أين تذهب؟ قال لي: ألا تصلي معي؟ قلت له: لا والله، لا أجوّز لنفسي أن أصلي خلفك؛ لأنك أنكرت كل شيء ثابت في الدين. فقال: النقاب حرام. قلت له: كيف ذلك؟! نحن نعرف أن الخلاف فيه بين الوجوب والاستحباب، ومن أتى بقول غير هذين القولين يكون مبتدعاً، فلما قلت هذا الكلام أعطتني امرأته (الدش المحترم). قالت لي: لقد أتيت مشحوناً. فقلت: أنا غير مشحون ولا أعرف أي شيء. قال لي: أنا سأخبرك إذاً بأشياء، هل أنت تعتقد عذاب القبر؟ قلت له: تعلمت هذا منك والله، فأشرطتك في عذاب القبر من مصروفي الخاص فقد كنت أسمع الشريط هذا بالذات؛ لأنه كان مؤثراً جداً، فقد كان الواحد عندما يسمعه كأنه في القبر. قال لي: لا. رجعت عنه وتبيّن لي أنه كذب. قلت له: لم يتبيّن بعد للأمة أنك كذاب، وأنت تعرف أن الذي قال هذه المقولة هم المعتزلة والجهمية، فكيف تقول بهذا الكلام؟ فإما أن تكون جاهلاً وتعلمت، وأما أن تكون عالماً وجهلت. تصور! أنه أوقف السيارة في الطريق أربع أو خمس مرات حتى ينزّلني. قلت له: لا. اصبر عليّ حتى نصل، إذ لم يكن لدي نقود، ولو نزلت في الطريق سأمشي إلى المنصورة على الأقدام. وهكذا زعزع الثوابت كلها.

    فكل كتبه إنكار كذا، وإنكار كذا، وإنكار كذا، وإنه ليغلب على ظني أن مردّه إلى الإخلاص، فلو كان هذا الرجل مخلصاً في دعوته الأولى لعصمه الله عز وجل، والله أعلم، فلما خلا منه ذلك فُتن في دينه، فما من شيء يُفتح للنقاش مع الدكتور إسماعيل منصور إلا وينظر ما تعتقده حتى يخالفه، وكان من قبل يقول: لا يوجد أحد يناقشني إلا الشيخ ابن باز والشيخ الألباني ، مع أنهما في حياتهما لم يناقشاه. فقال له بعض الإخوة: لماذا هؤلاء بالذات؟ قال: لأنهما العالمان المعترف بهم، أما غيرهما فكلهم دوني في العلم. تصور أن شخصاً يرفع نفسه فوق الناس جميعاً!

    فمن نادى على نفسه بذلك فقد نادى على نفسه بالجهل، ولا يزال الرجل متعلماً عالماً حتى يقول: قد علمت، فإذا قال ذلك فهو أجهل الناس كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    فعلى أية حال نحن نحذّر من هذا الرجل، ومن نافلة القول أن أقول: إنه أستاذ سموم في كلية الطب جامعة القاهرة، والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.