إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب الجهاد والسير
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - الأنفال واستحقاق القاتل سلب القتيل

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - الأنفال واستحقاق القاتل سلب القتيلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أحل الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده الغنائم والأنفال، وجعل حظ المقاتلة من هذه الغنائم الحظ الأوفر؛ لما يقدمونه في سبيل الله من دماء وفداء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته ينفل المقاتلة زيادة على حقهم في الغنيمة، وجعل لمن قتل قتيلاً سلبه كاملاً.

    1.   

    باب الأنفال

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: مع الباب الثاني عشر من كتاب الجهاد، وهو: (باب الأنفال).

    تعريف الأنفال

    والأنفال: محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من قال: الأنفال هي الغنائم عموماً ومطلقاً. أي: أن الأنفال: هي الغنائم التي يكسبها المسلمون من الكفار في حروبهم وجهادهم. أو هي الفيء الذي يأخذه المسلمون سلماً من أعدائهم بغير حرب. وقيل: الأنفال هي: الغنائم بعد تقسيمها.

    وتقسيم الغنائم يكون أربعة أخماس، وخمس للرسول عليه الصلاة والسلام، فقالوا: الأنفال هي هذا الخمس الذي يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم يفيء به على من يشاء من العباد، ومن الجند خاصة. وقيل غير ذلك فيما يتعلق بالأنفال.

    الأحاديث الواردة في باب الأنفال

    [وحدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا أبو عوانة -وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري - عن سماك بن حرب عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص -رحمه الله تعالى ورضي عن أبيه- عن أبيه قال: (أخذ أبي من الخمس سيفاً)]؛ أي: أخذ من حظ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس. ولم يقل: أخذ من الغنائم، ومصعب بن سعد يتكلم عن أبيه ويقول: [(أخذ أبي من الخمس سيفاً، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هب لي هذا)]؛ أي: اجعل هذا السيف هبة لي.

    وهذا يدل على أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يعلم أن هذا السيف إنما خرج في خمسه عليه الصلاة والسلام، وهو خاص به عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك طلب منه أن يجعله له هبة.

    قال: [(فأبى)] أي: رفض أن يُعطي سعداً هذا السيف هبة، كيف لا وهو مالك لذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام حكم فيما يملك. أي: في الخمس الخاص به [(فأنزل الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1])].

    [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشارابن بشار . اسمه محمد ، كلاهما بصري في سن واحدة كانا كفرسي رهان في العلم والعبادة، حتى إنهما ماتا في سنة واحدة- واللفظ لـابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـغندر أي: مشاغب- حدثنا شعبة بن الحجاج العتكي] إمام البصرة، إمام الجرح والتعديل، وسيد العلل في زمانه، ومحمد بن جعفر ربيبه، تزوج شعبة بأم محمد بن جعفر حينما مات أبوه.

    [عن سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: (نزلت فيّ أربع آيات)] سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يبيّن أن الله تعالى أنزل فيه أربع آيات.

    قال: [(أصبت سيفاً فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم)] أي: أنه أخذ سيفاً من الخمس، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم [(فقال: يا رسول الله! نفلنيه)] أي: أعطنيه نافلة -أي: بغير حق- ليس هذا حظ سعد في الغنيمة، وإنما هذا فوق حظه في الغنيمة؛ ولذلك طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعله له نافلة [(فقال: نفّلنيه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ضعه -أي: اترك السيف- ثم قام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ضعه من حيث أخذته. ثم قام فقال: نفلينه يا رسول الله! فقال: ضعه، فقام فقال: يا رسول الله! نفلينه! أأُجعل كمن لا غناء له؟)] والغناء بمعنى: الكفاية. أي: أتجعلني يا رسول الله كغيري؟ فـ سعد رضي الله عنه يرى أن له ميزة على غيره، فقد كان فارساً مجاهداً شجاعاًقوياً مقداماً، وغيره ربما لا يكون كذلك، فضلاً عن قرابة سعد من النبي عليه الصلاة والسلام، فـسعد خال للنبي عليه الصلاة والسلام، وأنتم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد قال: (ارم سعد فداك أبي وأمي) ولما سُر النبي عليه الصلاة والسلام بشجاعة سعد قال: (هذا سعد خالي فليرني أحدكم خاله) يفاخر عليه الصلاة والسلام بـخاله سعد بن أبي وقاص .

    قال: [(فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ضعه من حيث أخذته. قال: فنزلت هذه الآية: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1])].

    هناك أربع آيات نزلت في سعد بن أبي وقاص : هذه الآية، وآية في بر الوالدين، وآية في تحريم الخمر، وقول الله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52].

    والحديث عند مسلم بزيادة -أي: بإثبات هذه الثلاث- في مناقب سعد بن أبي وقاص.

    [حدثنا يحيى بن يحيى -أي التميمي - قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأنا فيهم قِبَل نجد -ونجد الآن تمثّل منطقة الرياض وما حولها- فغنموا إبلاً كثيرة)] أي: كان من آثار هذه السرية ودخولهم مع المشركين أن غنموا بعد نصرهم على عدوهم إبلاً كثيرة. قال: [(فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً، ونُفّلوا بعيراً بعيراً)].

    أي: أنه كان سهم كل واحد من السرية اثني عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً، أما الأنفال فواحد لكل فارس.

    إذاً: السهم من أصل الغنيمة: لكل واحد اثنا عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً. أما الأنفال فكانت واحداً لكل مجاهد. قال: (فكانت سهمانهم -أي: سهم كل واحد من السرية- اثني عشر بعيراً).

    [وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث -وهو ابن سعد المصري - (ح) وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن نافع عن ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قِبَل نجد وفيهم ابن عمر ، وأن سهمانهم بلغت اثني عشر بعيراً، ونُفّلوا سوى ذلك بعيراً بعيراً، فلم يغيّره رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    وهذا يعني: أن هذا الأمير الذي كان على تلك السرية قسّم الغنائم خمسة أقسام، فجعل أربعة منها أصل الغنيمة، والباقي هو نافلة النبي عليه الصلاة والسلام وحظه، ولكن هذا الأمير قسّم الأربعة أخماس على المجاهدين فكان حظ كل واحد اثني عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً، وكان قد استأذنه قبل الخروج إلى هذه الغزوة في تقسيم الخمس، فأذِن له النبي عليه الصلاة والسلام، بدليل أن هذا الأمير حينما رجع بسريته وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أصل الغنيمة كان اثني عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً لكل مجاهد ونفّلهم بعيراً بعيراً من الخمس، أقر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يغيّره.

    [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر وعبد الرحيم بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد فخرجت فيها -أي: خرج معهم عبد الله بن عمر- فأصبنا إبلاً وغنماً، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيراً، -أي لكل واحد- ونفّلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيراً بعيراً)].

    قول: (نفّلنا رسول الله) ربما كان ذلك بالإقرار. أي: أقر النبي عليه الصلاة والسلام هذا النفل للأمير الذي قسّم الغنائم على هذا النحو. وفي هذا: استحباب بعث السرايا، وما غنمت السرية تشترك فيه هي والجيش إن انفردت عن الجيش في بعض الطريق، وأما إذا خرجت من البلد وأقام الجيش في البلد فتختص هي بالغنيمة ولا يشاركها الجيش.

    لإنني حينما أعلم أنني إذا قاتلت أخذت من أصل الغنيمة ومن النفل، لا بد أنني سأبذل قصارى جهدي وغاية وسعي لنصرة دين الله عز وجل، وأنا في كل الأحوال إما منتصر ومقتول في الجهاد شهيداً، ومعلوم ما للشهيد من منزلة عند الله عز وجل، وإما أنني راجع بغنيمة وأجر، والغنيمة منها ما كان في أصل الغنائم، ومنها ما ينفلني الإمام.

    والجمهور: على أن التنفيل يكون في كل غنيمة سواء الأولى أو غيرها، وسواء غنيمة الذهب أو الفضة أو غير ذلك، خلافاً للأوزاعي وجماعة من أهل الشام. قالوا: لا يُنفل في أول غنيمة ولا يُنفل الذهب ولا الفضة. وهذا كلام يخالف النصوص.

    [وحدثنا سريج بن يونس وعمرو الناقد -واللفظ لـسريج - قالا: حدثنا عبد الله بن رجاء عن يونس ، هو يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن سالم -وهو ابن عبد الله بن عمر - عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (نفّلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفَلاً أو نفْلاً سوى نصيبنا من الخمس)] أي: نفّلنا رسول الله من الخمس سوى نصيبنا من أصل الغنيمة. هذا هو التقدير: [(نفّلنا النبي عليه الصلاة والسلام)] أي: أعطانا نافلة من الخمس سوى ما أخذنا من الأربعة أخماس. قال: [(فأصابني شارف)] والشارف هو: البعير الكبير المسن، هذا كان حظ عبد الله بن عمر غير أصل المغنم من خمس النبي صلى الله عليه وسلم.

    [وحدثنا هناد بن السري حدثنا ابن المبارك عبدالله ، وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب -وهو عبد الله- كلاهما عن يونس عن ابن شهاب قال: بلغني أن ابن عمر قال: (نفّل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية)] يعني: أعطى جنود السرية كلهم نافلة من الخمس. وفي هذا تصريح بوجوب الخمس في كل الغنائم. وفي هذا رد على من جهل فزعم أنه لا يجب، فاغتر به بعض الناس، وهذا مخالف للإجماع.

    [حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي -والجد هو الليث بن سعد - قال: حدثني عقيل بن خالد بن عقيل الأموي عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يُنفِّل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة -أي: أنه كان يخص أناساً دون غيرهم- سوى قسم عامة الجيش)] أي عندما يغنم الجيش غنائم يُقسّمها خمسة أخماس، أربعة أخماس يجعلها في الجيش، والخمس هذا حظ النبي عليه الصلاة والسلام، فكان ينفّل منها بعض الجيش خاصة دون بعض. قال: [(والخمس في ذلك كله واجب)].

    1.   

    باب استحقاق القاتل سلب القتيل

    الباب الثالث عشر: (باب استحقاق القاتل سلب القتيل).

    (باب استحقاق القاتل) أي: في الجهاد (سلب القتيل) أي: من الكفار.

    هذا في الجهاد في سبيل الله عز وجل بين المؤمنين والكافرين، أن المؤمن إذا قتل الكافر فما تركه الكافر هو سلب للمؤمن، كالفرس والذهب والفضة وغير ذلك.

    شرح حديث أبي قتادة: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)

    [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا هشيم بن بشير عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد الأنصاري] وهو نافع بن عباس الأ قرع المدني مولى عقيلة الغفارية قيل: هو مولى أبي قتادة ، لكنه في الحقيقة ليس مولى له، وإنما قيل له: مولى؛ لأنه أصلاً مولى، لكن ليس لـأبي قتادة وإنما لـعقيلة الغفارية ، لكن الغالب في الرواية يقولون: حدثنا أبو محمد الأنصاري مولى أبي قتادة . قيل له: مولى أبي قتادة ؛ وذلك لكثرة ملازمته لـأبي قتادة ، لكنه مولى لـعقيلة الغفارية .

    قال: [عن أبي محمد الأنصاري وكان جليساً لـأبي قتادة قال: قال أبو قتادة . واقتص الحديث].

    [وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال. وساق الحديث].

    وفي هذين السندين نكتتان:

    النكتة الأولى: اجتماع ثلاثة من التابعين يحيى بن سعيد الأنصاري وعمر بن كثير وأبو محمد ، يروي بعضهم عن بعض.

    النكتة الثانية: ليس من عادة مسلم رحمه الله أن يذكر: وساق الحديث، واقتص الحديث، وذكر الحديث، إلا لحديث قد سبق، أما حديث سيأتي فليس من عادته، وهذا ما يسميه العلماء بالتلوين.

    أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وكذا. حدثني بهذا فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكره.

    وهذا على غير العادة، فالمألوف أن الإسناد هو الأول ويعقبه المتن، أما المتن ويعقبه الإسناد فهذا نادر جداً على غير العادة، لكنه صحيح.

    فالإمام مسلم رحمه الله ذكر الإسناد، ثم ذكر إسناداً آخر لنفس الحديث الذي سيأتي بعد الإسناد الثالث، فقوله: وساق الحديث أي: وساق الحديث الذي سيأتي بعد، ولذلك اغتر بعض أهل العلم فتصوروا أن قوله: وساق الحديث -أي: المتقدم- وليس كذلك، وإنما ساق الحديث الذي سيأتي معنا.

    قال: [حدثنا أبو الطاهر وحرملة -واللفظ له- أخبرنا عبد الله بن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يقول: حدثني يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين -أي: في غزوة حنين- فلما التقينا كانت للمسلمين جولة)] أي: انهزام وضعف، ولم يقل: كان للنبي صلى الله عليه وسلم جولة؛ لأن إجماع أهل العلم منعقد على حُرمة قول: انهزم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُهزم، ولا تُكتب له الهزيمة، إنما تقع الهزيمة في بعض جيشه، لا على يده عليه الصلاة والسلام، فكان لبعض المسلمين في نواحي الجيش جولة وضعف وانهزام، وليس ذلك في جانب النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يُنسب لنبي قط خسيسة حتى وإن كانت اجتماعية، فإنه حرام وصف الأنبياء بالعمل الخسيس.

    فنحن نقرأ أن في كتب السنة أن من الأنبياء من كان نجاراً كزكريا عليه السلام، ومنهم من كان حداداً كداود عليه السلام، ومنهم من كان يرعى الغنم، بل جُل الأنبياء رعوا الغنم، لكن راعي الغنم في زماننا هذا مهنة غير محترمة، والحدادة كذلك، والنجارة كذلك، فقد تعارف الناس على أن أصحاب هذه المهن لا وزن لهم ولا شأن، مع احترامنا الشديد لكل مسلم موحّد، فالنبي عليه الصلاة والسلام رعى الغنم، فيحرم على المسلم في هذا الزمان أن يقول: النبي صلى الله عليه وسلم كان راعياً للغنم -على سبيل الامتهان- فإنه لا يُنسب لنبي قط خسة وإن كانت في أصلها شرفاً، فما دام العرف قد تعارف على أن هذا العمل خسيس، فلا يُنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يُذكر أنه كان كذلك إلا من باب سرد سيرته عليه الصلاة والسلام، أنه كان يفعل ذلك؛ ولذلك كتب السيوطي والسخاوي وغير واحد من أهل العلم يدافعون عن جناب النبوة صلى الله عليه وسلم.

    قال: [(فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين)] أي: قد أوقعه وتمكّن منه، أو جلس فوق صدره ليقتله. قال: [(فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه -أي: بين رقبته والكتف- وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت)] أي: أنه كان لا يزال على قيد الحياة، وكان صاحب قوة وفتوة فقام من على هذا المسلم لينظر من ضربه، فإذا به أبو قتادة ؛ فعاد الرجل المشرك خلف أبي قتادة حتى ضمّه ضمة شعر منها أبو قتادة أن روحه كادت تخرج.

    قال: [(ثم أدركه الموت -أي: خرجت روحه من أثر الضربة- فأرسلني)] أي: تركني.

    قال: [(فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله)] أمر الله بمعنى: قدر الله. أي: قدّر الله تعالى لهذا الركن من الجيش أن يُهزم [(ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سبله)] يعني الذي يدّعي أنه قتل قتيلاً يأتيه ببينة، فإذا فعل فله سلبه.

    اختلف العلماء هل البيّنة شرط في أخذ السلب؟

    منهم من قال: شرط. ومنهم من قال: ليس بشرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بغير بيّنة، فتبيّن أن البينة إنما هي على سبيل الاستحباب وليس الوجوب.

    قال: [(فقمت فقلت: من يشهد لي؟)] وهذا يدل على أن الشهادة بيّنة والإقرار بيّنة، قوله: (يشهد لي) أي: من الجيش. قال: [(ثم جلست، ثم قال مثل ذلك -أي: النبي عليه الصلاة والسلام- فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الثالثة، فقمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا قتادة ؟! فقصصت عليه القصة. فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه من حقه)] يعني: خذه وأعطه لـأبي قتادة ، فإنه حقه.

    قال: [(وقال أبو بكر الصديق : لاها الله إذاً)] وهذا أصح الأقوال، وهذا في مقام القسم، كأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: لا والله، لا يأخذ أحدكم سلب أخيه حتى يقيم البيّنة؛ لأن الواحد لو تُرك يأخذ أموال الناس بغير بيّنة، لادّعى أناس دماء أقوام وأموالهم، فلابد من البيّنة.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [(صدق. فأعطه إياه)] أي: ربما يكون قد نزل عليه الوحي عليه الصلاة والسلام أن قاتل المشرك هو أبو قتادة ؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (صدق)، وربما يكون قوله: (صدق) للرد على أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لا يُعطى أحد إلا ببينة.

    قال أبو قتادة : [(فأعطاني)] أي: رسول الله عليه الصلاة والسلام أعطاني هذا السلب. قال: [(فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً في بني سلمة)] أي: كان ثمن هذا الدرع يساوي بستاناً من بساتين بني سلمة. أي: أنه باع الدرع واشترى بالثمن بستاناً. قال: [(فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام)].

    فالجهاد باب من أبواب الغنى، والعالم ينظر إليه الآن على أنه خسارة وتدمير للأرواح وإراقة للدماء، وهذه نظرة مشئومة، فالجهاد كله خير، وإن لم يكن فيه إلا عز الإسلام والمسلمين لكفى، لكنهم ينظرون إليه بنظرة إنسان لا علاقة له بالله عز وجل أصلاً.

    وفي حديث الليث : قال أبو بكر : (كلا لا نعطيه أضيبع من قريش ويدع أسداً من أسد الله) أبو بكر كان شديداً فيقول: يأتي الواحد منكم في القتال كضبع قاعد بجوار الأسد لا يساوي شيئاً، وعند توزيع الغنائم يجعل نفسه أسداً، والأسد نفسه يمارس القتل وإعمال السيف في إرغام المشركين، وعند الغنائم يتعفف عن ذلك، فتتجرأ عليها الضباع.

    شرح حديث قتل معاذ ومعوذ ابني عفراء لأبي جهل وأخذ معاذ بن عمرو بن الجموح سلبه

    قال: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده -أي عبد الرحمن بن عوف - أنه قال: (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار)] قيل هما: معاذ ومعوذ ابنا عفراء .

    قال: [(فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما -يعني صغار في السن- تمنيت لو كنت بين أضلع منهما)].

    عبد الرحمن بن عوف نظر إلى نفسه واقفاً في الصف، فوجد على يمينه طفلاً صغيراً وعلى يساره طفلاً صغيراً، قال: يا ليتني كنت واقفاً بين اثنين كبيرين فارسين.

    قال: [(فغمزني أحدهما فقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل ؟ قال: فقلت: نعم. وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟! قال: أخبُرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا)] أي: حتى يموت الذي قدّر الله له الموت قبل صاحبه.

    قال: [(فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس)] لم أنشب. أي: لم ألبث، بمجرد ما انتهيت من الحديث مع الولدين، فإذا بـأبي جهل يصول ويجول ويتحرك ويذهب ويجيء في وسط الناس.

    قال: [(فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه)] أي: هذا هو أبو جهل ، فأروني ماذا أنتم فاعلون فيه.

    قال: [(فابتدراه -أي- فأعجلاه- فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال:أيكما قتله؟)].

    والمغزى من معرفة القاتل: إعطاؤه السلب.

    قال: [(فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلت)] كل منهما يقول: أنا الذي قتلت يا رسول الله!

    فقال: [(هل مسحتما سيفيكما من الدم؟ قالا: لا. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لـمعاذ بن عمرو بن الجموح)].

    معاذ بن عمرو بن الجموح هو الذي يأخذ السلب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذين: كلاكما قتله، ولاشك أن هذا أمر مشكل؛ ولذلك اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث.

    فقال الشافعية: اشترك هذان الرجلان في جراحته فقط، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح أثخنه أولاً فاستحق السلب.

    أثخنه أي: قتله. فقتل بسبب ضرب معاذ بن عمرو بن الجموح ، أما معاذ ومعوذ ابنا العفراء فكل واحد منهما أصاب بدنه بسيفه، لكن هذه الإصابة لم تكن سبباً في القتل، إنما الذي قتل على الحقيقة هو معاذ بن عمرو بن الجموح .

    وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كلاكما قتله) تطييباً لقلبيهما بحيث إن كل واحد منهما له مشاركة في قتله، والقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب وهو الإثخان، وإخراجه عن كونه ممتنعاً إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح ؛ فلهذا قضى له بالسلب.

    قال: (وإنما أخذ السيفين ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما، فعلم أن ابن الجموح أثخنه، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب، فلم يكن له حق في السلب. هذا مذهب الشافعية.

    وقال الإمام مالك : إنما أعطاه لأحدهما لأن الإمام مخير في السلب يعطيه من يشاء). وقد سبق الرد على هذا المذهب.

    فهذه الرواية أثبتت أن المشارك معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن العفراء .

    ورواية أخرى تقول: انطلق معاذ ومعوذ ابنا عفراء ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالسلب لـابن الجموح. على خلاف.

    شرح حديث عوف بن مالك الأشجعي في استحقاق القاتل سلب من قتل ولو كان كثيراً

    [وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: (قتل رجل من حمير رجلاً من العدو، فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان والياً عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـخالد : ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله! قال: ادفعه إليه)] وانظروا إلى هذا العدل، فهذه التصرفات كانت أيضاً موجودة في الصحابة.

    قال: (ادفعه إليه) أي: أنه أمر خالد أن يدفع السلب مع كثرته للقاتل.

    قال: [(فمر خالد بـعوف فجر بردائه)] أي: مع رجوع خالد بن الوليد من المحاكمة النبوية وصدور القرار فيها مر خالد بـعوف ، فقام عوف بجر ردائه، وقال له: ألم أقل لك بأن تعطه لي. أي: أنك لا تفعل حتى أشتكي بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم ماذا؟

    قال: [(فمر خالد بـعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟)] كأنه قال له قبل هذا هل تعطيني السلب؟ قال: لا أعطيه. قال: إذا لم تعطه فسأذهب وآخذه عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فحينما رفع عوف الأمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام قضى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك له، فشد عوف رداء خالد وقال له: [(هل أنجزت لك ما قلت لك من رسول الله؟ فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام عوف بن مالك يعاتب خالداً غضب لـخالد قال له: لا تعطه يا خالد ! لا تعطه يا خالد !)] أي: بعد أن قال له: أعطه. قال له: لا تعطه. وليس هذا تراجعاً من النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو تأديب للجيش ولأمته وتعليمهم طاعة الوالي، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيّن للجيش وللمسلمين أن الأمير له كلمته، وله اجتهاده، وأن اجتهاده معمول به في الناس لا يُراجع فيه، إنما يُستشار فقط في مشروعيته وفي أحقيته، وإذا أخطأ الأمير فقد اجتهد وله أجره، ولا يُلام على ذلك.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [(لا تعطه يا خالد ! لا تعطه يا خالد ! هل أنتم تاركون لي أمرائي؟)] ألا تريدون أن تتركوا الأمراء في أن يتصرفوا كما يريدون أم لا؟ فمن حق الأمير أن يجتهد، ومن حق الأمير أن يفعل ما يشاء إلا في معصية الله تعالى!

    قال: (إنما مثلكم ومثلهم -أي: مثلكم يا عامة الناس! ومثل الأمراء- كمثل رجل استُرعي إبلاً أو غنماً فرعاها، ثم تحين سقيها -أي: ذهب ليسقيها- فأوردها حوضاً فشرعت فيه -أي: فبدأت تشرب من الماء- فشربت صفوه وتركت كدره -أي: وتركت الماء المعكّر الذي خالطه التراب- فصفوه لكم وكدره عليهم)] صفوه لكم يا معشر الناس، وكدره على الأمراء. أي أن أمير الجيش بعد أن تضع الحرب أوزارها، ويكتب الله النصر لجيش المسلمين يقوم بجمع الغنائم الهائلة كلها ويقسمها خمسة أخماس وهذا العمل ليس هيناً، ثم ينظر الأمير في الجند من مات ومن بقي منهم، فيوزّع على الفارس سهمه، وعلى الفرس سهمه، وأنتم تعلمون أن الفارس له سهمان، والفرس له سهم.

    ثم الخمس الخامس -وهو الأنفال- يجتهد فيه الإمام فينفل من شاء ويمنع من شاء، وهذا مجهود عظيم جداً، فأنت باعتبارك جندياً وفرداً في الجيش ما الذي تعمله بعد أن يُكتب لك النصر؟ تذهب للنوم في خيمتك إلى أن يأتوا ويعطوك سهمك من الغنيمة، وسهمك من الأنفال، وهذا السهم لم يصل إليك إلا بعد عناء ومشقة، والذي عانى هو الأمير.

    إذاً: الأمير هو الذي يتولى ويكون له الكدر والتعب والمشقة وأنت لك الصفو. أي: أنك لك خيرها، وإذا كان فيها شر فهو على الأمير، فهو الذي يتكبّد المشاق والمتاعب.

    وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (فصفوه لكم وكدره عليهم) أي: على الأمراء.

    وقال عليه الصلاة والسلام في حديث عوف أيضاً: [(خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة -ومؤتة قرية بالشام- ورافقني مددي من اليمن)] مددي أي: بعض مدد الجيش.

    قال: [وساق الحديث غير أنه قال عوف : فقلت: يا خالد ! أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته].

    شرح حديث سلمة بن الأكوع في أن سلب الجاسوس لمن قتله

    قال: [وعن إياس بن سلمة -وهو ابن سلمة بن الأكوع - قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن، فبينما نحن نتضحى -أي: نتغدى وقت الضحى- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقاً من حقبه)] والطلق: العقال من جلد، والحقب هو: الوعاء من جلد يُجعل في مؤخرة حقو البعير، أي: كأن هذا الرجل انتزع عقالاً من جلد من حقيبة كانت في مؤخرة البعير. قال: [(فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر)] أي: نحن جيش ضعيف، من الهزال والضعف والفقر وقلة الطعام وغير ذلك، والظهر هو المركوب من الفرس والإبل. أي: جيش فقير وهزيل.

    قال: [(وبعضنا مشاة)] أي: بعضنا يمشي على قدمه ليس له ظهر يركبه. قال: [(إذ خرج يشتد)] أي: هذا الرجل الذي أتى على جمل أحمر فرح بما نزل بجيش المسلمين من ضعف وهزال وفقر وقلة طعام وقلة ظهر، فخرج يعدو ويشتد ويُسرع المشي. قال: [(فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره -أي: غمزه حتى قام- فاشتد به الجمل -أي: أنه صار يعدو ويجري به الجمل في الصحراء- فاتبّعه رجل -من المسلمين- على ناقة ورقاء)] والناقة الورقاء هي: الناقة التي فيها بياض مخلوط بسواد.

    قال سلمة : [(وخرجت أشتد -أي: خرج وراءه يشتد ويعدو- فكنت عند ورك الناقة)] أي: أدركت الرجل حتى كنت عند رجلها في المؤخرة.

    قال: [(ثم تقدمت أكثر من ذلك حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته -أي: جعلت الجمل يقعد- فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي -أي: أخرجت سيفي من غمده- فضربت رأس الرجل فندر)] أي: فسقط ميتاً؛ لأن هذا كان جاسوساً من جواسيس الأعداء.

    قال: [(ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه -أي: سلبه- فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع هو الذي قتله قال: له سلبه أجمع)]، فيه شيء من السجع غير المتكلّف ولا المقصود؛ لأن تكلّف السجع في الكلام مكروه.

    وفي هذا الحديث: جواز قتل الجاسوس الكافر الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين.

    وفي رواية النسائي : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمرهم بطلبه وقتله. وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي : يصير ناقضاً للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله.

    وجماهير العلماء قالوا: لا ينتقض عهده بذلك، والأول أحب إلى قلبي.

    وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وموافقيه: أن القاتل يستحق السلب، وأنه لا يُخمّس. أي: أن سلبه هذا لا يدخل في عموم الغنائم، فكل من قتل يأخذ سلب القتيل، والباقي يُخمّس.

    وفيه: استحباب مجانسة الكلام إذ لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة والله أعلم.

    والله تعالى يتقبّل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.