إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - ‏النهي عن الحلف بغير الله تعالىللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحلف بغير الله تعالى يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، فلا يضاهي المرء به غيره، وقد جاء النهي الشديد عن الحلف بغير الله تعالى، وأنه شرك بالله تعالى، فمن حلف باليهودية أو النصرانية أو الأصنام أو الأمانة فقد وقع في الشرك، وعليه أن يجدد إيمانه وتوحيده بأن يقول: لا إله إلا الله.

    1.   

    ملخص ما ذكر في بابي: النهي عن الحلف بغير الله، ومن حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    في الدرس الماضي من كتاب الأيمان في هذا الكتاب، ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ذاكراً ولا آثراً) أي: لا عن نفسي، ولا نقلاً عن غيري.

    وفي رواية: (ألا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وفي رواية: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله).

    وكانت قريش تحلف بآبائها؛ فقال: (لا تحلفوا بآبائكم).

    وفي رواية أبي هريرة قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات؛ فليقل: لا إله إلا الله)، وفي رواية: (من حلف منكم باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق)، وفي رواية: (فليتصدق بشيء)، وهذا لا يلزم منه أن يتصدق بنفس الذي قامر عليه، وإنما يجزئه أن يتصدق بأي شيء، حتى ولو كان قليلاً.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تحلفوا بالطواغي -جمع طاغية- ولا بآبائكم).

    يقول الإمام النووي معلقاً على هذه الروايات: (الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى: أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، فلا يضاهى به غيره)، أي: فلا يعظم غيره باليمين.

    ثم قال: (وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر).

    1.   

    توجيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلح وأبيه إن صدق)

    يورد الإمام النووي هنا شبهة ويجيب عنها:

    قال: (فإن قيل: الحديث مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: (أفلح وأبيه إن صدق وهذا الحديث في الصحيحين: (أن رجلاً -وهو ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه- لما أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله عن فرائض الإسلام، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن الله افترض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: يا رسول الله! هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، ثم ذكر الصيام فقال: إن الله افترض عليك صيام شهر في كل سنة -وهو شهر رمضان- فقال: يا رسول الله! هل عليّ غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، حتى ذكر له أركان الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال النبي عليه الصلاة والسلام: أفلح وأبيه إن صدق)، وفي رواية البخاري : قال: (أفلح إن صدق)، والزيادة صحيحة؛ بدليل أنها في صحيح مسلم ، ولم تكن من الأحرف التي تناولها النقاد بالنقد أو الشذوذ.. أو غير ذلك.

    ولذلك تأولها العلماء، فقالوا: هذا كلام درج على ألسنة العرب لا يقصدون به اليمين، أي: أنه كلام عادي يقوله الناس، لكن لا يعني ذلك أنه يجوز الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام، يكاد اليمين بالنبي أن يكون يميناً عند المصريين، مع أن كثيراً من الناس لا يقصد به اليمين، فيكون غير منعقد من أساسه، إنما يذكرونه على سبيل الكلام الدارج الذي درج على الألسنة، كثيراً ما يقول الناس: والنبي تفعل، والنبي لا تفعل، والنبي تقول، والنبي لا تقول، وهم لا يقصدون به عين اليمين، ولم تنعقد نيتهم على أنه يمين يحنث به.. أو غير ذلك، وإنما هذا كلام درج على الألسنة، وإن كنا نتمنى أن يوفق الله تعالى هذا الشعب كله لترك هذا الكلام؛ لأنه مخالف لظواهر النصوص التي نهت عن الحلف إلا بالله عز وجل وأسمائه وصفاته.

    أما هذا الحديث الذي بين أيدينا: (أفلح وأبيه إن صدق)، ففي الدرس الماضي قلنا: إن أي يمين يسبق بالواو أو الباء أو التاء هي يمين منعقدة، لكن الشبهة هنا قوله عليه الصلاة والسلام: (أفلح وأبيه إن صدق)، فهل يجوز الحلف بالأب هنا؟ الجواب: لا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تحلفوا بآبائكم)، فمن باب أولى ألا يحلف هو صلى الله عليه وسلم بأبيه ولا بأبي غيره، والأولى به ألا يحلف بذلك لا ذاكراً ولا آثراً كما فعل عمر رضي الله عنه، والنبي عليه الصلاة والسلام هو مصدر التشريع لا عمر ، فإذا صدر هذا من عمر والتزمه عمر ، فمن باب أولى النبي عليه الصلاة والسلام أن يلتزم بذلك، فما باله عليه الصلاة والسلام قال هذا.

    هذا له تأويلان:

    التأويل الأول: أن ذلك كان كلاماً دارجاً على ألسنة العرب لا تقصد به ذات الحلف ولا عين اليمين، وبالتالي فإنه لا حرج حينئذ أن يقول عليه الصلاة والسلام: (أفلح وأبيه إن صدق).

    التأويل الثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام قصد به اليمين قبل أن يخبره الوحي بأن الحلف بغير الله محرم أو مكروه، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام حلف هذا اليمين أولاً، ثم أخبره الله تعالى بحرمة الحلف بغير الله عز وجل، فلم يحلف بعدها قط إلا بالله وأسمائه وصفاته.

    والتأويل الأول أرجح؛ لتعلق تعظيم الله عز وجل بجميع الشرائع التي سبقت شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    قال النووي: (فإن قيل: الحديث مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: (أفلح وأبيه إن صدق)؛ فجوابه أن هذه كلمة تجري على اللسان لا يقصد بها اليمين، فإن قيل: أقسم الله تعالى بمخلوقاته)، كقوله عز وجل: وَالصَّافَّاتِ [الصافات:1].

    وَالذَّارِيَاتِ [الذاريات:1].

    وقال: وَالطُّورِ [الطور:1].

    وَالنَّجْمِ [النجم:1].

    وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:1-4].

    وقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2].

    وقال: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين:1]) وغير ذلك من الآيات الكثيرة، وكلها أيمان أقسم الله عز وجل بها، وكل هذه المقسم بها من مخلوقات الله عز وجل، فالله تعالى ينهانا أن نقسم بالمخلوقات وهو سبحانه يقسم بالمخلوقات، ربما يكون الأمر فيه لبس أو شبهة حينئذ، لكن العلماء يقولون كما قال الإمام النووي : (فالجواب: أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على شرفه)، أي: تنبيهاً على شرف هذا المخلوق وفضل هذا المخلوق، لكن يقول شيخنا الشيخ سيد سابق رحمه الله: كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم، بل كل إنسان من عادته أن يتنبه ويصغي أذنه جيداً للكلام المبدوء بالقسم، وفي أحاديث كثيرة جداً يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده)، يقسم عليه الصلاة والسلام، مع أنه صادق مصدوق بغير قسم، ولا يحتاج المستمع من الصحابة رضي الله عنهم إلى قسم من النبي عليه الصلاة والسلام، ومع هذا كان يقسم ليدل على أهمية المقسم عليه، ويجمع الحواس للإصغاء التام لما سيلقي عليهم النبي عليه الصلاة والسلام من أخبار أو أحكام.. أو غير ذلك، فالله عز وجل لما علم أن من طبيعة الخلق أنهم يهتمون بالكلام المقسم عليه وخاصة العرب، كان يبدأ كلامه بالقسم؛ حتى يلفت الأنظار ويجمع الحواس إلى أهمية المقسم عليه.

    1.   

    الحكمة من إقسام الله تعالى بخلقه

    قال سيد سابق رحمه الله تعالى: كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم، فيلقون إليه السمع مصغين؛ لأنهم يرون أن قسم المتكلم دليل على عظم الاهتمام بما يريد أن يتكلم به، وأنه أقسم ليؤكد كلامه، وعلى هذا جاء القرآن يقسم بأشياء كثيرة، منها:

    ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1].

    ومنها: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1].

    وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2]، وإنما كان ذلك لحِكَمٍ كثيرة في المقسم به والمقسم عليه.

    من هذه الحكم: لفت النظر إلى مواضع العبرة في هذه الأشياء المقسم بها، والحث على تأملها؛ حتى يصلوا إلى وجه الصواب فيها.

    فقد أقسم الله تعالى بالقرآن لبيان أنه كلام الله حقاً، وبه كل أسباب السعادة.

    وأقسم بالملائكة لبيان أنهم عباد الله خاضعون له، وليسوا بآلهة يعبدون.

    وأقسم بالشمس والقمر والنجوم؛ لما فيها من الفوائد والمنافع، وأن تغيرها من حال إلى حال يدل على حدوثها -أي: على أنها مخلوقة- وأن لها خالقاً وصانعاً حكيماً، فلا يصح الغفلة عن شكره والتوجه إليه.

    وكذلك أقسم سبحانه بالريح والطور والقلم والسماء ذات البروج؛ إذ إن ذلك كله من آيات الله التي يجب التوجه إليها بالفكر والنظر.

    أما المقسم عليه فأهمه وحدانية الله عز وجل، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث الأجساد مرة أخرى بعد الموت، ويوم القيامة؛ لأن هذه هي أسس الدين التي يجب أن تعمق جذورها في النفس، والقسم بالمخلوقات مما اختص الله تعالى به نفسه. يعني: لا يجوز لأحد أن يقسم بشيء من المخلوقات، إنما ذلك قسم خاص بالله عز وجل، أما نحن البشر فلا يصح لنا أن نقسم إلا بالله، أو بصفة من صفاته على النحو الذي قدمناه كثيراً.

    قال الإمام النووي : (وفي هذا الحديث إباحة الحلف بالله تعالى وصفاته كلها، وهذا مجمع عليه. وفيه النهي عن الحلف بغير أسمائه سبحانه وتعالى وصفاته، وهو عند أصحابنا -أي: الشافعية- مكروه ليس بحرام) يعني: أن الحلف بغير الله وأسمائه وصفاته محل نزاع بين أهل العلم:

    فمنهم من ذهب إلى الحرمة.

    ومنهم من ذهب إلى الكراهة.

    1.   

    حكم الحلف باليهودية والنصرانية والبراءة من الإسلام والنبي

    قال النووي : (أما قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا الله)، إنما أمر بقول: لا إله إلا الله؛ لأنه تعاطى تعظيم صورة الأصنام حين حلف بها، قال أصحابنا: إذا حلف باللات والعزى وغيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم.. أو نحو ذلك؛ لم تنعقد يمينه)، بل هذا لا يصلح أن يكون يميناً؛ ولذلك لو قال إنسان: أكون يهودياً إن فعلت كذا، فهل هذا يعد يميناً؟

    الجواب: لا، كما أنه لا يحل لأحد أن يقول هذا؛ لأن من قال: أنا يهودي إن فعلت كذا أو نصراني، أو أنا بريء من الإسلام، فهذا الكلام كله على خلاف بين أهل العلم، منهم من يقول: عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وإن حنث في اليمين فلا كفارة عليه.

    ومنهم من يقول: بل عليه كفارة يمين.

    ومنهم من يقول: إذا انعقدت نيته على أنه يمين انعقد يميناً.

    وأخطر من ذلك اختلافهم في كفره أو عدمه.

    فمنهم من قال: من قال: أنا يهودي إن فعلت كذا وفعل، أو أنا بريء من الإسلام إن لم أفعل كذا ولم يفعله، أي: حنث في هذا الكلام؛ فمنهم من قال: لو توجهت نيته إلى ذلك يلزمه كفارة يمين.

    ومنهم من قال: حنثه باليمين أولى من وقوع الكفر عليه؛ لأن اليهودية كفر، والنصرانية كفر، وكل ما دون الإسلام كفر، فلو علق المرء إيمانه على هذه الملل والنحل الباطلة كان الأولى به، يستدلون بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (من قال: أنا بريء من دين الإسلام، أو أنا يهودي؛ فإن كان كاذباً فهو أولى به، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً).

    قال النووي : (أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم.. أو نحو ذلك؛ لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا، هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء)، يعني: هذا ليس يميناً، حتى وإن حنث فيه فما عليه إلا أن يستغفر الله تعالى.

    ثم قال: ( وقال أبو حنيفة : تجب الكفارة في كل ذلك -أي: إذا حنث وجب عليه أن يكفر- إلا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم، أو واليهودية)، يعني: إذا حلَّف القاضي شخصاً فقال: قل: والله العظيم لأقولن الحق، ثم قال: واليهودية لأقولن الحق، فلو أنه قال ذلك فهو عند الأحناف يجب عليه كفارة، إن كان كاذباً أو حنث في اليمين.

    ثم قال: (واحتج بأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة؛ لأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور)، لكن كلام الجمهور في مقابلة الكلام للأحناف يحتاج إلى توثيق واحتياط في ما يتعلق بمن حلف بغير الله كمن حلف باليهودية.

    الجمهور يقولون: لا تنعقد عليه، وإنما يلزمه أن يتوب إلى الله تعالى.

    والاستغفار والتخلص من هذا بأن يقبل على طاعة الله كصلاة أو صيام أو تسبيح أو ذكر أو قراءة قرآن.. أو غير ذلك، وبين إنسان خطر بقلبه أن يسرق، ثم اتخذ لذلك الوسائل المؤدية إلى حصول السرقة، استقر في قلبه تماماً، فانطلق وأعد العدة واتخذ آلة لما عساه أن يكون بينه وبين إكمال السرقة، ثم ركب الدابة وانطلق إلى المكان الذي أراد سرقته، فلما ذهب إلى هناك وجد العسكر والحراس.. وغير ذلك، فحال بينه وبين وقوع السرقة منه هؤلاء، وهذا أمر خارج عن إرادته؛ فلا يستوي قط.

    فهذا الرجل اتخذ الوسائل المؤدية إلى إتيان المعصية أو الذنب، ففرق بين إنسان انتبه من غفلته ورجع عن ذنبه بمجرد أن خطر على قلبه ذلك، بخلاف هذا الذي لم يرجع إلا لأنه لم يتمكن من المعصية، فإنه يأثم؛ لأنه اتخذ خطوات عملية لإتمام الذنب والمعصية، وهذه الخاطرة لم تكن خاطرة فحسب، بل استقرت هذه الخاطرة، فانطلقت الجوارح لإتمام مراده، لكن حال بينه وبين وقوع الذنب حوائل خارجة عن إرادته.

    كان لي زملاء وطلاب في الجامعة، والجامعة في كل زمان ومكان هي أس البلاء والفساد، وهي مرتع خصب للشياطين، فيها شباب في مقتبل نضجهم البدني والعقلي، لكن الموفق من حفظه الله تعالى، والهالك من انحرف عن طريق الله عز وجل، فهؤلاء الطلاب أثاروا شبهة: أن الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟

    فبعضنا سدد ووفق بتوفيق الله عز وجل له، وتصدى لهذا الكلام الباطل بأنه لا يجوز إثارته أصلاً؛ لأنه من الشيطان لا محالة.

    والبعض الآخر قال: هذا كلام وجيه، وهو بصيغة سؤال يطرح، فَلِمَ لا تجيبون عليه؟ إذاً: أنتم ضعفاء، ولا علم عندكم، وهذا كلام تريدون أن تستروه عن الأذهان، فلما انجرفوا في هذا التيار إذا بهم الآن من كبار الملاحدة: من كتاب وصحفيين، وأنا أعرف كثيراً ممن كانوا زملاء لي هم الآن أقلام للعلمانية والماسونية والإلحاد.. وغير ذلك، ولذلك إذا تذكرت أحدهم قلت: اللهم لك الحمد على التوفيق والسداد، فالهداية نعمة عظيمة جداً تستوجب الشكر، فكون الله عز وجل يعصمك وأنت مهيأ للانحراف، ويحفظك الله تعالى مما ابتلى به غيرك، فهذه نعمة تستوجب شكر الله عز وجل.

    1.   

    معنى الأيمان لغة وشرعاً

    يقول الشيخ سيد سابق : (الأيمان: جمع يمين، وهي اليد المقابلة لليد اليسرى، وسمي بها الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل: لأنها تحفظ الشيء كما تحفظه اليمين)، يعني: بالحلف يحفظ الشيء ويجعله في مأمن، كما لو وضعت شيئاً في يمينك، فإن هذه اليمين تحفظ هذا الشيء.

    ثم قال: (ومعنى اليمين في الشرع: تحقيق الأمر أو توكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته، أو هو عقد يقوي به الحالف عزمه على الفعل أو الترك)، يعني: كأن يقول إنسان: والله العظيم لا أتركن قط -إلا لعذر- صلاة السنن الراتبة، فهو حلف بهذا اليمين؛ لأنه رأى من نفسه كسلاً، إذا صلى الفرض تساهل بالسنة البعدية، وكذلك إذا دخل المسجد متأخراً ففاتته السنة القبلية للظهر مثلاً تركها، وهو ينام عن سنة العشاء، وينام عن سنة الوتر.. وغير ذلك؛ فوصل إلى مرحلة ميئوس منها؛ لأنه حصل منه كسل وفتور، ومن يحصل عنده كسل في السنن لا بد أن يحصل عنده كسل في الفروض، لكن نوع الكسل يختلف، فقد لا يترك الفروض ولكن يترك الجماعات.

    1.   

    حكم الحلف بغير ملة الإسلام

    قوله عليه الصلاة والسلام: (من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال) قال العلماء: إن المقصود به الزجر الشديد، ليس المقصود به الظاهر.

    يعني: ليس من قال: واليهودية والنصرانية وحنث؛ فهو يهودي أو نصراني.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، فإذا حلف شخص بالنبي فهذا حلف بغير الله؛ فيكون مشركاً حينئذ، ولو أجرينا هذا على ظاهره للزمنا أن نكون من جماعة التكفير، بل من مؤسسي مذهب الخوارج؛ لأن هذا ليس بمقصود، إنما المقصود أن هذا باب عظيم جداً من أبواب ترك الالتزام بشرع النبي عليه الصلاة والسلام، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من فعل كذا).

    ماذا يقول الخوارج في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، أو (ليس منا من غير منار الأرض)؟ هم يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ويكفرون بمثل هذه النصوص.

    ومعنى (منار الأرض): أي: علامات الطريق، فلو أتى شخص على علامة في الطريق مكتوب عليها: طريق السويس مائة وعشرين كيلو، والسهم ذاهب إلى ناحية الشمال، فقام هذا وحول السهم إلى الناحية الأخرى، فالذي يريد الذهاب إلى السويس لا يعرف الطريق فيسلك طريقاً آخر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعل هذا.

    لقد ضبط الشرع في حياة المسلم كل شيء، حتى الخراءة كما في الحديث، حتى كيفية الاستنجاء، بين لك الإسلام كيف تستنجي، وبأي يد تستنجي، وبأي شيء تستنجي، يعني: لم يترك لك تفعل في خاصة نفسك ما تشاء، بل هو دليلك وقرينك، فالإسلام معك حتى في الحمام.

    فالإسلام رحمة عظيمة جداً، ومنة من الله عز وجل على العباد.

    فقوله: (ليس منا)، أي: ليس من أخلاقنا ولا من هدينا ولا من سنتنا ولا من طريقنا أو طريقتنا، إنما هو من أخلاق غيرنا، فينبغي ألا يتخلق أحد من المسلمين بأخلاق غير المسلمين التي منها كيت وكيت وكيت مما ذكرت آنفاً.

    وليس المقصود أن من فعل ذلك صار كافراً، وهل يصدق أحد أن من غير منار الأرض يكون كافراً؟ هذا لا يصدقه إلا واحد من الخوارج، أو من جماعة التكفير؛ لأنهم يجرون النصوص على ظاهرها.

    قال الشيخ: (وإذا كانت اليمين لا تكون إلا بذكر الله، أو ذكر صفة من صفاته؛ فإنه يحرم الحلف بغير ذلك)، يعني: أن الشيخ سيد سابق يرجح حرمة الحلف بغير الله وأسمائه وصفاته؛ لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، والله وحده هو المختص بالتعظيم، فمن حلف بغير الله فأقسم بالنبي أو الولي أو الأب أو الكعبة.. أو ما شابه ذلك؛ فإن يمينه لا تنعقد، ولا كفارة عليه إذا حنث، ولكنه آثم بتعظيمه غير الله، فينبغي عليه أن يتوب إلى الله وأن يستغفره.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم..) إلى آخر الحديث.

    وفي حديث ابن عمر أيضاً: (أنه سمع رجلاً يحلف فقال: لا، والكعبة! فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف بغير الله فقد أشرك).

    وقال أبو هريرة : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987618623

    عدد مرات الحفظ

    716552470