إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. كتاب الحج
  5. شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه

شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله سبحانه وتعالى للمحرم لباساً خاصاً بالإحرام، وحرم عليه أنواعاً من الملابس التي لا تناسب هذه العبادة العظيمة، والتي ينبغي أن يظهر المسلمون فيها على مستوى واحد، لا فرق بين غنيهم وفقيرهم، وشريفهم ووضيعهم إلا بقدر ما عند أحدهم من التقوى والقبول عند الله عز وجل.

    1.   

    باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح، وبيان تحريم الطيب عليه

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

    أما بعد:

    لقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يجوز للمحرم أن يلبسه وما لا يجوز عندما سئل: (ما يلبس المحرم من الثياب يا رسول الله؟! قال: لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف).

    والبرنس: هو كل ثوب متصل بغطاء الرأس، مثل الجاكت الذي له طربوش يوضع على الرأس ، وهذا هو الغالب في ثياب العرب، وثياب المغرب والجزائر وتونس وغيرها مرتبطة بغطاء الرأس إلى هذا اليوم.

    قال: (ولا البرانس ولا الخفاف)، يعني: لا يجوز للمحرم أن يلبس خفاً.

    (إلا ألا يجد النعلين)، فحينئذ يلبس الخف، ولكن (ليقطعهما أسفل من الكعبين).

    ثم تكلم عن الطيب فقال: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس). وهما نوعان من أنواع الطيب.

    شرح حديث ابن عمر فيما يلبسه المحرم

    شرح حديث ابن عباس فيما يلبسه المحرم

    قال: [ حدثنا يحيى بن يحيى وأبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد جميعاً عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ].

    و جابر بن زيد هو أبو الشعثاء الأزدي البصري مشهور بكنيته، ثقة فقيه، معروف بكنيته دون اسمه.

    [ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين)، يعنى: المحرم ].

    وفي حديث ابن عباس هذا لم يذكر شرط قطع الخفين، وذكره في حديث عبد الله بن عمر ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن حديث ابن عباس مطلق، وحديث ابن عمر مقيد ذلك بالقطع، فيحمل المطلق حينئذ على المقيد، والمحرم لا يجوز له أن يلبس شيئاً فوق الكعبين، والخف يكون إلى فوق الكعبين، وهو يغطي موضع الوضوء من القدم، والنعل: إنما هو شيء يطؤه اللابس بقدمه مرتبط بأعلى قدمه -أي: بظهر القدم- بسيرين أو أكثر من ذلك.

    والفرق بين الخف والنعل: أن النعل: لا يغطي الكعبين ولا العقب، والخف يغطيهما، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا لم يكن معه نعل ومعه خف فليقطع الخف حتى يكون أسفل من الكعبين، والكعبان هما: العظمتان الناتئتان في أول القدم في أول الساق من جهة الأسفل، فالذي ليس معه نعل ومعه خف حتى يكون مثل النعل أو شبيهاً بالنعل ويلبسه، حتى يظهر مؤخرة قدمه كما يظهر العقب من النعل.

    فـ(السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين).

    وهذه المسألة يتعرض لها كثير من الناس، فتجد الواحد يسافر ومعه ملابس الإحرام، والإزار والرداء والنعل وكل ذلك، ثم في المطار ينسى فيدخل الملابس إلى مخزن الطائرة، ولا يمكنه في هذه الحالة أن يحصل على ملابسه مرة أخرى فوق الميقات، والذين في الطائرة لن يبيعوا له ملابس الإحرام، ومن مر على الميقات دون إحرام فإما أن يرجع مرة أخرى إلى المقيات، وإما أن يحرم من أي مكان بعد المقيات وعليه دم، ففي هذه الحالة يجوز له أن يلبس السروال بدلاً من الإزار بشرط أن يلبس الإزار إذا تمكن منه ويخلع السروال، والذي لا يقدر على النعل يلزمه على الفور قطع الخف ولبسه.

    قال: [ حدثنا محمد بن بشار -وهو المعروف بـبندار- حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـغندر- وحدثنا أبو غسان الرازي -وهو محمد بن عمرو بن بكر الرازي المعروف بـزنيج- حدثنا بهز -وهو ابن أسد العمي- قالا جميعاً -يعني: بهز بن أسد العمي ومحمد بن جعفر غندر كلاهما- حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد ]، : يعني: عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس .

    قال: [ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات فذكر هذا الحديث.

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة -، (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا هشيم -وهو ابن بشير السلمي الواسطي- (ح) وحدثنا أبو كريب -وهو محمد بن علاء الهمداني- حدثنا وكيع -وهو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي- عن سفيان ].

    وإذا قال وكيع: عن سفيان ، فهو سفيان الثوري، وكلاهما كوفي.

    قال: [(ح) وحدثنا علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن جريج، (ح) وحدثني علي بن حجر حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية- عن أيوب، كل هؤلاء] أي: كل من سفيان بن عيينة وهشيم بن بشير وسفيان الثوري وابن جريج وأيوب .

    قال: [ عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد -أي: عن جابر بن زيد عن ابن عباس- ولم يذكر أحد منهم -أي: من هؤلاء الخمسة- يخطب بعرفات غير شعبة وحده].

    و شعبة في الإسناد السابق يروي عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات، وأما هؤلاء الخمسة فإنهم رووا نفس الحديث عن ابن عباس ولم يذكروا فيه أن ذلك كان بعرفات، فهذا من باب زيادة الثقة، ولا خطأ في هذه المسألة عند المحدثين.

    شرح حديث جابر بن عبد الله فيما يلبسه المحرم

    قال: [ وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير -وهو زهير بن معاوية بن حديج- حدثنا أبو الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي- عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل) ].

    ولم يبين شرط القطع في الخفين كما في حديث عبد الله بن عمر، فيحمل المطلق على المقيد، ويخرج من الخلاف.

    شرح حديث يعلى بن أمية فيما يلبسه المحرم

    قال: [ حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام ]، وهو ابن يحيى بن دينار العوذي البصري ، وهو ثقة في العموم، وابن جريج ثقة في العموم، لكن إذا روى همام عن ابن جريج -وكلاهما أخرج له مسلم- فلا يكون هذا الإسناد على شرط مسلم ؛ لأن همام بن يحيى العوذي ضعيف في ابن جريج خاصة، فلو جاء همام عن ابن جريج في إسناد فاعرف أن هذا الاسناد لا يمكن أن يكون في صحيح مسلم، وإن كان مسلم روى لكليهما واحتج بهما، ولكن ليس من رواية أحدهما عن الآخر.

    قال: [حدثنا عطاء بن أبي رباح -وهو تابعي- عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة -والجعرانة: اسم مكان قبل مكة بستة عشر كيلو متر- عليه جبة وعليها خلوق -يعني: طيب من زعفران اسمه خلوق بفتح الخاء- أو قال: أثر صفرة].

    يعني: كان متضمخاً ومتخلطاً بالطيب، ولكثرته كانت له علامات وآثار في ثيابه صفراء.

    قال: [فقال:كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فستر بثوب].

    يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبه على سؤاله؛ لأن الوحي نزل عليه عليه الصلاة والسلام بمجرد أن سئل هذا السؤال، وكان إذا نزل عليه الوحي عليه الصلاة والسلام ستره أصحابه بثوبه.

    قال: [وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل عليه الوحي، قال: فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد أنزل عليه الوحي؟ ].

    وهذا الحديث لم يبين من قال ذلك لـيعلى بن أمية ، ولكن الروايات التي تلت هذه الرواية بينت أن القائل لـيعلى بن أمية هذا الكلام هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعمر هو الذي ستر النبي عليه الصلاة والسلام بثوبه.

    قال: [فرفع عمر طرف الثوب -أي: الذي ستر به النبي عليه الصلاة والسلام- فنظرت إليه له غطيط]، أي: نظر يعلى بن أمية من تحت طرف الثوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وله غطيط، والغطيط: هو النفس الذي يتردد ويتحشرج في صدر المرء.

    قال: [وأحسبه قال: كغطيط البكر ].

    والبكر: هو الفتي من الإبل، فقد كان يصدر من النبي عليه الصلاة والسلام صوتاً حين ينزل عليه الوحي -وهذا من شدة الوحي عليه- يشبه صوت الفتي من الإبل.

    قال: [فلما سري عنه -أي: فلما كشف عنه الكرب، ورجع إلى ما كان عليه قبل نزول الوحي- قال: (أين السائل عن العمرة) ]. والتقدير: أن السائل قال: هأنذا يا رسول الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

    [(اغسل عنك أثر الصفرة). يعني: هذا اللون والطيب الذي أثر في ثوبك، أو قال: (أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك -وهو نوع لباس يشبه القميص- واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)].

    وكأن هذا الرجل كان يعلم كيف يحج، وكأنه قد حج من قبل مفرداً؛ لأن المتمتع والقارن كلاهما يعتمر أولاً، فالمتمتع يعتمر ثم يخلع ملابس الإحرام حتى يحج، والعمرة دخلت في الحج إلى قيام الساعة، والمفرد لا يلزمه العمرة، ولذلك سمي مفرداً؛ لأنه أفرد الحج بالنسك، فهذا الرجل كأنه حج من قبل مفرداً ويعلم كيف يحج، ولكنه لم يعتمر، فظن أن العمرة في هيئتها ووقتها تختلف عن الحج، ولذلك قال النبي عليه السلام: (اغسل عنك أثر الصفرة، واخلع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك). ولم يسأله عن كيفية الحج؛ لأنه سبق أن حج، أو أنه يعلم ما قد فرض عليه في الحج، فأحاله النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هو معلوم لديه، ولكنه بين له ما وقع فيه من محرمات، وهي أنه لبس الجبة وتطيب بعد أن أحرم من الميقات، وكلاهما يحرم على المحرم.

    قال: [وحدثنا ابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى العدني نزيل مكة- قال: حدثنا سفيان ]، وإذا قال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان فإنما هو ابن عيينة ، وابن عيينة من علماء مكة، وذاك عدني من عدن ونزل مكة، فطبيعي أنه يروي عن سفيان بن عيينة المكي.

    قال: [ عن عمرو ]. والقاعدة أنه إذا حدث سفيان عن عمرو فـسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار المكي .

    قال: [عن عطاء -وهو ابن أبي رباح- عن صفوان بن يعلى عن أبيه -وهو يعلى بن أمية- قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل وهو بالجعرانة وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وعليه مقطعات، يعنى: جبة ].

    والمقطعات هي: الثياب المخيطة، وهذا معروف، وهي مفصلة على قدر الأعضاء، من الرقبة والذراعين والبدن كله، وقد نهى الشارع عن لبس الثياب المخيطة للمحرم، ومعنى المخيطة: التي حيكت على قدر العضو سواء كان ذلك نسجاً أو خياطة، فلا يقول أحد: إن الشرع نهى عن الثياب المخيطة، فسأعمل ثيابي على قدر العضو، ولكنها ليست مخيطة، فلا يجوز هذا؛ لأن القصد ألا يلبس المحرم شيئاً فصل على قدر العضو، سواء كان ذلك نسجاً أو خياطة.

    قال: [وعليه مقطعات، يعنى: جبة، وهو متضمخ بالخلوق -يعني: مكثر جداً من التطيب بهذا الزعفران- فقال: إني أحرمت بالعمرة وعلي هذا ].

    يعني: يا رسول الله! أنا دخلت في العمرة وعلي هذا، أي: الثياب كما ترى، وكله مقطع، وفيه بقع هذا الطيب.

    وأنا متضمخ بالخلوق، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: [(ما كنت صانعاً في حجك؟ قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرت) ].

    يعني: الذي أوجبه الله عز وجل عليك في حجك هو نفسه الذي أوجبه عليك في عمرتك، فالإحرام سواء كان بالعمرة أو بالحج هو واحد في أحكامه.

    قال: [ حدثني زهير بن حرب -وهو أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم -وهو المعروف بـابن علية- (ح) وحدثنا عبد بن حميد- وعبد لقب، واسمه: عبد الحميد- أخبرنا محمد بن بكر -وهو البرساني- قالا: أخبرنا ابن جريج، (ح) وحدثنا علي بن خشرم - واللفظ له - قال: أخبرنا عيسى -أي: ابن يونس- عن ابن جريج ]، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي المكي الإمام الكبير، وهو من الثقات، ولكنه مدلس، فإذا صرح بالتحديث فقد انتفى التدليس، كقوله هنا: أخبرني عطاء ، وأخبرني تفيد السماع، بل حتى لو قال: عن عطاء حمل على السماع؛ لأن ابن جريج قال: لو قلت: قال عطاء فقد سمعته منه، وهذا نص منه، ولم يقله في غير عطاء ، ولا يجوز حمل كلام ابن جريج هنا فيما يتعلق بروايته عن عطاء على غير ما صرح به؛ لأنك إذا قلت: أنا لا أقبل هذا حتى لو قاله ابن جريج، وسأحمله على التدليس، فقد جعلت ابن جريج كذاباً لا مدلساً، فإذا شرط المدلس على نفسه شرطاً في روايته عن شخص بعينه فينبغي التزام هذا الشرط.

    قال: [أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليتني أرى نبي الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه -أي: الوحي- فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام بالجعرانة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به عليه ].

    ولا يوجد حرج من أن يستظل المحرم بسقف بيت، أو بثوب، أو بشمسية لا تلاصق رأسه، وأما ملاصقة ذلك لرأسه فهو من المحرمات، والناس يدخلون مسجد الخيف، ومسجد عرفة، ومسجد نمرة، وجميع المساجد، ويستظلون بسقف المسجد أثناء الصلاة، بل وينامون في المساجد دون نكير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استظل بثوب.

    قال: [ وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به عليه، ومعه ناس من أصحابه فيهم عمر ، إذ جاءه رجل عليه جبة صوف متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي ].

    والساعة المقصود بها البرهة من الزمان، وليست الساعة التي مقدارها ستون دقيقة.

    وفي هذا أدب جم عظيم جداً، وهو أن العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه يتوقف ويسكت، ولا يجتهد فيه اجتهاداً بغير أصل.

    قال: [ فأشار عمر بيده إلى يعلى بن أمية تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط ساعة ]، أي: محمر الوجه من شدة الوحي وهوله، كما قال الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، فقد كان الوحي ثقيلاً وشديداً جداً على النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك (كان يتفصد عرقاً في الليلة شديدة البرد)، كما جاء ذلك عن عائشة رضي الله عنها. فلم يكن يعرق فقط، وإنما كان ينضح عرقاً من الوحي في الليلة التي فيها برد شديد، فإذا نزل عليه الوحي في ليلة شديدة البرد فمن شدة الوحي كان يعرق؛ لأنه كرب شديد جداً.

    قال: [(ثم سرى عنه فقال: أين الذي سألني عن العمرة آنفا؟ -يعني: من سألني قبل قليل عن العمرة؟- فالتمس الرجل -أي: فالتمسه أصحابه عليه الصلاة والسلام رضي الله عنهم- فجيء به، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما الطيب الذي بك -يعني: هذا الطيب الذي أراه والزعفران، والصفرة التي في ثيابك- فاغسله ثلاث مرات)]، وغسل الثوب مرة واحدة يجزئ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في إذهاب العين والأثر؛ حتى يبقى الثوب بلا طيب ولا أثر له فيه.

    قال: [ (وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك).

    وحدثنا عقبة بن مكرم العمي -وهو أبو عبد الملك البصري- ومحمد بن رافع واللفظ له ]، يعني: أن هذا الحديث أخرجه مسلم من طريقين عن شيخين، عن أبي عبد الملك البصري وعن محمد بن رافع ، ولكن سياقهما مختلف، فاختار مسلم سياق محمد بن رافع دون سياق عقبة أبي عبد الملك البصري .

    قال: [ قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي -وهو جرير بن حازم- قال سمعت: قيساً -وهو ابن سعد المكي- يحدث عن عطاء -وهو ابن أبي رباح- عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه رضي الله عنه: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة)].

    أي: قد أحرم بها من الميقات، والجعرانة من جهة المشرق من مكة، فمن جاء مكة من تلك الجهة وأراد أن يهل بالعمرة أو بالحج فله أن يهل من الجعرانة.

    قال: [ (وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى، فماذا أصنع؟ قال: انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة) ].

    وقوله: وهو مصفر لحيته ورأسه، يعني: قد خضبهما بالزعفران والورس، يعني: أن هذا الطيب في بدنه.

    قال: [ (وما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك).

    وحدثني إسحاق بن منصور -وهو المعروف بـالكوسج- أخبرني أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد -وهو الحنفي البصري- حدثنا رباح بن أبي معروف -وهو مكي- قال: سمعت عطاء قال: أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل عليه جبة بها أثر من خلوق -يعني: بها أثر من طيب زعفران- فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل؟ فسكت عنه فلم يرجع إليه -أي: فلم يرجع إليه بجواب سؤاله- وكان عمر يستره إذا أنزل عليه الوحي، يظله، فقلت لـعمر رضي الله عنه -والقائل هو يعلى بن أمية- إني أحب إذا أنزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما أنزل عليه خمره عمر رضي الله عنه بالثوب -يعني: غطاه وظلله- فجئته فأدخلت رأسي معه في الثوب، فنظرت إليه، فلما سري عنه قال: أين السائل آنفا عن العمرة؟ فقام إليه الرجل، فقال: انزع عنك جبتك واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجك) ].

    معنى الحج والعمرة

    الحج بفتح الحاء هو المصدر لهذا الفعل، وبالفتح والكسر جميعاً هو الاسم منه، إما الحِج، وإما الحَج، فالحج يطلق على الاسم والمصدر، بخلاف الحِج فإنه يطلق على الاسم، وأصله -أي: أصل الحج- القصد، تقول: حججت البيت، أي: قصدت البيت للزيارة والنسك، ويطلق الحج كذلك على العمل، يعني: تأدية المناسك، فإذا رأيت رجلاً يرمي، أو يطوف بالبيت، أو يسعى بين الصفا والمروة، أو يبيت بمزدلفة، أو يقف بعرفة تقول: هذا يحج، وإذا رأيت رجلاً يرمي الجمار فإنك تقول: هذا يحج، يعني: يتنسك نسكاً من مناسك الحج، فكلمة الحج تطلق على الفعل، وعلى الإتيان مرة بعد أخرى.

    وأصل العمرة الزيارة، يعني: أصل كلمة عمرة في اللغة هي الزيارة.

    حكم الحج والعمرة وشروط وجوبهما

    واعلم أن الحج فرض عين على كل مكلف، لا يؤديه عنه غيره إلا بشروط، فالحج فرض عين على كل أحد بشروط:

    أولاً: أن يكون مكلفاً؛ لأن العاجز ليس داخلاً في التكليف؛ لأن غير القادر على الحج ببدنه ليس مكلفاً بالحج، وعندما نقول: إن الحج فرض عين على الشخص، فهذا يعني: أنه يلزمه أن يذهب بنفسه لأداء نسك الحج، وأما المريض، أو الكبير في السن جداً الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فقد جاء في الحديث: (إن أبي لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه يا رسول الله؟! قال: حج عنه) ؛ لأن كبر السن والعجز والضعف منعه من أن يقصد البيت بنفسه، وكذلك لا يكلف بالحج الصبي والمجنون. فالمكلف بالحج هو القادر على الإتيان به المستطيع له.

    ثانياً: أن يكون حراً غير عبد، فالعبد غير مكلف بالحج.

    ثالثاً: أن يكون مسلماً، وهو احتراز من حج الكافر؛ لأن الكافر لا يقبل منه الحج، والكافر مخاطب بفروع الشريعة على أرجح الأقوال وإن لم يقبل منه ذلك، إلا فريضة الحج؛ لأن (النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يجتمع في جزيرة العرب دينان). وفي رواية: (نهى أن يجتمع في جزيرة العرب أهل ملتين، ولا يكون فيها إلا أهل ملة الإسلام فقط).

    الشرط الرابع: أن يملك الاستطاعة، والاستطاعة كما جاء في حديث أبي هريرة : (هي الزاد والراحلة).

    وقد اختلف العلماء في وجوب العمرة فقيل: واجبة، وقيل: مستحبة، وللشافعي قولان فيها، أصحهما الوجوب.

    عدد مرات الحج الواجب

    وأجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة واحدة، إلا أن ينذر المرء حجاً أو عمرة فهي واجبة بنذره، يعني: هو الذي أوجب ذلك على نفسه بالنذر، والشارع لم يوجبه عليه ابتداء؛ لأن الشرع إنما أوجبه عليه مرة واحدة، وقد فعل، ولكنه أوجب ذلك على نفسه بعد ذلك عن طريق النذر، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه). وهذا فعل أمر يدل على الوجوب لا يسع المرء أن يتخلف عنه.

    حكم الحج والعمرة لمن دخل مكة لحاجة لا تتكرر

    وإذا دخل مكة أو حرمها لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة ونحوهما ففي وجوب الإحرام بحج أو عمرة خلاف للعلماء، وهما قولان للشافعي أصحهما: استحبابه، والثاني: وجوبه بشرط ألا يدخل لقتال ولا خائفاً من ظهوره وبروزه، أي: إذا دخل مكة لأي غرض من أغراض الدنيا. الصواب: أنه لا يلزمه أن ينوي نسكاً، بل يستحب له ألا يدخل مكة إلا محرماً، أما إذا كان داخلاً لقتال فلا يلزمه أن يدخل محرماً.

    الاختلاف في كون وجوب الحج على الفور أو التراخي

    وبعد أن اتفق العلماء على أن الحج فرض عين، وقد ثبت فرضيته بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع أهل العلم، لكن بعد الاتفاق على فرضيته اختلفوا هل هو فرض على الفور أم على التراخي؟

    واليوم العالم كله يعتبر الحج فرضاً على التراخي، فكل الناس وكل الجنسيات أول ما يتيسر لهم الحج بل ومن غير أن يتيسر يقصدون الحج مباشرة في موسم الحج والعمرة في رمضان إلا المصريين، يجلس أحدهم ستين سنة أو سبعين سنة ويقول: أزوج العيال أولاً، وإذا زوجهم أخذ هم طلاقهم، ثم يريد أن يبني البيت، وأن يضع الأموال في البنك، وفي النهاية يقول لك: صحتي لا تتحمل الحج. وفي حديث عبد الله بن عمر : (استمتعوا بهذا البيت قبل أن ينقض، فإنه نقض مرتين، وإذا نقض الثالثة فلا يرتفع). وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يخرب هذا البيت ذو السويقتين من الحبشة، وكأني أنظر إليه ينقضها حجراً حجراً)، يعني: في المرة الثالثة التي تكون قبل قيام الساعة ينقض البيت الحرام حجراً حجراً، حتى الداخل إلى بيت الله الحرام لا يرى أثراً لمكان الكعبة، فكيف يطوف؟ وحول ماذا يطوف؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن يقصد البيت فليفعل، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له).

    فقد اختلف أهل العلم هل الحج على الفور أو على التراخي؟ فقال الشافعي وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخي، إلا أن ينتهي إلى حال يظن فواته لو أخره عنها، فإذا غلب على ظنه هذا لزمه على الفور.

    وتزويج الولد ليس فرضاً على الأب، ولكن الفرض عليه الحج، فهو صاحب المال، فلا يعطيه غيره وهو في أمس الحاجة إليه.

    والشرع لم يوجب على الولد أن يعطي والديه شيئاً إذا كان محتاجاً إليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيه) محمول على أنه يدفع الفائض عن حاجته إلى والديه، وأما أن يعطي والديه من أصل ماله الذي يعيش عليه هو وأهل بيته وأولاده فإن الشرع لم يأمره بذلك قط.

    وقال: أبو حنيفة ومالك وآخرون: هو على الفور.

    ما يحرم على المحرم لبسه وهو محرم

    ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الأول: (لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، فقال فيه العلماء: هذا من بديع الكلام وجزله؛ فإنه صلى الله عليه وسلم: (سئل عما يلبسه المحرم فقال: لا يلبس كذا وكذا)، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما سوى ذلك، وكان التصريح بما لا يلبس أولى؛ لأنه منحصر، وأما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يلبس كذا ولا كذا)، يعني: ويلبس ما سواه، وأجمع العلماء على أنه يحرم عليه أن يلبس شيئاً من هذه المذكورات، فيحرم عليه أن يلبس القميص، أو العمامة، أو السروال -الذي هو البنطلون-، أو البرانس، أو الخفاف إلا إن لم يجد نعلين فليقطع الخفين من فوق حتى يشبهان النعل ويلبسهما حينئذ، ولا يلبس من الثياب ما مسه الزعفران أو الورس، يعني: ما مسه الطيب كذلك. ونبه عليه الصلاة والسلام بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطاً أو مخيطاً معمولاً على قدر البدن أو قدر عضو منه، مثل الجوشن -أي: الفنيلة- والتبان -وهو الشرت- والقفاز -وهو الكفوف- فهذه يمنع للمحرم لبسها، وإن لبسها متعمداً عالماً بالحكم وجب عليه دم.

    ونبه صلى الله عليه وسلم بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس، وكل ما يقوم مقامهما في ستر الرأس، مما هو في معنى العمامة والبرنس، وحتى العصابة حرام، فلا يجوز له أن يعصب رأسه بعصابة، ولا أن يلفها عليه، وإن اضطر إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية.

    ونبه صلى الله عليه وسلم بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس، وجورب.. وغيرها. والذي ليس معه نعل يقطع الخف ويلبسه، وكذلك يقطع الجزمة.

    وإذا تخرق الإزار أو الرداء وأراد المحرم أن يرقعه ويخيطه فله ذلك ولا حرج عليه؛ لأن هذا خيط ليس على قدر العضو، والإزار والرداء مصنوع من خيوط منسوجة بطريقة معينة متداخلة.

    فتوى شيخ الشافعية في مصر للشافعية بلبس قفازين أثناء الطواف، وسبب فتواه بذلك

    يقول الشافعية: إن مس المرأة ينقض الوضوء، ولما يختلط الرجال والنساء في الطواف حول الكعبة أمرهم شيخهم وزعيمهم في مصر أن يلبسوا القفازين والجوارب أثناء الطواف؛ لأن الوضوء شرط لصحة الطواف؛ لأنه لو مس المرأة وإن كان على سبيل الخطأ أو السهو في الزحام لزمه الخروج من الطواف للوضوء، وهو في هذه الحالة سيخرج من الطواف مائة مرة، وممكن ألف مرة، وممكن أن يظل أسبوعاً في مكة يطوف بالليل والنهار ولا ينجو في طوفة من مس امرأة، فأفتاهم شيخهم بأن من أراد الطواف أن يلبس القفازين في يده، ويلبس الجوارب في رجله، وبعد ذلك لا يضره مس النساء له إلا إذا تحركت شهوته، وفي هذه الحالة يكون قد أخذ برأي الأحناف بأن مس المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا تحركت شهوته، وهو كلام صحيح متين، ومذهب الأحناف هو أصح المذاهب في هذه المسألة. وشرط صحة العمرة والإحرام أن لا يلبس هذا ولا ذاك.

    حكم الطيب للمحرم

    ونبه صلى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على ما في معناهما، وهو الطيب، يعني: أي طيب يحرم على المحرم أن يتطيب به، فيحرم على الرجال والنساء جميعاً في الإحرام جميع أنواع الطيب، والمراد ما يقصد به الطيب. فلو أكل فاكهة لها رائحة فهذا لا يسمى طيباً، ولا ينهى عن هذا، وإنما الذي ينهى عنه المحرم هو الطيب الذي يقصد به التطيب، وأما الفواكه، أو الأطعمة، أو غير ذلك مما له رائحة فلا حرج أبداً على المحرم في أكلها، ولا شيء عليه في ذلك، لأنه لا يقصد بها الطيب أصلاً، وإنما القصد منها الطعام والشراب.

    الحكمة من تحريم اللباس وغيره على المحرم

    قال العلماء: والحكمة في تحريم اللباس المذكور، -يعني: العمامة، والسراويل، وغير ذلك من المذكورات المنهي عنها- أن يبتعد عن الترفه والتنعم، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات والمعاصي، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان، ويتذكر البعث يوم القيامة، حين يكون الناس حفاة عراة مهطعين إلى الداعي. فكل الناس؛ الغني والفقير والوزير والرئيس وغير ذلك من جميع طبقات الناس على اختلاف مستوياتهم في ذلك الموقف يلبسون إزاراً ورداء، ولا أحد يتميز عن أحد، فالناس في هذا الموقف سواسية أمام الله عز وجل، كما أنهم سواسية يوم القيامة، لا يفضل أحد على الآخر إلا بتقوى الله عز وجل، والعمل الصالح.

    والصلوات في جماعة خلف الإمام صورة مصغرة من هذا، فليس الصف الأول محجوزاً للكبار، ولا الثاني للعمداء، ولا الثالث للعقداء، فهذه لا توجد إلا في ضباط الجيش، ويكتبون على الجدار في كل مسجد كتيبة: تنبيه: ممنوع دخول أي عسكري مجند أو متطوع إلى الصف الأول في صلاة الجمعة؛ لأن هذا صف الضباط الكبار، وحتى ضابط الاحتياط يجلس في أي مكان إذا علم أن الضباط الكبار سيملئون المكان.

    وأنا مرة جلست خلف الإمام بعدما ترحلنا من التدريب، فجلست في مكان العميد؛ لأن الضباط يأتون وقت إقامة الصلاة أو في أثناء الخطبة، فغمز لي أحد الضباط أثناء الخطبة أن هذا مكان قائد الكتيبة ، فسكت ولم أرد عليه، وبعد الصلاة وجدت حوالي خمسة عشر ضابطاً حولي، فذهبت إلى قائد الكتيبة فقال لي: لماذا جلست في هذا المكان؟ فقلت: وماذا في هذا المكان؟ فقال لي: عندما دخلت المسجد لماذا لم تجلس في أي مكان؟ قلت: جلست في أي مكان، قال لي: هذا مكاني، قلت له: لماذا لا تأتي مبكراً حتى تجلس فيه؟ قال: هل أنت تناقشني أيضاً، قلت له: هذا هو السنة، ثم إني حرمت من الإجازة ولم أعط إلا ثلاثة أيام فقط بعد أسبوع؛ من أجل أنني صليت في مكان العميد.

    والإنسان عندما يتجرد من لباسه ويلبس الإزار والرداء يختلط بغيره، فلا يعرف الشريف من الوضيع، وهما عند الله سواء إلا بالتقوى، والمرء بهذا اللباس يتذكر الموقف والمحشر بين يدي الله عز وجل، يوم أن يكون كل واحد مشغولاً بنفسه فقط، إلا النبي عليه السلام يقول: (رب أمتي أمتي).عليه الصلاة والسلام.

    والإزار والرداء يشبهان الكفن، وجمع الناس في مزدلفة أو منى أو عرفات يذكرك بالمحشر، وهذا الزي يذكرك بالكفن، وأنك ستخرج من الدنيا بمثل هذين الثوبين، فموسم الحج من منافعه أنك تعرف قدرك، كما قال تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28]. ومن أعظم المنافع: أن تتذكر أنك ابن آدم، وأنك خطاء، وأن الله يتوب عليك إن تبت إليه وأنبت وكنت صادقاً مخلصاً في هذه التوبة، وإذا كان الأمر كذلك فعليك أن تتذكر أنك كالميت يمشي في أكفانه.

    ولذلك لما وقع رجل فوقصته ناقته فمات وكان محرماً قال النبي عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه، ولا تمسوا ثوبه شيئاً من زعفران؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، يعني: يبعث على نفس الهيئة التي مات عليها. فلابد للمرء أن يتذكر قدره وقيمته، وأنه مهما ارتفع فإن الأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري من حديث أنس : (ما ارتفع شيء قط من أمور الدنيا إلا كان حقاً على الله تعالى أن يضعه). فمهما ارتفعت وعلوت فإنك في قبضة المولى عز وجل يفعل بك ما يريد بقوله: كن، سبحانه وتعالى.

    فاعلم أنك بين يدي الله عز وجل أكنت محرماً أم غير محرماً، وإذا كنت تتذكر هذا وأنت محرم، وتغفل عنه في ثيابك بعد الإحرام؛ فاعلم أنك ما خرجت بالمنفعة التي كان ينبغي عليك أن تخرج بها من هذا الإحرام.

    والجماع ومقدماته، والكلام الذي يثير ذلك حرام على الرجال والنساء في الإحرام.

    والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ويجتمع همه لمقاصد الآخرة.

    حكم قطع الخفين إذا لم يجد المحرم نعلين وحكم من لبسهما دون قطع

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)، وذكر مسلم بعد هذا من رواية ابن عباس وجابر : (من لم يجد نعلين فليلبس خفين)، ولم يذكر قطعهما، وقد اختلف العلماء في هذين الحديثين، فقال أحمد : يجوز لبس الخفين بحالهما، ولا يجب قطعهما؛ لحديث ابن عباس وجابر ، وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح بقطعهما، وزعموا أن قطعهما إضاعة مال، ونحن قد نهينا عن إضاعة المال. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يجوز لبس الخفين إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين؛ لحديث ابن عمر ، قالوا : وحديث ابن عباس وجابر مطلقان، فيجب حملهما على المقطوعين؛ لحديث ابن عمر، والمطلق يحمل على المقيد، والزيادة من الثقة مقبولة، وهذه زيادة من عبد الله بن عمر .

    قالوا: وقول الحنابلة-: إنه إضاعة مال ليس بصحيح؛ لأن الإضاعة إنما تكون فيما نهي عنه، وأما ما ورد الشرع به فليس بإضاعة، بل حق يجب الإذعان له.

    ثم اختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين، هل عليه فدية أم لا؟ يعني: إذا لبس خفين ولم يقطعهما وليس له نعلين هل عليه فدية في هذه الحالة؟ فقال مالك والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه؛ لأنه لو وجبت فدية لبينها صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه ويفدي، يعني: كأن يكون في رأسه حكة، أو ورم، أو ضرر، أو لا يصبر على شعره فإنه يحلقه وهو محرم وعليه الفدية، وكذلك من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، فإن قطعهما فلا شيء عليه، وهو المنصوص، وإن لم يقطعهما فعليه الفدية قياساً على من احتاج إلى حلق رأسه وهو محرم لعلة، والعلة في الأول هي وجود النهي.

    تحريم الطيب على المحرم والحكمة من ذلك

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) فقد أجمعت الأمة على تحريم لباسهما؛ لكونهما طيباً، وأي ثوب مصبوغ بزعفران أو ورس يحرم لبسه للمحرم، وألحقوا بهما جميع أنواع ما يقصد به الطيب، وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع، فإذا رأى الرجل امرأته متطيبة وقع عليها، وإذا تطيب الرجل طلبته المرأة، فلما كان الطيب هو الدافع إلى الوقاع والجماع نهى عنه الشارع، فهذا النهي ليس لذاته وإنما لغيره، يعني: النهي عن الطيب إنما قصد مخافة الوقاع والجماع، وهذا الرأي ضعيف؛ لأنه لو كان النهي عن الطيب لغيره وليس لذاته لقال المحرم غير المتزوج: إن الجماع بالنسبة له مستحيل؛ إذ إنه ليس متزوجاً، ويقول المتزوج الذي لم يصحب امرأته: امرأتي ليست معي، لكن النهي عام لكل إنسان سواء كان امرأة أو رجلاً محرماً، ولأنه ينافي تذلل الحاج، فإن الحاج أشعث أغبر، والأصل فيه أنه كما يقول الله تعالى في يوم عرفة عندما يباهي ملائكته بأهل الموقف ويقول: (يا ملائكتي! هؤلاء عبادي أتوني شعثاً غبراً)، يعني: كل واحد شعره منفوش لم يسرحه، مخافة أن يقع منه شعر، وسقوط الشعرة والشعرتين جائز، ولا حرج في ذلك، وأما الثلاث وما فوقها ففيها الفدية؛ ولذلك نهى الشارع المحرم عن ترجيل شعره، فلا يسرحه حتى يؤدي نسكين من رمي جمرة العقبة، أو يذبح الهدي، أو يطوف البيت ويسعى، وحينئذ له بعد ذلك حتى ولو لم يحلق أن يسرح أو يرجل شعره قبل أن يحلقه.

    والحاج أشعث أغبر من كثرة الغبار والتراب الذي يقع على رأسه، وسواء في تحريم الطيب للرجل والمرأة، وكذا جميع محرمات الإحرام سوى اللباس كما سبق بيانه.

    المرأة تحرم في ملابسها العادية، وليس في إزار ورداء، وقد رأينا امرأة تلبس إزاراً ورداء في منى وهي من مصر، وإذا بينت لها رماك زوجها بالجهل وغير ذلك.

    ما يحرم على المحرم أثناء الإحرام

    محرمات الإحرام سبعة:

    أولاً: اللباس على النحو الذي فصلنا آنفاً.

    ثانياً: الطيب والورس والزعفران في الثوب، ودهن الرأس أو اللحية، وأما وضع الطيب على البدن بعد الاغتسال وقبل لبس ملابس الإحرام فهذا لا يضرك، والمنهي عنه هو التطيب بعد الإحرام وبعد أن يقول المحرم: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم حجاً، أو لبيك اللهم بعمرة وحجة، فهذه الكلمة فاصلة في المباح وغير المباح، ولو تطيب قبلها فلا حرج عليه وإن استمر معه الطيب بعدها، فتحريم الطيب هو تحريم لمس الطيب بعد الدخول في النسك، وأما قبل ذلك فلا حرج عليك.

    ثالثا: إزالة الشعر إلا في وقته، ووقته للمعتمر بعد السعي.

    وأول ما يفعله المحرم عقد النية على النسك سواء بعمرة أو حج، ثم التلبية حتى يرى بيوت مكة أو الحرم على خلاف بين العلماء، فإذا رأى الحرم أو بيوت مكة قطع التلبية لينشغل بعد ذلك بشيء آخر، ويستحب له دخول الحرم من باب السلام؛ لدخول النبي صلى الله عليه وسلم منه، فإذا دخل الحرم بدأ بالطواف سبعة أشواط، وليجعل البيت عن شماله، ويبدأ من الحجر الأسود، ويطوف من خارج حجر إسماعيل، ويدعو بما شاء إلا بين الركنين الركن اليماني، والحجر الأسود، فيقول بينهما: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر له ذلك، وإلا صلاهما في أي مكان من الحرم، وليقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فإذا فرغ من الصلاة فليتضلع من شرب ماء زمزم، ثم ينطلق إلى الحجر الأسود وإن استطاع فليقبله، وإلا فليستلمه بيده ويقبل يده، فإن لم يستطع فليشر إليه بيده من بعيد في محاذاته وموازاته ويقول: باسم الله، والله أكبر، ثم يرجع خلفه إلى باب الصفا تالياً قول الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].

    ثم يبدأ بالسعي من الصفا أولاً إلى المروة، وهذا شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط ثان، وهكذا فيبدأ بالصفا وينتهي عند المروة، ثم يحلق عند المروة ويتحلل من عمرته، والحلق أفضل من التقصير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً، ثم دعا للمقصرين مرة واحدة، إلا القارن أو المتمتع فالأفضل في حقهما التقصير؛ لأنهما سيحجان في الأيام المقبلة القلائل، وسيكون عليهما في يوم النحر الحلق، فإذا حلق في العمرة فربما لا يجدان بعد ذلك شعراً يحلقانه، فالأفضل لمن أتى نسكين متتاليين سواء كان قارناً أو متمتعاً أن يقصر شعره في العمرة؛ ليبقي له شيئاً للحلق يوم النحر. فإزالة الشعر للمحرم ممنوع إلا في حينه ووقته.

    رابعاً: أخذ الظفر أو قطعه وقصه لا يجوز، ومن فعل فعليه دم، إلا من قطع منه شيء يسير كان يؤذيه؛ لأنه هنا أخذه على سبيل العلاج والتطبيب لا على سبيل القص.

    خامساً: عقد النكاح والإشارة إليه.

    سادساً: الجماع وسائر أنواع الاستمتاع يفسد الحج، حتى الاستمناء لا يجوز.

    سابعاً: إتلاف الصيد، سواء كان ذلك بمباشرته، أو بمشورته، أو بدلالته.

    حكم المحرم إذا تطيب أو لبس ما هو محرم عليه أثناء الإحرام

    وإذا تطيب أو لبس ما نهي عنه لزمته الفدية إن كان عامداً بالإجماع، يعني: يذبح شاة، وإن كان ناسياً فلا فدية عليه عند الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وأوجبها أبو حنيفة ومالك في هذه المسألة، والنسيان في هذه المسألة يرفع الإثم ولا يرفع الكفارة عندهما.

    ولا يحرم المعصفر عند مالك والشافعي ، وحرمه الثوري وأبو حنيفة وجعلاه طيباً، وأوجبا فيه الفدية، وهو الصحيح، ويكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ بغير طيب ولا يحرم.

    حكم لبس السراويل للمحرم إذا لم يجد الإزار

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفين لمن لم يجد النعلين) يعني: المحرم. هذا صريح في الدلالة للشافعي والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم إذا لم يجد إزاراً.

    وفي أحد الأيام قام شخص وهو يلبس البنطلون وفوقه رداء ليسأل الشيخ عطية سالم رحمه الله وأحسن إليه، فقال له الشيخ: الذي فوق كتفيك البسه في حقوك حتى تخرج وتشتري رداء آخر، وكان السائل من المصريين الذين لا يفهمون فقال للشيخ: أنا لا أسألك عن هذا، أنا قلت لامرأتي كذا وكذا، فهل تصبح طالقاً أم لا؟ فقال له الشيخ: نعم تصبح طالقاً.

    فهذا صريح في الدلالة لمذهب الشافعي والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم إذا لم يجد إزاراً، ومنعه مالك ؛ لكونه لم يذكر في حديث ابن عمر السابق ، والصواب إباحته بحديث ابن عباس هذا مع حديث جابر بعده، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه.

    قوله عليه الصلاة والسلام: (وهو بالجعرانة)، فيها لغتان مشهورتان: الجعْرانة بتخفيف الراء، والجعرّانة بالتشديد.

    تحريم الطيب على المحرم وواجب من أصابه منه شيء

    قوله عليه الصلاة والسلام للسائل عن العمرة: (اغسل عنك أثر الصفرة)، فيه: تحريم الطيب على المحرم ابتداء ودواماً؛ لأنه إذا حرم دواماً فالابتداء أولى بالتحريم، لكن الابتداء مقصود به بعد الإهلال، وأما قبل الإهلال فإنه يطيب بدنه لا ثوبه.

    وفيه: أن العمرة يحرم فيها من الطيب واللباس وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة ما يحرم في الحج.

    وفي هذا الحديث: أن من أصابه طيب ناسياً أو جاهلاً ثم علم وجبت عليه المبادرة إلى إزالته، والراجح أنه لا فدية عليه.

    وفيه: أن من أصابه في إحرامه طيب ناسياً أو جاهلاً لا كفارة عليه، وهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود، وقال مالك وأبو حنيفة والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، لكن الصحيح من مذهب مالك : أنه إنما تجب الفدية على المتطيب ناسياً أو جاهلاً إذا طال لبثه عليه، يعني: إذا استمر ذلك عليه مدة من الزمان.

    ما يلزم المحرم إذا لبس المخيط جاهلاً بحكمه

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (واخلع عنك جبتك) دليل لـمالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور: أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه شقه، يعني: إنما يلزمه خلع السروال أو العمامة أو غير ذلك.

    معنى قوله: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) فمعناه: من اجتناب المحرمات، يعني: بقية المحرمات التي تحرم في الحج فإنها تحرم كذلك في العمرة، ويحتمل أنه أراد مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وهيئاتها، وإظهار التلبية وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويخص من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج، كالوقوف والرمي والمبيت بمنى ومزدلفة وغير ذلك، وهذا الحديث ظاهر في أن هذا السائل كان عالماً بصفة الحج دون العمرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام له: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك).

    بعض فوائد حديث يعلى بن أمية في ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح

    وفي هذا الحديث من الفوائد دليل للقاعدة المشهورة: أن القاضي والمفتي إذا لم يعلما حكم المسألة أمسكا عن جوابها حتى يعلماه أو يظناه بشرطه، فمادام ليس عندهما علم فإنهما يمسكان عن الجواب حتى يعلماه، والأصل أن يحيلا المسألة إلى عالم أو يظهرا الجهل ويقولا: الله أعلم، وفي هذا الحديث: أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى، يعني: أن الوحي وحيان، وحي متلو وهو كتاب الله عز وجل القرآن الكريم، ووحي غير متلو ولا يتعبد بتلاوته ولا يقرأ في الصلاة، وغير ذلك من خصائص القرآن الكريم، وهو وحي السنة، فالسنة وحي كذلك.

    وقد استدل بهذا الحديث من يقول من أهل الأصول: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن له الاجتهاد. وهذه المسألة محل نزاع بين الأصوليين، وهناك أدلة أنه اجتهد بغير وحي، وأدلة بينت أنه انتظر ولم يجتهد حتى أتاه الوحي.

    وأما إدخال يعلى بن أمية رأسه ورؤيته للنبي عليه الصلاة والسلام في تلك الحال وإذن عمر له في ذلك فكله محمول على أنهم علموا من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت وتلك الحال؛ لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم شراء السرقة، ووقت صلاة الفجر

    السؤال: ما حكم شراء الشيء المسروق للحاجة إليه؟ وما هو الوقت الصحيح لصلاة الفجر بعد الأذان؟

    الجواب: لا يحل شراء الشيء المسروق، إذا كان يعلم أنه مسروق، ولا ينجيه من الإثم دفعه مالاً حلالاً فيه، فإذا اشتراه لزمه رد المبيع وأخذ الثمن.

    وأما الوقت الصحيح لصلاة الفجر بعد الأذان فهو على أقل تقدير ثلث ساعة، وأما قبل ذلك فلا.

    حكم تحريك الخاتم أثناء الوضوء

    السؤال: ما حكم تحريك الخاتم أثناء الوضوء إذا غلب على الظن أن الماء لم يصل إلى ما تحت الخاتم؟

    الجواب: لك أن تفعل ذلك، وكان ابن سيرين يفعله، كما ذكر ذلك البخاري في كتاب الوضوء، ولكن لا يلزمك تحريكه، وإنما هو من المستحبات، وإذا لم تحركه فلا حرج عليك.

    حكم بيع الذهب الذي على شكل صليب

    السؤال: ما حكم بيع الذهب الذي هو عبارة عن صليب والانتفاع بالمال الذي بيع به؟

    الجواب: لا يجوز؛ لأنه رمز الكفر، وشعار الشرك، فلا يجوز بيعه لهم؛ لأنهم يتعبدون به، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله قاعدة عظيمة جداً في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فقال: وينهى المسلم أن يبيع أو يؤجر لنصراني بيتاً أو محلاً إذا غلب على ظنه أنه يرفع فيه الصليب.

    حكم صلاة تحية المسجد لمن جاء قبل الإقامة وقد صلى سنتها في بيته

    السؤال: في الحديث: (إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر)، فهل إذا صليت ركعتي سنة الفجر في البيت ثم دخلت المسجد للصلاة أصلي ركعتي تحية المسجد أم لا؟

    الجواب: نعم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). فإذا صليت سنة الفجر في بيتك وأتيت قبل إقامة الصلاة فصل ركعتين، فإذا أتيت وقد أقيمت الصلاة فادخل في الصلاة، وإذا كنت قد بدأت في صلاة ركعتي تحية المسجد وأقيمت الصلاة فاخرج من صلاتك والحق بالإمام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمة الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).

    الاستمرار في النصيحة للعصاة

    السؤال: أختي تعمل سكرتيرة عند رجل في أحد المصارف، وهي متنمصة وعاقة لوالديها، ولقد وجهت إليها النصح كثيراً فلم تقبل، فماذا أفعل؟

    الجواب: أنت تتكلم عن واحدة لا يحكمها دين ولا شرع، فلا تمل من النصيحة في الليل والنهار، وأرفق بها بالحكمة والموعظة الحسنة.

    حكم حلق اللحية

    السؤال: هل حلق اللحية ذنب كبير؟

    الشيخ: نعم، حلق اللحية كبيرة من الكبائر، وهو إما أن يكون كبيرة بذاته كما قال الذهبي ، وإما أن يكون صغيرة وبتكرارها يصير كبيرة، وحالق اللحية يجدد حلقها دائماً، يعني: كل يوم قبل أن ينزل إلى شغله يأثم.

    حكم وضع المال في البنك بنية أن تكون أرباحه في سبيل الله

    السؤال: هل يجوز وضع المال في البنك مع نية أن تكون الأرباح في سبيل الله أو للفقراء؟

    الجواب: لو أنك فعلت ذلك في بنك فيصل، أو المصرف الإسلامي الدولي فلا حرج عليك أن تهنأ بهذا الربح أو تنتفع بهذه الزيادة، وإذا أردت أن تتخلص منها كذلك مع هذين البنكين فهو أفضل، والله أعلم.

    حكم حمل الهاتف الجوال في الحج

    السؤال: ما حكم الدين فيمن يحمل المحمول في أثناء حجه؟

    الجواب: يجوز ذلك، ولو حرمناه فسنحرم أن تتكلم مع أي جار لك أو قريب أو صديق أو ملازم لك في الحج، وسيكون الكلام في الحج ممنوعاً نهائياً، فما هو الفرق بين كلامك مع زميلك الذي بجوارك وبين الكلام بالمحمول؟ والشيخ ابن عثيمين نهى المعتمرين أو المعتكفين في رمضان أن يتصلوا بأهاليهم إلا لحاجة أو ضرورة ماسة، وهذا نهي استحسان، وقال: لا يجوز الخروج من المعتكف لكلام الأهل والخلان والأصحاب إلا لضرورة. وبعض من كان موجوداً أثار هذه القضية من أجل فتوى الشيخ ابن عثيمين ، وحملوا كلامه على أنه لا يجوز للمعتكف أن يتكلم مع أهله في المعتكف، مع أن كلام المعتكف مع امرأته جائز، والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم مع نسائه، فقد تكلم مع صفية ، ومع عائشة ، ومع أم سلمة ، وغيرهن، وإنما الذي نهى عنه الشيخ هو الخروج من المعتكف بغير عذر؛ لأن هذا قاطع للاعتكاف.

    حكم الأتاري

    السؤال: ما حكم الدين في الأتاري؟

    الجواب: الأتاري بلاء عظيم جداً، صرف الشباب، وأفسد الطلاب وغيرهم، فتجد الواحد يلبس ملابسه ويزعم أنه ذاهب إلى المدرسة، ولكنه لا يذهب إلى المدرسة، وإنما يذهب إلى أي ناد ويلعب إلى انتهاء وقت الدراسة، ثم يرجع إلى البيت، وكثير جداً من الطلاب والشباب والأولاد فسدوا بهذه الألعاب التي ظهرت هنا وهناك.

    كيفية دعوة النساء

    السؤال: لا يجوز دعوة النساء إلا بشروط، فكيف أدعو فتاة الجامعة والتي ليست بمفردها وإنما هي مع شاب أو عدد من الشباب؟

    الجواب: ولها ظهرك، وادفع لها ما عندك من حكمة وموعظة حسنة، وأمرها بالمعروف، وانهها عن المنكر، لا أن تجلس تنظر إلى عينيها وتقول لها كلاماً كثيراً جداً، ثم لا تنام الليل، قلقاً وتعبان، وتريد في اليوم الثاني أن تقابلها بأي شكل من أجل أن تدعوها أيضاً، ويكون ختاماً ليس مسكاً.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.