إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب الإيمان
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - ركن الإيمان بالله عز وجل

شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - ركن الإيمان بالله عز وجلللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وجود الله عز وجل تشهد به العقول والفطر المستقيمة، كما يشهد به الحس أيضاً، وقد جاء الشرع بذلك. والإيمان بالله عز وجل له أركان وشروط لا يكون العبد مؤمناً إلا بتحقيقها واستيفائها، ومن لم يحققها لم يكن مؤمناً بالله عز وجل.

    1.   

    ما يستلزمه الإيمان بالله

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله هي الركن الركين والأصل الأصيل في أركان الإسلام.

    فقد قال لما سئل: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، ثم عدد بعد ذلك فرائض الإسلام، فقال: (وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً).

    وسنؤخر الكلام عن بقية الشرائع؛ لأنه سيأتي لها كلام مستفيض من خلال تعرضنا لشرح الفقه من صحيح مسلم ، فهناك أبواب خاصة بالصلاة، وأخرى بالزكاة، وأخرى بالصوم والحج كذلك.

    ثم سأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)،. وسنتعرض هنا لأول ركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله عز وجل، وأركان الإيمان -كما هو معروف- ستة: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.

    والإيمان بالله يستلزم أمرين:

    الأمر الأول: الإيمان بوجود الله عز وجل.

    والأمر الثاني: الإيمان بتوحيد الله عز وجل.

    ولابد من هذين الركنين حتى يستقيم الإيمان بالله عز وجل، فلابد من الإيمان بوجود الله تعالى، ثم توحيده عز وجل، فهذان ركنان ركينان لابد منهما، ولا يستقيم إيمان العبد بواحد منهما دون الآخر، فمن آمن بوجود الله عز وجل ولم يوحده فليس بمؤمن، ومن وحد الله عز وجل ولم يكن مؤمناً بوجوده عز وجل فلا شك أنه يجري خلف سراب، وقد ركب مركباً صعباً، إذ كيف يوحد عدماً أو سراباً؟! فلا يستقيم توحيد العبد لله عز وجل إن لم يكن مؤمناً بوجود الله عز وجل.

    وأما الركن الثاني فهو توحيد الله عز وجل، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية أو الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

    فمن لم يؤمن بوجود الله عز وجل فليس بمؤمن، ومن آمن بوجود الله ولم يؤمن بانفراده بالربوبية فليس بمؤمن كذلك، ومن آمن بالله وأنه منفرد عز وجل بالربوبية ولكنه لم يؤمن بألوهية الله عز وجل فليس بمؤمن كذلك. وتوحيد الألوهية هو الذي أرسل الله عز وجل من أجله الرسل وأنزل عليهم الكتب؛ حتى يقام توحيد الله عز وجل، وتوحيد الإلهية يسمى كذلك توحيد العبادة، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية والألوهية ولم يؤمن بأسمائه وصفاته فليس بمؤمن.

    1.   

    الأدلة على وجود الله تعالى

    السؤال عن وجود الله عز وجل لا يصدر من أهل التوحيد والإيمان، ولكنه قد يصدر من أهل الشرك والكفران والجحود، أو من المنافقين الشاكين المرتابين، أو من جهال المسلمين كذلك، وهذا ليس على سبيل إنكار وجود الله عز وجل، ولكن ربما يكون هذا السؤال مفاده معرفة الله عز وجل بالأدلة القطعية.

    ولو كان هذا السؤال صادراً من أهل الشرك والكفران والجحود والنفاق فإننا نقول لهم: معرفة وجود الله عز وجل ثابتة بالعقل والحس والفطرة والشرع. ولم نقدم هذه الثلاثة على الشرع لأن الشرع يستحق التأخير، بل الشرع مقدم على كل شيء، ولكن قدمناها على الشرع لأننا نرد على إنسان لم يؤمن بالله عز وجل، ومن الصعب أن نحاجه بآيات الله عز وجل وبأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن نخاطب عقله وحسه وفطرته، ثم بعد ذلك نقول له: إن الذي ثبت عندك من خلال العقل والحس والفطرة قد ورد به الشرع، ثم نسرد له بعد ذلك الأدلة على وجود الله عز وجل.

    أولاً: دلالة العقل على وجود الله تعالى

    فأما دلالة العقل على وجود الله عز وجل فنقول: هل هذه الكائنات الموجودة وجدت بنفسها وبذاتها، أو وجدت هكذا صدفة؟ وهذا سؤال يطرح على أصحاب العقول؟ فإن قال ذلك المسئول: وجدت بنفسها؟ فالجواب: أن ذلك مستحيل عقلاً مادامت معدومة، وإذا كانت هي في أصلها معدومة فكيف وجدت؟ وكيف تكون موجودة وهي معدومة؟ فالمعدوم ليس بشيء حتى يوجد، فضلاً عن أنه يوجد غيره.

    وإن قال: وجدت صدفة فنقول: أيضاً هذا يستحيل، ثم نسأل هذا الجاحد: هل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات وأنواعها من زخارف الدنيا وجدت بنفسها أو وجدت هكذا مصادفة؟ فلا شك أنه سيقول: إن لها صانعاً، فيقال له: لا يمكن أن يكون غير ذلك، وكذلك هذه الجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد هكذا صدفة أو أن توجد نفسها.

    وقد قيل: إن طائفة من أهل الهند أتوا إلى أبي حنيفة رحمه الله -وكان أبو حنيفة رحمه الله من أذكياء العالم في ذلك الزمان- يسألونه عن وجود الله عز وجل، وقد كانوا جاحدين ومنكرين لوجود الله، وأصل الشرك ظهر في الهند، وسيطر الشيطان من أول أمره على بلاد الهند في عبادة غير الله عز وجل، فقال أبو حنيفة : ائتوني بعد يوم أو يومين، فلما جاءوه قالوا: ماذا قلت، أو ماذا فعلت؟ قال أبو حنيفة : أنا أفكر في سفينة مملوءة بالبضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء وأنزلت الحمولة ثم ذهبت وليس فيها قائد ولا حمالون، فقالوا له: أتفكر في هذا وأنت إمام المسلمين؟ قال: نعم، قالوا: إذاً: ليس لك عقل، فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف بدون قائد ولا حمال، فهذا ليس بمعقول، فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: كيف لا تعقلون هذا وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع ومدبر وخالق لها؟! فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم وعجزوا عن جوابه. والجاحد لآيات الله عز وجل ولوجوده لابد أن يخاطب بما يفهمه، أو بما تفنن فيه وتخصص فيه، ولذلك العرب الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم القرآن أن يأتوا بمثل القرآن أو بعشر سور، أو حتى بسورة واحدة، وقد كانوا أهل بلاغة وفصاحة، وحتى الذي كان منهم يفتري على الله عز وجل الكذب، ويأتي بآيات من عنده مفتراة ومكذوبة كان أصحابه يعلمون أنه يكذب، ويعلمون أن كلامه كلام بشر، وليس كلام الله عز وجل.

    وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير. وقد كان العرب ينظرون في الصحراء إلى أثر الأقدام، ويعرفون المار من خلال آثار الأقدام، وقد بلغوا في هذا مبلغاً عظيماً، فقد كانوا يقولون: صاحب هذا القدم هو ابن لصاحب هذا القدم.

    قال الأعرابي: الأثر يدل على المسير، والبعر يدل على البعير -أي: أن البعرة على الأرض إنما هي نتاج طعام وشراب لبعير كان هناك- فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟

    ولهذا قال الله عز وجل ذاماً وموبخاً للمكذبين الضالين: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35]. ومعنى الآية: هل خلقوا صدفة؟ أم هم الذين أوجدوا أنفسهم؟ وهذا الكلام خرج مخرج التوبيخ والتقريع لهؤلاء المكذبين الضالين. فدلالة العقل دلالة قطعية على وجود الله عز وجل.

    ثانياً: دلالة الحس على وجود الله عز وجل

    وأما دلالة الحس على وجود الله عز وجل فإن الإنسان يدعو الله عز وجل ويقول: يا رب! ويدعو بشيء ويستجاب له في هذا الشيء الذي دعا ربه به. وهذه دلالة حسية يراها الإنسان بعيني رأسه، ويرى إجابة الله تعالى لسؤاله ودعائه، فهو لم يدع إلا الله وقد استجاب الله له، وقد رأى ذلك رأي العين، وكذلك نسمع عمن مضى وعمن هو موجود ممن دعا واستجاب الله تعالى لدعائه وآتاه سؤاله، وقد صنف الحافظ ابن أبي الدنيا كتاباً بعنوان: مجابو الدعوة، وكثير من الصحابة رضي الله عنهم كانوا مجابي الدعوة، وكذلك الأنبياء كلهم بلا استثناء كانوا مجابي الدعوة.

    وقد دخل أعرابي والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال: هلكت الأموال يا رسول الله! وانقطعت السبل، وهلك الضرع والزرع -فشكا هذا الأعرابي القحط والجدب بسبب ارتفاع المطر وعدم نزوله، حتى كادت المدينة أن تهلك- فادع الله عز وجل أن يغيثنا بالمطر، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء ودعا الله عز وجل، يقول أنس : ووالله ما في السماء من سحاب ولا قزعة -أي: ولا قطعة سحاب ولا علامة سحاب- وما بيننا وبين سلع -وهو جبل في المدينة، تأتي من قبله السحب- من بيت ولا دار، أي: أننا لا يحجبنا عن المكان الذي يأتي منه السحاب بيت ولا دار، فكنا نرى السماء صافية تماماً، ولكن لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأدعية نزل المطر ولم يكف مدة أسبوع كامل، فدخل ذلك الأعرابي في الجمعة المقبلة، وقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، أي: بسبب كثرة مياه الأمطار وغزارتها، فادع الله لنا. وهذا يدل على أن الله تعالى استجاب دعاء نبيه في الجمعة الأولى وفي الجمعة الثانية، وهذه دلالة حسية على وجود الله عز وجل، وهذا أمر واقع وموجود، وهو يدل على وجود الخالق دلالة حسية.

    وقال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]. وقال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (دعاء المسلم بين ثلاث)، وفي رواية قال: (ما لأحدكم يدع الدعاء، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي؟ ودعاء المسلم بين ثلاث: إما أن يعجل الله تعالى له سؤاله في الدنيا -أي: بمجرد أن تسأل الله عز وجل يؤتيك سؤالك، ولعل هذا يكون أهونها، وأقلها فائدة لك- وإما أن يدفع عنه من البلاء مثله وأعظم، وإما أن يدخرها له في الآخرة فيكافئه الله بها)، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى على لسان أيوب: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ [الأنبياء:83]، أي: إذ دعا ربه أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]. ونحن نعلم ما نزل بأيوب عليه السلام من البلاء والضر في بدنه وفي ماله وفي أهله وفي امرأته كذلك، حتى قيل: إن لحمه تساقط، ولم يبق في بدنه إلا العصب والعظم والقلب يسبح الله تعالى به، وتناثر لحمه، وخرجت رائحته، حتى كان لا يكاد أحد يجرؤ على أن يقترب منه من نتن هذه الرائحة، ولم يكن يقترب منه في ذلك الوقت إلا امرأته، وظل هذا البلاء بأيوب عليه السلام ثمانية عشر عاماً، وكان إخوانه وأصدقاؤه وأصحابه يقولون له: إن هذا البلاء ما نزل بك إلا بذنب، ورجوه في أول الأمر أن يدعو الله عز وجل أن يرفع عنه البلاء، فرفض في أول الأمر، ثم لما كانت فتنة عظيمة دعا ربه وقال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]. فالله عز وجل قال: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء:84]. وقد قيل: إن امرأته احتاجت إلى أن تعمل خادمة في البيوت حتى تعيل نفسها وتعيل أيوب عليه السلام، وكثرت الروايات في هذا، ومنها ما هو غريب، ومنها ما هو من الإسرائيليات وغيرها.

    ولم يثبت أن نبياً من الأنبياء أكل من تكفف الناس أو سؤالهم، فامرأة أيوب كانت تعمل عند الناس مقابل أجر، ولم تكن تتكفف الناس حتى يعيلوا أيوب، وإنما كانت تعمل وتأخذ أجرها فتنفق منه على أيوب عليه السلام في مرضه، قال تعالى: فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ . فلما رجعت امرأته ذات يوم وجدت أيوب عليه السلام في أحسن صورة وأكمل هيئة، فتوارت عنه ولم تعرفه، حتى قال لها: أنا أيوب، قالت: سبحان الله! واستنكرت، فأخبرها أنه دعا ربه أن يرفع عنه الضر، فرفع عنه الضر، وأبدله صحة وعافية، وأرجع إليه أهله وماله وأولاده، فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84].

    وهذه دلالة أيضاً حسية على وجود الله عز وجل، وليس هو موجوداً من باب أنه اسم مفعول بمعنى مخلوق، فهذا كفر، وإنما موجود بمعنى واجد، فهو اسم مفعول على وزن فاعل.

    ثالثاً: دلالة الفطرة على وجود الله عز وجل

    والدلالة الثالثة على وجود الله عز وجل دلالة الفطرة، وكثير من الناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله عز وجل، حتى البهائم العجماوات تؤمن بوجود الله عز وجل.

    وروي عن أبي الصديق الناجي في قصة سليمان: أنه خرج بقومه يستسقون، فوجد نملة نائمة على ظهرها أو مستلقية رافعة يديها أو رجليها إلى السماء تستسقي الله عز وجل، فقال سليمان لقومه: ارجعوا فقد سقيتم بدعاء النملة. وهذه الرواية منقطعة بين أبي الصديق وسليمان عليه السلام، ولا تعرف هذه الرواية من قول النبي عليه السلام، ولا من قول أحد من أصحابه، وربما كانت من الإسرائيليات، وللإمام ابن القيم الجوزية عليه رحمة الله كلام كثير حول هذه الرواية في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية.

    والفطرة مجبولة على معرفة الله عز وجل، ولا أدل على ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة -وفي رواية: إلا يولد على فطرة الإسلام- فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه).

    فهذا الحديث يدل على أن الجبلة والفطرة الأولى التي خلق الله تعالى عليها الخلق أولاً هي فطرة التوحيد وفطرة الإسلام، ثم يأتي اللوث والنجس والوسخ بعد ذلك بسبب الآباء والمجتمعات، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي: يجعلانه يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً. وهذا الحديث يبين أن اليهودية والنصرانية والمجوسية من الكفر، وأن الإنسان إذا لم يكن مسلماً فلا بد وأن يكون كافراً.

    وقد أشار الله عز وجل إلى دلالة الفطرة في قلب ابن آدم، فقال الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172]. وهذه آية الميثاق التي أخذها الله عز وجل على ذرية آدم، فالله عز وجل أخرج هذه الذرية من ظهر آدم وصلبه وأشهدهم على أنه تعالى هو ربهم وإلههم، فشهدوا بذلك وأقروا به، فقال الله عز وجل: قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، أي: فلو قلتم هذا فلن يقبل منكم هذا العذر أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:173]. وهذا أيضاً عذر أقبح من ذنب، وهو غير مقبول ومردود عليكم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.

    فالذي يأتي بإحسان وبإسلام إلى الله عز وجل يتقبل الله تعالى منه ويجازيه جزاء المحسنين، ومن أتى بكفر وشرك وضلال فإن الله تعالى يعاقبه في الأولى والآخرة.

    رابعاً: دلالة الشرع على وجود الله عز وجل

    وأما دلالة الشرع فهو ما جاءت به الرسل من شرائع الله عز وجل المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق، وهذا يدل على أن الذي أرسلهم بها رب رحيم كريم عليم، ولاسيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله.

    1.   

    أنواع التوحيد

    والأمر الثاني اللازم للإيمان بالله عز وجل هو توحيد الله عز وجل، وهو ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

    أولاً: توحيد الربوبية

    فأما توحيد الربوبية فلم يكن محل إنكار عند المشركين أولاً، فقد كانوا يعلمون أن الله تعالى هو رب الأرباب، وهو الخالق الرازق المدبر لأمر خلقه وشئون كونه، ولكن اللوث دخل بعد ذلك.

    ومعنى توحيد الربوبية: إفراد الله عز وجل بالخلق والأمر والملك، والأمر بمعنى التدبير، أي: تدبير الكون والخلائق.

    فحتى تكون مؤمناً لا بد أن توقن بأن الله تعالى رب دون ما سواه، وأنه تعالى متفرد بالخلق، ولا خالق غيره، ومتفرد بالتدبير فلا مدبر غيره، ومتفرد بالملك فلا مالك على الحقيقة غيره، ودليل ذلك قول الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]. ووجه الدلالة من هذه الآية أنه لما قدم الجار والمجرور أفاد أن الخلق والأمر متفرد بهما الله عز وجل لا يشاركه فيهما غيره، ولو قلنا: الخلق والأمر لله لجاز أن نقول: لله ولغير الله، فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، بمعنى: أنه لا يصرف شيء من هذا إلى غيره، وألا أداة تنبيه، فالله عز وجل يستجمع القلوب والحواس وينبههم إلى خطورة هذا الأمر، ثم قال: لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ، فقدم له، والأصل أنه كان في الآخر، أي: الخلق والأمر له، فلما قدم هذا الجار والمجرور على أصل الجملة دل ذلك على أن الخلق والأمر منحصر لله تعالى، وهو المتفرد بهما، ولا يجوز لأحد أن يدعي الخلق أو يدعي الأمر.

    وأما الملك فدليله قول الله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:189]. ونقول في وجه الدلالة من هذه الآية ما قلناه في قول الله عز وجل: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]. أي: كان الأصل أن يقول: ملك السماوات والأرض لله، ولكنه قدم ما كان حقه التأخير فأفاد الحصر، أي: أن ملك السماوات والأرض لله وحده لا شريك له.

    إذاً: فالرب عز وجل منفرد بالخلق والملك والتدبير.

    شبهة حول النصوص التي أثبتت خلقاً لغير الله والرد عليها

    فإن قال قائل: كيف تجمع بين ما قررت وبين إثبات الخلق لغير الله؟

    يعني: أن هناك من خلق الله عز وجل من أثبت الله تعالى له الخلق أو أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم له الخلق، وقد ثبت هذا في قول الله عز وجل: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]. وكلمة أحسن تفيد بظاهرها أن هناك خالق، ولكنه ليس بأحسن خلقاً من الله عز وجل، وإنما الله عز وجل أحسن الخالقين على الإطلاق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المصورين: (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)، وهذا كلام خرج على سبيل التقريع والتوبيخ للمصورين الذين ينحتون ويصورون الصور يضاهئون بها خلق الله عز وجل، ومثل قول الله تعالى في الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي).

    والجواب: أن يقال: إن الخلق في اللغة خلقان: خلق بمعنى الإيجاد والتكوين من العدم، وخلق بمعنى التحويل، والله عز وجل له الخلق المطلق، أي: الإيجاد والتكوين الأصلي، وأما الذي يطلق عليه خالق من دون الله عز وجل فإنما يطلق عليه ذلك مجازاً، فيقال للنجار الذي يصنع هذا الطاولة مثلاً: قد خلقها وصنعها وفطرها، وليس معنى ذلك أنه خلقها من عدم، فمادة هذه الطاولة هي من خلق الله عز وجل، ولو اجتمع أهل الأرض جميعاً على أن يصنعوا ويخلقوا هذا الخشب فلن يقدروا على ذلك؛ لأن هذا هو ما تفرد الله عز وجل به منذ الأزل.

    فالخلق نوعان: خلق بمعنى الإيجاد والتكوين والإحياء، وخلق بمعنى التحويل، فالنجار قام بتحويل هذا الخشب إلى دولاب أو طاولة أو كرسي أو غير ذلك من الأشياء التي ينتفع بها، فإذا قيل: إن النجار هو خالق ذلك الشيء الذي صنعه، فإنما ذلك من باب المجاز أو باعتبار التحويل الذي هو عليه في الواقع.

    وقد قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج:73]. فقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (الذين) اسم موصول يشمل كل من دعي من دون الله عز وجل من ملائكة ومن أنبياء ورسل، ومن أولياء ومن شجر وحجر وشمس وغير ذلك، فكل من دعي من دون الله عز وجل يدخل تحت هذه الآية.

    فقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ كأنه تحد لهم، فلو كانوا يخلقون كخلق الله عز وجل فاجعلوهم وأمروهم أن يخلقوا ذبابة، والله عز وجل لما ضرب هذا المثال أراد به تعجيز من ادعى أنه يخلق كخلق الله عز وجل، فتحداهم أن يخلقوا أتفه وأصغر حشرة وهي الذباب، وإذا كانوا في حال اجتماعهم لا يقدرون على ذلك، فكيف بحال انفراد كل واحد منهم؟

    ثم قال الله عز وجل: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ [الحج:73]، أي: لو أن الذباب وقع على وجه ملك من ملوك الدنيا وأخذ منه شيئاً من طيبه أو من بدنه، فلن يستطيع ذلك الملك بجيوشه الجرارة أن يسترد من ذلك الذباب ما أخذه منه من طيب أو مسك أو غير ذلك. فانظر إلى تحدي الله عز وجل بأقل حشرة مما خلق الله عز وجل.

    ثم قال: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]. وهذه هي النتيجة، فالله تعالى هو الخالق المدبر لأمر الكون.

    الجمع بين النصوص التي تثبت تفرد الله بالملك والنصوص التي تثبت ملكاً وتدبيراً للمخلوق

    فإن قال قائل: كيف تجمع بين قولك: إن الله تعالى متفرد بالملك وبين إثبات الملك للمخلوقين، كما في قول الله تعالى: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور:61]، وقوله تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6]؟ فالجواب: أن الجمع بينهما من وجهين، الأول: أن ملك الإنسان للشيء ليس عاماً شاملاً، فلو أنك تملك كتابك فلا شك أنك لا تملك كتابي، فملك الإنسان قاصر عن ملك الله عز وجل؛ لأن ملك الله تعالى عام وشامل، وأما ملك الإنسان فمخصوص ببعض الأشياء، والخلائق وما يملكون ملك لله عز وجل.

    والثاني: أن ملك الإنسان للشيء ليس ملكاً حقيقياً، ولكنه ملك تصرف فقط، بدليل أنه لا يجوز له أن يتصرف فيما يملكه بدون شرع الله عز وجل، فإذا وهبه الله تعالى مالاً فليس حراً في إنفاق هذا المال فيما شاء، فليس حراً في أن يشرب به الخمر، ولا في إنفاقه في أي وجه إلا ما أمره الله عز وجل بإنفاقه فيه.

    وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه). والبعض يقول: هذا بدني وأنا حر فيه، هذا عمري وأنا حر فيه، وهذا وقتي وأنا حر فيه، وهذا فهم قاصر، فهو ليس حراً في عمره ولا في شبابه ولا في بدنه، والمقصود بالشباب هنا البدن؛ لأنه قال: (وعن شبابه فيما أبلاه). وهذا يدل على أن البلى يقع على البدن، ولو كان الإنسان حراً في شبابه لجاز له قتل نفسه، أو التردي من جبل، أو شرب السم، ولكن من يفعل هذا فإنه يكون منتحراً قاتلاً لنفسه بغير حق، ولو أن الله تعالى وهب الشخص مالاً من حلال فأنفقه في حرام لحاسبه عليه.

    فملك الإنسان في الحقيقة ملك قاصر ومحدود، وأما من حيث إباحة التصرف فليس له مطلق التصرف إلا فيما أذن الله تعالى له فيه.

    وأما التدبير فللإنسان تدبير. والفرق بين تدبير الإنسان وتدبير الله عز وجل من وجهين كالوجهين المذكورين في الملك، فالإنسان لا يستطيع تدبير إلا ما كان تحت حيازته وملكه، ولا بد أن يكون تدبيره على وفق الشرع الذي أباح له هذا التدبير. وخلق الله تعالى وملكه وتدبيره عام مطلق لا يستثنى منه شيء. وهذا هو توحيد الربوبية.

    أسباب نزول المرض بالعباد

    وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن القيم ، ومن قبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عليهما رحمة الله تبارك وتعالى، فينزل المرض بالعبد الصالح حتى يرفع الله تعالى به درجاته، وينزل على العبد العاصي حتى يكفر الله تعالى عنه خطاياه، وينزل بالأنبياء لفوائد عديدة جداً، منها: حتى لا يبلغ بهم أتباعهم مبلغ الألوهية؛ لأن المرض صفة نقص تلحق الإنسان، والله تعالى لا يلحقه مرض ولا تعب ولا كلل ولا ملل؛ لأن هذه صفات نقص تلحق المخلوقين دون الخالق سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى منزه عن كل صفات النقص.

    فالله عز وجل يبتلي الأنبياء حتى لا يبلغ بهم أتباعهم مبلغ الألوهية، كما بلغت النصارى بعيسى بن مريم عليه السلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)، أي: ثم الأصلح فالأصلح، ولا يمنع هذا أن ينزل بلاء بأصحاب المعاصي، حتى يكفر الله عز وجل عنهم خطاياهم ومعاصيهم.

    ثانياً: توحيد الألوهية

    القسم الثاني من أقسام التوحيد: توحيد الألوهية، وما من نبي أرسل في قومه إلا لأجل هذا التوحيد على جهة الخصوص، وكل العرب والمشركين والصابئة وغيرهم الذين كانوا في عهد إبراهيم ومن قبل إبراهيم عليه السلام كانوا يقرون بوجود الله عز وجل وأنه رب الأرباب، وأنه الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وغير ذلك من صفات الربوبية، ولكنهم كانوا يعبدون غيره، ومنهم من قال: إنه إله، وهو في السماء، ولا ينبغي أن ندخل عليه هكذا، وإذا كنا لا ندخل على الملوك دخولاً مباشراً فمن باب أولى -وهنا حكموا القياس والعقول- ألا ندخل على الإله وألا ندعوه إلا من خلال وسائط، وهذا تلبيس الشيطان عليهم. ويمكن مراجعة هذه المسألة في كتاب الداء والداء في منتصفه تقريباً لشيخ الإسلام ابن القيم. وقد فرض فرضاً فقال: إن المشركين لما عبدوا غير الله عز وجل واتخذوا الوسائط والشفعاء إلى الله عز وجل لم يكن قصدهم الشرك بالله، وإنما كان قصدهم تعظيم الله عز وجل وتبجيله، فكيف يعذبهم الله عز وجل ويعاقبهم على ذلك؟ ثم أجاب على ذلك جواباً متيناً جداً فيما يقرب من عشرين أو ثلاثين صفحة.

    فقد قسم الشرك إلى أنواع متعددة، شرك متعلق بذات الله عز وجل، وشرك متعلق بالعبادة، وشرك متعلق بالإرادة، وشرك متعلق بالأقوال والأفعال. ويمكن مراجعة هذا في الداء والدواء.

    فتوحيد الربوبية: هو إفراد الله عز وجل بالخلق والأمر الذي هو تدبير أمر الخلق والملك، الخلق المطلق، والتدبير المطلق، والملك المطلق. وأما خلق أو تدبير أو ملك المخلوق فليس مطلقاً، فإنك تقول: فلان رحيم، والله عز وجل تقول عنه: الرحيم، ورحمة المخلوق ليست كرحمة الخالق أبداً، وكما أنه لا نسبة أو قياس بين الخالق والمخلوق فكذلك لا يجوز قياس صفة من صفات المخلوق على صفة من صفات الخالق سبحانه وتعالى.

    وتوحيد الألوهية هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة، يعني: ألا تصرف شيئاً من عبادتك إلى غير الله عز وجل، ولو صرفت شيئاً من العبادة إلى غير الله فإنك لا تكون موحداً ولا عابداً على الحقيقة لله عز وجل، فلا تكون عبداً لغير الله عز وجل، ولا تعبد ملكاً ولا نبياً ولا ولياً ولا شيخاً ولا أماً ولا أباً، ولا تعبد إلا الله تعالى وحده، فتفرد الله عز وجل وحده بالتأله والتعبد، ولهذا يسمى توحيد الألوهية، أي: أنك لا تعبد إلا إلهاً واحداً، فتتأله وتتعبد له وحده، ومن هنا سمي هذا التوحيد بتوحيد الإلهية، أو توحيد الألوهية، ويسمى أيضاً توحيد العبادة، فباعتبار إضافته إلى الله تعالى يسمى توحيد الإلهية، وباعتبار إضافته للفاعل يسمى توحيد العبادة.

    أركان العبادة

    والعبادة مبنية على أمرين عظيمين وهما المحبة والتعظيم، والتعظيم يستلزم الخوف، ولو أنك نفذت أمراً من أوامر ملوك الدنيا فإن تنفيذك لهذا الأمر غير تنفيذك لأوامر الله عز وجل، فتنفيذ أوامر المخلوقين ربما يختل فيها شرط من هذين الشرطين، فلو أن جباراً من الجبابرة أمرك أن تفعل شيئاً لفعلته من باب الخوف، ولكنك لا تفعله من باب المحبة أبداً، والعبادة لابد أن تكون قائمة على محبة الله عز وجل والإقبال على هذه العبادة بحب وشغف، ولا بد أن تكون مقترنة بالتعظيم والخوف والرجاء لله عز وجل، فلا بد فيها من الخوف من الله عز وجل ومن عقابه ومن ناره، وكذلك الرجاء في رحمة الله عز وجل وفضله وثوابه وجنته وجزائه الأحسن في الدنيا والآخرة.

    قال الله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90]. فالرغب المحبة، والرهب التعظيم المستلزم للخوف والرجاء، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة والخوف، ولذلك كانت العبادة أوامر ونواه، أوامر مبنية على الرهبة وطلب الوصول إلى الآمر سبحانه وتعالى، ونواه مبنية على التعظيم والرهبة من هذا العظيم سبحانه وتعالى.

    فإذا أحببت الله عز وجل رغبت فيما عنده وفي الوصول إليه، وطلبت الطريق الموصلة إليه، ولا يمكن أن يكون هذا الطريق إلا من خلال النبي صلى الله عليه وسلم، فالطريق إلى الله هو طريق الأنبياء والرسل، وطريق نبينا صلى الله عليه وسلم نسخ جميع الطرق وجميع الكتب، فينبغي أن يوصل إلى الله عز وجل من خلال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والقيام بطاعته على الوجه الأكمل، فإنك إن عظمته خفت منه، وكلما هممت بمعصية استشعرت عظمة الخالق سبحانه وتعالى فنفرت منها، والله تعالى يقول: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24]. وهذه نعمة من الله على العبد، فإنه إذا هم بمعصية وجد الله أمامه فهابه وخافه وتباعد عن المعصية؛ لأنه يعبد الله تعالى رغبة ورهبة.

    فالعبادة تستلزم شرطين: الشرط الأول: المحبة، والشرط الثاني: التعظيم.

    مفهوم العبادة

    العبادة تطلق على أمرين: على الفعل وعلى المفعول، فهي تطلق على الفعل الذي هو التعبد، فلو أن رجلاً رآك وأنت تقوم وتركع وتسجد، لقال: إنك تعبد الله عز وجل بهذه الحركات التي تؤديها، فهي هنا تطلق على الفعل، وهو التعبد نفسه، كما تطلق على المفعول، وهو الذي تقربت به إلى الله تعالى، وهو التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وزكاة وحج وغير ذلك.

    وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهذا التعريف ينصب على المفعول، أي: على أعمال الجوارح وأعمال القلوب، وأقوال الجوارح وأقوال القلوب، أي: معتقدات القلوب، فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عرف العبادة بالمعنى الثاني، وهو إطلاقها على المفعول دون الفاعل.

    الأدلة على تفرد الله تعالى بالألوهية

    والدليل على أن الله تعالى متفرد بالألوهية قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]. فالله تعالى واحد في ألوهيته.

    وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. فالخلق إنما خلقوا لعبادة واحد فقط، وهو الله عز وجل، حتى تتعلق قلوبهم به تألهاً وتعظيماً وخوفاً ورجاء وتوكلاً ورغبة ورهبة، وحتى ينسلخوا عن كل شيء من الدنيا، والمخلوق لا بد أن يكون لخالقه قلباً وقالباً في كل شيء، وقد كانت دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى هذا الأمر الهام العظيم عبادة الله وحده لا شريك له، ولم يكن الرسل الذين أرسلهم الله عز وجل إلى البشر يدعون إلى توحيد الربوبية بالدرجة الأولى، وإنما يدعون إلى توحيد الألوهية؛ لأن منكري توحيد الربوبية قليلون جداً، مثل فرعون لما قال لموسى: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]. ففرعون أثبت لنفسه الربوبية والألوهية، فقد قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]. وقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ . وهذا كلام في معرض الإنكار على موسى عليه السلام. أي: أتدعي يا موسى! أن هناك رباً غيري؟ وقال: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر:36]، أي: من أجل أن أصعد وأنظر إلى إله موسى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:37]، أي: بل هو كذاب وضال.

    وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:18]. فأول من شهد له بالألوهية هو الله عز وجل، فشهد الله أنه لا إله إلا هو، ثم ثنى بعد ذلك وَالْمَلائِكَةُ [آل عمران:18]، ثم قال: وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران:18]. والقسط وهو: العدل، ولو ولم يكن لأهل العلم إلا هذه المنقبة لكفى. والله عز وجل أثنى على أهل العلم فقال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]؟ وكلما ازداد الرجل علماً ازداد معرفة بخالقه ومولاه وإلهه، والعالم بالله عز وجل يعلم حقيقة ما يجب لله عز وجل، ولا شك أنه يفرق عن غيره من الزهاد وغيرهم.

    ثم قرر الله عز وجل هذه الشهادة بقوله: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]. وهذا دليل واضح على أنه لا إله إلا الله عز وجل، وهذه الشهادة هي الشهادة الحق، وهي أعظم الشهادات.

    شبهة حول تسمية القرآن لأصنام المشركين آلهة والرد عليها

    فإذا قال قائل: كيف تقرون هذه الشهادة مع أن الله تعالى في كتابه يثبت أن هناك آلهة أخرى غيره، كما قال تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الشعراء:213]، وقال تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون:117]. قال: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ، أي: ومن يدع مع الله إلهاً آخر فإنما حسابه عند ربه؟ وقوله: لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ جملة خبرية اعتراضية، يقرر الله عز وجل فيها أن من عبد مع الله عز وجل إلهاً آخر لا يكون له عليه دليل ولا برهان، وبعض القراء يفهم من هذا أنه يجوز له أن يدعو مع الله عز وجل إلهاً آخر إذا كان له برهان، وهذا مثل الذين يؤولون ويحرفون الكلم عن مواضعه في قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]. فيقولون: نحن لا نأكله أضعافاً مضاعفة. وهذا فهم خاطئ لكلام الله عز وجل وآياته، وهو تحريف للكلم عن مواضعه.

    فقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ تقرير من الله عز وجل وإخبار بأن من دعا مع الله إلهاً آخر، فهذا الإله لا برهان له لا من جهة نفسه، ولا من جهة من ألهه وعبده، فلا يكون له دليل على صرف العبادة إلى غير الله عز وجل، ولذلك عقب الله تعالى بقوله: فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، أي: سيعاقبه عليه يوم القيامة، وأتبع ذلك بقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

    وقال الله عز وجل: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود:101]، وقال تعالى على لسان إبراهيم: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات:86]، أي: تبغون وتشرئب أعناقكم إليها، فأنتم تعبدون إفكاً وزوراً، وتعبدون التراب الذي صنعتموه بأيديكم، فتتوجهون إليه بالعبادة والتأله وأنتم قد صنعتموه بأيديكم، أفليس لكم عقل وفكر وقلوب واعية؟!

    فالجواب: أن ألوهية ما سوى الله تعالى باطلة، وهي مجرد تسمية فقط، ولذلك قال سبحانه وتعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم:23]. فسماها الله تعالى آلهة باعتبار تسميتهم هم، ثم ذكرها في معرض النقص والذم والتوبيخ والعجز، وأنها لا تملك نفعاً ولا ضراً، وكل ذلك بيد الله عز وجل، فهي باطلة، وما عبدها وتأله إليها إلا من ضل فهي ليست أهلاً لأن تعبد، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30].

    وهذان النوعان من أنواع التوحيد -توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية- لم يكن يجحدهما ولا ينكرهما أحد من أهل القبلة المنتسبين إلى الإسلام من قبل، ولكن هناك الآن من ينكر توحيد الألوهية، وهناك من ينكر توحيد الربوبية، وهذه الأمة لن تعدم خيراً، ولن تعدم شراً كذلك، فهناك من بني جلدتنا من يتكلم بألسنتنا بل ويتكلم بالكتاب والسنة -عياذاً بالله- وينكر أموراً معلومة من الدين بالضرورة، ويزحزح ثوابت ثبتت في قلوب الأمة وفي عقولها. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

    والهنود يعبدون البقرة، وهناك من يعبد الملائكة، وهناك من يعبد الشيطان، وهناك من يعبد الشجر والحجر والشمس والقمر، وغير ذلك من المعبودات التي هي من خلق الله عز وجل.

    تأليه السبئية لعلي بن أبي طالب

    و عبد الله بن سبأ اليهودي دخل الإسلام ليكيد للإسلام من باطنه، فادعى ألوهية علي بن أبي طالب ، وقد دخل من بوابة التشيع وحب آل البيت، حتى بلغ إلى الرفض، ثم بلغ بعد ذلك إلى تأليه علي بن أبي طالب ، ولما علم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذا أرسل في إثره يطلبه هو وأتباعه من السبئية الذين يتبعون عبد الله بن سبأ ، ثم خد لهم علي بن أبي طالب الأخاديد وأجج فيها النيران؛ ليحرق هذه الفرقة الضالة التي زاغت عن سبيل الله عز وجل، وأدعت ألوهية غير الله عز وجل في أحد من خلقه وهو علي بن أبي طالب .

    وقيل: إن عبد الله بن سبأ هرب منه، فلم يستطع علي أن يمسك به، وحرق أتباعه، وهم السبئية.

    ولما حرق علي بن أبي طالب أصحاب عبد الله بن سبأ قال: الآن أيقنت أنك أنت الله، فلم يرجع عن معتقده الفاسد، بل قال: الآن أيقنت أنك أنت الله؛ لأنه لا يحرق بالنار إلا رب النار.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : لقد صنع عبد الله بن سبأ كما صنع بولس حين دخل في دين النصارى ليفسد دين النصارى.

    وهناك بين اليهود والنصارى من العداوة والخلاف ما الله به عليم، ولكنهم يجتمعون لأن العدو واحد، وهو الإسلام وأهله، ولكنهم لو فرغوا من هذا -وهذا أبعد عليهم والشمس أقرب إليهم من هذا- فإننا سنرى بعد ذلك العداوة البغيضة بين اليهود والنصارى، وبين طوائف النصارى ذاتها، وقريباً أسلم رجل فقلت له: أنت كنت أرثوذوكسياً؟ فقال: أعوذ بالله أنا كنت كاثوليكياً. وكله كفر.

    وقد قسم التوحيد إلى هذه الأنواع بعد الأئمة الأربعة، فهم لم يكن معلوماً عندهم هذا التقسيم، وإن كان صورته معلومة في قلوبهم كأي علم من العلوم.

    ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات

    توحيد الأسماء والصفات هو الذي كثر الخوض فيه، وهو بيت القصيد في خلاف الفرق الإسلامية.

    وتوحيد الأسماء والصفات اختلف فيه الناس إلى طرفين ووسط، فمنهم الممثل والمشبه، وهذا يدور أمره بين التكذيب والتحريف، وعلى النقيض -أي: وعلى الطرف المقابل- هناك المعطل، والتعطيل قرين الشرك، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وكل معطل مشرك، فدل بهذا على أن التعطيل قرين الشرك.

    وهناك المعتدل وهم أهل السنة والجماعة.

    أول ظهور بدعة الخوارج

    وأول بدعة ظهرت في هذه الأمة هي بدعة الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ، وقد خرج زعيمهم على النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ذو الخويصرة التميمي ، عندما دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقسم ذهبية أتت إليه من اليمن من عند علي بن أبي طالب ، فقال: (يا محمد! اعدل، قال: ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟). وقد كان هذا أول خروج على الجناب النبوي، وهذه جرأة عجيبة وتبجح، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (سيخرج من ضئضئ هذا من يقاتل المسلمين)، أو قال: (من تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، ثم قال: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ولئن لقيتهم لأقتلنهم).

    ثم خرج أبناء ذلك الرجل التميمي ذي الخويصرة على علي بن أبي طالب وغيره، وقاتلوا المسلمين في عدة مواقع في الجمل وصفين وغيرها، وكانت لهم علامات وأمارات عرفوا بها، والنبي صلى الله عليه وسلم حددهم ووصفهم بأوصاف وأمارات، فظهروا بهذه العلامات التي وصفهم بها النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيخرج من ضئضئي هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم). أي: أنهم أصحاب عبادة، وقال كذلك: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم -أو قال: حناجرهم-).

    العبادة على علم وبصيرة

    وليس كل من عبد الله عز وجل وفي قلبه زيغ وضلال تشفع له هذه العبادة.

    وقد تجد رجلاً من أهل البدع أو من الجهال أو العباد لا يحسن من دينه إلا العبادة فقط وبمجرد أن تلقى عليه شبهة يصدقها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة : (لا يزال الناس يسألونك عن العلم يا أبا هريرة ! حتى يقول أحدهم: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول قائلهم: من خلق الله؟)، وهؤلاء هم أصحاب عبادة، قال أبو هريرة : (فإذا أنا ذات يوم في المسجد إذ دخل علي قوم من البادية، فقالوا: يا أبا هريرة ! من خلق السماء؟ قلت: الله، قالوا: من خلق الأرض؟ قلت: الله، قالوا: من خلق كذا فظلوا يسألون عن العلم، قالوا: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ فقال: فكان في يدي حصباء، أو قال: فتناولت كفاً من حصى فألقيته في وجوههم وقلت: قوموا عني صدق خليلي).

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر رواه البخاري ومسلم : (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا؟ فتقولون: الله، فيقول: ومن خلق الله؟ فإذا بلغ بكم ذلك المبلغ فقولوا: أعوذ بالله من الشيطان، أو قال: فاستعيذوا بالله وانتهوا)، وفي رواية مسلم قال: (قولوا: آمنا بالله ورسوله).

    فلا يغرنك عبادة أهل البدع، فإنما في قلوبهم مرض، ولذلك كان علي بن أبي طالب يؤدب العباد ويأمرهم بأن يتعلموا العلم أولاً، وأن يقفوا على ما يجب لله وما لا يجب له، وما يستحيل عليه من صفات النقص وغير ذلك، وكان يأمرهم أن يتعلموا دينهم أولاً، ثم إذا أرادوا أن يتفرغوا للعبادة تفرغوا لها، وهذا الكلام ذكره الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه، كما ذكره أيضاً ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، فمن أراد فليرجع إليه للاستزادة، فهو حسن إن شاء الله تعالى.

    فأول بدعة هي بدعة الخوارج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). نسأل الله أن نكون منهم، وهم أهل السنة والجماعة.

    يقول الإمام ابن تيمية : إن هذه الفرق الكثيرة التي هي ثلاث وسبعون مدارها على أربع فرق أو خمس، الخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والأشاعرة. وهذا الكلام في الأجزاء الأول من الفتاوى، وهو كلام مبعثر في عدة مجلدات، وأحيلك على العشرة الأجزاء الأولى من الفتاوى، فارجع إليها واستفد من كلام شيخ الإسلام عليه رحمة الله، وإن شئت فارجع إلى كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    بدعة القدرية

    ثم بعد الخوارج حدثت بدعة القدرية، وهم الذين قالوا: بنفي علم الله عز وجل، وبنفي كتابة الله عز وجل لما كان ولما سيكون إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

    بدعة المرجئة

    ثم حدثت بعد ذلك بدعة الإرجاء، والمرجئة هم الذين قالوا بتأخير العمل عن مسمى الإيمان، وقالوا: العمل لا علاقة له بالإيمان؛ لأن الإيمان هو التصديق والإقرار، فمن قال: أنا مؤمن وإن كان من أفسق الناس وأضل الناس فإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وهم القائلون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقاسوا هذا في مقابلة ذاك، فقالوا: ما دام لا ينفع الكافر طاعة فكذلك لا يضر المؤمن معاصية، وإن سرق وزنى وقتل وارتكب جميع الموبقات والمحرمات والكبائر فلا يضره ذلك، ولا يخرجه عن إيمانه مادام أقر بأنه يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهذا كلام مخالف لكلام أهل السنة والجماعة.

    بدعة المعتزلة

    ثم جاء قوم من الأذكياء بعد هذه الثلاث الفرق وهم المعتزلة، فأخذوا قليلاً من مذهب المرجئة، وقليلاً من مذهب الخوارج، وكونوا مذهباً جديداً، وقالوا: إن العقل مقدم على الوحي، والوحي ضلال. وسأذكر لك مثالاً ظريفاً جداً لتقديم العقل على النقل، حتى تعلم أن الذي يستمسك بالوحي يستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وأن الذي يعتمد على عقله لابد وأن يضل ويزل، ووقت الحاجة إليه لا يجده، ويفر منه فراره من الأسد.

    يقول صلاح الدين الصفدي في كتاب الوافي بالوفيات حاكياً عن شهاب الدين القرافي ، وهو كان إماماً في المعقول، وكان كل شيء يعرضه على عقله، فإن وافق العقل قبله، وإن خالف العقل رده، وعن العلامة الإمام القرطبي صاحب التفسير عليه رحمة الله، وكان إماماً في الأثر، ومتمسك بالكتاب والسنة والأثر، قال: جمعت الرحلة بين القرطبي وبين شهاب الدين القرافي إلى الفيوم، قال: فلما دخلاها ارتادا مكاناً ينزلان فيه، فدلا على مكان، فلما أتياه قال لهما إنسان: يا مولانا! بالله لا تدخلاه؛ فإنه معمور بالجان، فقال القرافي : ادخلوا ودعونا من هذا الهذيان، ثم إنهما توجها إلى جامع البلد حتى يفرش الغلمان المكان، ثم عادا، فلما استقرا بالمكان سمعا صوت تيس من المعز يصيح من داخل الخرستان، وكرر ذلك الصياح، فامتقع لون القرافي ، وخارت قواه وبهت، ثم إن الباب فتح، وخرج منه رأس تيس وجعل يصيح، فذاب القرافي خوفاً وارتمى على الأرض، وأما القرطبي فإنه قام إلى الرأس وأمسك بقرنيه وجعل يتعوذ ويبسمل ويقرأ قول الله عز وجل: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]. ولم يزل كذلك حتى دخل الغلام ومعه حبل وسكين، وقال: يا سيدي! تنح عنه، فأخرجه وأنكاه -أي: وطرحه أرضاً- وذبحه، فقالا له: ما هذا؟ فقال: لما توجهتما إلى الجامع رأيته مع شخص فاسترخصته واشتريته؛ لنذبحه لكم ضيافة لتأكلاه، وأودعته في هذا الخرستان، فأفاق القرافي من حاله وقال: يا أخي! لا جزاك الله خيراً ما كنت قلت لنا وإلا طارت عقولنا، يعني: وقت احتياجه إلى العقل لا يجد العقل، ولكنك لو كنت مستمسكاً بالأثر وطلبت أن تحتاج إليه تجده إن شاء الله تعالى.

    ثم إن المعتزلة الذين يدعون أن العقل مقدم على الوحي قالوا قولاً بين قول المرجئة وقول الخوارج، فقالوا: الذي يفعل الكبيرة ليس بمؤمن -كما قال الخوارج- وليس بكافر -كما قال المرجئة- وإنما هو في منزلة بين منزلتين، كرجل سافر من مدينة إلى مدينة وهو في الطريق بين المدينتين، فلا هو في المدينة التي خرج منها، ولا هو وصل إلى المدينة التي هو ذاهب إليها، هذا في أحكام الدنيا، وأما في الآخرة فهو مخلد في النار. هذا كلام المعتزلة. وهو كلام كله تخبط وضلال.

    بدعة الجهمية

    ثم حدثت بدعة الجهمية، وهم الجهم بن صفوان وأتباعه، وهذه البدعة لا تتعلق بمسألة الأسماء والأحكام، بل تتعلق بذات الخالق سبحانه وتعالى، فقد تدرجت البدع في صدر الإسلام، حتى وصلت إلى الخالق جل وعلا! وهذا لا يقبل العقل أن يتصف الله به.

    وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.