إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - المقدمة - ترجمة الإمام النووي [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإمام النووي من العلماء الذين أعلى الله بهم الحق، ونصر بهم الدين، وقد اجتهد في طلب العلم منذ الصغر، حتى صار من أكابر العلماء، وساعده على ذلك نفس تواقة إلى المعالي، زاهدة في متاع الدنيا الفاني، لا تأخذها في الله لومة لائم.

    1.   

    مقدمة

    الحمد الله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    تكلمنا في الدرس الماضي عن حياة الإمام مسلم وعن جانب صغير من صحيحه، وعند تناولنا هذا الكتاب العظيم ألا وهو شرح صحيح مسلم للإمام النووي عليه رحمة الله كان لزاماً علينا أن نتعرف على جانبين من حياة شيخ الإسلام الإمام النووي .

    أما الجانب الأول وهو موضوع درسنا اليوم: الكلام عن سيرته الذاتية، وعن حياته الشخصية من حيث نسبه، وطلبه للعلم، ورحلته، وحياته الاجتماعية، وشيوخه وتلاميذه، ثم جهاده في سبيل الله، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وهذا جانب عظيم في حياة شيخ الإسلام النووي .

    وفي الدرس القادم بمشيئة الله تعالى نتعرف على جانب في غاية الأهمية في حياة الإمام وفي حياة غيره من أئمة الإسلام، يخطئ فيه كثير من الناس، ألا وهو عقيدة شيخ الإسلام الإمام النووي، وموقف أهل السنة من عقيدته، بل من زلاته وأخطائه التي وقع فيها في شرحه على الصحيح وفي غيره أيضاً، هل هو من أهل البدع ووافق الحق أحياناً، أم هو من أهل السنة ووافق أهل البدع خطأً؟

    كل ذلك سنتعرف عليه في الدرس القادم، ونقعّد القواعد ونؤصل الأصول التي ينبغي مراعاتها عند الحكم على الرجال والأشخاص والكتب بمشيئة الله تعالى.

    1.   

    ترجمة الإمام النووي

    اسمه ونسبه

    هو شيخ الإسلام الإمام الحافظ يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام أبو زكريا محيي الدين النووي الدمشقي الشافعي المذهب، ولكنه كان مجتهداً في المذهب ورأساً فيه، فلم يكن مقلداً لشيخه الإمام الشافعي ، بل خالفه في مواطن كثيرة، وهذا شأن المتبع للنبي صلى الله عليه وسلم ولهديه ولسيرته؛ أنه لا يقلد ولا يجوز له أن يقلد ما دام قد بلغ درجة التمييز بين الآراء والتمحيص بينها، ثم يختار لنفسه ولأمته ما يترجّح به الدليل، أما التقليد فإنه لا يجوز إلا في حق العامة فقط، وإذا كان العامي يجوز له هذا فإنه لا يأخذ من تقليده ما يوافق هواه، ولكن عليه أن يسأل أكثر من عالم ثم يأخذ بما تطمئن إليه نفسه إن خلا ذلك عن الهوى وعن المصلحة الشخصية.

    وقرية (نوى) هي مسقط رأس الإمام النووي ، وهي قرية من أعمال دمشق، وكان جده الأعلى -وهو حزام - نزل بها على عادة العرب أنهم كانوا يرحلون ويحطون رحالهم في أماكن ويستقرون بها، فكذلك فعل جده الأعلى حزام ، فأقام بها ورزقه الله تعالى ذرية كثيرة.

    مولده ونشأته

    الإمام النووي ولد في عام (631هـ ) أي: في أوائل القرن السابع الهجري، وتولى والده الصالح رعايته وتأديبه، ونشأه تنشئة طيبة، فحضه منذ الصغر على طلب العلم حين لاحظ فيه من مخايل النجابة والذكاء والاستعداد الفطري.

    الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي وهو من بلاد المغرب مر بنوى مصادفة ذات مرة فقال: رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين -يقصد الإمام النووي - بنوى والصبيان يُكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، أي: يجري أمامهم وهو طفل عمره (10) سنوات، ويبكي حين يكرهونه على اللعب معهم، وهو يقرأ القرآن على تلك الحال. قال: فوقع في قلبي محبته، وكان قد جعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن.

    قال: فأتيت معلمه فوصّيته به وقلت له: إنه يُرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجّم أنت؟ قلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذُكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الحلم.

    رحلته في طلب العلم

    وحينما كانت بيئة الإمام النووي بيئة صلاح ولكنها لا تُشبع نهمه في طلب العلم قدم به والده إلى دمشق سنة (649هـ) وكان عمره (19) سنة، وكانت دمشق موئل العلماء، ومنهل الفضلاء، ومهوى أفئدة طلاب العلم، وكان فيها من المدارس التي يُدرّس فيها مختلف أنواع العلوم ما يزيد على (300 ) مدرسة، ومنذ أن حط رحله فيها التقى بالشيخ عبد الكافي بن عبد الملك الربعي المتوفى سنة (689هـ ) وأطلعه على دخيلة نفسه، وما ينويه من طلب العلم، فأخذه وتوجه به إلى حلقة العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم بن الفركاح المتوفى سنة (690هـ) فقرأ عليه دروساً، وبقي يلازمه مدة، ثم التمس من شيخه هذا مكاناً يأوي إليه ويسكن فيه، فدله على شيخ المدرسة الرواحية، وهذه المدرسة بناها أحد التجار المعروف بـابن رواحة في دمشق أيضاً.

    قال: فدله على شيخ المدرسة الرواحية الإمام الفقيه كمال الدين إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ، فتوجه إليه ولازمه وأخذ عنه وسكن المدرسة الرواحية، وقد ذكر النووي رحمه الله أنه بقي نحو سنتين لا يضع جنباً على الأرض. أي: أنه بقي سنتين لا ينام وإنما يغفو إغفاءة ثم يستيقظ وهو جالس، وهذا فيه همة عالية في طلب العلم، إذا كان هذا الإمام أو غيره ممن كتب الله تعالى لذكرهم البقاء.

    فقال: ويتبلغ بشيء من القوت اليسير، وحفظ التنبيه في نحو أربعة أشهر ونصف، وهو متن عظيم في الفقه، ثم حفظ ربع العبادات من المهذب في باقي السنة وهو يشرح ويصحح على شيخه كمال المغربي ، وقد أُعجب به شيخه أيما إعجاب؛ لما رأى من دأبه وحرصه وانصرافه إلى طلب العلم، فأحبه محبة شديدة وجعله معيد الدرس في حلقته -أي: أن الشيخ إذا فرغ من درسه جعل الإمام النووي يعيده في المدرسة الرواحية- حتى أقبل على طلب العلم بنهم وشغف وجد واستعداد وهمة لا تعرف الكلل والملل، فكان يقرأ كل يوم (11) درساً وقيل: (12) درساً على العلماء شرحاً وتصحيحاً: درسين في الوسيط للغزالي ، وثالثاً في المهذّب للشيرازي ، ودرساً في الجمع بين الصحيحين للحميدي ، وخامساً في صحيح مسلم ، ودرساً في إصلاح المنطق لـابن السكيت ، ودرساً في اللمع لـابن جني ، ودرساً في أصول الفقه في اللمع للشيرازي أيضاً، والمنتخب للفخر الرازي ، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين -أي: في العقيدة- وكان يُعلّق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، وإيضاح عبارة، وضبط لغة.

    صفاته التي أهلته للطلب ووصاياه لطلاب العلم

    هذا الذي نعده إنما يدلنا على أن الإمام قد حرص على أن يأخذ من كل فن بنصيب، ومن كل علم بحظ وافر، وما كان ينام من الليل إلا أقله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18]، وإذا غلبه النوم استند إلى الكتب لحظة ثم يفيق وينتبه، وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلاً ونهاراً، وهجره النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التربي على الشيوخ، حتى إنه إذا مشى في الطريق كان يشتغل في تكرار ما يحفظ -أي: أنه في أثناء سيره لم يكن يضيع الوقت، ولكنه كان يراجع محفوظاته- فإذا وصل إلى الدرس التحم ذكره في الشوارع وقراءته ومراجعته لهذه الدروس بدرسه الذي يُسمعه الطلاب، فما كان يضيع من وقته لحظة واحدة، وهذا شأن الحريص على طلب العلم.

    وكان قوي المدرك حاضر البديهة تنثال عليه المعاني انثيالاً في وقت الحاجة إليها -كان إذا أراد أن يستشهد بشيء أو يأتي بأدلة لمسألة كانت تنثال انثيالاً وكأنه يقرأ من كتاب- وهذا يدل على قوة القريحة لديه رحمه الله تعالى.

    وكان يتعمق في المسائل العلمية ولا يكتفي بدراسة ظواهرها ولا يتقلد قول الغير فيها إلا بعد التحقق من صحة دليله وجودة مخرجه.

    وكان رحمه الله تعالى يتمتع بحافظة قوية مستوعبة أتاحت له السيطرة الفكرية على ما يقرأ بحيث يربط أقصاه بأدناه، وأوله بآخره، وأجزاءه بعضها ببعض.

    وكان رحمه الله تعالى تتمثل فيه الآداب التي ذكرها في كتابه المجموع في الجزء الأول من المقدمة، ذكر مقدمة في غاية الروعة والمتانة ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، فكان من بين هذه العناصر والنصائح أنه قال: ينبغي للمتعلم أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى، فلا يقصد به رياسة، ولا سمعة، ولا رياء، ولا إشارة بالبنان إليه، ولا عرضاً من أعراض الدنيا من جاه وسلطان ومال وغير ذلك، إنما يقصد به وجه الله تعالى، فمن كان طالباً للعلم فليعلم أن مطلوبه هو أعز وأشرف مطلوب، فليعد أعز العدة له، وأعزها وأفضلها إنما هو تقوى الله عز وجل والإخلاص في طلبه لله دون سواه، فهذا الإمام إنما نبّه وأكد على الإخلاص في طلب العلم في مقدمة تنبيهاته وتوجيهاته من المجموع.

    ثم ثنى بعد ذلك بقوله: وأن يتحقق بالمحاسن التي ورد الشرع بها وحث عليها، والخلال الحميدة والسير المرضية التي أرسل إليها من التزهد في الدنيا والتقلل منها، وعدم المبالاة بفواتها، والسخاء، والجود، ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه والبشاشة، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.

    ثم ثلث بقوله: وأن يحذر من الحسد والرياء والإعجاب واحتقار الناس وإن كانوا دونه درجات، وهذا ما نفتقده نحن الآن، فالواحد منا إذا طالع كتاباً واحداً لا يمكن التفاهم معه؛ لأنه يظن أنه قد حاز العلم بحذافيره، لمجرد أنه يقرأ الجزء الأول من فقه السنة يظهر عليه الكبر والعجب والتيه والخيلاء في مشيه وكلامه وجلوسه وقعوده ومعاملته مع الخلق، بل ومعاملته مع الله عز وجل، وذلك لأنه طلب على غير شيخ، ثم لم يعد العدة ولم يتهيأ ولم يتأدب بالآداب التي ينبغي أن يتعلمها أولاً قبل أن يتعلم العلم؛ ولذلك الحسن البصري يقول: نحن في حاجة إلى قليل من الأدب أكثر من حاجتنا إلى كثير من العلم.

    وقيل للشافعي : كيف شهوتك للأدب؟ قال: والله إني لأسمع بالحرف الواحد منه فأتمنى لو تكون كل جوارحي آذناً حتى تنعم بهذا الحرف.

    قيل له: كيف طلبك إياه؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره.

    وانظر عندما تكون هناك امرأة ليس لها إلا ولد واحد، وهذا الولد ضل وتاه عنها، تبحث عنه بحث المجنونة عليه، فكذلك كان يفعل الإمام الشافعي ، فينبغي قبل أن يطلب الطالب العلم أن يطلب الأدب؛ لأنه إن طلب الأدب أولاً انتفع بالعلم، وإن لم يطلب الأدب أولاً لم ينتفع لا بالعلم ولا بالأدب.

    ثم يقول: وعليه أن يداوم مراقبة الله تعالى في علانيته وسره، محافظاً على قراءة القرآن والأذكار والدعوات ونوافل الصلوات والصوم وغيرها، معولاً على الله في كل أمره، معتمداً عليه مفوضاً في كل الأحوال أمره إليه.

    ثم قال: وعليه أن يستمر مجتهداً في الاشتغال بالعلم قراءة وإقراءً، ومطالعة وتعليقاً، ومباحثة ومذاكرة، ولا يستنكف من التعلم ممن هو دونه في سن أو نسب أو دين أو في علم آخر أو غير ذلك.

    وعليه أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له، أما إذا لم يتأهل له فلا شك أنه يحرم عليه أن يتصدى للتصنيف، وينبغي له أن يحرّض طلابه على الاشتغال في كل وقت، ويطالبهم بحفظ ما يلزم حفظه، وينير أذهانهم بطرح الأسئلة المهمة عليهم.

    ومن أهم ما يؤمر به ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره؛ لأنك إذا منعت طلابك من أن يسمعوا لغيرك فلا شك أنهم سيتعلمون الجمود؛ لأنه ربما لا تلقي عليهم أنت إلا رأياً واحداً هو الذي تعتنقه وتعتقده، فيخرج الطالب أفقه ضيّق جداً لا يعرف في كل مسألة إلا قولاً واحداً، فلو صدم بالرأي الثاني أو الثالث أو العاشر أو المائة فيستنكر كل هذه الآراء؛ لأنه تربى على رأي واحد وعلى شيخ واحد، وقديماً قالوا: الذي له شيخ واحد كالذي له امرأة واحدة إن حاضت حاض معها، وإن نفست نفس معها، وإن طهرت طهر معها، فينبغي أن يكون لطالب العلم علماء ومشايخ كثر حتى يتعلم من الجميع.

    تلك هي أهم خصائصه العلمية.

    الجانب الخلقي للإمام النووي رحمه الله

    وأما الجانب الخلقي من شخصيته عليه رحمة الله: فقد كان على جانب عظيم من التقوى والإنابة، فهو كما أشرنا منذ نعومة أظفاره كان يستشعر خشية الله فينفر عن اللهو وينصرف عن اللغو، ويملأ فراغه بقراءة القرآن والأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله تعالى، وكان رأساً في الزهد قدوة في الورع، يتقلل من الدنيا ويعرض عن مفاتنها ومتعها، ولا يتناول منها إلا ما يقيم أوده، ويعينه على القيام بما هو آخذ بسبيله.

    قال الإمام الذهبي : ولي الإمام النووي دار الحديث، وكان لا يتناول من معلومها شيئاً، يعني: الجعل الذي كانت تنفقه المدرسة على أبنائها وطلابها وعلمائها لم يكن يتناول منه شيئاً، بل يتقنع بالقليل مما يبعث به إليه أبوه، كان أبوه يبعث إليه بالجرايات -أي: الطعام والشراب الذي يأكله- وكانت أمه ترسل إليه كل عام قميصاً أو قميصين يلبسهما، فما كان يلبس من أحد، ولا يأكل من أحد، وما كان يقبل هدية طالب من الطلاب.

    وهذه سيرة كثير من أهل العلم السالكين، أنهم ما كانوا يقبلون هدايا تلاميذهم الذين ليس بينهم وبين بعض تبادل هدايا، أي: لو أن طالباً يتبادل مع شيخه الهدايا فلا بأس أن يأخذ منه الشيخ، وأما إذا كانت الهدية مقدمة من التلميذ، وهذا الشيخ لا يعرف التلميذ إلا أنه تلميذه في الحلقة، وليس بينهم من الود ما يسمح له بقبول الهدية فإن الشيخ كان يمتنع عن قبول الهدية التي بهذا الوصف.

    قال: وكان لا يأخذ من أحد شيئاً، ولا يقبل إلا ممن تحقق دينه ومعرفته، ولا له به علاقة من إقراء وانتفاع به.

    ويقول أيضاً الإمام الذهبي عنه: كان عديم الميرة -أي: الطعام والشراب- والرفاهية والتنعم، مع التقوى والقناعة والورع الثخين، والمراقبة لله تعالى في السر والعلانية، وترك رعونات النفس من ثياب حسنة، وأكل طيب، وتجمل في هيئة، بل طعامه جلف الخبز بأيسر إدام، ولباسه ثوب خام وشيخنانية لطيفة.

    هذا ما كان يأخذه لنفسه، ولكنه عند الفتوى وعند شرح الأحاديث يكون له موقف آخر، فإن هذا جانب الورع، والورع لا يُجبر عليه العبد، وإنما يُنصح به مجرد نصيحة، وله بعد ذلك أن يأخذ به أو لا يأخذ كالإحسان تماماً، فإنك لا تستطيع أن تحمل عبداً على الإحسان، ولكنك تستطيع أن تحمله على الإيمان وعلى الإسلام، وإلا فله حكم آخر في الشرع، أما الإحسان فهو المراقبة بينك وبين الله عز وجل، ولا يستطيع أحد أن يحملك عليه إلا الله عز وجل يرزقك إياه، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإحسان والورع!

    وأما الورع فكان ديدن الإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى، أما عند شرحه للأحاديث فهذا شيء آخر يتعلق بجميع المسلمين، فإنه عند الفتوى والتحقق والإفتاء لا يجوز لي أن أحمل الناس على ما أنا عليه، فكذلك كان الإمام يفعل.

    قال: ولكنه في باب الفتيا كان ينهج منهج القصد والاعتدال، فقد علّق على حديث عائشة رضي الله عنها المخرّج عند مسلم : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل)، يقول: فيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق، وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إذا حصل اتفاقاً.

    أي: إذا لم يحرص عليه العبد، ولكنه قُدّم إليه دون طلب.

    قال: وكان رحمه الله تعالى يسدي النصح للعظماء والكبار بأسلوب تلمح فيه عزة المؤمن ونزاهة القصد وكمال الشفقة للمنصوح، وله في ذلك مواقف رائعة مدونة في الكتب التي أُلفت في مناقبه تستوجب الإكبار والاعتداد، وتصلح أن تكون مثلاً أعلى للاحتذاء.

    1.   

    منهج الإمام النووي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة البدع

    والإمام النووي عليه رحمة الله تبارك وتعالى كان شديد الإنكار والتنكر للبدع وأهلها، ولا يحابي في ذلك أحداً كائناً من كان، رائده في ذلك الإخلاص في طلب الحقيقة، فقد قال في الأذكار: اعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضي الله عنهم: السكوت في حال السير مع الجنازة؛ لأنه في عهد الإمام النووي كانوا يصيحون ويكبّرون ويهللون خلف الجنازة، فالإمام النووي كان حرباً على البدع وأهلها، فلما رأى ذلك أنكره.

    قال: فلا يرفع صوتاً بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، هذا هو الحق.

    ثم يقول: ولا تغترن بكثرة من يخالفه- أي: يخالف هذا-فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض رضي الله عنه ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين.

    عليك بالذين اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان القائم على ذلك قلة من الناس وقلة من الخلق، فإن الحق لا يُعرف بكثرة الأتباع إنما يُعرف بصدق الاتباع.

    قال: وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه فقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه.

    وهو أيضاً موجود في بلادنا هذه، وكثيراً ما نسمع في الجنازات: لا إله إلا الله، وغير ذلك من الصيحات التي تعلو بين الفينة والفينة، فلا شك أن هذا كله من البدع، فحرام بإجماع العلماء.

    ثم يقول: وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه، وقسط من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراء، والله المستعان.

    الإمام النووي له مؤلفات عظيمة جداً ألف في كل فن وفي كل علم، والله عز وجل قد كتب القبول لمؤلفاته ومصنفاته، وهذا القبول الذي كتبه الله تعالى لمصنفات الإمام في الأرض إنما هو بفضل الله أولاً ثم بإخلاص الإمام؛ ولذلك الإمام مالك عليه رحمة الله تبارك وتعالى حينما صنّف كتاب الموطأ قام الناس في المدينة كلهم يصنفون موطآت، وذلك حينما طلب الخليفة من الإمام مالك أن يؤلف كتاباً، ويوطئه توطئة، ويمهّده تمهيداً لأهل الإسلام حتى يوزعه في الأمصار، فقام كل الناس يقولون: نسارع فلعل موطآتنا تكون أحسن من موطأ الإمام مالك ، فلما قيل للإمام مالك : إن الموطآت قد كثرت بالمدينة، قرأ قول الله عز وجل: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17].

    قال: إن الله تعالى يذهب بهذه الموطآت ويبقي ما أريد به وجهه.

    فهل تسمعون الآن عن موطأ غير موطأ الإمام مالك ؟ فهناك موطآت كثيرة ومطبوعة ولكن لم يُكتب لها القبول والشهرة والانتفاع بها عند الناس إلا موطأ الإمام مالك.

    1.   

    مواجهة الإمام النووي للسلاطين ومناصحته لهم بالرسائل

    رسالة النووي للسلطان يطالب الإشفاق على رعيته

    قال ابن العطار رحمه الله تعالى: وكان مواجهاً للملوك والجبابرة بالإنكار، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان إذا عجز عن مواجهة كتب الرسائل، ويتوصل إلى إبلاغها، فمما كتبه وأرسلني في السعي فيه وهو يتضمن العدل في الرعية وإزالة المكس عنهم، وكتب معه في ذلك شيخنا شيخ الإسلام أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ أبى عمرو ، وشيخ الحنابلة وشيخنا العلامة قدوة الوقت أبو محمد عبد السلام بن على بن سر الزواوي شيخ المالكية، وشيخنا العلامة قدوة الوقت ذو العلوم أبو بكر بن محمد بن أحمد السويسي المالكي، وشيخنا العارف القدوة أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ العارف ولي الله عبد الله بن الأرمني ، وشيخنا المفتى أبو حامد محمد بن العلامة أبى الفضائل عبد الكريم بن الجرستاني خطيب دمشق وابن خطيبها، وجماعة آخرون ووضعها في ورقة، وهذه صورتها:

    بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يحيى النووي : سلام الله ورحمته بركاته، على المولى المحسن، ملك الأمراء، بدر الدين، أدام الله الكريم له الخيرات، وتولاه بالحسنات، وبلغه من خيرات الآخرة والأولى كل آماله، وبارك له في جميع أحواله، وننهي إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيش، وضعف حال، بسبب قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي وغير ذلك، وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الرعية والسلطان ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم، فإن الدين النصيحة، وقد كتب خدمة الشرع الناصحون للسلطان المحبون له كتاباً يذكره النظر في أحوال رعيته، والرفق بهم، وليس فيه ضرر، بل نصيحة محضة، وشفقة تامة، وذكرى لأولي الألباب، والمسئول من الأمير أيده الله تقديمه إلى السلطان، أدام الله له الخيرات، ويتكلم عليه من الإشارة بالرفق بالرعية بما يجده مدخراً له عند الله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:30]، وهذا الكتاب الذي أرسل به العلماء إلى الأمير أمانة ونصيحة للسلطان أعز الله أنصاره والمسلمين كلهم في الدنيا والآخرة، فيجب عليكم إيصاله للسلطان أعز الله أنصاره، وأنتم مسئولون عن هذه الأمانة ولا عذر لكم في التأخير عنها، ولا حجة لكم في التقصير فيها عند الله تعالى، وتسألون عنها: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37]. وأنتم -بحمد الله- تحبون الخير، وتحرصون عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهم الخيرات وأفضل الطاعات، وقد أهلتم له، وساقه الله إليكم، وهو فضل من الله ونحن خائفون أن يزداد الأمر شدة إن لم يحصل النظر في الرفق بهم. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201] وقال الله تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة:215] والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، بما إذا فعلتموه وجدتموه عند الله إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    فلما وصلت الورقتان إليه أوقف عليها السلطان، فرد جوابهما رداً عنيفاً مؤلماً، فتكدرت خواطر الجماعة الكاتبين وغيرهم.

    فكتب رحمه الله جواباً لذلك الجواب:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم.

    من عبد الله يحيى النووي ، يُنهي أن خدمة الشرع كانوا كتبوا ما بلغ السلطان أعز الله أنصاره، فجاء الجواب بالإنكار والتوبيخ والتهديد، وفهمنا منه أن الجهاد ذكر في الجواب على خلاف حكم الشرع، وقد أوجب الله إيضاح الأحكام عند الحاجة إليها، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] فوجب علينا حينئذ بيانه وحرم علينا السكوت، قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:91].

    وذكر في الجواب أن الجهاد ليس مختصاًً بالأجناد، وهذا أمر لم ندعه ولكن الجهاد من فرض كفاية، فإذا قرر السلطان له أجناداً مخصوصين ولهم أخباز معلومه من بيت المال، كما هو الواقع تفرغ باقي الرعية لمصالحهم ومصالح السلطان والأجناد وغيرهم من الزراعة والصنائع وغيرها، الذي يحتاج الناس كلهم إليها، فجهاد الأجناد مقابل بالأخباز المقررة لهم، ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء مادام في بيت المال شيء من نقد أو متاع أو أرض أو ضياع تباع أو غير ذلك.

    وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان أعز الله أنصاره متفقون على هذا، وبيت المال معمور، زاده الله عمارة وسعة وخيراً وبركة في حياة السلطان، المقرونة بكمال السعادة له والتوفيق والتسديد والظهور على أعداء الدين، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126] إنما يستعان في الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثَار النبي صلى الله عليه وسلم، وملازمة أحكام الشرع، وجميع ما كتبناه أولاً وثانياً هو النصيحة التي نعتقدها، وندين الله بها، ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه.

    والسلطان يعلم أنها نصيحة له، وللرعية، وليس فيها ما يلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا بأنه يحب الشرع ومتابعة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الرفق برعيته والشفقة عليهم، وإكرامه لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ناصح للسلطان موافق على هذا الذي كتبناه.

    أي: أن كل الذي كتبناه إليك أيها السلطان! إنما هذا قولهم واتفاقهم.

    قال: وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار حين كانوا في البلاد، فكيف يقاس ملوك الإسلام وأهل الإيمان والقرآن بطغاة الكفر وبأي شيء من ديننا؟

    أي أن السلطان يقول له: حينما كان الكفار في بلدك لماذا لا تنصحهم؟ لماذا لا تعظهم؟ الجواب: هؤلاء لا علاج لهم إلا السيف، أما أنت من أهل الإيمان ومن أهل القرآن، وإنك تتعظ بالكتاب والسنة، أما الكفار فبم يتعظون؟ لا نعظهم لا بكتاب ولا سنة؛ لأنهم من الأصل يجحدون وينكرون ويكفرون بهذا، فقال: إن هذا قياس مع الفارق، والسلطان هدد الرعية كلها بسبب ما كتب إليه النووي .

    قال: وأما تهديد الرعية بسبب نصيحتنا، وتهديد طائفة العلماء فليس هو المرجو من عدل السلطان وحلمه، وأي حيلة لضعفاء المسلمين المفرقين في أقطار ولاية السلطان في كتاب كتبه بعض المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم، ولا علم لهم به؟

    أي: أن الناس الذين يعيشون متفرقين في أطراف المدينة ما هو ذنبهم؟ فهم لا يعرفون هل نحن كتبنا لك أم لم نكتب، فأنت لو آذيت الرعية كلها فما ذنبهم بسبب كتاب أتاك من واحد من الناس؟! فإذا كنت مؤذياً أحداً فليكن الإمام النووي الذي كتب إليك.

    قال: وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلامون عليه؟ قال: وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد.

    وهذا هو كلام العلماء الربانيين.

    قال: فلا يضرني التهديد ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب عليّ وعلى غيري من أهل العلم، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله قال: إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39]، وقال تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44]، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول بالحق حيثما كنا، وألا نخاف في الله لومة لائم، ونحن نحب للسلطان معالي الأمور وأكمل الأحوال، وما ينفعه في آخرته ودنياه، ويكون سبباً لدوام الخيرات له، ويبقي ذكره له على ممر الأيام، ويخلد في سننه الحسنة ويجد نفعه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران:30]، وأما ما ذُكر من تمهيد السلطان البلاد وإدامته الجهاد وفتح الحصون وقهر الأعداء، فهذا بحمد الله من الأمور الشائعة التي اشترك في العلم بها الخاصة والعامة، وصارت في أقطار الأرض، ولله الحمد، وثواب ذلك مدّخر للسلطان إلى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران:30]، ولا حجة لنا عند الله تعالى إذا تركنا هذه النصيحة الواجبة علينا.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    والحمد لله رب العالمين.

    رسالة النووي إلى السلطان في التلطف بالرعية وعدم انتزاع أملاكهم

    ومما كتبه أيضاً الإمام النووي إلى السلطان حينما حارب التتار وأزالهم عن البلاد، إذ ذهب السلطان إلى دمشق فقال له وكيل بيت المال في دمشق: إن هذه الأملاك ومعظم الأراضي التي تحت أيدي الناس إنما هي ملك للدولة، وهي وقف عليها، وأما هؤلاء الناس فقد استولوا عليها استيلاء، فأمر السلطان بأن تُحاط هذه الأملاك وتنتزع من هؤلاء الناس، ولا يأخذ أحد منهم ما يدّعيه إلا إذا أثبت ذلك بمكتوب وبأوراق، فحينما فعل ذلك السلطان وأصدر أوامره كتب إليه الإمام النووي مرة ثالثة.

    قال: الحمد لله رب العالمين.

    قال الله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]، وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187]، وقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    وقد أوجب الله على المكلفين نصيحة السلطان أعز الله أنصاره، ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) .

    ومن نصيحة السلطان -وفقه الله لطاعته وتولاه بكرامته- أن يُنهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، أو على غير ما قرره الشرع، فأنت قد أمرت بنزع هذه الأراضي ممن وضعوا أيديهم عليها، وهذا بخلاف حكم الإسلام، فحينما كان ذلك ونحن نعلم محبتك لشرع الله وجب علينا أن ننصحك وأن نبين لك حكم ما فعلت.

    قال: قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88]، وفي الحديث: (إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم).

    أي: بدعاء ضعفائكم لا بذواتهم وأشخاصهم كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة.

    قال: وقال صلى الله عليه وسلم: (من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين على منابر من نور على يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).

    وقد أنعم الله علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان أعز الله أنصاره، فقد أقامه لنصرة الدين والذب عن المسلمين.

    السلطان بيبرس كان محباً للدين ولشرع الله عز وجل، وكان محباً للسنة وللعلماء، وكان يقربهم إليه.

    قال: وأذل به الأعداء من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورة في المدة اليسيرة، وأوقع الرعب منه في قلوب أعداء الدين وسائر الماردين، ومهّد له البلاد والعباد وقمع أهل الزيغ والفساد، ... وأمده بالإعانة واللطف والسعادة، فلله الحمد على هذه النعم المتظاهرة والخيرات المتكاثرة، ونسأل الله الكريم دوامها له وللمسلمين وزيادتها في خير وعافية آمين.

    قال: لقد أوجب الله شكر نعمه، ووعد الزيادة للشاكرين، فقال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    ولقد لحق المسلمين بسبب هذه الحيطة التي أنت عملتها على أملاكهم أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثبات ما لم يلزمهم.

    أي: أنهم يقدمون الأوراق والمستندات، وهذا أمر لم يلزمهم به الشرع، فهذه الحيطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحل الاعتراض عليه ولا يكلف بإثباته.

    قال: وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع ويوصي نوابه فهو أولى من عمل به، أي أنك إذا كنت أنت توصي بالالتزام بالشرع فأولى بك أن تكون أول العاملين به، والمسئول إطلاق الناس من هذه الحيطة، والإفراج عن جميعهم فأطلقهم أطلقك الله من كل مكروه، فهم ضعفة وفيهم الأيتام والأرامل والمساكين والضعفة والصالحون، وبهم ننصر ونغاث ونُرزق، وهم سكان الشام المبارك جيران الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وسكان ديارهم، فلهم حرمات من جهات متعددة، فأطلقهم أطلقك الله تعالى.

    ولو رأى السلطان ما يلحق الناس من الشدائد -يعني: لو أنك نزلت إلى واقع الناس وإلى الشوارع ونظرت إلى حال الناس- لاشتد حزنه عليهم، وأطلقهم في الحال ولم يؤخرهم، ولكن لا تنهى الأمور إليه على وجهها، أي لا تبلغه أحوال الرعية كما ينبغي؛ لأن في الطريق عقبات كثيرة تحول وتحجب بين إيصال الواقع وحقيقة الرعية إلى الراعي والمسئول.

    فبالله أغث المسلمين يغثك الله، وارفق بهم يرفق الله بك، وعجّل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار، وتلف غلاتهم فإن أكثرهم ورثوا هذه الأملاك من أسلافهم، ولا يمكن تحصيل كتب شراء -أي: الأوراق التي يثبتون بها الشراء- وقد نُهبت كتبهم، وإذا رفق السلطان بهم حصل له دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رفق بأمته، ونصره الله على أعدائه فقال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) فإن أنت أطلقت الناس في أملاكهم حصل لك النصر من عند الله، ورفق الله تعالى بك كما رفقت بالرعية، وتتوفر له من رعيته الدعوات وتظهر في مملكته البركات، ويبارك له في جميع ما يقصده من الخيرات.

    وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً إلى يوم القيامة).

    فنسأل الله الكريم أن يوفق السلطان للسنن الحسنة التي يُذكر بها إلى يوم القيامة، ويحميه من السنن السيئة.

    فهذه نصيحتنا الواجبة علينا للسلطان، ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه الله فيها القبول.

    والسلام عليكم ورحمة الله.

    والحمد لله رب العالمين.

    رسالة النووي إلى السلطان في شأن الفقهاء حين منعهم من التنقل بين المدارس والمساجد

    ومما كتبه: رسالة تتعلق بالمكوس والحوادث الباطلة، وكتب كذلك رسالة بالأمراء والخيل، وأبطل الله تعالى ذلك على يد من يشاء من عباده في دولة السعيد بن الظاهر رحمهم الله تعالى.

    وكتب رسائله إلى السلطان في شأن الفقهاء، حينما رُسم بأن الفقيه لا يكون منزّلاً في أكثر من مدرسة واحدة، وكانت المدارس في دمشق (300) مدرسة، فكان العالم الواحد يتنقل في عدة مدارس وتُجرى عليه الجرايات من كل مدرسة ينزل فيها، فحسد أحد الفقهاء هذا الوضع فوشى بهم إلى السلطان أنه لا ينبغي على الفقيه أن يبرح مدرسة واحدة، كل واحد يظل في مسجده ولا يخرج، فقال السلطان: لا ينتقل أحد من أهل العلم في مدرسة إلى مدرسة غيرها، ومن كان لديه شيء فلينقلها في مسجده أو مدرسته، إنما كونه ينتقل إلى مسجد آخر فهذا من الأمور المحرمة رسمياً وليس شرعاً، فلما رأى ذلك الإمام النووي كتب كتاباً. قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

    خدمة الشرع ينهون أن الله تعالى أمرنا بالتعاون على البر والتقوى، ونصيحة ولاة الأمور وعامة المسلمين، وأخذ على العلماء العهد بتبليغ أحكام الدين ومناصحة المسلمين، وحث على تعظيم حرماته وإعظام شعائر الدين وإكرام العلماء وطلابهم، وقد بلغ الفقهاء بأنه رُسم في حقهم بأن يغيروا عن وظائفهم، ويقطعوا عن بعض مدارسهم، فتنكست بذلك أحوالهم، وتضرروا بهذا التضييق عليهم، وهم محتاجون ولهم عيال وفيهم الصالحون والمشتغلون بالعلوم، وإن كان فيهم أفراد لا يلتحقون بمراتب غيرهم، فهم منتسبون إلى العلم ومشاركون فيه، ولا يخفى مراتب أهل العلم وفضلهم وثناء الله تعالى عليهم، وبيان مزيتهم على غيرهم، وأنهم ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وأن الملائكة عليهم السلام تضع أجنحتها لهم، ويستغفر لهم كل شيء حتى الحيتان.

    واللائق بالجناب العالي -أي بالسلطان- إكرام هذه الطائفة من العلماء وطلاب العلم، والإحسان إليهم ومعاضدتهم، ودفع المكروهات عنهم، والنظر في أحوالهم بما فيه الرفق بهم، فقد ثبت في صحيح مسلم : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به).

    وروى أبو عيسى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنه كان يقول لطلبة العلم: مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن رجالاً يأتونكم يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً).

    والمسئول ألا يُغير على هذه الطائفة شيء، وتستجلب دعوتهم لهذه الدولة القاهرة، وقد ثبت في صحيح البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟).

    وقد أحاطت العلوم بما أجاب به الوزير نظام الملك حين أنكر عليه السلطان ترك الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم، فقال: أقمت لك بها جنداً لا ترد سهامهم بالأسحار؛ فاستصوب فعله وساعده عليه.

    والله الكريم يوفق الجنابة دائماً لمرضاته، والمسارعة إلى طاعته. والحمد لله رب العالمين.

    رسالة النووي إلى ابن النجار في سعيه لدى السلطان بما يضر بعامة المسلمين

    وله كذلك رسائل كثيرة في كليات تتعلق بالمسلمين وجزئيات، وفي إحياء سنن نيرات، وفي إماتة البدع المظلمات، وله كلام طويل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مواجهاً به أهل المراتب العاليات.

    وقد كتب رسالة إلى من كان يسعى في إحداث أمور باطلة على المسلمين، جديرة بأن يتأملها كل داعية إلى الله؛ ليعلم حرص العلماء على العامة، وغضبتهم عندما تنتهك حرمات الله تعالى.

    ابن العطار وهو تلميذه يقول: كنت يوماً بين يديه لتصحيح درس عليه في مختصر علوم الحديث الأصغر، فلما فرغت منه قال لي: رأيت الليلة في المنام كأني كنت سابحاً في بحر، وكأني خرجت منه إلى شاطئه، وإذا أنا بشخص قد غرق فيه، وقد تعلق بخشبة على وجهه لحظة ثم غرق، قلت: يا سيدي! أأنت علمت الشخص من هو؟ قال: نعم. قلت: من هو؟ قال: ابن النجار . قلت: فما أوّلته؟ -أي: ما تأويل هذه الرؤيا؟- قال: يظهر قليلاً ثم يخفى خفاء لا ظهور بعده، أي: يظهر ببدعته وبنكده قليلاً فيعكّر صفو البلاد، ثم يكتب الله تعالى له الإزالة والخفاء فلا يظهر بعدها مع نفاق في قلبه. هذه هي الرؤيا.

    يقول: وكان من قصة المذكور ابن النجار أنه سعى في إحداث أمور على المسلمين باطلة، فقام الشيخ قدّس الله روحه مع جماعة من العلماء فأزالوها بإذن الله تعالى، ونصر الله الحق وأهله، فغضب لذلك ابن النجار لكراهيته لمصلحة المسلمين ونصيحة الدين، وبعث إلى النووي يهدده ويقول: أنت الذي تحزّب العلماء عليّ، فكتب إليه النووي قدّس الله روحه كتاباً هذا صورته.

    قال: بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين.

    من يحيى النووي .

    اعلم أيها المقصر في التأهب لمعاده! التارك مصلحة نفسه في تهيئة جهاده له وزاده، أني كنت لا أعلم كراهتك لنصرة الدين، ونصيحة السلطان والمسلمين؛ حملاً مني لك على ما هو شأن المؤمنين من إحسان الظن بجميع الموحدين، وربما كنت أسمع في بعض الأحيان من يذكرك بغش المسلمين؛ فأُنكر عليه بلساني وبقلبي؛ لأنها غيبة لا أعلم صحتها، ولم أزل على هذا الحال إلى هذه الأيام، فجرى ما جرى من قول قائل للسلطان وفّقه الله لكريم الخيرات: إن هذه البساتين يحل انتزاعها من أهلها عند بعض العلماء.

    إذاً: علمنا أن سبب فعل السلطان أنه لم يفعل ذلك بهواه، وإنما حينما أفتاه علماء السلطة بأن هذه البساتين يحل له ردها في مذهب بعض العلماء من السلف، فحينما رأى ذلك السلطان وأن بعض العلماء السالكين قالوا بجواز ذلك وبحله؛ فعله، وهو في هذه الحال لا يقدم على حرام ولا على مكروه، وإنما أخذ بفتوى بعض من أهل العلم.

    قال: إن هذه البساتين يحل انتزاعها من أهلها عند بعض العلماء.

    فالإمام النووي رد عليه بقوله: وهذا من الافتراء الصريح والكذب القبيح، فوجب عليّ وعلى جميع من علم هذا من العلماء أن يبيّن بطلان هذه المقالة ودحض هذه الشناعة، وأنها خلاف إجماع المسلمين.

    إذاً: المسألة فيها إجماع بالمنع، فلا يجوز للسلطان أن ينتزع أرضاً من أحد رعيته إلا أن يشتريها منه أو يكافئه عليها، حتى يرضى صاحبها.

    قال: وأنه لا يقول بها أحد من أئمة الدين.

    أي: هذه الفتوى التي قلتها والتي أبلغتها للسلطان لم يقل بها أحد من أئمة الدين.

    قال: وأن ينهوا ذلك إلى سلطان المسلمين، وأنا أكلفكم أن تبلغوا هذا إلى السلطان، فإنه يجب على الناس نصيحته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة).

    وإمام المسلمين في هذا العصر هو السلطان وفقه الله تعالى لطاعته وتولاه بكرامته، وقد شاع بين الخواص والعوام أن السلطان كثير الاعتناء بالشرع، ومحافظ على العمل به، وأنه بنى المدرسة لطوائف العلماء، ورتّب القضاة من المذاهب الأربعة، وأمر بالجلوس في دار العدل لإقامة الشرع، وغير ذلك مما هو معروف من اعتناء السلطان أعز الله أنصاره بالشرع، وأنه إذا طلب طالب منه العمل بالشرع أمر بذلك ولم يخالفه، فلما افترى هذا القائل في أمر البساتين ما افتراه ودلّس على السلطان، وأظهر أن انتزاعها من يد مُلّاكها جائز عند بعض العلماء، وغش السلطان في ذلك، وبلغ ذلك علماء البلد؛ وجب عليهم نصيحة السلطان، وتبيين الأمر له على وجهه الصحيح، وأن هذا خلاف إجماع المسلمين، فإنه يجب عليهم نصيحة الدين والسلطان وعامة المسلمين.

    فوفقهم الله تعالى للاتفاق على كتب كتاب يتضمن ما ذكرته على جهة النصيحة للدين والسلطان والمسلمين، ولم يذكروا فيه أحداً بعينه بل قالوا: من زعم جواز انتزاعها فقد كذب.

    أي أنه لم يقل له: يا ابن النجار! أنت كذاب، وأنت مفتر! إنما قال: من زعم لك أن انتزاعها جائز من يد مُلّاكها فقد كذب.

    قال: وكتب علماء المذاهب الأربعة خطوطهم بذلك؛ لِما يجب عليهم من النصيحة المذكورة، واتفقوا على تبليغها ولي الأمر، أدام الله نعمه عليه لتنصحوه وتبينوا حكم الشرع له.

    ثم بلّغني جماعات متكاثرات في أوقات مختلفات حصل لي العلم بقولهم: أنك كرهت سعيهم في ذلك، وسارعت في ذم فاعل ذلك، وأسندت معظم ذلك كله إلي، ويا حبذا ذلك من صنيع!

    أي: الكلام الذي قلته وكراهيتك لما كتبناه وأبلغناه السلطان قد بلغنا كله. وبلغني كذلك أنك تتهمني فقط بهذا، فإذا كان الأمر كذلك فيا حبذا ويا مرحباً بهذا الاتهام.

    قال: وبلّغني عنك هؤلاء الجماعات أنك قلت: قولوا لـيحيى هو الذي سعى في هذا، فينكف عنه وإلا أخذت منه دار الحديث.

    دار الحديث: هي المدرسة التي كان يدرس فيها الإمام النووي .

    قال: وبلّغني عنك هؤلاء الجماعات أنك حلفت مرات بالطلاق الثلاث أنك ما تكلمت في انتزاع هذه البساتين، وأنك تشتهي إطلاقها.

    قال: فيا ظالم نفسه! أما تستحي من هذا الكلام المتناقض؟ وكيف يصح الجمع بين شهوتك في إطلاقها، وأنك لم تتكلم فيها، وبين كراهتك السعي في إطلاقها ونصيحة السلطان والمسلمين؟ كيف يمكن الجمع بين هذا وذاك؟

    ويا ظالم نفسه! هل تعرّض لك أحد بمكروه أو تكلم فيك بعينك؟ وإنما قال العلماء: من قال هذا للسلطان فقد كذب، ودلّس عليه وغشه ولم ينصحه، فإن السلطان ما يفعل هذا إلا لاعتقاده أنه حلال عند بعض العلماء، فبينوا أنه حرام عند جميعهم، وأنت قد قلت: إنك لم تتكلم فيها، وحلفت على هذا بالطلاق الثلاث، فأي ضرر عليك في إبطال قول كاذب على الشرع غاش مدلّس على السلطان، وقد قلت: إنه غيرك، وكيف تكره السعي على شيء قد أجمع الناس على استحسانه، بل هو واجب على من قدر عليه، وأنا بحمد الله من القادرين عليه بالطريق الذي سلكته، وأما نجاحه وتحقيقه فهو إلى الله تعالى مقلب القلوب والأبصار.

    قال: ثم إني أتعجّب غاية العجب من اتخاذك إياي خصماً.

    أي: إذا لم يكن بيننا شيء فلماذا تعاديني؟

    قال: ويا حبذا ذلك من اتخاذ! فإني بحمد الله تعالى أحب في الله تعالى وأُبغض فيه.

    وهذا أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله.

    قال: فأُحب من أطاعه وأُبغض من خالفه، وإذا أُخبرت عن نفسك بكراهتك السعي في مصلحة المسلمين ونصيحة السلطان، فقد دخلت في جملة المخالفين، وصرت ممن نبغضه في الله رب العالمين، فإن ذلك من الإيمان كما جاءت به الآثار الصحيحة المنقولة بأسانيد الأئمة الأخيار.

    قال: ارض لمن غاب عنك غيبته، فذاك ذنب عقابه فيه، ويا ظالم نفسه! أنا ما خاصمتك أو كلمتك أو ذكرتك أو بيني وبينك مخاصمة أو منازعة أو معاملة في شيء، فما بالك تكره فعل خير يسّرني الله الكريم له؟ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8]، بل أنت لسوء نظرك لنفسك تتأذى على نفسك، وتشهد الشهود بكراهة هذه النصيحة التي هي مصرّحة بأنك أنت الذي تكلمت في هذه البساتين، وأن الطلاق واقع عليك، وهذه بلية أخرى، وما أبعد أن تكون شبيهاً بمن قال الله تعالى فيهم: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30].

    ويا عدو نفسه! أتراني أكره معاداة من سلك طريقتك هذه؟ بل والله أحبها وأوثرها، وأفعلها بحمد الله تعالى، فإن الحب في الله والبغض فيه واجب عليّ وعليك وعلى جميع المكلّفين، ولست أدري أي غرض لك في حرصك في الإنكار على الساعين في إعظام حرمات الدين ونصيحة السلطان والمسلمين؟

    فيا ظالم نفسه! انته عن هذا وارجع عن طريقة المباهتين والمعاندين.

    وأعجب من هذا تكريرك الإرسال إلي بزعمك الفاسد كالمتوعد: إن لم ينكف أخذت منه دار الحديث.

    أي: إن لم يسكت الإمام النووي أخذ منه دار الحديث، يهدده، فهو يظن أنه يأخذ راتباً، ونحن قلنا قبل هذا أنه لا يأخذ راتباً من أحد، فقد ملك قوته، ومن ملك قوته ملك قراره، فلا يتأثر بتهديد لا من الخارج ولا من الداخل؛ ولذلك الأنبياء جميعاً كانوا أصحاب أعمال وحرف، وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي إلا رعى الغنم) وكان منهم النجار، ومنهم الحداد، ومنهم غير ذلك، فهم يملكون قرارهم.

    قال: فيا ظالم نفسه! وجاهل الخير وتاركه! أطّلعت على قلبي أني متهافت عليها؟ يعني: هل تتصور أنني حريص على دار الحديث؟ أو علمت أني منحصر فيها؟ أو تحققت أني معتمد عليها مستند إليها؟ أو عرفت أني أعتقد انحصار رزقي فيها؟

    قال: أو ما علمت لو أنصفت كيف كان ابتداء أمرها؟

    أي: أنك لم تعرف عن هذه المدرسة ونشأتها، وحينما قبلت أنا إنما قبلت على كره مني؛ لأنها فُرضت عليّ فرضاً ولم أسع إليها.

    قال: أوما كنت حاضراً مشاهداً أخذي لها؟ ولو فُرض تهافتي عليها أكنت أوثرها على مصلحة عامة للمسلمين؟

    أي: افرض أنني أيضاً متمسك بها أكنت أوثرها على مصلحة عامة للمسلمين؟ فهذه مدرسة، والأمر الذي أتكلم فيه وانتزاع الأملاك أمر متعلق بعامة المسلمين، فهل أنت متصور أني أقدّم المصلحة الشخصية أو المصلحة الفردية على مصلحة المسلمين العامة؟

    قال: ولو فُرض تهافتي عليها أكنت أوثرها على مصلحة عامة المسلمين، مشتملة على نصيحة الله ورسوله والسلطان، وعامة المسلمين؟

    هذا ما لم أفعله ولن أفعله إن شاء الله تعالى.

    وكيف تتوهم أني أترك نصيحة الله ورسوله، وسلطان المسلمين، وعامتهم؛ مخافة من خيالاتك؟! إن هذه لغباوة منك عظيمة.

    ويا عجباً منك كيف تقول هذا؟!

    أأنت رب العالمين؟!

    بيدك خزائن السماوات والأرض؟!

    وعليك رزقي ورزق الخلائق أجمعين؟!

    أم أنت سلطان الوقت تحكم الرعية بما تريد؟

    فلو كنت عاقلاً ما تهجمت على التفوه بهذا الذي لا ينبغي أن يقوله إلا رب العالمين، أو سلطان الوقت، مع أن سلطان الوقت منزه عن قولك الباطل مرتفع المحل عن فعل ما ذكرت يا ظالم نفسه.

    فإن كنت تقول هذا استقلالاً منك -أي: من عند نفسك- فقد أفتأت عليه، واجترأت على أمر عظيم، ونسبته إلى الظلم عدواناً، وإن كنت تقوله عنه، فقد كذبت عليه، فإنه بحمد الله حسن الاعتقاد في الشرع، وذلك من نعم الله تعالى عليه، والسلطان بحمد الله وفضله أكثر اعتقاداً في الشرع من غيره ومعظم حرماته، وليس هو ممن يقابل ناصحه بهذيانات الجاهلين وترّهات المخالفين، بل يقبل نصائحهم كما أمره الله تعالى.

    واعلم أيها الظالم نفسه! أني والله الذي لا إله إلا هو لا أترك شيئاً أقدر عليه من السعي في مناصحة الدين والسلطان والمسلمين في هذه القضية، وإن رغمت أنوف الكارهين، وإن كره ذلك أعداء المسلمين، وفرق حزب المخذّلين، وسترى مما أتكلم به إن شاء الله تعالى عند هذا السلطان -وفّقه الله تعالى لطاعته، وتولاه بكرامته- في هذه القضية غيرة على الشرع، وإعظاماً لحرمات الله تعالى وإقامة للدين، ونصيحة للسلطان وعامة المسلمين.

    ويا ظالم نفسه! اجلب بخيلك ورجلك إن قدرت، واستعن بأهل المشرقين وما بين الخافقين، فإني بحمد الله فيَّ كفاية تامة.

    وأرجو من فضل الله تعالى أنك لا تقوى لمنابذة أقل الناس مرتبة، وأنا بحمد الله تعالى ممن يود القتل في طاعة الله تعالى.

    أتقوى يا ضعيف الحيل لمنابذتي؟!

    أبلغك يا هذا ! أني لا أؤمن بالقدر؟

    أو بلغك أني أعتقد أن الآجال تنقص، وأن الأرزاق تتغيّر؟

    أما تفكر في نفسك في قبيح ما أتيته من الفعال، وسوء ما نطقت به من المقال؟

    أيا ظالم نفسه! من طلب رضا الله تعالى تردّه خيالاتك وتمويهاتك وأباطيلك وترهاتك؟

    وبعد هذا كله.. أنا أرجو من فضل الله تعالى أن الله يوفّق السلطان -أدام الله نعمه عليه- لإطلاق هذه البساتين، وأن يفعل فيها ما تُقرُّ به أعين المؤمنين، ويُرغم به أنف المخالفين، فإن الله تعالى يقول: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128].

    والسلطان بحمد الله تعالى يفعل الخيرات، فما يترك هذه القضية تفوته.

    واعلم أنك عندي بحمد الله تعالى أقل ممن أهتم بشأنك أو ألتفت إلى خيالاتك وبطلانك، ولكني أردت أن أُعرِّفك بعض أمري؛ لتدخل نفسك في منابذة المسلمين بأسرهم، ومنابذة سلطانهم -وفقه الله تعالى على بصيرة منه- وترتفع عنك جهالة بعض الأمر؛ ليكون دخولك بعد ذلك معاندة لا عذر لك فيه.

    ويا ظالم نفسه! أتتوهم أنه يخفى عليّ وعلى من سلك طريق نصائح المسلمين وولاة الأمور وحماة الدين أنّا لا نعتقد صدق قول الله تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128]، وقوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، وقوله تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، وقوله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم خذلان من خذلهم)؟ والمراد بهذه الطائفة كما قال الإمام أحمد : أهل العلم، وأولي النهي والفهم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) هذا فيمن كان في واحد من الناس، فكيف الظن بمن هو في عون المسلمين أجمعين، مع إعظام حرمات الشرع ونصيحة السلطان وموالاته، وبذل النفس في ذلك؟

    واعلم أني والله لا أتعرض لك بمكروه، سوى أني أبغضك في الله تعالى، وما امتناعي عن التعرض لك بمكروه عن عجز مني، بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين على جهة العموم، وقد أخبرني من أثق بخيره وصلاحه وكراماته وفلاحه. أنك إن لم تبادر في التوبة حلّ بك عقوبة عاجلة، تكون بها آية لمن بعدك لا يأثم بها أحد من الناس، بل هو عدل الله يوقعه بك عبرة لمن بعدك، فإن كنت ناظراً لنفسك فبادر بالرجوع عن سوء فعالك، وتدارك ما أسلفته من قبيح مقالك، قبل أن يحل بك ما لا تقال به عثرتك، ولا تغتر بسلامتك وثروتك ووصيلتك، وفكر في قول القائل:

    قد نادت الدنيا على نفسها لو كان في العالم من يسمع

    كم واثق بالعمر واريته وجامع بددتُ ما يجمع

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    قال ابن العطار رحمه الله: قال لي المحدث أبو العباس الإشبيلي رحمه الله، وكان له ميعاد على الشيخ قدّس الله روحه في الثلاثاء والسبت.

    قال: وكان الشيخ محيى الدين قد صار إليه ثلاث مراتب، كل مرتبة منه لو كانت لشخص شُدّت إليه آباط الإبل من أقطار الأرض.

    أما المرتبة الأولى: العلم والقيام بوظائفه.

    والمرتبة الثانية: الزهد في الدنيا بجميع أنواعها.

    وأما المرتبة الثالثة: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلِّ اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه. وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين الحديثين أولى من القول بنسخ أحدهما بالآخر

    السؤال: إذا تعارض حديثان في الظاهر كحديث العدوى مع حديث: (لا يورد ممرض على مصح) هل أحدهما ينسخ الآخر أم يجب الجمع بين الحديثين وكيف ذلك؟

    الجواب: الجواب باختصار أن الجمع واجب ما دام ممكناً؛ لأن إعمال الدليلين خير من رد أحدهما، والحقيقة الإمام النووي ترجم له كثير من أهل العلم، منهم السخاوي ترجم ترجمة حافلة له، فسماها حياة الإمام النووي ، فكل كتاب صُنّف حول الإمام النووي وطُبع في هذه الأيام نُقلت نقولات عظيمة في ترجمته، والإمام الذهبي كذلك يتكلم في كتاب العبر عن النووي كلاماً لطيفاً.

    حكم إعمال الحديث الضعيف في باب فضائل الأعمال

    السؤال: جاء في كتاب تيسير مصطلح الحديث للشيخ محمود الطحان في باب الحديث: أنه يحذّر من إعمال الأحاديث الضعيفة في باب فضائل الأعمال؟

    الجواب: هذه المسألة الحقيقة محل خلاف بين أهل العلم، ففريق منهم يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، والآخرون -وهو الصحيح- لا يجوّزون ذلك، بل ولا يمكن إعمال الحديث الضعيف في شيء من الدين، لا في الأحكام، ولا في العقائد، ولا في فضائل الأعمال، ولا في الترغيب والترهيب وغير ذلك، وهذا ما نعتقده ونعمل به بإذن الله تعالى.

    أما قوله هنا: أن الإمام أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي إنما كانوا يشددون في أحاديث الأحكام وفي الفضائل، فهذا له فقه خاص بمصطلح الحديث الضعيف عند الإمام أحمد وعبد الرحمن بن مهدي ، فإنهم كانوا يعدون الحديث الحسن لغيره من باب الضعيف.

    وهذا لا شك أمر متعلق بدروس المصطلح.