إسلام ويب

فوائد من خطبة الوداع [3]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع جملاً عظيمة من مهمات التشريع، فقد عظم فيها صلى الله عليه وسلم جناب الدماء والأموال، ووضع فيها أمور الجاهلية وأخلاقها تحت قدميه.

    1.   

    الدروس المستفادة من خطبة حجة الوداع

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام الأعزاء! في العام التاسع الهجري أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قواعد هذه الأمة المباركة في حجته المشهورة حجة الوداع، هذه الحجة التي لم يحج غيرها عليه الصلاة والسلام، كما أخبر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فيما رواه مسلم في صحيحه في كتاب الحج: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم من المدينة للحج، فأخبرهم وأعلمهم، بل رأوه عياناً في مناسك الحج، ومن بين هذه المناسك: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أتى بطن وادي عرنة -وهو ليس من عرفة على الراجح- صعد فخطب خطبة عصماء بين فيها هوية هذه الأمة، وأنها تختلف عن بقية الأمم، فقد أخرج أبو داود في سننه بسند صحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كونوا كأنكم شامة بين الناس) ، أي: علامة ظاهرة، هذه الأمة لها شخصيتها التي تختلف عن بقية الشخصيات، ولها هويتها التي تختلف عن بقية الهويات، ولها سمتها التي تختلف عن بقية السمات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب -عم النبي صلى الله عليه وسلم- فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد)، أي: أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وهذه من آخر وصايا النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث فيه من الفوائد والشواهد والفرائد الشيء الكثير، ويكفي أنه كان نصيحة عامة حضرها الألوف المؤلفة ممن حج مع النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعت بها الأمة بأسرها، أقصاها وأدناها، قريبها وبعيدها، لكن من عمل بها؟

    تعظيم شأن الدماء وجرم إراقتها بغير حق

    إن النبي عليه الصلاة والسلام (سأل الناس في يوم النحر فقال: في أي يوم أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ظناً منهم أنه سيسميه بغير اسمه، وإلا فمن يخفى عليه ذلك اليوم؟! ثم قال لهم: في أي شهر أنتم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ظنا منهم أيضاً أنه سيسميه بغير اسمه، وإلا فمن يخفى عليه أن الحج في أشهر الحج؟! ثم قال: في أي بلد أنتم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، ومن يخفى عليه أنه في ذلك اليوم في منى أو في مكة المكرمة؟! ولكنه الأدب بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام أنهم ينسبون العلم إلى الله عز وجل وإلى رسوله، ثم قال: ألستم في بلد الله الحرام؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أليس هذا يوم النحر؟ أليس هذا شهر ذي الحجة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا). أي: لما كانت الحرمة لهذا اليوم ولهذا الشهر ولهذا البلد مستقرة في نفوس العباد جميعاً -حتى قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام- أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يلحق بهذا المعلوم يقيناً، ربما كان مجهولاً لدى البعض في الدماء والأموال، وكأنه قال: كما أنكم تعلمون أن هذا اليوم حرام، وأن هذا الشهر حرام، وأن هذا البلد حرام؛ فإن دماءكم حرام عليكم، أي: أن الدماء لا بد أن تحفظ، ولا بد أن تصان، لكن لو نظرنا إلى دماء المسلمين لوجدنا أنها تراق في أنحاء كثيرة من العالم، وأن الذي ينظر إلى خريطة العالم الآن لا بد أن يجد البقعة الإسلامية فحسب ملتهبة مشتعلة دامية، على أيدي اليهود والنصارى ومن عاونهم ممن كلفهم الله عز وجل في بلاد المسلمين بحفظ الدماء عامة، وممن يدور على مائدة اتفق عليها اللئام في الداخل والخارج، لذا لو نظرت مثلاً إلى اليهود والنصارى في أمريكا -بل في العالم أجمع- لوجدت أن أمنيتهم واحدة بمجرد أن ظهر البترول في السعودية، وهي: أن نبني لهم قواعد عسكرية في وسط بقعة الخليج العربي، لكن ردهم فيصل عليه رحمة الله، وردهم خالد رحمه الله، وسعى القاصي والداني في إبعادهم وعدم الاستجابة لمطالبهم، مع أنهم كانوا يبذلون المال لدول العرب من أجل الحصول على قواعد عسكرية، وقواعد للطيران في أرض الجزيرة، فلما لم يفلحوا يمنة ولا يسرة لعبوا لعبة خبيثة، فلم يجدوا في المنطقة العربية أخبث ولا أنكى من ذلك الطاغية صدام حسين قصمه الله عز وجل بقدرته، فاتفقوا معه على تلك المسرحية التي يسمع بها كل إنسان الآن، مع أن أمريكا غير عاجزة عن أن تبعد صدام من حكم بلاده بعد أن نشرت تفصيلاً دقيقاً عن ملابسه الداخلية، لكنه الورقة الرابحة لها، ووجوده ضرورة حتمية لأجل بقائهم في هذه البلاد، والجنود يأتيهم الطعام من دول أوروبا وأمريكا، في الوقت الذي لا يجد أي جيش من جيوش العرب لقمة العيش، بل يعيش على ما دون الكفاف.

    إذاً: وجود صدام كان لقمة سائغة وغنيمة باردة، وهذه المسرحية مكشوفة وأكذوبة مفضوحة لا تنطلي على أهل البصائر بإذن الله، وصدام حسين ليس حامي الحمى، وهو الذي سمى نفسه بتسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، لكن من أحصاها دخل النار، بخلاف الجبار تبارك وتعالى الذي سمى نفسه بتسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وانظروا إلى ما فعله صدام ، لا أقول: بجيش العراق، ولا بشعب العراق الذي جوعه وأعراه وأنهكه في عقر داره، وإنما تعدى شره للشعب المسلم السني، أعني: شعب الأكراد، فسحقه سحقاً وسحله سحلاً، تارة بالكيماوي، وتارة بالدبابات، فكيف يؤتمن هذا على دين الله؟! بل كيف يؤتمن هذا على حزمة بقل؟! وانظروا -يا معشر الكرام- إلى شعب كوسوفا أو شعب البوسنة أو شعب فلسطين، إذ كل يوم نسمع عن دماء تراق بالمئات والألوف، وعلى مرأى من أسماع وأعين المسئولين وغير المسئولين ولا مجيب ولا أحد يتحرك، وكأن هذا الذي قتل أو أريق دمه ليس منا ولسنا منه، فهل لأننا نفهم القضية جيداً؟ أبداً، أم هل لأننا نخاف عدونا؟ نعم، والله نخافه؛ لأننا لا نخشى الله عز وجل، ولأننا حرصنا على الدنيا، فهذه الملايين المملينة التي وضعت في تلك البنوك الغربية والشرقية أعظم عند أصحابها من إراقة دماء الأمة بأسرها.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن أول ما يقضى بين العباد يوم القيامة في الدماء) ، أي: أول قضاء يقضى بين يدي الله عز وجل هو في فصل الدماء، ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام (إن أول ما يحاسب عليه المرء الصلاة) ، فإن هذا حساب مخصوص لكل شخص، أما القضاء وفصل النزاع بين الناس فإنه يبدأ بالدماء أولاً، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : (اجتنبوا السبع الموبقات)، أي: المهلكات التي تؤدي بأصحابها إلى الهاوية والهلاك، فلا يكاد يقوم منها مرة أخرى، ومنها: (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)، وحق هذه النفس ألا تقتل إلا عند ثلاث، قال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه)، أي: من خرج عن الإسلام وجب قتله قتل ردة، وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (لا يزال المرء -وفي رواية: لا يزال المؤمن- في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، يعني: كأنها حلقة عظيمة جداً يخرج منها المرء ويدخل، يتوب إلى الله عز وجل ويعصي، والله عز وجل يتوب عليه إن تاب، وإن بلغ ذلك ما بلغ، إلا أن يصيب دماً حراماً فتضيق عليه تلك الحلقة، حتى لا يكاد يجد منها مخرجاً.

    قال عبد الله بن عمر راوي الحديث -هو أدرى بفقه الحديث-: إن من مفجعات الأمور ومهلكاتها، وفي رواية أنه قال: إن من ورطات الأمور التي لا يجد المرء منها مخرجاً إذا دخل فيها: أن يصيب دماً حراماً، أن يقتل امرءاً بغير حق. والحدود كفارات لأهلها، لكن لا يقيمها إلا من كلفه الله عز وجل بإقامتها، إذ ليس لكل واحد أن يقيم الحد على من وقع فيه، وإنما ذلك منوط بالحكام والأمراء والسلاطين، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لزوال الدنيا أهون عند الله عز وجل من قتل مؤمن بغير حق)، وورد في رواية فيها كلام يسير لأهل العلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو يطوف ذات مرة حول الكعبة: (ما أعظمك! وما أطيبك! لكن حرمة المسلم عند الله أعظم منك) ، أي: لأن تضرب الكعبة بالمنجنيق فتندك إلى قواعدها أحب إلى الله عز وجل من إراقة دم امرئ مسلم واحد، وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي وردت في كرامة المسلم، وأن دمه محفوظ.

    حتى المعاهد الذي ليس من أهل الإسلام؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد حفظ له عهده، فقال فيما رواه الشيخان: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)، مع أنه ليس مسلماً، لكن له عهد مع أهل الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام -وهو الأسوة والقدوة- ما خان عهداً قط مع اليهود والنصارى، وليس ذلك من خلقه، فقد كان يفي بعهده ما دام صاحب العهد ملتزماً بعهده، فإذا نقض فللمسلم أن ينقض عهده جزاء نقض ذلك المعاهد لعهده.

    حرمة قتل المسلم نفسه

    كما أنه ليس للمسلم أن يقتل نفسه ويقول: أنا حر في بدني أفعل به ما أشاء، والدليل على ذلك: ما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً -أي: شرب سماً ليقتل نفسه، وما أكثرهم- فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها)، أي: يضرب بها بطنة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.

    وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل نفسه بشيء عذبه الله تبارك وتعالى بما قتل به نفسه)؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وامتنع النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يصلي على من قتل نفسه، وليس كفراً، وإنما زجراً للأحياء أن يعملوا بعمله، أو أن يهتدوا بهديه ويستنوا بسنته، و(أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة من غزواته عن رجل لم يدع شاذة ولا فاذة للعدو إلا تبعها وقتلها، فقال الصحابة رضي الله عنهم: والله ما نرى فلاناً إلا من أهل الجنة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هو من أهل النار، ففزع الصحابة فزعاً شديداً، حتى قال أحدهم: لأتبعنه. فسار خلفه، فإذا وقف وقف، وإذا أقدم أقدم، حتى أصيب ذلك الرجل بسهم لم يقض عليه، فوضع ذبابة سيفه على صدره واتكأ عليه حتى خرج من ظهره فمات، فعاد الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! إن الرجل الذي قلنا عنه كذا وقلت عنه كذا قد فعل بنفسه كذا وكذا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ثم قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).

    مسئولية الحكام تجاه الدماء التي تراق في بلاد المسلمين

    وأقول: إن هذه الدماء التي تراق في بلاد المسلمين، وهذه الشعوب التي تباد بأسرها ليست من شأن الأفراد، فالله عز وجل لا يحاسب الفرد لم ترك المسلمين يموتون ويقتلون وتبقر بطون الحبالى في كوسوفا أو في البوسنة أو في فلسطين أو في كشمير أو غيرها؟ وإنما سيسأل الحكام عن ذلك؛ لأن هذه مسئوليتهم، ولا فكاك لهم أمام الله عز وجل إلا أن يرفعوا راية الجهاد، ولو رفعوها حتى كذباً لاندحر العدو في بيته، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر) ، فلو أن العدو سمع بجيش المسلمين الذي يبعد عنه مسيرة شهر لانهزم نفسياً في عقر داره؛ لأنه يعلم أن المجاهد حقاً إنما أراد إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة، إما النصر في الدنيا والغنيمة، والعيش غنياً بعد أن كان فقيراً، وإما أن يعيش في غنىً دائم في جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فالعدو يعرف هذا، وكثير من المسلمين -للأسف- لا يدركون هذه الحقيقة، أما دماء المسلمين في الداخل فالمسئول عنها جهات متعددة، فقد يدخل فيها الأفراد؛ لأن الأفراد تمتد أيديهم كذلك بالقتل، ولا نعدم صحيفة أو مجلة كل يوم إلا وفيها: أن فلاناً قتل أباه يتعجل الميراث، أو أن فلاناً قتل أمه، وامرأة قتلت زوجها، وزوجاً قتل امرأته، مع أن ذلك كله ليس من أخلاق أهل الإسلام.

    بيان جرم العبث بأموال المسلمين

    قال عليه الصلاة والسلام: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم)، فحرام تبذير وإسراف المال، ووضعه في غير موضعه، وحيازته من غير طريق شرعي، وإنفاقه في غير ما أمر الله، وحرام نهب أموال المسلمين جميعاً وعلى رأسها أموال البترول التي هي ملك للأمة جميعاً، لقد أخذوا بضاعتنا وتفاخروا علينا بعد ذلك بمدنيتهم وحضارتهم، ونسي هؤلاء أنه لولا نحن ما كانوا هم، وكان بإمكاننا أن نمنع عنهم البترول، لكن تلك العقول السخيفة التي عاشت لنفسها ولشهواتها تأنف أن تستثمر أموالها في بلاد المسلمين، وإنما تستثمرها في أمريكا أو في سويسرا أو في أي بنك ربوي من بنوك العالم الغربي، ولو نظرتم إلى تلك الحرب المصطنعة التي نشبت في أرض الجزيرة في التسعين على يد الغاشم المجرم صدام حسين ، واعتدائه على العزل والأرامل، بل والمرفهين والمترفين في الكويت، لوجدتم في أعقاب ذلك -بل في أثناء الحرب- أن رجلاً من الكويت سافر إلى بريطانيا وتصدق بعشرة ملايين دولار لحديقة حيوانات في لندن! فأي نصر نرجو؟! وأي تأييد وتمكين ننتظر إذا كانت العقول هكذا؟! قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)، إن بعض المسلمين اليوم أصيب بتخمة عظيمة جداً من كثرة المال لا علاج لها، وإن كثيراً من المسلمين أصيب بضعف وهزال وأنيميا لا علاج لها قط، مع أن هذا من فرائض الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: (يا معاذ ! إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله عز وجل فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله عز وجل افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) فأين الأغنياء؟ بل أين الأثرياء؟ أين أصحاب الملايين والمليارات؟ أين هم من اليتامى والمساكين والأرامل وذي الحاجة وابن السبيل؟ أيعيشون في غفلة؟ أم أنهم أفقه من النبي عليه الصلاة والسلام؟! أم أنهم يردون ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله؟! فليختاروا لأنفسهم أي ذلك شاءوا، فإنهم معرضون وبعيدون عن الله عز وجل، لا تزول أقدامهم في موطن الحساب إلى الجنة إلا أن يأتوا بين يدي الله عز وجل بجواب سديد، فليختاروا لأنفسهم ما شاءوا.

    عزة المسلم واستعلاؤه على الباطل

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)، ولا يكون هذا إلا من عزيز يشعر بعزة الإسلام، ويستعلي بنفسه، ويرتفع بأنفه على هذا الواقع الباطل التي تموج به الدنيا من حوله، وانظروا إلى الموطن الذي قال فيه هذا القول، موطن عظيم جداً، ولذلك لما نودي في المدينة أن النبي عليه الصلاة والسلام سيحج عامه هذا أتاه الناس من كل حدب وصوب، ومن كل فج عميق، يريدون شرف الصحبة مع النبي عليه الصلاة والسلام في الحج، فكان عدد المسلمين إن لم أوهم (114000) حاجاً، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل هذا في أول البعثة، فلم يخبر أن أخلاق الجاهلية تحت قدميه؛ لأن الوضع لا يسمح، والمسلمون ما زالوا في ضعف، لكن لما اشتد عودهم، وفتحت البلدان، وقويت شوكتهم، وأصبحت لهم دولة وقوة قال هذا، وقال هذا في مكة التي حاربته وطردته، وآذته في نفسه وفي بدنه، وفي أصحابه وفي دعوته، قال هذا مستعلياً؛ لأنه عالٍ أولاً وآخراً، وقوله: (تحت قدمي موضوع)، أي: باطل لا قيمة له، فأخلاق الجاهلية وسماتها وعاداتها إن خالفت سمات الإسلام وسنن الإسلام وهدي الإسلام فلا قيمة لها، وهي باطلة وغير ملزمة لأهل الإسلام.

    1.   

    حديث حذيفة في سؤاله عن الخير والشر

    فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما فيما رواه البخاري في كتاب الفتن ومسلم في كتاب الإمارة يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر)، وهذا تقرير من حذيفة يصف ما قبل البعثة، (فجاءنا الله بهذا الخير)، أي: بالإسلام، فهو خير كله، (فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قال: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)، فأحياناً يقولون بالحق وأكثر أحوالهم يقولون بالباطل، أي: شر ودخن وغبش عكر هذا الخير وأثر في هذا الإسلام، (قلت: فهل بعد هذا الخير الذي فيه دخن من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم)، الدعاة دائماً على باب الجنة يدعون الناس إلى الخير، لكن تصور أن إماماً تكون إمامته في الشر، وفي الدعوة إلى النار والعياذ بالله، ثم يرفع النبي عليه الصلاة والسلام حجة الأتباع فيقول: (من أجابهم إليها قذفوه فيها)، فلا حجة لك في أن تتبع أئمة الضلالة، (قلت: يا رسول الله! صفهم لنا)، تصور حذيفة أن هؤلاء الدعاة ليسوا من أبناء الملة، فرد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)، أي: يقولون: قال الله وقال رسوله، لكنهم يلوون النصوص ويصرفونها ويؤولونها على غير مراد الله عز وجل، وعلى غير مراد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

    قلت: (يا رسول الله! -في وسط هذا المأزق- فماذا تأمرني إن أدركني ذلك اليوم؟) فالله عز وجل قد هيأ لك حذيفة ليسأل هذه الأسئلة؛ لأنها تلزمك في كل عصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)؛ لأنها نجاة، ومن فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية، (قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فماذا أصنع؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك).

    الشاهد من الحديث: (إنا كنا في جاهلية وشر)، والجاهلية هي تلك الحقبة الزمنية التي سبقت مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا على العموم والإطلاق، لكن هناك نوع آخر من الجاهلية يكون في الإسلام وفي أبناء الإسلام، فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أنه قال: (كنا في غداة مع النبي صلى الله عليه وسلم فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين)، كل ينادي على قومه وعشيرته، حتى اصطف الناس: الأنصار في ناحية والمهاجرون في ناحية، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ومشى بين الصفين فقال: ما هذا؟ ينكر خلقاً ليس من أخلاق الإسلام، ثم قال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!) فقالوا: يا رسول الله! أي دعوى جاهلية ونحن قد أسلمنا؟! ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (دعوها)، أي: دعوى الجاهلية، (فإنها منتنة)، ثم تركهم وانصرف، وسار كل قوم إلى خيامهم، وهم يعلمون علم اليقين أن ما كانوا عليه في الجاهلية هو خلق ذميم، أي: أن تنصر العشيرة ولدها في حالة ظلمه أو في حالة ظلامته، في حالة أن يكون له الحق أو عليه، ولذلك أرسى النبي عليه الصلاة والسلام القاعدة الأم في النصرة فقال: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قالوا: يا رسول الله! ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أن تكفه عن الظلم، فذاك نصرك إياه)، من منا يفعل هذا؟ إن الواحد منا إذا سمع أن أخاه في شجار أو خصومة دون أن يتحقق من شيء، ودون أن يسمع شيئاً، لا بد أن أخاه المنتصر، لا بد أن أخاه المظلوم، وأنه سينتصر له عاجلاً أو آجلاً، حتى وإن كان الجذع في عينه، أي: حتى وإن كان مخطئاً لا بد وأن ينتصر له، فأي أخلاق هذه؟! إنها أخلاق الجاهلية، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة لنا ولكم في ديننا ودنيانا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    أخلاق الجاهلية ومظاهرها

    الفخر بالأحساب والأنساب

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث المعرور بن سويد أنه قال: (مررنا بـأبي ذر في الربذة -اسم مكان- وعليه برد وعلى غلامه برد، فقلنا: يا أبا ذر ! لو جمعتهما لكانت حلة -والحلة عند العرب هي ما كانت من ثوبين، والبرد: ثوب واحد- فقال أبو ذر: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام -وهو بلال بن رباح كما جاء ذلك مبيناً في رواية أخرى- وكانت أمه أعجمية، فعيرته بها، وفي غير الصحيح أنه قال له: يا ابن السوداء! فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية، قلت: يا رسول الله! أفي يومي هذا؟)، أي: بعد هذا العمر الطويل ما زالت عندي آثار الجاهلية، قال: (نعم، هم إخوانكم وخولكم -أي: وخدمكم- جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل إلا ما يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم).

    وقد أخرج البخاري عليه رحمة الله تعالى هذا الحديث في كتاب الإيمان، باب: المعاصي من أمر الجاهلية؛ إذ إن كل من وقع في معصية ففيه شعبة من شعب الجاهلية، لكن هل يبقى في هذا المجتمع المسلم أو في أمة الإسلام سنن حية كما كان ذلك في الصدر الأول أم أنها الآن أمة جاهلية؟ انظروا إلى حلم الله ولطفه بهذه الأمة التي ظهرت فيها جميع المعاصي والخطايا والبلايا، والتي كانت المعصية الواحدة سبباً في إهلاك أمة من الأمم، فاللواط مثلاً كان سبباً في إهلاك قوم لوط، وتطفيف الكيل والميزان كان سبباً في إهلاك قوم شعيب، فتأمل أن هذه المعاصي جميعاً وغيرها مما لم يكن موجوداً في الأمم السالفة قد اجتمعت في هذه الأمة، مع أن هذه الأمة ما زالت باقية، فهل لكرامة هذه الأمة على الله؟! أم هل لأن الله يحب المعاصي، أو يحب أن يعصى؟! أبداً والله، وإنما ذلك لحكمة علمها من علمها، وجهلها من جهلها، فاتقوا الله عز وجل أيها الإخوة الكرام، فإن صاحب المعصية هو صاحب جهالة، وفيه خلق من أخلاق الجاهلية، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، أي: ليس من أخلاقنا ولا من هدينا، وإنما ذلك من أخلاق الجاهلية، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من غير منار الأرض ليضل الناس، ليس منا من أظل الأعمى عن الطريق)، أي: يسأله شخص عن المكان الفلاني فيضله عنه، فهذه ليست من أخلاق المسلمين، وإنما هذه من أخلاق الجاهلية، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود : (إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية)، أي: أخلاقها وسماتها، ففرض عليكم ألا تتخلقوا بذلك، فالناس مؤمن تقي، وفاجر شقي، ولا ثالث لهما، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (أنتم لآدم وآدم من تراب، وليدعن أقوام فخرهم بآبائهم، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله عز وجل من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها)، فأنت الآن إذا قلت لرجل قائم على معصية: لم فعلت هذا يا فلان؟ يقول لك: ومن أنت حتى تأمرني؟ أما علمت أنني ابن فلان، وأبي الأمير فلان، أو أبي شيخ في الأزهر، أو تقول له: لم تفطر في نهار رمضان؟ سيرد عليك: أما علمت أن والدي من أكابر أهل العلم! وغير ذلك من الردود الجاهلة.

    قوله: (ليدعن أقوام فخرهم بآبائهم)، فإن هذا من أخلاق الجاهلية، (أو ليكونن أهون على الله عز وجل من الجعلان)، أي: تلك الحشرات التي لا قيمة لها، والتي تدفع النتن بأنفها، إذ إنها تعيش في النتن والجيف.

    الطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن)، أي: أربع خصال هي من الجاهلية، وليست من الإسلام في شيء، ثم قال: (الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وإن النائحة إذا لم تتب -أي: قبل موتها- تبعث يوم القيامة وعليها درع من قطران)، أنها صواعق تنزل على قلوبنا وأسماعنا، لكن في النهاية لا مجيب؛ لأننا أكبر من ذلك كله.

    قوله: (أربع في أمتي)، يقولها النبي عليه الصلاة والسلام بحسرة؛ لأنه قال: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية)، أي: ينبغي أن تعملوا لذلك، وأن تتخلصوا من أعمال الجاهلية، ثم يقرر أن هذه الخلال أو الخصال قائمة في الأمة لا تدعها، ولا تتخلى عنها أبداً، فيفتخر بحسبه، بأبيه وأمه وعمه وخاله وجده وجدته، ولا يتكلم عن نفسه قط، مع أنه لا نجاة له إلا بالعمل الصالح، ولا ينجو بنفسه بين يدي الله إلا بالتقوى، لكنه يستند على تقوى والده إن كان تقياً، أو علم والده إن كان عالماً، مع أن العلم وحده لا ينفع، وإنما الذي ينفع هو: العلم والعمل والإخلاص فيهما.

    ثم الطعن في الأنساب وما أكثره، فتجد الغمز والهمز والإشارات والإيماءات والتلميحات أن هذا ليس ابن فلان، كيف؟ أما علمتم أن هذا يترتب عليه حد القذف، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، وأن مثل هذا لا يثبت إلا بأربعة شهود رأوا ذلك عياناً بياناً، لكن الألسن تنطلق بالقذف، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام: (وهل يكب الناس على مناخرهم يوم القيامة في النار إلا حصائد ألسنتهم)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من صمت نجا)، أي: من صمت عن الشر نجا، ولا يحل لأحد أن يسكت أو يصمت عن الشر، وإنما لا بد من تغييره، كما روى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فلا يحل السكوت عند رؤية المنكر، كما لا يحل الكلام في معصية الله عز وجل.

    ثم الاستسقاء بالنجوم، فقد روى الشيخان في صحيحيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن رب العزة: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال: مطرنا بنوء كذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب، ومن قال: مطرنا بفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكوكب) .

    وأنتم تعلمون تلك الهيئة التي أرصدت وخصصت لمعرفة ذلك، فتجزم أن المطر ينزل في الساعة الفلانية وينتهي في الساعة الفلانية، وأن موجة الحر وموجة البرد تكون كذا، وغير ذلك مما هو من ضروب السحر، ولا مجال للمخاصمة في هذا الأمر؛ فإن هذا شيء من الاستسقاء بالنجوم لا بأس أن تكون الدراسة فيه من باب الاستئناس، أما أن تكون عقيدة ترسخ في القلوب والأذهان فلا وألف لا.

    والنياحة أيضاً من أمر الجاهلية، وهي أن تقول المرأة لفقيدها: يا رجلي! يا سبعي! يا جملي! من لنا بعدك؟!

    فما الذي يمنع الناس أن يصححوا عقائدهم في الله عز وجل؟!

    الحكم بغير ما أنزل الله

    وأعظم مظاهر الجاهلية الحكم بغير ما أنزل الله، سواء على مستوى الحكومات أو الأفراد، مع أن الله عز وجل هو الذي خلق الخلق ويعلم بهم، فإذا كان الله عز وجل هو الذي خلقك وعدلك وسواك فلا بد أنه المستحق وحده لأن يعبد، وأن يحكم ويؤله، ولذلك لما عدل الناس عن شريعة الحكم الحق أنكر الله عز وجل ذلك فقال: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] و(إن) هنا نافية، بمعنى: ليس الحكم إلا لله، كما نعى الله عز وجل عليهم تنكبهم الطريق ومخالفتهم الصراط فقال: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50]، أي: أفحكم الجاهلية تريدون، وتعدلون عن حكم الحكم الملك الحق الذي هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها؟! يقول ابن كثير عليه رحمة الله في هذه الآية: ينعى الله عز وجل على من ترك حكمه وذهب إلى حثالة عقول الناس وضلالاتهم، خاصة ما كان من التتار الذين أخذوا دينهم عن ملكهم جنكيز خان الذي ألف لهم (الياسق)، وهو كتاب أخذه من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والإسلام، ومعظمها من نظره وهواه، فجاء أبناؤه من بعده فاتخذوا هذا الياسق ديناً لهم، وللأسف لا تزال الأمة إلى يومنا هذا تتخذ دينها وحكمها من عصارة وحثالة العقول الشرقية والغربية، وكنا نقول سابقاً: إن هذه القوانين الوضعية لا تصلح إلا في بلاد أنتجتها وخرجت منها، لكنا صححنا ذلك الآن فنقول: إن هذه البلاد والعباد لا يصلحها إلا شريعة الحكم تبارك وتعالى، وأن هذه القوانين الوضعية لا تصلح لإصلاح واحد فقط من العباد، لا مؤمنهم ولا كافرهم، حتى يحكم ويتحاكم إلى شريعة الله عز وجل، ولذلك يقول ابن كثير : فمن تحاكم إلى هذا الياسق فهو كافر خارج من الملة حتى يحكم شرع الله فيه.

    كما ذكر عز وجل خلقاً آخر من أخلاق الجاهلية في أمر النساء فقال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33] قوله: (وقرن في بيوتكن) أمر يفيد الوجوب، (ولا تبرجن تبرج الجاهلية) والجاهلية الأولى هي التي قبل الإسلام بلا خلاف، لكن كيف كانت هذه الجاهلية؟! يقول مجاهد : كانت المرأة تخرج فتضرب الخمار عليها ثم تمشي بين الرجال. فهذا تبرج في الجاهلية الأولى! بل هي المرأة الملتزمة في هذا الزمان، ودعونا من قول مجاهد إلى قول مقاتل بن حيان : تبرج الجاهلية الأولى هو أن تضرب المرأة الخمار، لكنها لا تشده على رأسها، أي: لا تربطه وتحكمه، فيبدو خرصها وعنقها وقلادتها. فلو بعث فينا مقاتل ورأى هذا العري وهذا الفجور وهذا السفور والمرأة لا تكاد تخفي شيئاً لزوجها ماذا يقول عنها؟ ولذلك صدق النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: (صنفان من أمتي)، أي: نوعان من أمتي، (لم أرهما)، أي: لم يكونا موجودين في زمن النبوة، (هما من أهل النار)، أي: أن حكمهم النار، (قوم معهم سياط كأذناب البقر)، أي: كذيول البقر، (يضربون بها الناس)، فمنهم من يضرب الناس بهذه الأذناب لأجل مخالفاتهم ومعاصيهم وكفرهم، ومنهم من يضرب الناس بهذه السياط لأجل توحيدهم وعبادتهم لربهم ونشرهم لسنة نبيهم ودعوتهم إلى الله، والكل معروض على الله عز وجل، (ونساء)، وهو الصنف الثاني، (كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة)، فتمشي المرأة تتبختر وتتكسر وتتغنج، (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، وفي رواية (ليوجد من مسيرة خمسمائة عام)، فهؤلاء لا يشمون رائحة الجنة؛ لأنهم محرومون منها بسبب معاصيهم وتسلطهم على أهل الإيمان والتوحيد.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يتجاوز عن هذه الأمة، وأن يغفر لها زلاتها، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ولنا وقفة أخرى في أيام مقبلة بإذن الله تعالى لإتمام الحديث.