إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [11]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اعتمد السلف في باب الأسماء والصفات قاعدة القرآن الكريم الحاكمة بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ونفي ما نفاه سبحانه وتعالى عن نفسه، وقد خالف في ذلك سالكو مسلك التأويل أو التعطيل فيما يخص الإثبات؛ إذ توهموا أن الاشتراك اللفظي في صفات الخالق وصفات المخلوق يقتضي المشابهة، وذلك غير مسلم؛ فإن المشترك اللفظي ليس له إطلاق كلي على الأعيان الخارجة ليشملها في آن واحد حال الخطاب، بل هو في الخارج لا يوجد إلا معيناً مختصاً، فإذا وصف به الخالق اختص به على ما يليق بجلاله وكماله، وإذا وصف به المخلوق اختص به على ما يليق بنقصه.

    1.   

    بيان ما ينفى عن الله عز وجل من الصفات وما لا يجوز نفيه منها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا شيء مثله): اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظاً مجملاً يراد به المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن، ودل عليه العقل من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] رد على الممثلة المشبهة، وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النصارى في كفرهم].

    من جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم، وهو نظير اليهود -كذلك- في كفرهم وفي تشبيههم لله بخلقه؛ لأن اليهود حينما حرفوا التوراة وضعوا فيها اعتقادهم في تشبيه الله تعالى بخلقه، فزعموا أن الله سبحانه وتعالى له أعضاء كأعضاء المخلوقات، وأنه ينزل إلى الأرض ويصارع ويتحداهم ويتحدونه، تعالى الله عما يزعمون.

    فلذلك نجد التشبيه حينما ظهر في الأمة في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ظهر على أيدي الرافضة الذين هم ورثة اليهود، فالرافضة ورثوا كثيراً من عقائد اليهود كما هو معروف عند المحققين، ومن ذلك التشبيه، فالمشبهة الأوائل المجسمة كـهشام بن الحكم وداود الجواربي وهشام بن سالم الجواليقي وغيرهم كلهم رافضة، بل التشبيه الشنيع الذي كفر أهل السنة من قال به أغلبه في فرق الرافضة الأولى.

    قال رحمه الله تعالى: [ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذا كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك].

    هو بهذا يريد أن يقرب مسألة بناها على قاعدة نفي التشبيه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فهو أولاً أراد أن يبين معنى نفي التشبيه هنا، وما حدث عند المتكلمين والنفاة من اللبس والتلبيس في معنى التشبيه، فقاعدة: (ليس كمثله شيء) تعني أن الله سبحانه وتعالى تثبت له الصفات، لكن على غير صفات المخلوقين؛ لأن الله قال في الآية نفسها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فالآية تضمنت قاعدتين متوازنتين ترد كل واحدة إلى الأخرى، ولا بد من رد كل واحدة إلى الأخرى.

    لكن أصحاب الأهواء انقسموا في هذا الأمر إلى قسمين، وأهل السنة وسط بين الفريقين، فأخذوا بالحق، حيث أخذوا بقاعدة: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وقاعدة: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، قاعدة نفي المشابهة وقاعدة الإثبات، والله سبحانه وتعالى بدأ بنفي المشابهة قبل الإثبات لئلا يستقر في ذهن السامع لصفات الله تعالى ما يتخيله من المعاني التي لا يعرفها إلا في عالم الشهادة، فنظراً لأن الإنسان إذا سمع: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ينطبع في ذهنه ما يشهده وما يعلمه من السمع والبصر؛ فكأن الله أراد أن ينفي المشابهة قبل الانطباع في الذهن، فما ينطبع في الذهن منفي عن الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فحقيقة صفات الله تعالى تثبت والمشابهة منفية قطعاً، فلذلك بدأ بنفي التشبيه لئلا يستقر في الذهن ما يتخيله الإنسان عندما يسمع اللفظ، فلذلك أهل السنة سلمت عقيدتهم، أما أهل الأهواء فانقسموا إلى قسمين: قسم وقف عند الشق الأول، فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فظن أن إثبات الصفات مماثلة، فنفى الصفات، وطائفة أخرى وقفت عند: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وقالوا: لا نعرف إلا السمع بالأذن والبصر بالعين، إذاً: فالله جسم كالأجسام. تعالى الله عما يزعمون علواً كبيراً.

    1.   

    مناقشة المؤولة والمعطلة في بيان أن الإثبات لا يستلزم التشبيه

    وأراد هنا أن يناقش المؤولة والمعطلة؛ لأن تلبيسهم أشد من تلبيس المشبهة، التشبيه تنفر منه النفوس والفطر، ولا يحتاج التشبيه إلى تقعيد فلسفي ولا إلى قواعد عقلية ولا إلى قواعد كلامية، وتنفر منه جميع النفوس، فلا يحتاج إلى تكلف في رده؛ لأن تشبيه الخالق بالخلق تنفر منه فطرة كل إنسان، فلذلك لا يحتاج إلى مزيد كلام، لكن المشكلة في تلبيس المؤولة والمعطلة الذين نفوا أسماء الله وصفاته بدعوى أنها توهم المشابهة، أو الذين نفوا الصفات بدعوى أنها توهم المشابهة، أو الذين أولوا بعض الصفات بدعوى أنها توهم المشابهة، كل هؤلاء يناقشون على قاعدة واحدة، لكن كل واحد منهم نناقشه بقدر ما نتفق وإياه على الأمور الأولية التي يسلم بها، فكلهم لا بد من أن يسلموا بشيء كما سيأتي، فلذلك سنعرف من خلال الكلام أن الشارح سيتدرج في مناقشة المؤولة والمعطلة تدرجاً يأخذهم فيه دفعة دفعة، فيبدأ بالمؤولة الذين تأويلهم خفيف، ثم يثني بمنكري الصفات، ثم يثلث بمنكري الصفات والأسماء جميعاً، فيأخذهم بأسلوب واحد على قاعدة واحدة.

    قال رحمه الله تعالى: [وهم يوافقون أهل السنة على أنه موجود، عليم، قدير، حي، والمخلوق يقال له: موجود، حي، عليم، قدير، ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه].

    هنا يناقش الأشاعرة والماتريدية، يعني: بدأ بالفرق التي هي أقل خروجاً عن السنة في التأويل، أو الذين يمكن أن يكون بيننا وبينهم شيء من الالتزام بالنصوص وظاهرها وبعض القواعد التي تستنبط من النصوص، وهم الأشاعرة والماتريدية، فهو هنا يناقش المؤولة المتكلمين من الأشاعرة ومن نحا نحوهم.

    قال رحمه الله تعالى: [وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل، ولا يخالف فيه عاقل، فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمى، فسمى نفسه حياً، عليماً، قديراً، رءوفاً، رحيماً، عزيزاً، حكيماً، سميعاً، بصيراً، ملكاً، مؤمناً، جباراً، متكبراً، وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام:95]، وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:28]، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيم [الصافات:101]، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإِنسَان:2]، قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف:51]، وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف:79]، أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً [السجدة:18]، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:35]، ومعلوم أنه لا يماثل الحي الحي، ولا العليم العليم، ولا العزيز العزيز، وكذلك سائر الأسماء.

    وقال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِه [البقرة:255]، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر:11]، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58]، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [السجدة:15].

    وعن جابر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته) رواه البخاري .

    وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين) ].

    الخلاصة في هذا الكلام كله أن الشارح قرر طريقة السلف في إلزام المؤولة أو منكري الأسماء والصفات أو مؤولي الأسماء والصفات، فقرر إلزامهم بمبدأ عقلي يجتمع أهل السنة وهم عليه، على مقتضى العقل السليم، هذا المبدأ يتلخص في سؤال لهم: لم نفيتم أسماء الله وصفاته؟ أو: لم نفيتم الصفات؟ أو: لم أولتم الصفات؟ فسيكون جوابهم: لأن هذه الصفات توهم التشبيه.

    فهذا السؤال مجمل، وسيأتي الجواب عنه على درجات.

    ثم يضع سؤالاً لطائفة خاصة منهم، وهم المؤولة من الأشاعرة ومن نحا نحوهم، الذين يثبتون معنى الأسماء ويثبتون بعض الصفات، فيقول لهم: أنتم أثبتم بعض الصفات وأولتم سائرها، فلم أولتم؟

    فسيقولون: لأن الصفات التي أولناها تشعر بالتجسيم، وتشعر بالتشبيه، فخوفاً من التجسيم والتشبيه لجأنا إلى التأويل. فهو يقول لهم: إنكم في عملكم هذا ينبغي أن تعمموا القاعدة على ما أثبتموه مثلما عممتموها على ما نفيتموه، ألستم تثبون أن الله حي قدير عالم سميع بصير؟!

    فسيقولون: بلى. فسيقول لهم: أليس المخلوق حياً عالماً قديراً سميعاً بصيراً؟

    فسيقولون: بلى.

    فإذا قالوا ذلك قال: إذاً: لم فرقتم بين الصفات وكلها ثبتت بإخبار الله، فالله الذي أثبت لنفسه أنه عالم قدير سميع بصير سبحانه هو الذي أثبت لنفسه -أيضاً- أن له اليد والوجه، وأنه يرضى ويسخط، وأنه يحب وأنه يكره ما يكره، وأنه سبحانه وتعالى ينزل ويجيء على ما يليق بجلاله، هذا كله جاء عن الله تعالى، فما قلتم به في الصفات التي أولتموها وارد على الصفات التي لم تؤولوها، وما أثبتم به الصفات التي أثبتموها يجب أن تثبتوا به الصفات التي أولتموها؛ لأنهم إذا قالوا: إننا أولنا بسبب التشبيه، فسنقول: هذه الشبهة موجودة حتى في الصفات التي أثبتموها، فالأشاعرة -مثلاً- يثبتون أن الله سميع بصير، فيقال لهم: والمخلوق سميع بصير، وما دمتم قلتم بأن لله سمعاً وبصراً يليق بجلاله؛ فكذلك قولوا بأن لله يداً واستواءً وعلواً وفوقية تليق بجلاله، وما الفرق؟ فهذا كلام الله وهذا كلام الله، وكله غيب، وكله يشعر بالتشبيه إذا أردنا أن نحكم عقولنا القاصرة، لكن نظراً لأن الله ليس كمثله شيء؛ وجب أن ينفى التشبيه عن جميع صفات الله، وأن تثبت لأنها كلام الله، والله أعلم بصفاته، وقد تكلم بحق بكلام عربي مبين، فلا داعي إلى العدول عن كلام الله تعالى إلى ظنون البشر، وما دمتم أثبتم شيئاً من صفات الله تعالى؛ فالشيء الذي أثبتموه نلزمكم أن تثبتوا به ما نفيتموه، وسنفصل في ذلك -إن شاء الله- على وجه يتبين به الأمر أكثر مما مر.

    قال رحمه الله تعالى: [ فقد سمى الله ورسوله صفات الله علماً وقدرة وقوة ].

    الشارح لا يزال في سياق الرد على ثلاثة أصناف من أهل الابتداع:

    الصنف الأول: مؤولو الصفات.

    الصنف الثاني: معطلو الصفات. أي: الذين ينكرون الصفات.

    الصنف الثالث: الملاحدة.

    وسيرد عليهم من خلال قواعدهم الفاسدة المشتركة بينهم، وربما يخرج لبعضهم شيئاً من النقاش فيما يختصون به، لكنه هنا حاول أن يرد على جميع الفرق التي خالفت أهل السنة في صفات الله تعالى من خلال قواعدهم هم، لا من خلال الأمور الأخرى التي تفرض عليهم أو يلزمون بها، أي: القواعد التي ردوا بها النصوص، فهو يرد عليهم من خلالها كما سنرى.

    مناقشة الأشاعرة ونحوهم

    قال رحمه الله تعالى: [ فقد سمى الله ورسوله صفات الله علماً وقدرة وقوة، وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:54]، وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68]].

    هذا في وصف المخلوقين، يعني بذلك أن الله كما سمى صفات نفسه سبحانه وتعالى وكما سماها رسوله صلى الله عليه وسلم بالعلم والقدرة والقوة؛ كذلك سمى الله المخلوقين ووصفهم بهذه الصفات.

    قال رحمه الله تعالى: [ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة، وهذا لازم لجميع العقلاء؛ فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه].

    هنا بدأ يرد على المؤولة قبل أن يرد على المعطلة، فبدأ بالرد على أقل الفرق انحرافاً في صفات الله تعالى، فهو يرد على المؤولة وعلى أهل الكلام الذين يمثلهم الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم.

    قال رحمه الله تعالى: [فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه -كالرضا والغضب، والمحبة والبغض ونحو ذلك- وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم؛ قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر! مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثْبتَهَ الله ورسوله مثل قولك فيما أثْبَتَّه؛ إذ لا فرق بينهما].

    خلاصة قوله أنه يقول لمن أول بعض صفات الله تعالى وأثبت البعض الآخر، وهم المؤولة الذين يثبتون لله تعالى صفات العلم والإرادة والقدرة والحياة والسمع والبصر ولا يؤلونها، لكنهم في الوقت نفسه لا يثبتون صفة الرضا والنزول والمجيء والمحبة والبغض ونحوها من الصفات الفعلية، يقول لهم: الشبهة التي بها نفيتم الصفات هي موجودة فيما أثبتموه، وأيضاً: السبب الذي به أثبتم الصفات التي ذكرتموها هو موجود في تلك الصفات التي نفيتموها، فإذا قلتم في صفة الإرادة والكلام والسمع والبصر بأنكم تثبتونها لله تعالى وليست كصفات المخلوقين، فكذلك المحبة والغضب واليد والوجه قد أثبتها الله لنفسه، وليست كصفات المخلوقين، فلم نفيتم هذا وأثبتم هذا؟! ليس عندهم جواب.

    مناقشة المعتزلة

    قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً من الصفات، قيل له: فأنت تثبت له الأسماء الحسنى، مثل: حي، عليم، قدير، والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلاً لما يثبت للعبد، فقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه].

    هنا بدأ يرد على المعتزلة، فالمعتزلة يثبتون لله الأسماء مثل: عليم، قدير، حي، لكنهم ينفون عن الله الصفات مثل الحياة والعلم والقدرة، فيقولون: حي بلا حياة، وعليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وهذه فلسفة، لكن الشارح يقول لهم -وهذا مبدأ عند أهل السنة والجماعة-: إن السبب الذي أثبتم به الأسماء موجود في الصفات، والسبب الذي نفيتم به الصفات موجود في الأسماء، فلا داعي للتفريق بينهما، فهم يقولون -مثلاً- في نفي الحياة والعلم والقدرة: لأنها من صفات المخلوقين، فيقال لهم: أيضاً المخلوق يقال له: حي، ويقال له: عليم، ويقال له: خبير بحدود ما أعطاه الله سبحانه وتعالى من هذه الأسماء والصفات، فالتفريق بين أسماء الله وصفاته كالتفريق بين الصفات بعضها مع بعض، والقاعدة عند النفاة وعند المؤولة قاعدة واحدة، وإذ رد عليهم بقواعدهم نفسها، فما أثبتوه لا حجة لهم في نفي ما عداه، وما نفوه لا حجة لهم في إثبات ما عداه.

    إذاً: لا بد في القاعدة الشرعية أن تطرد، فإذا قال الأشاعرة -مثلاً- بأن لله صفات -كالسمع والبصر- ليست كصفات المخلوقين، فيقال لهم: كذلك تثبت لله المحبة والرضا والنزول والمجيء على غير ما عليه المخلوق، إنما تثبت على ما يليق بجلال الله تعالى، لا لأننا استنتجنا ذلك بخيالاتنا وعقولنا، لكن لأنها ثبتت في النصوص، فصفات الرضا والعَجَب والغضب واليد والوجه ثابتة بنصوص الشرع، وهي تثبت لله تعالى على ما يليق بجلاله، ودعوى المشابهة أو دعوى الالتباس بصفات المخلوقين دعوى باطلة؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وكما أنه ليس كمثله شيء في بعض صفاته التي أثبتوها؛ فكذلك ليس كمثله شيء في الصفات التي نفوها، وكما أن الله تعالى ليس كمثله شيء في أسمائه؛ فكذلك ليس كمثله شيء في صفاته، فلا داعي للتفريق بين الصفات، ولا للتفريق بين الأسماء والصفات.

    مناقشة الجهمية والباطنية والمتفلسفة

    قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول: هي مجاز، وهي أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة].

    هنا يرد على الباطنية والمتفلسفة والجهمية، فانتقل من المعتزلة والمتكلمين إلى فئة ثالثة أشد غلواً، وهي الجهمية والباطنية والمتفلسفة.

    قال رحمه الله تعالى: [ قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه موجود حق قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلاً له].

    هذا رد على الدهرية الملاحدة، ثم انتقل من الرد على الجهمية الذين ينكرون الأسماء والصفات جميعاً إلى الرد على الملاحدة الدهرية الذين ينكرون وجود الله، فرد عليهم بنفس القاعدة.

    مناقشة الملاحدة

    فقال رحمه الله تعالى: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً، بل أنكر وجود الواجب. قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه].

    كلمة واجب وغير واجب فلسفة اضطر أهل العلم للتعبير بها لإلزام الخصوم من الملاحدة، وإلا فهي من العبارات المبتدعة التي لا يجوز أن تطلق على الله سبحانه وتعالى، لا باسم ولا بوصف، لكن قد يعبر للخصم الذي لا يؤمن بالكتاب والسنة، أو ألحد في كتاب الله وفيما ورد فيه من النصوص الثابتة بمفاهيمه ومصطلحاته لإلزامه بالحجة، فلذلك قد يحاج هؤلاء الذين ينكرون الأسماء والصفات، أو ينكرون وجود الله بمثل هذه الألفاظ من باب الإلزام العقلي.

    إذاً: لا بد من فهم كلمة واجب الوجود وممكن الوجود، والقائم بنفسه والقائم بغيره، فواجب الوجود معناه: الذي يلزم وجوده ويضطر العقل لإثباته، وتفتقر إليه الموجودات، اللازم عقلاً بالضرورة، فيسمى واجب الوجود بنفسه؛ لأن الوجود خلاف العدم، فلذلك الله سبحانه وتعالى موجود، بمعنى أنه سبحانه وتعالى له وجود ذاتي، وكذلك المخلوقات موجودة، لكن المخلوق مفتقر إلى موجد، فيقال له: ممكن الوجود، أو: جائز الوجود، أو قائم بغيره؛ لأنه لا بد في وجوده من موجد، وهذا الموجد -وهو الله سبحانه وتعالى الخالق- واجب الوجود، بمعنى: لا يمكن أن نتصور أنه يحتاج إلى موجد ثان، فلا يمكن أن يتصور عاقل أن الموجد الذي أوجد المخلوقات القائم بنفسه الواجب الوجود -في تعبيرات الفلاسفة- محتاج إلى موجد ثان؛ لأنه لو قيل بموجود ثالث موجب لغيره لاحتاج الموجود الثالث إلى موجود رابع، والرابع إلى الخامس، وهذا يؤدي إلى التسلسل الذي لا يتناهي أبداً، فلا ننتهي إلى نتيجة، إذاً: لا بد عقلاً من الإقرار بواجب الوجود، أي: لازم الوجود الذي لا بد من أن يكون وجوده أزلياً لا بداية له، كما قال تعالى: هُوَ الأَوَّلُ [الحديد:3]، والأول -كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم- الذي ليس قبله شيء، فإذا كان ليس قبله شيء فليس له موجد، ولا بد من أن يكون هو الموجد، فالفلاسفة تعبر بواجب الوجود الذي يضطر العقل للقول بوجوده أزلاً، وليس قبله شيء.

    قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً، بل أنكر وجود الواجب. قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما غني عما سواه، وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه].

    يعني أن الذي لا يوجد نفسه لا بد له من موجد، فالمخلوقات نعلم قطعاً أنها لا تستطيع أن توجد نفسها، فلا بد لها من موجد، والموجد هو اللازم وجوده بالضرورة أزلاً، وليس قبله شيء.

    قال رحمه الله تعالى: [وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك، وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن].

    يعني أن المخلوقات التي نراها ونحسها علم بالحس والضرورة أنها موجودة وكائنة وحادثة بعد أن لم تكن.

    قال رحمه الله تعالى: [والحادث لا يكون واجباً بنفسه، ولا قديماً أزلياً، ولا خالقاً لما سواه، ولا غنياً عما سواه، فثبت بالضرورة وجود موجودين: أحدهما واجب والآخر ممكن، أحدهما قديم والآخر حادث، أحدهما غني والآخر فقير، أحدهما خالق والآخر مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئاً موجوداً ثابتاً.

    ومن المعلوم أيضاً أن أحدهما ليس مماثلاً للآخر في حقيقته؛ إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قِدمه وهو موجود بنفسه، والآخر لا يجب قِدمه ولا هو موجود بنفسه، وأحدهما خالق، والآخر ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه، والآخر فقير].

    هذا القاعدة العقلية المعلومة بالضرورة تسري على كل من خالف النصوص الشرعية فيما يتعلق بصفات الله تعالى، ليست فقط في المنكرين لأسماء الله وصفاته أو الملاحدة الذين لا يؤمنون بوجود الله، إنما هي سارية على كل من خالف النصوص الشرعية، فالمؤولة الذين أولوا صفات الله فأثبتوا بعضها وأولوا بعضها، والمعطلة الذين أنكروا الصفات وأثبتوا الأسماء، أو الذين أنكروا الأسماء والصفات، هؤلاء كلهم يجمعون على أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد الغني عما سواه، وهو القيوم القائم بنفسه القائم على خلقه، وهو سبحانه وتعالى مغاير للمخلوقات في كل شيء، -وهذه بدهية يعترفون بها، لكنهم نسوها عند الإثبات، فكان الأولى حينما أخبروا بصفات الله جل جلاله كصفة العين واليد والغضب والرضا والضحك والنزول- أن تستمر القاعدة معهم بأن يقولوا: هذه الصفات تليق بالله سبحانه وتعالى على خلاف صفات المخلوقين، بل هي مغايرة حتماً؛ لأن الله تعالى له الكمال المطلق وليس كمثله شيء، وكل صفة لله تعالى فهي كمال مطلق مغايرة قطعاً لصفات المخلوقين، فلو أثبتوها على قاعدتهم الأولى لسلمت عقيدتهم، لكنهم اضطربوا فنفوا بعض صفات الله تعالى زعماً منهم أنها تشبه صفات المخلوقين، مع أنهم يعترفون بأن الله ليس كخلقه في الذات وفي الصفات والأسماء، لكن الشبهة دخلت عليهم بدعوى المبالغة في التنزيه، فالمبالغة في التنزيه دفعتهم إلى التعطيل، كما أن المبالغة في الإثبات عند المشبهة دفعتهم إلى التمثيل والتشبيه، فكل من هؤلاء ضال على اختلاف في قدر ضلاله.

    قال رحمه الله تعالى: [فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القِدم ليس بواجب القِدم، موجوداً بنفسه غير موجود بنفسه، خالقاً ليس بخالق، غنياً غير غني، فيلزم اجتماع الضدين على تقدير تماثلهما، فعُلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل، كما هو منتف بنصوص الشرع].

    هذا أيضاً فيه رد ليس على الدهرية المنكرة لوجود الله فقط، إنما هو رد أيضاً على طوائف من الحلولية والاتحادية الذين زعموا أن الله حال في الخلق أو أن الله متحد بالخلق، فإنهم إذا زعموا ذلك أعطوه صفات الخالق وصفات المخلوق، وجعلوا المتناقضات في موصوف واحد؛ لأنهم يعترفون بأن المحدثات التي يزعمون أن الله حل فيها أو أن الله متحد بها تسمع، فلذلك إذا قالوا: هي الله، كما قال الحلاج لنفسه: ليس في الجبة إلا الله؛ فإنه بذلك زعم لله النقص والكمال، فالحلولية والاتحادية يرد عليهم بمثل هذه القاعدة العقلية المعلومة بالضرورة، وهي أنه إذا آمنا بأنه لا بد للمخلوقات من موجد، وأن هذا الموجد لا بد من أن يكون كاملاً، وأن المخلوقات موجودة ومحتاجة ومفتقرة وليست بغنية، فإن الفرق بينهما هو فرق بين الضدين، واجتماع الصفات كلها في أحدهما -الكمال والنقص- أمر مستحيل، فلا بد من أن تكون صفات الكمال للقائم بنفسه القائم على غيره الغني عما سواه، وهو الله سبحانه وتعالى، وأن تكون صفات النقص للحادث الذي يفنى، وهو المخلوقات.

    الاشتراك اللفظي لا يعني تشبيه الخالق بالمخلوق

    قال رحمه الله تعالى: [فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلاً قائلاً للباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل، والله أعلم].

    يقصد بهذا ما يسمى بالاشتراك اللفظي، والاشتراك اللفظي هو الذي خفي أمره على كثير ممن خالفوا أهل السنة والجماعة، فخالفوا هدي الأئمة في إثبات صفات الله تعالى وإثبات أمور الغيب، والاشتراك اللفظي هو أن هناك ألفاظاً معلقة في الأذهان لا يمكن أن نفهم معانيها على الحقيقة إلا إذا أطلقت على الموصوف أو المسمى، فهذه الألفاظ المشتركة تطلق على الله تعالى على وجه الكمال، وتطلق على المخلوقات على وجه النقص، وهذا معلوم بالضرورة، فمثلاً: اسم (الحي) لفظ مشترك، فكلمة (حي) قبل أن نصف بها أحداً كلمة معلقة في الأذهان وفي الخيالات، لكن إذا قلنا عن الله تعالى: إنه الحي القيوم؛ فهم السامع بفطرته وعقله السليم أن لله الحياة الكاملة، فالله سبحانه وتعالى له البقاء، وإذا أطلقت كلمة (حي) على مخلوق فهم منها الحياة المقيدة التي يعتريها النقص والفناء، وكذلك كلمة (عالم) مثلاً، فهي كلمة مجردة تبقى في الخيال وفي الذهن عالقة، فإذا قيل للإنسان: عالم عرف أنها كلمة تطلق على هذا الإنسان بحسب معلوماته، أي: ليس عالماً بما كان وما يكون وما وراء الأرض، إنما هو عالم بمعلوماته التي في ذهنه، وإذا قيل في حق الله سبحانه وتعالى: عالم، فالله هو العالم على وجه الكمال، وهذا الأمر يجري على كل الصفات والأسماء، والذين نفوا الأسماء أو أولوها بدعوى أنها تشبه أسماء المخلوقات وصفاتهم يقال لهم: كما أنكم تقولون: إن الله موجود والمخلوق موجود، وتقولون بأن وجود الله يليق بجلاله، ووجود المخلوق يليق بنقصه؛ فكذلك الصفات الأخرى -اليد والعين والقدرة والضحك والرضا- تطلق على الله تعالى على ما يليق بجلاله على وجه الكمال، وتطلق على المخلوق على ما يليق بنقصه، فاتفاق الألفاظ من وجه واختلافها من وجه هو الذي التبس على كثير ممن حادوا عن الحق، سواء المشبهة الذين ما فهموا من صفات الله إلا أن تكون مثل صفات المخلوقين، وهو فهم خاطئ أدى بهم إلى الضلالة والكفر، وكذلك المؤولة الذين فهموا من هذه الألفاظ مثلما فهم المشبهة، لكنهم فروا من التشبيه فعطلوا وأولوا، فوقعوا في الضلالة وحادوا عن الحق حيث أردوا الإحسان، فلذلك قال بعض أهل العلم: إن هذه الفرق أرادت الإحسان أولاً لكنها لم تهتد إلى الحق في النهاية، فالمشبهة أردوا الإحسان بالإثبات، لكنهم ما اهتدوا بهدي السنة في معنى الإثبات، فوقعوا في التشبيه، والمؤولة والمعطلة أردوا الإحسان بالنفي، بأنهم أرادوا تنزيه الله، لكنهم زادوا على الحد فعطلوا -أي: أنكروا أسماء الله وصفاته، أو صفات الله أو بعض صفات الله-فحادوا عن الحق حينما أرادوا الإحسان، وسبب ذلك تقصيرهم في العلم وعدم اهتدائهم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة، وإلا فلو اهتدوا لما ضلوا.

    قال رحمه الله تعالى: [وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه؛ فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مختص بوجوده وعلمه وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه.

    وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة].

    أي: اتفق الخالق والمخلوق في المسمى المجرد، وهو الوجود والعلم والقدرة.

    قال رحمه الله تعالى: [فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه].

    يعني أن هذه الأسماء -الوجود والعلم والقدرة- كلمات مجردة لا تعدو أن تكون في الذهن ومفهومها غير مرتبط بعين معينة، أو بشخص معين، أو بموصوف معين، فإذا أطلقت على أحد أطلقت على من أطلقت عليه بحسب ما يليق به، فالوجود والعلم والقدرة إذا أطلقت على المخلوق عرف أنه وجود وعلم وقدرة محدودة، وإذا أطلقت على الخالق سبحانه عرفنا أنه علم وقدرة ووجود كامل يليق بجلال الله سبحانه وتعالى.

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار؛ حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد ].

    مدلول الاشتراك اللفظي وصلته بالأعيان الخارجية

    قال رحمه الله تعالى: [وطائفة ظنت أن لفظ (الوجود) يقال بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم، فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم وحادث. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ (المشتري) الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ (المشتري) يقال: على كذا أو على كذا، ومثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه.

    وأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتاً في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كلياً، بل لا يوجد إلا معيناً مختصاً، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها مختصاً به، فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصاً به.

    فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيها غيره، فكيف بوجود الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين.

    وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق فضلوا، وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا، وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه. فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن أساءوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر، والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساءوا بزيادة التشبيه.

    واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له بلفظ المفرد له ويشار له إلى معناه إن كان مشهودا بالإحساس الظاهر أو الباطن، فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر أول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل.

    فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وعنايته في قلبه، ولا يعرف باللفظ ابتداء، ولكن لا يعرف المعنى بغير اللفظ حتى يعلم أولا أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا إشارة إليه، وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن، مثل الجوع والشبع والري والعطش والحزن والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده استنزله إليه، وعرف أن اسمه كذا، والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه، أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره.

    وإذا عرف ذلك فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلو إما أن يكون مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله، وإما أن لا يكون كذلك. فإن كانت من القسمين الأولين لم تحتج إلا إلى معرفة اللغة، بأن يكون قد عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9]، أو قيل له: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]، ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه.

    وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما لا يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى، كان البيان أحسن، والفهم أكمل.

    فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر، وكذلك لما خبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية، والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : (الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم).

    وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد يكون مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم، كإخبارهم بأن الريح أهلكت عاداً، فإن عاداً من جنسهم، والريح من جنس ريحهم، وإن كانت أشد.

    وكذلك غرق فرعون في البحر، وكذا بقية الأخبار عن الأمم الماضية، ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111]، وقد يكون الذي يخبر به الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه. كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركا وتشبيها بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات الألفاظ مما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم.

    فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدوه مشاهدة كامله ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل قولا يكون حكاية له وشبها به، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة .

    فينبغي أن يعرف هذه الدرجات: أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة. وثانيها: عقله لمعانيها الكلية.

    وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية.

    فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب، فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها لم نحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم تكن مثلها، بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك، وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك ما أمكن ذلك قط].

    تضمن كلام الشارح أربع قضايا رئيسة، أولها: الكلام عن المسمى المطلق والاشتراك اللفظي الذي مر التمثيل به، لكنه -أي: الشارح- فصل فيه، ويقصد بذلك أن الأسماء والصفات الأصل فيها -إذا لم تطلق على أحد بعينه- أن تبقى صفات في الأذهان وخيالات لا يمكن أن ينزلها الذهن على أحد، فإذا أطلقت على موصوف أطلقت عليه على ما يليق به، فجميع الأسماء والصفات التي وردت في حق الله سبحانه وتعالى هي على ما يليق بجلال الله تعالى على وجه الكمال.

    ومن الأسماء والصفات ما يشبه في لفظه أسماء وصفات المخلوقين، لكنه يثبت للمخلوق على ما يليق بضعفه ونقصه، وللخالق على ما يليق بجلاله، مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء، وهذا ليس فقط فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته مع أسماء وصفات المخلوقين، بل المخلوقات نفسها نجد التفاوت في صفاتها، كما أشار إليه الشارح.

    فمثلاً: الله سبحانه وتعالى ذكر لنا أسماء من أصناف النعيم في الجنة، وهذه الأسماء تشبه ما هو في الدنيا من حيث اللفظ، لكن نجزم بأنها من حيث الحقيقة -كما ورد الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم- ليست كما في الدنيا أبداً، إنما الاشتراك اشتراك لفظي.

    فإذا كان هذا في المخلوقات -ولله المثل الأعلى- فالله سبحانه وتعالى أولى بأن تكون أسماؤه وصفاته أبعد من أن تشبه أسماء وصفات المخلوقين على وجه الكيفية، هذا معنى المسمى المطلق والاشتراك اللفظي.

    فالاشتراك اللفظي هو الذي أوهم المعطلة والمجسمة والمؤولة فأوقعهم فيما وقعوا فيه، فالمشبهة بالاشتراك اللفظي أثبتوا صفات لله تعالى كصفات المخلوقين، فكفروا بذلك.

    وأما المؤولة والمعطلة الذين أنكروا أسماء الله وصفاته؛ فالمؤولة منهم اشتبه عليهم اللفظ بما عند المخلوقين أو بأفعال المخلوقين فظنوا أنهم بنفيهم هذه الصفات عن الله تعالى قد نزهوه، في حين أنهم نفوا عن الله صفاته فوقعوا في الضلال.

    أما المعطلة فبسبب تشابه الأسماء نفوا عن الله الأسماء والصفات؛ لأنها توجد في المخلوقات، فبذلك كفروا؛ لأنهم نفوا ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم يقيناً، ونسوا قاعدة: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    بيان وجه الإحسان ووجه الخطأ عند المعطلة والمؤولة

    القضية الثانية: ذكر الشارح وجه الإحسان والخطأ عند كل من المؤولة والمعطلة، وأن مرادهم الإحسان أولاً لكن على غير هدى، فوقعوا في الضلالة، وسبق أن أشرت إلى هذا.

    يعني بذلك أن المعطلة حينما عطلوا ونفوا الأسماء والصفات عن الله تعالى أو أولوا بعضها، أرادوا بذلك ابتداء الخروج مما يتوهمونه من تشبيه لله بمخلوقاته، لكنهم لم يهتدوا للحق الذي جاء عن أئمة الهدى، وهو الإثبات على ما يليق بجلال الله تعالى، فلم يهتدوا إلى الصواب، فإحسانهم حينما لم يكن على صواب ولم يكن على دليل ولا على هدى أدى بهم إلى الإساءة والضلال.

    حكمة التعبير عن الغيب بالألفاظ المشتركة

    القضية الثالثة التي تكلم عنها الشارح: وجوه فهم المخاطب للألفاظ الشرعية، ولماذا عبر الشارع بالألفاظ المشتركة؟

    إذ ربما ترد هذه الشبهة على المعطلة والمؤولة والمشبهة، فيقولون إذا كان الله سبحانه وتعالى لصفاته وأسمائه كيفيات غير ما للمخلوقين، فلماذا عبر بهذه الأسماء والصفات؟

    فيقال لهم: هذا على وجه التقريب؛ لأنه ليس عند المخاطب قدرة على الفهم أكثر مما يدركه في الموجودات، فالأمور الغيبية لا يمكن أن يصل إليها، ولو وصل إليها ما صارت غيباً، فالله تعالى عندما أخبرنا عن نعيم الجنة عبر بألفاظ عن هذا النعيم تشبه الألفاظ التي تطلق على أنواع النعيم في الدنيا، لكن الحقيقة غير الحقيقة، فلذلك قد يعبر عن بعض أمور الغيب بأقرب لفظ يقرب إلى الذهن فهمها، وإن كانت في الكيفيات على غير ما يعهده السامع؛ نظراً لأنه لا يمكن أن يطلع على الغيب.

    فلذلك جاءت النصوص الشرعية في ذكر أسماء الله وصفاته وغير ذلك من أمور الغيب بما يمكن أن يفهمه المخاطب من خلال مشاهداته وحسه، وضبطت هذه النصوص بقواعد أخرى تنفي التشبيه وتنفي التعطيل، وهي مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    فالله وصف نفسه بأنه العلي العظيم، وأنه حليم وأنه حي قيوم، وفي نفس الوقت قال الله لنا عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]؛ لئلا ترتبط الصفات التي نسمع الألفاظ عنها بالمحسوسات المتخيلة في أذهاننا، حتى لا نشبه أسماء الله وصفاته بما نعرفه مما يشبه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، فعلى هذا تثبت الحقائق الواردة في النصوص، أي: حقائق الألفاظ، لكن لا يمكن أن تثبت الكيفيات، والحقائق غير الكيفيات، فلذلك أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة هي حقائق، لكن الكيفيات التي هي عليها كيفيات كاملة تليق بجلال الله تعالى، ولا يمكن أن يدركها بشر؛ لأن الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    وهذا أيضاً في سائر أمور الغيب التي أخبرنا الله بها، فشبهها بما عندنا من المحسوسات شبه لفظي، وهي حقائق، لكن الكيفيات غيبية، ولو كانت معلومة أو تشبه المشاهدات عندنا لما كانت غيباً.

    وما أخبر الله به من أمور الغيب على نوعين:

    نوع يمكن أن يرتسم له في الذهن ما يقرب من الحقيقة والكيفية، وهو ما أخبر الله به مما يوجد مثله، كإخبار الله تعالى عن الطوفان، أو عن غرق فرعون أو عن قصص النبيين، فهذه الأمور تفهم مما يقرب من كيفياتها، وربما نرى بعض أثارها وأعيانها، فهي غيب من حيث أحداثها، لكن ليست غيباً من حيث كيفياتها التي هي عليها.

    والنوع الآخر من الغيب هو الغيب الآخر الذي لا يوجد مثله في الدنيا، فهذا كيفياته في نطاق الغيب، ويستحيل لأحد من البشر أن يصل إلى هذه الكيفية؛ لأنه لو أمكن لأحد من البشر أن يصل إلى هذه الكيفية لما صارت غيباً، ولما سماها الله لنا غيباً، والغيب ما غاب عن الذهن والعقل والحس على السواء.

    هذه أهم القضايا التي وردت في بقية النص.