إسلام ويب

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [15]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ألفاظ الدعاء الواردة في الكتاب والسنة جامعة لمعاني الكمال، فإذا دعا العبد ربه بأسمائه وصفاته أو أفعاله أو بالإيمان بالله عز وجل، فإن ذلك كله سبب لإجابة وإعطاء من سأله به جل وعلا؛ لأن الله يحب الإحسان إلى الخلق سيما إذا كان الدعاء لكف ظلم أو قضاء حاجة، فإن هذا من حقه على السائلين أن يجيبهم وعلى العابدين أن يثيبهم.

    1.   

    علاقة السبب بإجابة السؤال

    أفعال الله من مقتضى الربوبية

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

    [ وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب، ولهذا يقال في الدعاء: يا رب!.. يا رب! كما قال آدم عليه السلام: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    وقال نوح عليه السلام: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ [هود:47].

    وقال إبراهيم عليه السلام: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].

    وكذلك سائر الأنبياء.

    وقد كره مالك وابن أبي عمران من أصحاب أبي حنيفة وغيرهما أن يقول الداعي: يا سيدي.. يا سيدي، وقالوا: قل كما قالت الأنبياء: رب.. رب!

    واسمه الحي القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله إذا اجتهد في الدعاء.. ].

    الرب من الألفاظ الجامعة في أسماء الله وصفاته، ولذلك يكثر الدعاء بها، وسبق أن ذكرت أن هذا فيه رد على الذين يزعمون أنه يمكن استخراج أسماء لله عز وجل وصفات لم ترد في الكتاب والسنة؛ لأن ما ورد في الكتاب والسنة ألفاظ جامعة لمعاني الكمال الذي يمكن أن يتخيله بشر، أو يرد على ذهن بشر، أو على لسانه بأي لغة؛ فإن أسماء الله الواردة في الكتاب والسنة قد تضمنته وزيادة، من ذلك لفظ الجلالة: الله، ومن ذلك الرب، ومن ذلك الحي القيوم، ومن ذلك العلي العظيم، ومن ذلك العزيز الحكيم.

    فهذا فيه دلالة على أنه لا يجوز استحداث أسماء الله عز وجل من خارج الكتاب والسنة، ولا الصفات، أما الأفعال فبابها واسع؛ لأن الأفعال وصف لآثار الله في خلقه، وهذا مما لا يتناهى.

    السؤال بالسبب يكون بما يقتضي وجود المسئول

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإذا سئل المسئول بشيء -والباء للسبب- سئل بسبب يقتضي وجود المسئول، فإذا قال: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض، كان كونه محموداً مناناً بديع السموات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل، وكونه محموداً هو يوجب أن يفعل ما يُحمد عليه، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه؛ ولهذا أمر المصلي أن يقول: (سمع الله لمن حمده)، أي: استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول، كقوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع)، أي: لا يستجاب.

    ومنه قول الخليل عليه السلام في آخر دعائه: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم:39]، ومنه قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47]، وقوله: وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ [المائدة:41]، أي: يقبلون الكذب، ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك؛ ولهذا أمر المصلي أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يصلي ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال: (عجل هذا، ثم دعاه فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، وليدع بعد بما شاء)، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.

    وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (كنت أصلي والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم بالصلاة على نبيه، ثم دعوت لنفسي؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سل تعطه)، رواه الترمذي وحسنه.

    فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك، ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم، قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ ، ثم قال: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ على هذه الحال التي هم عليها لم يقبلوا الحق، ثم لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23].

    فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن، ولو فهموه لم يعملوا به.

    وإذا قال السائل لغيره: أسألك بالله؛ فإنما سأله بإيمانه بالله.. ].

    المقصود بالباء هنا باء السببية، يعني: أسأل بالإيمان بالله؛ لأنه لا يتوجه إلا هذا، فلا يقاس عليه غيره أيضاً، ولأن الله عز وجل يسأل به، أي: بالإيمان به، أو بأسمائه وصفاته، كل هذا وارد وجائز، فالباء هنا لا تقاس على الباء في إضافتها للمخلوق، فلا يقال: اللهم إني أسألك برسولك، أو بنبيك، أو بالكعبة، أو بكذا؛ لأن إضافة الباء إلى المخلوق جعلت المخلوق وسيلة غير مشروعة.

    لكن السؤال بالله عز وجل يقصد به معاني كلها عظيمة وصحيحة؛ إما السؤال بأسمائه وصفاته، أو باسمه هذا الذي هو: لفظ الجلالة، أو بالإيمان بالله عز وجل، فإن الإيمان بالله من العبادة والعمل الصالح الذي يتوسل به إلى الله كما سيأتي في حقيقة التوسل بالأعمال الصالحة، وأول الأعمال الصالحة وأعظمها الإيمان بالله عز وجل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا قال السائل لغيره: أسألك بالله؛ فإنما سأله بإيمانه بالله، وذلك سبب لإعطاء من سأله به، فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق، لا سيما إن كان المطلوب كفَّ الظلم؛ فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، وأمره أعظم الأسباب في حض الفاعل، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضياً لمسببه من أمر الله تعالى ].

    1.   

    الكلام على حديث (أسألك بحق السائلين)

    قال رحمه الله: [ وقد جاء فيه حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: وأسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا؛ فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك)، فإن كان هذا صحيحاً فحق السائلين عليه أن يجيبهم.. ].

    الحديث فيه كلام كثير عند أهل العلم، وقليل من أهل العلم صححه، وبعضهم حسنه، ويترجح عند كثير من المحققين أنه ضعيف، لكن الحديث الضعيف إذا لم يتعارض مع أصل شرعي؛ فإنه يستأنس به ولا يستدل به، واللفظ الذي ورد: (اللهم إني أسألك بحق السائلين)، محتمل لمعنى صحيح، ومحتمل لمعنى فاسد، وعلى هذا فإنه من الألفاظ المجملة التي تحتمل الحق وتحتمل الباطل، فهي تحتمل الوسيلة الصحيحة المشروعة، وتحتمل الوسيلة البدعية الممنوعة، فإذا قال الإنسان: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، ويقصد بذلك ما وعد الله من إجابة السائلين الذي أوجبه الله على نفسه؛ فهذا صحيح لكن فيه سوء أدب، بمعنى أنه أوجب على الله حقاً، وهذا لا يليق.

    وعلى هذا فإنا لا نجزم بمشروعية ذلك ما دام الحديث ضعيفاً، لكن يبقى أن الاحتمال وارد، والخلاف سائغ بين من أجاز مثل هذه اللفظة وبين من منعها، فمن أجازها -كما قلت- قصد ما كتب الله على نفسه من أن يجيب السائلين، والمعنى الباطل: كوننا نوجب على الله شيئاً لا يجب عليه، أو أن يكون حق السائلين بطريقة غير مشروعة عند أهل البدع، بعض أهل البدع يقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين) ويقصد السائلين للأموات والمخلوقين الذين لا يقدرون، فالمعنى محتمل.

    حق السائلين على الله الإجابة

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن كان هذا صحيحاً فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو حق أوجبه على نفسه لهم.

    كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سبباً لإجابة الدعاء، كما في قوله تعالى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [الشورى:26].

    وكما يسأل بوعده؛ لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده، ومنه قول المؤمنين: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193]، وقوله: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي [المؤمنون:109-110].

    ويشبه هذا مناشدة النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حيث يقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)، وكذلك ما في التوراة أن الله تعالى غضب على بني إسرائيل فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم، فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم.. ].

    الحديث الذي ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بدر: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)، حديث صحيح رواه مسلم كما هو معلوم، ويقصد بهذا كله أن سؤال العبد لله عز وجل بما وعد الله جائز ومشروع، فعلى هذا أجاز كثير من أهل العلم قولك: اللهم إني أسألك بحق إيماني بك.. اللهم إني أسألك بحق تصديقي لرسولك صلى الله عليه وسلم.. اللهم إني أسألك بحبي لرسولك، فهذه الأمور الجائزة وإن كان فيها نوع من الجفاء في حق الله عز وجل؛ لأن الإنسان ينبغي أن يسأل الله مباشرة، ولا يضيع عمله بجزاء عاجل، بل يدخره لليوم الآخر أن يطلب جزاءه عاجلاً، لكن مع ذلك يبقى مشروعاً، فهو أشبه بطلب الدعاء من الآخرين من المسلمين.

    ويستشهد له بمثل ما ذكر المؤلف، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)، وعلى هذا يكون الأصل في ذلك الإباحة، وإن وجد شيء من التحرز فإنما هو في صرف الدعاء أو طلب الانتفاع بعمل صالح ينبغي أن يدخره المسلم لما هو أعظم من حاجته في الدنيا، وهذا لا يلغي المشروعية، إنما تبقى المفاضلة فقط، والله أعلم.