إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل
  3. شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [5]

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [5]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق أن ترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثوابه سبحانه لا لمكافأتهم، وأن تكف عن ظلمهم خوفاً من الله، فإن هذا من ثمار العبودية لله تعالى ولوازمها، وبذلك تنال السعادة في الدارين.

    1.   

    فصل: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فسنبدأ في فصل جديد يعتبر امتداداً للفصل السابق في الكلام على العبودية ولوازمها وقواعدها وثمارها، وفي هذا الفصل سيركز فيه شيخ الإسلام على قاعدة في مسألة معاملة الخلق، وبيان وجه السعادة في معاملة الخلق، وقد تضمنت هذه القاعدة حكماً بليغة، ووصايا عظيمة، وفوائد جليلة كما حدث في القاعدة السابقة.

    الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:[ فصل:

    والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: (ارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله)، أي: لا تفعل شيئاً من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفاً من ذمهم، بل ارج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتي وما تذر، بل افعل ما أمرت به وإن كرهوه ].

    ذكر الشيخ هنا أربعة من الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق، وهي في الحقيقة أمور جامعة ومانعة تشمل جميع وجوه السعادة في معاملة الخلق التي يكون بها رضا الله عز وجل وتحقيق العبودية له، وهذه الأسس الأربعة هي:

    أولاً: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله.

    ثانياً: تخافه فيهم ولا تخافهم في الله.

    ثالثاً: تحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم.

    رابعاً: أن تكف عن ظلمهم خوفاً من الله.

    فجعل جميع هذه الأسس الأربعة تقوم على مراعاة حق الله عز وجل في معاملة العباد، وعلى تحقيق العبودية من خلال معاملة العباد، وأشار إلى أن هذا هو الذي يكون به السعادة في معاملة الخلق، أي: سعادة القلب وسعادة النفس، وإلا فالإنسان قد يشعر بالسعادة الشكلية من خلال ما يحققه من مصالح دنيوية من خلال تعامله مع العباد، لكنها مصالح منغصة كما سيذكره فيما بعد، وهذا إذا لم يكن فيها مراعاة لحق الله عز وجل، وعليه فلا بد أن يكون هذا هو الأصل والمنطلق في معاملة العباد.

    مآل من التمس رضا الناس بسخط الله والعكس

    قال رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، أو تذمهم على ما لم يؤتك الله)فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقناً، لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفاً منهم ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين.

    وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يُقدّر، كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم، ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، لكن من حمده الله ورسوله فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله فهو المذموم.

    ولما قال بعض وفد بني تميم: (يا محمد! أعطني، فإن حمدي زين وإن ذمي شين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك الله عز وجل).

    وكتبت عائشة إلى معاوية رضي الله عنه، وروي أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً) هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاماً)، هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه في الدين، والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً، كالظالم الذي يعض على يده يقول: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:27-28]، وأما كون حامده ينقلب ذاماً، فهذا يقع كثيراً، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم ].

    في الحقيقة يمكن إيجاز كلام الشيخ هنا: بأن من التمس رضا الناس بسخط الله فإن مآله وعاقبة أمره إلى الخسران، حتى وإن وجد بعض الفائدة من ذلك، لكن العاقبة لا تكون حميدة أبداً، سواء في الدنيا أو في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط، وكذلك العكس، فمن التمس رضا الله بسخط الناس فلا بد أن تكون عاقبته حميدة، وقد لا يتأتى هذا عاجلاً، وإنما يتأتى بالصبر، فالإنسان قد يرى أول الأمر شيئاً من الإعراض من الناس إذا التمس رضا الله بسخطهم، وقد يجد شيئاً من المضايقة، لكنه بالصبر لا بد أن تكون العاقبة له، إما في الدنيا والآخرة وهو الغالب، وإما في الآخرة فقط.

    فإذاً العاقبة لا بد أن تكون لمن راعى حق الله عز وجل في ذلك، مع أنه بالتجربة والاستقراء نجد أن كل من صبر على أذى الناس والتمس رضا الله ولو بسخطهم، فإنه لا بد أن يجد العاقبة الحميدة في دنياه قبل آخرته، مع ما ادخره الله له في الآخرة، لكن ذلك مشروط بأمرين: صدق النية، وصدق الإخلاص مع الله عز وجل، والصبر على ما يصيبه من بلاء، وأكثر الناس قد لا يصبر، فلا تحصل له النتيجة التي يأملها؛ لأنه لم يتحقق عنده الشرط الذي ضمن الله به لمن فعل ذلك.

    انتفاع العبد بطاعة ربه عز وجل

    قال رحمه الله تعالى: [ فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق الله، فعبده لا يشرك به شيئاً كان موحداً.

    ومن توحيد الله وعبادته التوكل عليه والرجاء له والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك.

    وإعطاء الناس حقوقهم وترك العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم ومن الشرك بهم.

    وبطاعة ربه واجتناب معصيته يخلص العبد من ظلم نفسه، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)، فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد، وكما في الحديث الذي رواه الطبراني في الدعاء: (يا عبادي! إنما هي أربع، واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فالتي لي: تعبدني لا تشرك بي شيئاً، والتي لك عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة، والتي بينك وبين خلقي فائت إليهم ما تحب أن يؤتوه إليك) والله يحب النصفين، ويحب أن يعبدوه.

    وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه، وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إنما يحبه لكونه طريقاً إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج أولاً، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة، فهو يطلب ما يحتاج إليه أولاً ليتوسل به إلى محبوب الرب الذي فيه سعادته، وكذلك قوله: (عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه)، فإنه يحب الثواب الذي هو جزاء العمل، فالعبد إنما يعمل لنفسه، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث هي نافعة له، محصلة لسعادته، محصنة له من عذاب ربه، فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له، وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، فمن عبد الله لا يشرك به شيئاً أحبه وأثابه، فيحصل للعبد ما يحبه من النعم تبعاً لمحبوب الرب، وهذا كالبائع والمشتري، البائع يريد من المشتري أولاً الثمن، ومن لوازم ذلك: إرادة تسليم المبيع، والمشتري يريد السلعة، ومن لوازم ذلك: إرادة إعطاء الثمن.

    فالرب يحب أن يُحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به، والعبد يحب ما يحتاج إليه ].

    ذكر الشيخ رحمه الله أمراً كثيراً ما يسأل عنه بعض الناس، ويستشكله بعض العوام وحتى بعض المبتدئين من طلاب العلم، أو ممن عندهم شيء من الوساوس نسأل الله العافية، ويتلخص هذا الإشكال في أن بعض الناس يتحرج من أن يكون قصده نفع نفسه مع عبادته لربه ورجاء ثوابه عز وجل، ويظن أن هذا مذلّة، حتى إن بعضهم يقول: إني أجد في نفسي حينما أندفع للصيام أو للصدقة أو لفعل الخير أني أريد بذلك الجزاء من الله عز وجل لا مجرد العبادة، وهذا جاهل؛ لأن الله عز وجل تعبّدنا بما ينفعنا، فلا حرج عليه، بل من محض الإيمان إن شاء الله، وصدق اليقين أن يكون قصدك أن تنتفع بعبادتك لله عز وجل؛ لأنك أنت المستفيد أولاً وآخراً، والله عز وجل هو الغني، وكون المسلم يعبد الله ويرجو ثوابه ويحبه ويخشاه، ثم يحتسب ذلك ويريد ثوابه ويرجو فائدة ذلك في الدنيا والآخرة فهذا من أعظم المقاصد الشرعية التي يحتسب بها المسلم إلى الله عز وجل، بل إن من أعظم المقاصد التي تتوجه إليها القلوب توجهاً صحيحاً أن يكون المسلم يتطلع إلى ثواب الله وإلى جزاء في عمله، وأن يتطلّع إلى السعادة في الدنيا والآخرة كما ذكر الشيخ.

    وأما قوله: ( فالرب يحب أن يحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به)، فهذه العبارة فيها شيء من الغموض تحتاج إلى توضيح، يعني: أن الله يحب العباد الذين يحققون العبودية له، والله يحب من لا تحصل العبادة إلا به ممن أطاعوه واتبعوا شرعه من عباده الصالحين.

    أنواع الشرك وضرورة تعاهد الإنسان نفسه خشية الوقوع في الرياء

    قال رحمه الله تعالى: [ فالرب يحب أن يُحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به، والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك: محبته لعبادة الله، فمن عبد الله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله، في إخلاص الدين له، ومن طلب من العباد العوض، ثناء أو دعاء .. أو غير ذلك، لم يكن محسناً إليهم لله، ومن خاف الله فيهم ولم يخفهم في الله كان محسناً إلى الخلق وإلى نفسه، فإن خوف الله تحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم، ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ظالم لنفسه ولهم، حيث خاف غير الله ورجاه؛ لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم، وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرهم أو مثله، وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله، وهو إذا لم يخف الله فهو مختار للعدوان عليهم، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها؟ فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر، مهين ذليل إذا قهر، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس.

    وكذلك إذا رجاهم فهم لا يُعطونه ما يرجوه منهم، فلا بد أن يبغضهم فيظلمهم إذا لم يكن خائفاً من الله عز وجل، وهذا موجود كثير في الناس، تجدهم يخاف بعضهم بعضاً، ويرجو بعضهم بعضاً، وكل من هؤلاء يتظلّم من الآخر، ويطلب ظلمه، فهم ظالمون بعضهم لبعض، ظالمون في حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التي تُعذب النفس بها وعليها، وهو يجر إلى فعل المعاصي المختصة كالشرك والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه، ولا سيما إذا كان طالباً ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور، وذكر ماجريات النفس والهزل واللعب، ومخالطة قرناء السوء.. وغير ذلك، ولا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى ].

    قوله: (ماجريات النفس)، أي: رغباتها وميولاتها؛ لأن النفس أمّارة بالسوء، وقد ذكر السلف أن للنفس وجوهاً متعددة، أو أن النفوس ثلاثة: منها: الأمّارة بالسوء، وهذه أكثر إلحاحاً على الإنسان؛ لأنها هي التي تستجيب لأهواء ورغبات النفس، ووساوس الشيطان، وهي أشد النفوس وقوعاً في الشهوات والشبهات، ولذا فالرغبات والميولات هي التي تدفع الإنسان إلى أن يرضي نفسه الأمّارة بالسوء.

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن الإنسان خُلق محتاجاً إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ونفسه مريدة دائماً، ولا بد لها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به، وليس ذلك إلا لله وحده، فلا تطمئن القلوب إلا به، ولا تسكن النفوس إلا إليه، ولَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، فكل مألوه سواه يحصل به الفساد، ولا يحصل صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له ].

    ذكر الشيخ هنا أنواع الشرك، فذكر الشرك الخفي والشرك الجلي، وأغلب ما يشير إليه هنا هو الشرك الخفي؛ لأن أغلب المسلمين يقعون فيه، بمعنى: أنهم يتّبعون أهواءهم ويطيعون رغبات أنفسهم، ويطيعون الناس ويخافونهم ويرجونهم.. وغير ذلك مما قد لا يصل إلى الشرك الأكبر، ولذلك ينبغي للإنسان دائماً أن يتعاهد نفسه في كل عمل يعمله، بل وفي كل ما يأتي به وما يذر، حتى فيما يفكّر فيه من الأمور غير العملية، أو فيما يخطر على باله من خطرات، فينبغي للمسلم أن يتعاهد نفسه لئلا تقع فيما تستريح إليه النفس الأمّارة بالسوء من المحرمات، وفعل الفواحش وقول الزور والحسد والهزل وإضاعة الوقت واللعب ومخالطة قرناء السوء .. وغير ذلك مما تُدفع إليه النفس؛ ولأنه ربما يكون فيه شيء كثير من الشرك الخفي؛ لأن الشرك الخفي ليس عليه دليل، لكن من أبرز معاني الشرك الخفي هو الرياء؛ لأنه أخفى الأعمال، ولأن الإنسان قد يظهر بمظهر حسن أو مستقيم في حين أنه فيما بينه وبين ربه قلبه منصرف إلى العباد، لكن كل ما توجه به الإنسان إلى غير الله عز وجل من الرغبات والخوف والرجاء فإنه نوع من الشرك، فإن وصل إلى العبادة فهو شرك جلي، أي: شرك أكبر، وعليه فالشرك درجات كما أن الإيمان درجات، والشرك شعب كما أن الإيمان شعب.

    غنى الإنسان وسعادته في طاعة ربه وتوحيده لافتقاره إليه سبحانه

    قال رحمه الله تعالى: [ فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين، عبدت غيره من الآلهة التي يعبدها أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم، فأشركت بالله بعبادة غيره واستعانته، فتعبد غيره وتستعين به، لجهلها بسعادتها التي تنالها بعبادة خالقها والاستعانة به، فبالعبادة له تستغني عن معبود آخر، وبالاستعانة به تستغني عن الاستعانة بالخلق، وإذا لم يكن العبد كذلك كان مذنباً محتاجاً، وإنما غناه في طاعة ربه وهذا حال الإنسان، فإنه فقير محتاج وهو مع ذلك مذنب خطاء، فلا بد له من ربه، فإنه الذي يسدي مغافره، ولا بد له من الاستغفار من ذنوبه، قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، فبالتوحيد يقوى العبد ويستغني، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، وبالاستغفار يغفر له ويدفع عنه عذابه، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، فلا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، فإنه لا بد له منه، وإذا لم يحصل له لم يزل فقيراً محتاجاً معذباً في طلب ما لم يحصل له، والله تعالى لا يغفر أن يُشرك به، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار حصل له غناه وسعادته، وزال عنه ما يعذبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    افتقار العبد إلى التوكل على الله والاستعانة به

    قال رحمه الله تعالى: [ والعبد مفتقر دائماً إلى التوكل على الله والاستعانة به كما هو مفتقر إلى عبادته، فلا بد أن يشهد دائماً فقره إلى الله، وحاجته في أن يكون معبوداً له، وأن يكون معيناً له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه ].

    هذه المسألة من المسائل التي كثيراً ما يغفل عنها الناس، ولذلك ينبغي بل يجب على طلاب العلم وخاصة من يتصدون للخطابة والتعليم والوعظ والإرشاد أن يركّزوا على هذه القضية، ألا وهي الاستعانة بالله عز وجل، إذ هي من أعظم أبواب إصلاح القلوب، لا سيما والناس قد بدأت عندهم بعض مظاهر القلق والأمراض النفسية والشعور بالخوف .. ونحو ذلك، مما جعلهم يلجئون إلى الوسائل غير المشروعة، كالدجل والدجالين.. وغير ذلك من الأمور التي قد تكون مظهراً من مظاهر ضعف الاستعانة بالله عز وجل.

    لذا ينبغي على الوعاظ والمرشدين والدعاة أن ينبهوا الناس ويربوهم على مسألة الاستعانة بالله عز وجل دائماً في كل شيء، وأن يبدأ كل مسلم باللجوء إلى الله عز وجل والإلحاح عليه عندما يطرأ عليه أي أمر من الأمور، سواء كان صغيراً أو كبيراً، ولا يحقرن في ذلك شيئاً، وقد نجد ممن يتنبه ويتفطن لهذه القضية، لكن هذا قليل، وهذا القليل أيضاً قد لا يتفطن إلا بعد أن يصل إلى اليأس والشعور بالإحباط، وخاصة الذين يعانون شيئاً من الأمراض النفسية والجسمية، فإذا لم يجدوا فائدة عند الأطباء أو الرقاة أو الدجالين تفطنوا باللجوء إلى الله عز وجل، وهذا خير، لكن أعظم منه أن يلجأ الإنسان إلى الله عز وجل في كل أمر صغير أو كبير بالدعاء والاستغفار والتوبة، وعمل الصالحات التي تنجيه وتنفعه وتصله بالله عز وجل.

    ولذا أقول: ينبغي لكل من يعلم الناس ويربيهم ويرشدهم أن ينبه على هذا الأمر كثيراً، لا سيما مع كثرة الظواهر المزعجة في الآونة الأخيرة، وكثرة لجوء الناس إلى غير الله عز وجل واللجوء إلى الأسباب، مع أن بذل الأسباب مطلوب لا شك، لكن لا يعني ذلك الإعراض أو الغفلة عن اللجوء إلى الله عز وجل، فيحسن التنبيه لهذه المسألة العظيمة.

    قال رحمه الله: [ قال تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران:175]، أي: يخوّفكم بأوليائه، هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، كـابن عباس.. وغيره وأهل اللغة كـالفراء .. وغيره. قال ابن الأنباري: والذي نختاره في الآية: يخوّفكم أولياءه. تقول العرب: أعطيت الأموال، أي: أعطيت القوم الأموال، فيحذفون المفعول الأول.

    قلت: وهذا لأن الشيطان يخوّف الناس أولياءه تخويفاً مطلقاً، ليس له في تخويف ناس بناس ضرورة، فحذف الأول لأنه ليس مقصوداً.

    وقال بعض المفسرين: يخوف أولياءه المنافقين، والأول أظهر؛ لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار، فهي إنما نزلت فيمن خوّف المؤمنين من الناس، وقد قال: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ [آل عمران:175] الضمير عائد إلى أولياء الشيطان، الذين قال فيهم: فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173] قبلها، والذي قال الثاني فسرها من جهة المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه؛ لأن سلطانه عليهم، فهو يدخل عليهم المخاوف دائماً، وإن كانوا ذوي عَدَد وعُدَد، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوّفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول، أي: يخوّف المنافقين أولياءه، وهو يخوّف الكفار كما يخوف المنافقين، ولو أُريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه، وهو قوله: فَلا تَخَافُوهُمْ .

    وأيضاً فإنه يعد أولياءه ويمنيهم، ولكن الكفار يلقي الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر:13] وقال: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال:12]، ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوّف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين، وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى: وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التوبة:56]، وقال: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ [الأحزاب:19].. الآية، فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ (أولياءه) هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما دل عليه السياق، وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوّفه الشيطان منهم.

    فدلّت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناساً خائفين منهم.

    ودلّت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44]، فخوف الله أَمَر به، وخوف أولياء الشيطان نهى عنه، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150]، فنهى عن خشية الظالم وأمر بخشيته، وقال: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب:39]، وقال: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40].

    وبعض الناس يقول: يا رب! إني أخافك وأخاف من لا يخافك، فهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحداً، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يُخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل: قد يؤذيني، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل ذي شر، ولم يسلطه عليك، فإنه قال: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يُسلط عليك، كما قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    وفي الآثار: (يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فمن أطاعني جعلت قلوب الملوك عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي وأطيعوني أعطفهم عليكم)].

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.