إسلام ويب

شرح لمعة الاعتقاد [8]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أصول أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لأولي الأمر وأئمة المسلمين وإن جاروا، وذلك في غير معصية، ومن أصولهم هجر المبتدعة، وترك النظر في كتبهم، وعدم الإصغاء إلى كلامهم، وعدم التسمي بغير الإسلام والسنة.

    1.   

    السمع والطاعة لأئمة المسلمين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم ما لم يأمر بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس رضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين ].

    في هذا المقطع يقرر المؤلف رحمه الله أصلاً من أصول السنة.

    من السنة طاعة أئمة المسلمين في غير معصية

    وقوله: (من السنة) أي: من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن سنة الخلفاء الراشدين، ومن سنة السلف الصالح، ومن سبيل المؤمنين: السمع والطاعة لأئمة المسلمين ما لم يأمروا بمعصية، وأئمة المسلمين هم كل من ولاه الله أمر المسلمين، سواء كان خليفة كالخلفاء الراشدين، ومن بعدهم ممن تسمى بهذا الاسم كبعض خلفاء بني أمية وبعض الخلفاء العباسيين، ومن جاء بعدهم، أو كان إماماً وهو بمعنى الخليفة، وهو الإمام الأعظم الذي يتولى أمور المسلمين في دينهم ودنياهم.

    أو كان سلطاناً، وهو أيضاً من ولاه الله أمر المسلمين بسلطان، وهو إما أن يكون شرعياً تولى السلطة بطريق الشورى أو بطريق اختيار أهل الحل والعقد، أو بطريق الغلبة.

    أو كان ملكاً، سواء تولى عن طريق الشورى أو أهل الحل والعقد، أو عن طريق الغلبة..

    أو كان أميراً، وهو أيضاً بمعنى السلطان والملك، وهو من ولاه الله أمر المسلمين وسمي أميراً، سواء كان بالشورى أو بعقد أهل الحل والعقد أو بالغلبة، أو بنحو ذلك من الطرق التي يتولى بها الناس أو يتولى بها أحد أمور المسلمين، فكل من ولاه الله أمر المسلمين فهو له حق السمع والطاعة بالمعروف ما لم يأمر بمعصية.

    لكن لهذه الأوصاف درجات من الناحية الشرعية، فخلافة المسلمين أحياناً تكون خلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر المسلمين، وهذه في الخلفاء الراشدين الأربعة المهديين، وبعضهم يلحق بهم عمر بن عبد العزيز ، وبعضها خلافة على عباد الله، أي خلافة الأرض في الدين والدنيا، وهذه لا يلزم أن يكون فيها الخليفة راشداً كالخلفاء الراشدين، وكلمة الإمام تُطلق على من يغلب عليه الاهتمام بالشرع، ومع ذلك قد يتسمى إماماً من هو دون ذلك.

    وعلى أي حال كل هذه الألفاظ هي ولاية للمسلمين، الخليفة والإمام والسلطان والملك والأمير والرئيس، أو ما اصطلح الناس على اسمه، فالعبرة بوصفه، ما دام وصفه أن يكون أميراً أو والياً لأمر المسلمين بأي وصف وبأي اسم، فإن له حق السمع والطاعة ما لم يأمر بمعصية.

    وجوب طاعة ولي الأمر براً كان أو فاجراً

    ثم قال: (برهم وفاجرهم).

    أي سواء كان هذا الإمام براً أي تقياً صالحاً، أو فاجراً أي مسلماً فاجراً، وهذا التفصيل جاء في أحاديث كثيرة صحيحة بعضها في الصحيحين وبعضها في غير الصحيحين، وكلها تأمر بالسمع والطاعة حتى للظالم الفاجر العاصي، والذي يُنكر منه ما يُنكر فإنه لا بد من السمع والطاعة له في المعروف ما لم يأمر بمعصية، أما ما يأمر به من معصية الله عز وجل فلا يُسمع له ولا يطاع.

    أما ما يفهمه بعض قليلي الفقه من أن كل من ارتكب معصية من الولاة فلا يُسمع له ولا يُطاع مطلقاً حتى في الطاعة فهذا فهم منكوس، وهو فهم الخوارج والمعتزلة وفهم سائر أهل الأهواء، فإن الطاعة تبقى بالمعروف والمعصية إنما تكون فيما يُنكر فقط، بمعنى أنه إذا أمر بمعصية لا تنخرم طاعته في كل شيء، بل فيما أمر به مما يخالف أمر الله.

    وهذا كما هو معروف مبني على المصالح العظمى للمسلمين، فالمصالح العظمى للمسلمين تقتضي ضرورة السمع والطاعة بالمعروف حتى وإن رأى المسلمون معاصي وفجوراً، فإنهم لا يجوز أن يخلوا بمبدأ السمع والطاعة ولا يخلوا بالبيعة، لكنهم ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف، وينصحون لولي الأمر.. فإن ظهر منه معصية فإنها تُنكر بالطرق الشرعية المعروفة وحسب قواعد الشرع المعروفة.

    والمعاصي تتفاوت فإن السمع والطاعة بالمعروف لا يعني ترك إنكار المنكر كما يفهم بعض الناس، فهذا أيضاً فهم معكوس كفهم من ظن أن من عصى لا يُطاع مطلقاً، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، وإن كان خليفة أو سلطاناً أو أميراً أو والياً أو ملكاً، لكن لا تنزع منه يد الطاعة.

    طاعة من ولي الخلافة ورضي به الناس أو غلبهم بسيفه

    (ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس رضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين)، يعني من أسمائه أمير المؤمنين كما هو معهود في عصور السلف، لكن قد يُسمى بغير هذه الأسماء فيُسمى والياً، ويسمى أميراً، ويسمى ملكاً، ويسمى سلطاناً، ويسمى رئيساً.. أو يسمى بأي اسم ما دام الأمر في حدود المفهوم اللغوي والشرعي.

    قال: (وجبت طاعته).

    بمعنى أن الطاعة واجبة شرعاً فيما تجب فيه الطاعة.

    (وحرمت مخالفته)، أي: مخالفته فيما فيه مصالح المسلمين من أمر المعروف، سواء ما يتعلق بدين الناس أو بدنياهم.

    وكذلك يحرم الخروج عليه، وشق عصا المسلمين.

    بمعنى أن الخروج دائماً يقتضي الشق، أي شق عصا الطاعة وشق عصا المسلمين، بمعنى تفريق كلمتهم والخروج على أصلهم الذي هو هذا الاعتقاد الذي ذكرته.

    وهذه القواعد كلها أيضاً مبنية على نصوص وقد أجمع عليها السلف، ولذلك عدوا من خالف في أمر من هذه الأمور من أهل الأهواء.

    الحكم على ولاة الأمر من حيث البر والفجور

    مما يتعلق بهذه المسألة أو بهذا الأصل الأمور التالية:

    أولاً: الحكم على ولاة الأمور من حيث البر والفجور أو الكفر أو نحوه؛ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر في وجوب الأمر بالسمع والطاعة، ثم قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم عليه من الله برهاً).

    فيما يقتضي مخالفة هذه الأصول ليس الحكم للفرد إنما الحكم للجماعة، وهم أهل الحل والعقد في الأمة، وأهل الحل والعقد هم أهل العلم ومن يلحق بهم من طلاب العلم والدعاة، وأهل الرأي والمشورة في الأمة من رؤساء وقواد ووزراء وموظفين وغيرهم.. فإن هؤلاء يدخلون في عموم أهل الحل والعقد ما داموا يلتزمون شرع الله في هذا الأصل.

    إذاً فالحكم بكل ما يتعلق بولي الأمر في الأمور العامة ومصالح الأمة الكبرى كعقد البيعة، أو نقلها، أو الحكم بكفر معين، أو بكفر حالة من الحالات التي يقع فيها الحاكم، ولوازم الخروج على البيعة، كل ذلك يرجع إلى أهل الحل والعقد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خاطب الجماعة فيما يتعلق بالولايات ولم يخاطب الأفراد، فالخطاب يرجع إلى الجماعة، والجماعة يمثّلون بأهل الحل والعقد منهم، هذا أمر.

    حكم الأخذ برأي العوام في مصالح الأمة وقضاياها الكبرى

    الأمر الآخر: أن ما يتعلق بمصالح الأمة الكبرى مثل تولية السلطان أو البيعة له، أو تقدير أمر من الأمور الشرعية العظمى التي ترجع إلى أهل العلم وأهل الحل والعقد، لا يصح أن يؤخذ فيها رأي عامة الناس، فعامة الناس تبع للعلماء وأهل الرأي وأهل الحل والعقد.. وهذا ما كان عليه سلف الأمة.

    بمعنى أنا لو أردنا أن نقرر مسألة من المسائل التي تتعلق بدنيا الناس أو دينهم، أو خلافتهم أو إمارتهم لا نذهب إلى ما يذهب إليه الأوروبيون والغربيون ومن سلك سبيلهم من المسلمين، فلا نسلك مسلك التصويت، ونقول بعدد الأصوات نقرر كذا أو نمنع كذا؛ لأن أغلب الناس دهماء ورعاع، وأغلب الناس تحكمهم العواطف والمصالح الشهوانية، وأغلب الناس فيهم جهل، حتى وإن وجد عندهم عواطف دينية، فإن هذا الأصل لا يؤخذ -كما يظن كثير من الشباب الآن- بالأكثرية، ولا يصح هذا في مصالح الأمة العظمى، والأكثرية هم الهالكون غالباً، حتى في المجتمع المتمسك.. لأن أغلب الناس غوغاء وعوام وأشباه عوام لا سيما في هذا العصر حينما كثر المتعالمون، فأكثر العوام من أنصاف المثقفين، وأكثر المثقفين هم عوام، فإذا أوقعنا مصالح الأمة تحت التصويت وما يشبهه فإن هذا هو الهلكة.

    ولأضرب لكم مثالاً: من البلايا التي أُصبنا بها ما يسمى بالدش، هذه المضرة العظمى المؤكدة من يقرر الضرر فيها والنفع، أليس هم أهل العلم وأهل الفقه في الدين؟ نعم.

    لو أخذناها بالتصويت ما الذي سيحدث؟

    الآن صارت في البيوت فلا يكاد يخلو منها بيت، بل وجدناها في البادية وفي القرى وفي بيوت الشعر.. إذاً: هل يؤخذ رأي الناس في مصالحهم الكبرى بعددهم؟ لا، يؤخذ بالمصلحة الشرعية وإلا وقعنا في الهلكة.

    وأنا أحببت بهذه المناسبة أن أنبه كثيراً من إخواننا طلاب العلم ألا ينجرفوا مع كثير من المثقفين العاطفيين من الإسلاميين وغيرهم الذين يريدون أن يجروا الأمة إلى هذا المسلك، ويأخذوا بأكثريتها إلى مهالك، ويبنوا أقوالهم وأحكامهم على مجرد رغبة أكثر الناس، وكثير من القضايا الحساسة المهمة التي تتعلق بدين الأمة وبكرامتها وبفضيلتها لو وضعناها للناس بالتصويت، لاختاروا طريق الهلاك، ولا أظن هذا يخفى عليكم.

    إذاً: من ضمن هذا أيضاً ما يتعلق بالولاية والعزل والسلطة وغيرها، فهذه ترجع إلى أهل الحل والعقد من العلماء ومن كان في سبيلهم ممن يعرف للعلماء اعتبارهم من أهل الرأي والمشورة من الرؤساء والقواد وغيرهم.. هؤلاء لهم اعتبارهم لأنهم يرجعون إلى العلماء، فإذا لم يرجعوا للعلماء فلا اعتبار لهم.

    1.   

    منهج أهل السنة في معاملة أهل الأهواء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدل والخصومات في الدين وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع، كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم.. فهذه فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها ].

    في هذا المقطع ذكر منهج أهل السنة والجماعة في معاملة أهل الأهواء، وذكر من ذلك أصولاً أولها: هجران أهل البدع.

    أنواع الهجر

    الهجر أنواع وأصناف، من أشهرها نوعان:

    الأول: هجر المجانبة، والبعد عن مواطن البدع وأهلها.

    بمعنى أن تهجر صاحب البدعة فلا تخالطه ولا تجالسه ولا تنادمه ولا تصاحبه في سفر، ولا فيما يقتضي الرضا ببدعته، أو ما يفهم منه الرضا ببدعته أو إقراره على ما هو عليه.

    وهذا النوع من الهجر يملكه كل الناس في كل زمان، بمعنى ألا تخالطه مخالطة المنادمة والمصاحبة التي تؤثر عليك وتوقعك في التبسط والرضا بما هو عليه؛ لأن مجرد المجالسة الطويلة تشعر بالرضا، بل لا بد أن يكون من لوازم المجالسة الرضا بما عليه الجليس.

    وأهل البدع الذين يُهجرون هم أهل البدع المغلظة والشركية ما داموا مظهرين لبدعتهم في أعمالهم أو يدعون إليها، فإذا كانت ظاهرة في سلوكهم فيجب هجرانهم بهذا النوع الذي ذكرته، وكذلك إذا دعوا إليها بأي نوع من أنواع الدعوة فإنه يجب هجرانهم على النوع الذي ذكرته.

    الثاني: هجر المباينة والعداوة، وهجر البراءة والتضييق، وهي أمر زائد على مجرد ترك المصاحبة.

    وهذا النوع الغالب أنه لا يحكم به فرد، إنما يرجع إلى أهل العلم الذين يؤخذ بحكمهم، أو إذا قالوا امتثل الناس قولهم.

    وهو أن يأمر من له رأي وحل وعقد من عالم كبير أو وال تهمه عقيدة الأمة بألا يتعامل مع فلان وأن يُهجر فلا يتكلم معه حتى في الأمور الصغيرة البسيطة، وهذا الهجر هجر الردع وهجر التأديب، كما فعل عمر رضي الله عنه مع صبيغ بن عسل التميمي وكما فعل ثابت البناني وابن عون والحسن البصري والأوزاعي ونحوهم من الأئمة الذين هجروا أصنافاً من أهل البدع في وقتهم، كـواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي وغيرهم، فإنهم كلهم ممن حُكم بهجره وإسكاته، وكان الناس في ذلك الوقت يمتثلون، فإذا قال العالم أو الأمير قولاً في صاحب بدعة بأن يُهجر ولا يُصاحب أو لا يكلم فإن الناس يهجرونه الهجر الكامل ويبتعدون عن مجالسته ومخالطته، فإذا لقوه في الشارع أو في السوق جانبوه، إذا قعد في حلقة إما أن يقوم وإما أن يقوموا هم، وإذا جاء إلى مائدة أو حفل أو نحوه إما أن يُخرج أو يخرجوا ويتركوا هذا الحفل ونحو ذلك، فهذا الهجر بمعنى المباينة الكاملة والمفاصلة، والمقصود به تأديب المبتدع نفسه، وزجر غيره ليرتدع الجهلة من الوقوع في الأهواء، وأيضاً ليحصن الأمة من بلائه وخطره.

    وهذا النوع يرجع إلى مدى استعداد الناس لطاعة العالم أو طاعة الوالي، فإذا كان الناس سيطيعون فإنه ينبغي أن يُتخذ هذا المسلك مع أهل البدع المغلظة الذين يُخشى خطرهم على الأمة، لكن إذا كان العالم أو الآمر بذلك لا يُطاع فإن المسألة تكون مجرد عبث، والغالب أن الأمر ينعكس، أعني أنه إذا كان العالم أو الأمير لا يُطاع عندما يأمر بالهجر فإن هذا سيؤدي إلى التعاطف مع المبتدع.

    إذا كان المسلمون في غربة وأهل السنة في غربة أو في حالة استضعاف، أو في وقت تهيمن عليه بعض النظم التي قد تحول بين العالم أو الإمام وبين تنفيذ أمره، فإن المسألة تحتاج إلى فقه آخر، أي أن من الحكمة ألا يؤمر بالهجر من هذا النوع، أما النوع الأول فكل يملكه في كل وقت، أي أن تجانب المبتدع ولا تجالسه إلا في حدود الضرورة القصوى كأن تعامله بصفته جاراً، فتعطيه حق الجوار، أو بصفته زميلاً في العمل فتعامله في حدود العمل أو تعامله في المصالح المادية الخالصة التي ليس فيها نوع تودد أو معاشرة تامة، فإن هذا قد يُسمح به إذا كان صاحب هذه البدعة لا يدعو إلى بدعته، أما إذا دعا إلى بدعته فلا بد من الحزم معه.

    قال: (وترك الجدل والخصومات في الدين).

    وهذا نوع من أنواع الهجر، بل هو أصل يتعلق بالهجر وغيره، وجاء به هنا لأن أهل الأهواء غالباً ما يجرون من يجالسهم إلى الخصومات؛ لأنهم يثيرون الشبهات والإشكالات في الدين من ناحية، ومن ناحية أخرى فالغالب أن أهل الأهواء من أحرص الناس على ترويج أهوائهم والدعوة إليها بكل وسيلة، فيلبسون على الناس ويظهرون أنهم أهل تقوى وصلاح، بل لعل من أعظم أسباب الفتنة بأهل الأهواء ووجود أتباع لهم من غوغاء المسلمين وعامتهم أنهم يتظاهرون بالصلاح والاستقامة، وهذا من الابتلاء الذي ابتلى الله به العباد.

    ولذلك إذا تأملنا أحوال الذين ظهرت على أيديهم البدع الكبرى التي ذكرها المؤلف هنا، نجد أن المؤسسين كلهم إلا النادر منهم تجدهم ممن يوصفون بالصلاح والاستقامة والورع والزهد والحرص على مصالح المسلمين والغيرة، والكلام عن الدين بعاطفة وبتأثير قوي، ابتداءً من الخوارج، والنبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بقوله: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم)، هؤلاء الخوارج الأولون، والخوارج الآخرون الذين يخرجون في آخر الزمان كذلك، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري وغيره: (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام) ثم قال: (يقولون من خير قول البرية) يعني كلامهم كلام الأنبياء ويشبه كلام الأنبياء والصالحين والأئمة، فمن هنا فإن صاحب البدعة يدعو بمظهره وبتصنعه للناس وبتكلفه في مبدئه حتى يوقع أهل السنة بالمراء والجدال والخصومات في الدين، فلذلك ينبغي للشباب أن يحذروا كل الحذر التمادي في الخصومة.

    وقد نلاحظ -وهذه ظاهرة وإن كانت قليلة لكن معظم النار من مستصغر الشرر- نلاحظ أن هناك من الشباب من يقع في هذه الخصلة ولو لم يكن صاحب هوى، أي كثرة الجدال وتكرار الأسئلة والتمحل في عرض القضايا ومحاولة إثبات دعوى الجدارة وإثبات المعلومة عند الآخرين، أو استقصاء ما عند الآخرين من معلومات، أو محاولة جر الناس إلى قضايا جزئية أو كلية بالمراء والجدل.

    وكل تحصيل يزيد عن حد الحاجة فهو جدال، بمعنى أن الإنسان عليه أن يسأل ويسمع الجواب، فإذا سمع الجواب فإن بقى عليه إشكال فليسأل في موطن الإشكال فقط، أما إذا كرر مرة أخرى فهو مجادل، هذا أمر.

    الأمر الآخر: أنه إذا سأل وأُجيب، ثم سأل وأُجيب وعميت عليه القضية فليسكت، فمعنى هذا أنه يقال له كما قيل للخليل بن أحمد :

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع

    كذلك إذا كان السؤال يتعلق بأمر غيبي أو يتعلق بمشكلة كانت معضلة عند الكبار، أو يتعلق بأمر يحتاج إلى جهود علماء كبار، أو كان الأمر عقلياً فلسفياً.. أو نحو ذلك، كل هذا يندرج تحت الجدال في الدين.

    والفارق بين الجدال والتعلم غامض قد لا يعرفه كثير من الناس، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يحذر تكرار السؤال وإثارة المسائل، وليكن متلقياً أكثر مما يكون سائلاً، وإذا سأل فليحدد المسألة في حدود ما في ذهنه من إشكال ولا يزيد عليه؛ لأن الشيطان يستدرج الإنسان، فربما تسأل عن سؤال وأثناء الجواب تخطر ببالك مسألة جديدة تريد أن تسأل عنها، فالأولى أن تتأنى وتتوقف ولا تسأل في نفس اللحظة، لعلك تُلهم الجواب، أو تجده في مقام آخر، فلذلك كان تشقيق السؤال بعد السؤال في مسألة جزئية تتفرع عن أخرى غير المقصودة بالسؤال، هذا من علامات الجدال، والغالب أنها توقع في الجدال والخصومات في الدين.

    ترك النظر في كتب المبتدعة

    ثم قال: (وترك النظر في كتب المبتدعة).

    هذا أيضاً أصل عظيم جهله كثير من مثقفي الأمة اليوم، وأكثر طلاب العلم خاصة في البلاد التي سلمت من البدع كبلادنا لا يوجد منهم من ينظر في كتب البدع إلا نادراً ولضرورة، لكن هناك طائفة أخرى مخضرمة وهي طائفة المثقفين وما أكثرهم، هؤلاء يقرءون مما هب ودب، بل أكاد أقول: إن قراءتهم في كتب البدع والأهواء والكلام والفكر الحديث المنحرف عن أهل السنة أكثر من قراءتهم في الكتب الشرعية، حتى من كانت عنده عواطف شرعية وعواطف إسلامية، فأغلب قراءتهم في كتب البدع والنظر فيها وهم لا يشعرون، ويظنون أنهم يتلقون ديناً وفكراً إسلامياً.. وهذا أمر يحتاج أن ينبته له طلاب العلم.

    طالب العلم ينبغي أن يقتصر في سنين الدراسة على كتب العلم الشرعية، وليحذر أن يقرأ شيئاً من كتب الأهواء والبدع، أو كتب الثقافة غير المأمونة، فإذا استوى واشتد وشهد له مشايخه وأجازوه فلا مانع أن يقرأ في كتب الأهواء بشرط أن يكون لقراءته فائدة معلومة، ليس لمجرد الاستطلاع أو استظهار معلومات جديدة، ولكن لفائدة معلومة محددة يريد أن يصل إليها، كرد بدعة، أو الرد على شبهة، أو لمحاولة تقرير أصل من الأصول، أو نحو ذلك مما فيه فائدة للإسلام والمسلمين..، أما ما عدا ذلك فليحذر طلاب العلم من الوقوع في كتب البدع؛ لأنها تستهوي.. ولذلك نجد غالب عشاق القراءة من المثقفين الذين لم يطلبوا العلم الشرعي على العلماء تستهويهم كتب البدع، ويتلذذون بها، ويشعرون بنشوة عند قراءتها.

    وكتب البدع في وقتنا أكثر من مجرد كتب الفرق في الماضي، من كتب البدع: كتب الفرق المعلومة.. كتب الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، والرافضة، لكن من كتب البدع الآن ما قد يخفى على كثير من طلاب العلم فضلاً عن غيرهم، فأكثر ما يسمى بكتب الفكر الإسلامي كتب أهواء وبدع، وأكثر ما يسمى بكتب الثقافة الإسلامية التي انتشرت الآن تدخل في كتب البدع، وأكثر الدراسات والمؤلفات حول الأدب والتاريخ والعلوم الإنسانية إما كتب بدع أو تسير على نهج أهل البدع، ويستثنى القليل من ذلك، لكن هذا القليل لا يعرفه إلا طلاب العلم الخُلّص.

    بمعنى أنه ليس كل من حمل راية الثقافة أو حصل على الشهادة أو على كذا من الألقاب نركن إليه في ديننا ونطمئن إلى مشورته، فيما نقرأ وما نترك؟

    بل الغالب أن هذا النوع يحتاج إلى توجيه، ولو بلغ الستين والسبعين وما فوق ذلك من عمره، كما يحتاج صبياننا في الكتاتيب.

    ترك الإصغاء إلى كلام المبتدعة

    ثم قال: (والإصغاء إلى كلامهم).

    والكلام أخطر من قراءة الكتب، فالإصغاء إلى كلام أهل الأهواء لا يجوز، بل هو محرم، ومما ابتلينا به أن الناس صاروا يسمعون كلام كثير من أهل الأهواء عبر الأشرطة وعبر وسائل الإعلام الأخرى، فلا بد من الحذر من هذا التيار.

    وكلام أهل الأهواء كلام جذاب مغر، وأغلبهم ممن يُفتن الناس بما يسمعون منه؛ لأنهم أصحاب ثقافة عالية في الغالب، فيجدون من الأساليب والتعابير ما يشدون به أذهان السامعين، وفي الغالب أن أهل الأهواء يتحرون حوائج الناس وما يعتلج في نفوسهم من قضايا ومشكلات فيحاولون أن يسهموا في علاجها، فمن هنا تتعلق النفوس بهم، وقد يكون ذلك عن حسن نية منهم، أعني أن المبتدع صاحب الهوى لا يلزم أن يدري أنه صاحب هوى، قد يكون -وهذا هو الغالب- صاحب عاطفة، وفعلاً يريد الخير ويريد الحق، لكن قد جانبه بمخالفته للسنة، فإذا عُرف أحد من الناس أنه صاحب هوى أو فيه نزعة هوى فيجب تجنب كلامه، وما عنده من كلام جميل يُغني عنه ما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عند أهل الحق وأهل العلم الموثوقين.

    فلا يكون ما عنده من كلام جميل ذريعة لأخذ جملة ما عنده بما في ذلك الأهواء والبدع، وكثير من الذين يتكلمون في مصالح المسلمين عندهم شيء من البدع، فلذلك ينبغي أن نتنبه ولا نصغي إلى كلامهم حتى وإن قالوا بحق؛ لأن الحق الذي معهم لم ينفردوا به، وهذه قاعدة عند السلف كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أهل الأهواء قد يكون عندهم شيء من الحق، لكن لا ينفردون بهذا الحق، فإن الحق الذي عندهم هو عند أهل السنة وزيادة، كما أن من أهل السنة من قد ينفرد بخطأ لكن هذا الخطأ الذي عنده نجده عند أهل الأهواء وزيادة..

    هذه مسألة ينبغي أن يتنبه لها طلاب العلم، فلا تغويهم أو تستدرجهم بعض الأشياء التي يمتاز بها أهل الأهواء فينجرفوا معهم في أهوائهم.

    كل إحداث في الدين بدعة

    قال: (وكل محدثة في الدين بدعة).

    هذه قاعدة شرعية عظيمة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، والمحدثة في الدين ليس المقصود بها في العبادات فقط كما يظن بعض الناس، بل كل ما أُحدث في العبادات، وفي العقائد، وفي الأعياد، وفي الأحكام من الحلال والحرام.. فكل ما أُحدث على غير دليل شرعي فهو بدعة، بل العادات إذا أخذت جانب التعبد والالتزام صارت بدعة، ولذلك أكثر ما يُدخل الناس البدع من خلال ما يسمونه بالعوائد، فيتخذون عادة ثم يلزمون أنفسهم بها وتلتزمها الأجيال جيلاً بعد جيل حتى يُظن أنها من الدين، ومن خالفها كان مخالفاً للدين، وانظروا إلى بعض العوائد الموجودة عند الأعراب وعند بعض الناس، وبعض طوائف الناس نجد أنهم يظنون أنها من الدين، حتى يعتقدون أن من خالفها فهو مخالف للسنة.

    إذاً حتى العوائد إذا أخذت الالتزام بها فإنها تكون بدعة؛ لأنها تأخذ شكل التدين، وأعظم من ذلك الأعياد، بعض الناس يظن أن الأعياد داخلة من باب العادات، والأعياد تشريع وداخلة في العبادات دخولاً أولياً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حصر في الحديث الصحيح أعياد المسلمين بعيدين فقط، ما زاد عنهما فهو بدعة مهما بُرر له، ومهما سُمي من الأسماء والشكليات.

    التسمي بغير الإسلام والسنة بدعة

    ثم قال: (وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع).

    التسمي بغير السنة والجماعة من السمات الكبرى لأهل البدع، كما أن من أعظم سمات أهل السنة أنهم ليس لهم اسم إلا أهل السنة والجماعة، بل يستحيل أن تجد اسماً عاماً يتفق عليه المسلمون قديماً وحديثاً وينطبق على الأصول الشرعية وتنطبق عليه غير أهل السنة والجماعة، فالسنة والجماعة لا يمكن أن يدّعيها مبتدع، وإن ادّعاها فلا يمكن أن يقر له بذلك، وبالعكس فإن جميع أهل الأهواء لا بد أن يكون لهم أسماء أو صفات أو شعارات تخالف أهل السنة والجماعة، وهذه الأسماء إما ترجع إلى أشخاص وإما ترجع إلى أوصاف.

    تسمية الفرق نسبة إلى أشخاص أو أوصاف

    فالأسماء التي ترجع إلى الأشخاص كالجهمية فإنها ترجع إلى الجهم ، وكالكرامية فإنها ترجع إلى ابن كرام، والكلابية ترجع إلى ابن كلاب ، والأشاعرة يرجعون إلى الأشعري ، والماتريدية ترجع إلى الماتريدي ، فالله عز وجل نزّه السنة وأهلها من أن تكون لهم هذه الأسماء فكانت لمن ينتسب إليه أهل هذه الأهواء.

    وأحياناً تكون أوصافاً كالرافضة، سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر وهي من الدين، وبذلك رفضوا الدين جملة وتفصيلاً، وكالشيعة أيضاً لأنهم شايعوا علي بن أبي طالب ، وكالخوارج سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنهم يخرجون على الأئمة وعلى المسلمين، والقدرية لأنهم خالفوا في القدر وقالوا بغير ما قال به أهل السنة، والمرجئة لأنهم قالوا بالإرجاء وهو تأخير الأعمال عن الإيمان وهكذا..

    وفي الآونة الأخيرة قد ترجع بعض الأهواء إلى شعارات كالاشتراكية والبعثية والوطنية والديمقراطية.

    وكل متسم بغير أهل السنة فهو مبتدع، يخرج من هذا من وصف بوصف لا يلزمه، وهذا قد يشكل على بعض السامعين، فقد يقال إن أهل السنة سموا بالمشبهة وسموا بالحشوية وسموا بالنابتة وسموا بالناصبة إلى آخره، لكن نقول: ليس العبرة بتسمية الخصوم ولا بإلزامهم لهم، إنما العبرة بما عليه الحق من ناحية، ومن ناحية أخرى بما يكون على وجه التزام، بمعنى أن يلتزم به أهله ويرضونه، فالشيعة رضوا بالتشيع، والخوارج أيضاً سماهم النبي صلى الله عليه وسلم تسمية شرعية فأصّل فيهم اسم الخوارج وأجمعت الأمة على هذا الاسم، والجهمية أجمعت الأمة على تسميتهم بهذا الاسم، والمعتزلة كذلك إلى آخره.. فإما أن يقع إجماع وإما أن يرفع صاحب الاسم شعاره ويرضى به كالشيعة، وإما أن ينطبق الوصف شرعاً ولغة.

    أما اللمز والرمي والاتهام فلا يقع على صاحبه، لذلك المشركون لما عيّروا النبي صلى الله عليه وسلم بغير ما هو عليه لم يكن لهذا التعيير أي أثر فلم يصدقه أحد ولا صدقوه هم أنفسهم، أليسوا سموا النبي صلى الله عليه وسلم -وحاشاه من ذلك- بمذمم؟ هل هو في الحقيقة مذمم؟ إذاً ما وقع عليه الاسم لا شرعاً ولا عقلاً ولا عرفاً، فهذا الاسم لم يكن له أثر، وكأن الله عز وجل صرفهم عن تعييره أو أن يقع عليه السب، فكذلك أسماء أهل السنة أو ألقابهم التي عيرهم بها خصومهم ما دامت لا تقع شرعاً ولا عقلاً ولم يلتزمها أهل السنة فإنها لا تؤثر، إنما الكلام على غير ذلك مما ذكرت.

    التعريف بالشيعة والرافضة

    ثم ذكر أصناف أهل الأهواء قال: (كالرافضة)، والرافضة اسم جدير بالشيعة، لأن الشيعة مرت بأطوار ما بين الغلو والاعتدال والتوسط، انتهت في بداية القرن الثاني الهجري بل قبله بقليل إلى الرفض، وما بقي على التشيع إلا الزيدية، بل انقطع التشيع في غير الزيدية.

    إذاً: شيعة اليوم كلهم رافضة، حتى الباطنية تفرعت عن الشيعة، وكل شيعة اليوم رافضة إلا نوازع قليلة فردية أو شخصية لا يؤبه بها، لكن الفرق الشيعية انقرضت ولم يبق إلا الرافضة، أما الزيدية فهي معروفة باستقلالها.

    فالرافضة هم الذين رفضوا الإقرار لـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما بالإمامة وبالأفضلية، بل ورفضوا أن يكونوا أهل حق، بمعنى أنهم سبوا أبا بكر وعمر وزعموا أنهما من المرتدين، ومن خلال هذا الاسم ينطبق الرفض على جميع أمور الدين وليس على رفض أبي بكر وعمر ، لكن هو الشعار الأول.

    وسموا رافضة لأنهم لما اجتمعوا حول زيد بن علي بن الحسين شيخ الزيدية وقد شكوا بأنه على أصولهم، فأرادوا أن يختبروه فقالوا: ماذا تقول في أبي بكر وعمر ؟ وكانوا يؤملون أنه سيسبهما أو يلعنهما قاتلهم الله، لكنه قال قولاً آخر فترضى عنهما وقال قول أهل الحق، فانفضوا من عنده فقال: إذاً رفضتموني، فسموا الرافضة، وبقي هذا الوصف لهم إلى يومنا هذا.

    إذاً: الرافضة هم الشيعة الموجودون الآن ما عدا الزيدية، وبعض الزيدية رافضة.

    وأهم أصول الرافضة وأخطرها قولهم بعصمة أئمة آل البيت، فهم يرون أن أهل البيت معصومون، وأنهم يعلمون الغيب، وأنهم أحق بالإمامة والخلافة إلى قيام الساعة، وأنهم يتصرفون في الكون أو في بعض الكون وفي أيديهم مقاليد الكون، وأن عندهم أشياء من العلم ليست عند بقية المسلمين ولا الصحابة ولا حتى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم ورثوا النبوة وخصائصها كما يرثون النسل.

    لهم أصول أخرى مثل التقية والمهدية والرجعة، وكل أصل يُعد بذاته كفراً، ورتّبوا على هذه الأصول تكفير الصحابة رضي الله عنهم، فهم يكفّرون جميع الصحابة إلا ثلاثة، وأحياناً خمسة وأحياناً سبعة، فيستثنون علياً والحسن والحسين وسلمان الفارسي وجابر بن عبد الله وبعض الصحابة، وبعضهم قد يحصر الاستثناء بآل البيت فقط.

    التعريف بالجهمية

    و(الجهمية)، وهم أتباع الجهم بن صفوان ، وهو رأس المعطلة وأول من أعلن التعطيل بعد الجعد بن درهم، ولذلك لما نشط الجهم وبذر أصوله ودعا إليها وصار له أتباع سُمي التعطيل باسمه، وإلا فالتعطيل الذي هو إنكار أسماء الله وصفاته وأفعاله بدأه قبله الجعد بن درهم ؛ لكن الجعد وجد في وقت قوة الدولة الإسلامية، وكان أهل الحل والعقد يأمرون فيُطاعون، فقد اجتمع له طائفة من السلف وناظروه وأقاموا عليه الحجة، فأصر على بدعته فحكموا بضرورة قتله دفعاً لفتنته وحماية للمسلمين فقُتل، لكن الجهم عاش في فترة ما بين ضعف الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، ففي هذه الفترة نشط كثير من أهل الأهواء، فاستطاع الجهم أن يبذر أقواله وأصوله، وقد قتل سنة (128هـ) أي في وقت ضعف الدولة الأموية، فوجد له أتباع، فلما كثر أتباعه وانتشر هذا المذهب على يده سُمّي باسمه، فسمي أتباعه الجهمية، وهم الذين ينكرون أسماء الله وصفاته وينكرون أفعال الله عز وجل، وكذلك يقولون بالقدر، أي: يقولون بالجبر والإرجاء الكفري، وهم المرجئة الغلاة.

    التعريف بالخوارج

    قال: (والخوارج) أي: الذين يخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم في أي زمان، والخوارج الذين وردت فيهم النصوص على صنفين:

    صنف خرجوا على عهد علي رضي الله عنه، وقد ورد فيهم أحاديث تنص عليهم.

    وصنف آخر هو كل من خرج على أئمة المسلمين وعلى أهل الحل والعقد فيهم، وعلى جماعتهم، ورفع السيف على المسلمين في أي زمان، فإنه يُعد من الخوارج.

    ومن هذه الفئة الثانية من سيخرج في آخر الزمان، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (سيخرج أناس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية) ثم قال في آخره: (فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن لمن قتلهم الجنة) فلذلك احتسب الصحابة قتال الخوارج عند الله عز وجل، وفرحوا عندما علموا أنهم هم الذين ينطبق عليهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يشملهم الوعد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.

    التعريف بالقدرية والمرجئة

    قال: (والقدرية)، وهم الذين قالوا بنفي القدر، وهم على درجات، منهم من نفى علم الله السابق في أفعال العباد، وتقديره ومشيئته وخلقه، ومنهم من نفى العلم وأثبت الخلق، الطائفة الأولى نفوا كل درجات القدر، وزعموا أن أفعال الإنسان لا علم لله بها ولم يشأها ولم يقدرها ولم يخلقها، لكن هذا المذهب اختفى، ثم جاءت المعتزلة فيما بعد فأخذت بالمذهب الثاني، وهو إثبات العلم وإنكار المشيئة والأمر والخلق، وأحياناً يحصرون القدر بواحد من هذه الأصناف.

    قال: (والمرجئة) وهم صنفان:

    الصنف الأول: مرجئة الجهمية الغلاة، وهذا الغالب أنه لا يطلق عليهم مرجئة، بل يطلق عليهم جهمية، وهم الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، حتى ولو كانت شركاً أو كفراً، فمن آمن فهو كامل الإيمان، وقالوا: الإيمان هو معرفة الله عز وجل أي معرفة، ولو معرفة يهودي أو نصراني أو مشرك.. فمن كان يعرف الله فهو مؤمن كإيمان جبريل وإيمان الأنبياء، فلذلك كفّرهم السلف، وهم غلاة المرجئة.

    وهذا القول مستمد من أقوال الفلاسفة، وهذه النزعة تجدونها في كثير من المثقفين وأوباش المتعلمين، يقولون: كل من عمل خيراً أو آمن بالله أو وجد التقوى في قلبه فهو مؤمن، حتى أن بعضهم الآن يقول: ما هو الفرق بين مؤمني أهل الكتاب ومؤمني المسلمين، وبعضهم يقول أعظم من ذلك، يقول: هؤلاء المشركون والشيوعيون والوثنيون مساكين إلى آخره..

    المهم أن المرجئة الأوائل وهم الجهمية يقولون بهذا القول، وأغلب هذا الإرجاء لا يوجد إلا في قليل من الناس.

    الصنف الثاني: إرجاء الفقهاء وهو الكثير الآن، ويشمل عدداً كبيراً من المسلمين من القرن الرابع فما بعده، وهو إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، فيكون الإيمان هو التصديق ولا يتفاوت أبداً، إنما يتفاوت الناس بالأعمال، فلذلك قالوا: الأعمال ليست من الإيمان، لكنها من لوازم الإيمان، وهم قد خالفوا السلف في ذلك وقالوا بغير قولهم.

    على أي حال هذا النوع بدعة لكن ليست بدعة مغلّظة.

    التعريف بالمعتزلة

    قال: (والمعتزلة)، وهم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ، وسموا معتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري حينما سئل عن مرتكب الكبيرة ما حكمه؟ فقام واصل بن عطاء فقرر مذهباً جديداً لا يُعرف في الشرع إنما قرره من عقله، فقال: مرتكب الكبيرة بمنزلة بين المنزلتين لا كافر ولا مؤمن..

    فبعدما قال هذا الكلام أنكر قوله الحسن البصري وأنكر قوله تلاميذ الحسن البصري ، فاعتزل الناس وجلس عند سارية من سواري المسجد وأخذ يقرر هذا المذهب ويدعو إليه، فقال الحسن البصري : اعتزلنا واصل ، فانضم إليه عمرو بن عبيد وبعض التلاميذ المعجبين فصاروا معتزلة وأسسوا مذهب المعتزلة وتجارت بهم الأهواء وزادوا على هذا الأصل أصولاً كثيرة.

    وكل صاحب هوى يصر على هواه ويخالف أهل الحق والسنة، فإنه لا بد وأن يبتلى بأهواء أخرى، فلذلك واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ليس عندهم في أول الأمر من المخالفات إلا هذه فقط، لكنهم فيما بعد صاروا أصحاب أصول خمسة كلها تخالف أهل السنة والجماعة، منها التعطيل وإنكار الصفات، ومنها مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قالوا: إنه لا يؤخذ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا الخروج على الحكام فقط.

    التعريف بالكرامية

    قال: (والكرامية)، وهم أتباع ابن كرام وقد نُسب إليه المبالغة في إثبات الصفات، حتى وصفه خصومه بأنه مشرّك، ومما نسب إلى الكرامية القول بأن الإيمان هو قول اللسان فقط، فهذه من أشنع أقوال الكرّامية.

    التعريف بالكلابية

    والكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب وهو ينتسب إلى أهل الحديث، لكنه خالفهم في أول الأمر في جزئية ثم تجارى به الهوى حتى صار صاحب مذهب كلامي فلسفي يخالف مذهب أهل السنة والجماعة خاصة في كلام الله، فأصل مذهب ابن كلاب أنه يُنكر قيام الأفعال بالله عز وجل، أي يُنكر بعض أفعال الله ويؤولها، خاصة في كلام الله، فأنكر أن يكون الله عز وجل تكلم بالقرآن، فقال: إن كلام الله معنى قائم بالنفس، وإن هذا الكلام أي كلام الله إذا عُبّر عنه بالعربية سمي قرآناً، وإذا عُبّر عنه بالعبرية سمي توراة إلى آخره.. فكأنه يرى كلام الله معاني يترجمها الناس أو المخلوقون.

    وابن كلاب لم يزد عن هذه البدعة وما حولها، لكنه فيما بعد صار مذهبه مذهباً لأهل الكلام الذين جاءوا بعده وسلكوا هذا الاتجاه، فصار قوله قاعدة للمتكلمين من بعده، فالأشاعرة في حقيقة الأمر هم كلابية، والماتريدية كلابية لأنهم أنكروا أفعال الله، أو صفاته الفعلية وقيام الحوادث به، وأنكروا ارتباط بعض أفعال الله بالمشيئة، فيرون أن الله لا يفعل عندما يشاء، إنما فعله لازم منذ الأزل إلى الأبد، فالله عندهم ليس فعّالاً لما يريد من كل وجه، ولكن في بعض الأمور دون بعضها، فالكلابية أسسوا هذا المذهب فتبعهم الأشاعرة والماتريدية.

    ثم قال: (ونظائرهم) أي: من فرق الضلال ممن جاءوا بعدهم أو عاصروهم، وطوائف البدع ممن لم يسمهم كالسالمية والمشبهة والأشاعرة والماتريدية ونحوهم.. كلهم أهل كلام وأهل بدع بحسب ما عندهم.

    1.   

    حكم الاختلاف في الفروع

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة.

    نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتن، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين.

    وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله، وصحبه، وسلم تسليماً ].

    في هذا المقطع ختم المؤلف رحمه الله بخاتمة عظيمة وجيدة كعادة أهل العلم في اختيار الكلام المناسب لخواتيم أقوالهم وكتاباتهم ومؤلفاتهم.

    قال: (وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين)، يقصد الإمامة في الاجتهاديات، كإمامة الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، فإنها جائزة، بمعنى أن غير المجتهد من طلاب العلم والعامة له أن يقتدي بأي أصل من هذه الأصول التي عليها هذه الأئمة، أي أنا نجد في عصور السلف الأولى من يبرز من أهل العلم والاجتهاد ويكون قدوة في الدين، فيجوز لعامة المسلمين أن يقتدوا به ويهتدوا بهديه، ولا ضير في ذلك، بل هذا هو مقتضى المصلحة العامة للمسلمين، ولو أطعنا كل الناس في الاجتهاد واعتبرنا كل متابعة لإمام تقليداً لأوقعنا الناس في الهلكة، فيجتهد الأعرابي ويجتهد العامي الجلف ويجتهد الجاهل وقليل المدارك، ويجتهد من ليس بأهل الاجتهاد فتقع الأمة في خبط وخلط كما حصل من بعض الذين يدّعون أن كل الاتباع تقليد، وهذا في الحقيقة فتنة حدثت لطوائف من الناس بسبب هذه الشبهة، فزعموا أن أي اتباع لأي إمام أو لأي عالم إنما هو تقليد، وهذا غلط يخالف سبيل المؤمنين الذي عليه أئمة السلف، والله عز وجل أرشدنا إلى سؤال أهل الذكر ولاتباع سبيل المؤمنين، فكيف يتحقق ذلك بغير قدوة.

    فإذاً: لا بد أن نوسع للمسلمين في اتباع من يرون من الأئمة المهديين الأحياء منهم والأموات، ومن الأموات من كان قدوة أكثر من غيره، فنجد مثلاً في عهد السلف هناك من كان ما يسمى في عصرنا هذا صاحب مدرسة فقهية أو علمية كالأئمة الأربعة والليث والأوزاعي وابن أبي ليلى وربيعة الرأي وسفيان الثوري وأئمة السلف الكبار الذين عندهم فقه.. فهؤلاء أئمة لهم اجتهادات في الفقه وتبعهم من تبعهم من عامة المسلمين ومن طلاب العلم.

    إذاً فالاختلاف في الفروع رحمة من حيث إنه اجتهاد، وذلك أن الاختلاف على نوعين في الفروع:

    منه ما يكون عن تعصب وجدال ومراء ونحو ذلك، فهذا لا يجوز وإن كان من باب الاختلاف في الاجتهاديات.

    ومنه ما يكون عن طلب للحق، فهذا الاختلاف سائغ، وفيه رحمة للأمة، واختلاف السلف كله من هذا النوع.. والمختلفون فيه محمودون، أي: مثابون على اجتهاداتهم في الأمور الاجتهادية، بعكس العقيدة، فالمخالف فيها فهو مفارق، أما الاجتهاديات فإن الخلاف فيها عن حسن نية كله أجر، وهو مما يطلب شرعاً، والمختلفون فيها مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة.

    ثم ذكر هذا الدعاء العظيم الذي يناسب هذا المقام، بعد ذكر العقيدة فقال: (نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتن).

    البدع تشمل كل بدع الدين، والفتن فتن في الدين والدنيا، يشير بذلك إلى فتنة العقائد والمبتدعات وإلى فتنة الدنيا بالشهوات ونحوها، فإن هذا من الفتن التي ينبغي التعوذ والاعتصام بالله منها.

    (ويحيينا على الإسلام والسنة).

    وهذا ما ينبغي أن يدعو به طالب العلم في كل مقام يكون فيه ذكر للأهواء، فإن لكل مناسبة دعاء، فإنه إذا ذُكرت الأهواء والبدع ينبغي للمسلم أن يستشعر أولاً ضرورة اللجوء إلى الله عز وجل بأن يعصمه ويهديه، وثانياً أن يتعوذ بالله من الفتنة والضلالة، وثالثاً يعرف أنه عبد ضعيف لا منجى ولا ملجأ من الله له إلا إليه.. إذاً ينبغي أن يلجأ إلى الله.

    ثم يحذر من الشماتة؛ لأن الإنسان قد يستهويه الكلام في هذه الأمور فيقع في التعيير واللمز لأناس ممن وقع في البدعة وليس من أهلها ونحو ذلك، فالشماتة غير الاستعاذة بالله من البدعة، لأن الشماتة أمر يتعلق بالاستهزاء والسخرية بأكثر مما ينبغي شرعاً.

    إلى آخر ما قاله، وبهذا ينتهي هذا الكتاب.

    ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل ذلك في موازين أعمالنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    أكثر الجرائد والمجلات في سبيل البدعة

    السؤال: هل الجرائد والمجلات من كتب المبتدعة؟

    الجواب: أغلب الجرائد والمجلات في سبيل البدعة.

    الفرق بين النهي عن المنكر والخروج على الحاكم

    السؤال: ما تقول فيمن لا يفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح، وبين الخروج على الحاكم؟

    الجواب: على أي حال لا شك أن هذه أمور بينها حد يعرفه أهل العلم قديماً وحديثاً وليست جديدة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له حد، وهو داخل في مفهوم الإصلاح، والخروج على الحاكم له حد أيضاً يفهمه أهل العلم، ولو رجع المتنازعون إلى أهل العلم لوجدوا في ذلك جواباً، مع أنه قد تبقى بعض المسائل يشتبه الأمر فيها هل هي داخلة في الخروج أو داخلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهذه مسائل يحسم فيها أهل العلم.

    التوفيق بين كون فعل العبد مخلوقاً لله وكسباً للعبد

    السؤال: قرأت في أحد شروح اللمعة من كلام ابن قدامة فقرة (49) يقول: أقول: على أن للعبد فعلاً وكسباً، قال آخره: وهو واقع بقضاء اللَّه وقدره، كيف نوفق بين كون فعل العبد مخلوقاً لله وكونه كسباً للفاعل؟

    الجواب: القول بالكسب ليس قول أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة يقولون إن الإنسان مجبول، وإن فعله لا يخرج عن فعل الله عز وجل من ناحية، لكن عنده قدرة واستطاعة قبل الفعل وبعده، فإن وجدت العزيمة والإرادة والصحة فعل، وإن لم توجد لم يفعل، فأما القائلون بالكسب فيرون أن القدرة على الفعل لا توجد إلا أثناء الفعل تماماً.. وهذا هو الفارق بين أهل السنة وبينهم.

    على أي حال لا تناقض على مفهوم السلف، أما على مفهوم المتكلمين الذين يقولون بالكسب فإن هناك نوعاً من التعارض عندهم.

    زيارة المؤمنين لربهم في الجنة لم يثبت فيها حديث صحيح

    قبل أن أنسى المسألة التي ذكرناها في المرات الماضية وهي ما ذكره الشارح من زيارة المؤمنين لربهم في الجنة:

    فمن خلال البحث توصلت إلى أن الزيارة لم يرد فيها نص صحيح، لكن بعض أهل العلم استوحاها من نصوص الرؤية، ففهموا منها أنها تقتضي الزيارة بمفهوم اللقاء وبمفهوم تكرر الرؤية، وأضيف إلى هذا بعض الأحاديث الضعيفة التي استأنس بها بعض أهل العلم فأثبتوا من خلالها القول بالزيارة، لكن هذا ليس له دليل قاطع، فبعض أهل العلم يدخلها تبعاً للرؤية على أنها من فرعيات العقيدة، وبعضهم لا يدخلها أصلاً ويقول: لم يثبت في ذلك نص.

    حكم سماع الإذاعات من الراديو

    السؤال: نهيتم عن الاستماع لآراء أهل البدع، فما رأيكم في من يستمع لبعض الإذاعات كالإذاعة البريطانية لقصد معرفة الأخبار فقط؟

    الجواب: الاستماع لهذه الأجهزة والوسائل مما عمّت به البلوى، لكن سددوا وقاربوا، لا ينبغي للإنسان أن يدمن الاستماع لهذه الإذاعات، ومن أدمن تضرر، لكن أن يستمع الأخبار أحياناً وبعض البرامج التي يجد فيها فائدة بشرط ألا يتمادى، هذا القدر قد يفيد طالب العلم بحيث يكون على اطلاع على أحوال الأمة وأحوال العالم، وهذا يفيده في أمور الدعوة وفي التصورات عن أحوال الناس، هذا بقدر، لكن الإدمان على الإذاعات والصحف أظنه كقراءة كتب أهل البدع.

    تسمية أهل السنة بالسلفية

    السؤال: ما هو الأفضل إطلاق لفظ أهل السنة والجماعة أو السلفية؟

    الجواب: صحيح أن هذه المسألة اشتهرت بين الشباب، وهذه الإطلاقات كلها صحيحة ويرجع بعضها إلى بعض، فالسلفية تعني نهج السلف، وأهل السنة والجماعة تعني السلف، فأهل السنة والجماعة قد تكون أوسع من السلفية أحياناً، لكن هذه السعة لا تعني العدول عنها، بمعنى أنه قد يدّعي السنة والجماعة من أهل الأهواء من لا يدّعي السلفية، مثلاً بعض الأشاعرة والماتريدية يدّعون أنهم أهل السنة والجماعة ويسمون أنفسهم بذلك، وقد يجانبون كلمة السلف، لكن مع ذلك ينبغي ألا يؤثر هذا على الأصل، وهو أن من أسماء أهل السنة والجماعة السلف، وكذلك السلف من أسمائهم أهل السنة والجماعة.

    فالسلف اسم أخص، كما أن السنة في الدرجة الثانية، والجماعة في الدرجة الثالثة، وقد تكون الجماعة الدرجة الثانية عند بعض أهل العلم، فعلى أي حال نقول: لا مشاحة في هذه الاصطلاحات، وكلها صحيحة، وما يحدث من بعض الإشكالات لا يعني أن نرفض أو نلغي اسماً صحيحاً لأهل الحق، فهم السلف وهم أهل السنة والجماعة.

    نعم، نفرق عند التفصيل، أما عند الإجمال وعند الانتماء فندين الله بالانتماء لأهل السنة والجماعة وندين الله بالانتماء للسلف ونعتز بذلك ولا نفرق بينهم، والتفريق لا يأتي على سبيل الانتماء إنما يأتي على سبيل التفريق في سعة الاصطلاح وضيقه، وهذا في كل الاصطلاحات مثل الإسلام الإيمان والإحسان فإن بينهم فرقاً، ومؤداها واحد؟ المحسن لا بد أن يكون مؤمناً ومسلماً، والمسلم مؤمن، والمؤمن مسلم، لكن بينها فرق عند التفصيل، فكذلك أهل السنة والجماعة والسلف.

    طريقة القراءة الصحيحة ومعرفة الكتب النافعة

    السؤال: كلامك حول النظر في كتب المبتدعة صحيح، ولست أهلاً لتصحيح كلامك، ولكن أرجو التنبيه إلى قضية، وهي أن كثيراً من الناس قد توقف في النظر في بعض الكتب النافعة بحجة عدم معرفة عقيدة أصحابها واتجاهاتها، فهل هذا المسلك صحيح؟ فإن لم يكن كذلك فما الطريقة في ذلك؟ حبذا لو زودتنا ببعض أسماء التي تنتشر كتبهم في الأسواق ممن لا ينبغي النظر في كتبهم.

    الجواب: أما الأصل فهو صحيح يبقى كما سلّم به السائل، أما النظر في كثير من الكتب المعاصرة ففيه نظر، لكن الناس في ذلك يتفاوتون، لكني عندما أتكلم في مثل هذا المقام العام أتكلم عن عموم طلاب العلم الذين في فترة التلقي والتحصيل، فمثلي لا ينبغي أن يوجه العلماء أو طلاب العلم الكبار، فأنا لا أتكلم إلا عند زملائي وعند أمثالي من الذين في طريق العلم، فأتكلم على مستواهم، لكن العلماء والمتخصصين وطلاب العلم الكبار لهم أن يقرءوا، لأنهم أخذوا الموازين وعرفوا الصالح من النافع، وعندهم من الملكة والقدرة إن شاء الله ما يجعلهم يميزون، وربما قراءتهم لبعض الكتب الثقافية والفكرية تجعلهم يصححونها ويردونها على أصحابها، لكن أتكلم عامة طلاب العلم أمثالي، لا ينبغي أن يشغلوا أنفسهم بكتب الفكر والثقافة والله أغناهم بالكتب الأصلية عن ذلك، ككتب الحديث وكتب السنة وكتب العقيدة وكتب التفسير وكتب الفقه، إذا قرأتها واستوعبتها فعليك بما تستطيعه من غيرهم، هذا شيء.

    الشيء الآخر: أنه لا يعني هجرها مطلقاً، إنما القراءة منها بقدرة وباستشارة، كالملح للطعام أو ما دون ذلك، بمعنى أنه قد تحتاج بعض الكتب الفكرية والثقافية لكن لا تتعد حاجتك من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن تستشير طالب علم متمكن يعرف الصالح من الطالح.

    والأمر الثالث: لا يطغى ذلك على كتب العلم الأصلية، فيجب أن نوجه الشباب في هذه الفترة الحرجة إلى كتب العلم الأصلية، إلى طلب العلم الشرعي، فإذا تحصنوا وصاروا موسوعيين في العلم لم يملك أحد أن يقول لهم: لا تقرءوا، سيقرءون إن شاء الله وتكون قراءتهم هي القراءة الفاحصة الممحصة التي ينتفعون بها وينتفع بها غيرهم.

    أما الآن فإنهم يقرءون قراءة المتلقي المعجب، فمن الخطأ والكلل والتفريط أن نفتح الباب ولا نقيده، فلذلك أنا دائماً أتشدد في هذه المسألة وأظنكم تعذروني، ولو عرفتم ما أعرف لقلتم أكثر مما أقول؛ فينبغي أن يُعرف الكلام على وجهه، فأكثر كتب الثقافة والفكر أرى أن يتجنبها طلاب العلم إلا القليل منها، وبحدود وباستشارة، ويكبوا على طلب العلم الشرعي والعلوم الضرورية حتى وإن كانت علوماً إنسانية بحتة، فقراءتها أسلم، بل حاجة المسلمين إليها أشد، مثل كتب الطب، وكتب الهندسة وغيرها، وكتب العلوم التطبيقية أو التجريبية، فبإمكان طالب العلم إذا كان عنده استعداد بأن يسلك أي تخصص من هذه التخصصات أن يسلك، أما كتب الثقافة والفكر فليجعلها آخر الأمر، وإن استغنيتم عنها فثقوا أنكم إن شاء الله لن تخسروا من دينكم شيئاً.

    الخروج بالقلب والخروج باللسان والخروج بالسيف

    السؤال: هل الخروج يطلق على الخروج بالسيف أم أنه يشمل القلب واللسان؟

    الجواب: هذه المسألة خاض فيها الناس الآن وكثر فيها اللبس، فالخروج درجات: منه ما يكون بالقلب ومنه ما يكون بالقلب واللسان، ومنه ما يكون بالقلب واللسان واليد دون السيف، ومنه ما يكون بالسيف.

    والخارج بالسيف لا بد أن يكون عنده شيء من استجازة الخروج إلا إذا كان صاحب دنيا، أما إذا كان صاحب هوى فلا يخرج بالسيف إلا وقد خرج بقلبه ولسانه، لكن قد يكون هناك خروج عقدي وهو ما يسمى بالخروج بالقلب أو خروج بالكلام وهو اللسان ولو لم يعمل بالسيف مع أنه لا يقدر، فالرافضة أليسوا خارجين وما حملوا السيف إلا نادراً، ومع ذلك يرون الخروج ويعتقدونه ويدينون به ديناً، حتى يرون الخروج على أبي بكر وعمر ، إذاً هذا خروج اعتقادي لكن ليس عملياً، فلذلك هم لا يرفعون السيف أبداً حتى يأتي المهدي ، وكانوا إذا دافعوا عن أنفسهم يدافعون بالخشب فسموا الخشبية، يقولون: نخشى أن نقع في الإثم إذا رفعنا السيف قبل خروج الإمام، وما رفعوا السيف عن اعتقاد عام عندهم، لكنهم يدفعون غيرهم، وما رفعوا السيف إلا عندما جاءهم الخميني ببدعة جديدة وهي ولاية الفقيه.

    الخوارج لا يخرجون في كل زمن، فالإباضية الآن وقبل الآن يعتقدون الخروج بالسيف لكن ما خرجوا إلا قليلاً، المعتزلة والجهمية يرون السيف لكن ما خرجوا لأنهم عجزوا عن الخروج؛ لأنهم فلاسفة، فليس صحيحاً أن الخروج لا يكون إلا بالسيف، بل من كان عنده اعتقاد يقتضي عدم البيعة لإمام فهو خارج باعتقاده وإن لم يُعلن ذلك، والناس قد لا يعرفون أنه خارجي إلا إذا حمل السيف.

    فإذاً: الخروج يكون بالاعتقاد وليس بالسيف فقط.

    ولكن هل كل عمل في الدعوة إلى الله عز وجل، أو كل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر يعد خروجاً؟

    هذه مسألة أخرى، وهذا خلط وخبط، وسببه ما ذكرته لكم من كتب الثقافة وكتب الفكر التي كتبها ناس لا يفقهون الدين، هم الذين خلطوا هذه الأمور وأوجدت الخلط عند الشباب، حتى ظن بعضهم أن أي كلمة تقولها في إنكار المنكر تعد خروجاً! وليس ذلك صحيحاً، إذا عرفت ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابط الإصلاح فإنه ليس كل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر خروجاً، وليست كل كلمة خروجاً.

    إذاً: المسألة تحتاج إلى فقه لئلا نشطح هاهنا أو هناك، ولو رجع الناس إلى علمائهم لما وقع هذا الخلط والخبط.

    حكم من قال بأقوال العلمانيين والحداثيين

    السؤال: هل يحكم لكل من قال بأقوال العلمانيين والحداثيين بأنهم من أهل البدع، أرجو أن تضع أصلاً في مناقشة هؤلاء وهجرانهم؟

    الجواب: العلمانية والحداثة من الشعارات الجديدة، قد ينتمي إليها من هو من أهل البدع، وقد ينتمي إليها مغرور، أو مخدوع، لكن أغلب أصحاب هذه الاتجاهات أهل بدع، أما هي من حيث الأصول فهي أصول كفرية، لكن ليس كل من انتمى إليها يكون كذلك، فقد ينتمي إليها المعجب والمثقف الذي لا يفهم إلا الشكليات والشعارات، أما العلمانية والحداثة من حيث هي فهي من أخطر المذاهب على الأمة.

    حكم تبديع الأئمة بالزلات

    السؤال: بعض الناس قد يقول عن فلان من الأئمة إنه من المرجئة مثل أبي حنيفة رحمه الله؟

    الجواب: نعم أبو حنيفة رحمه الله يقول بالإرجاء، لكنه من أسلم المرجئة وقوعاً في لوازم الإرجاء الأخرى، فهو يهتم بالعمل اهتماماً عظيماً، حتى إنه يعد من العباد الزهاد الكبار الذين يعولون على الأعمال ويجعلون لها أعظم الاعتبار في السلوك وفي العبادة، وإمامة أبي حنيفة رحمه الله في الدين وجلالته تجعلنا نعتبر قوله بالإرجاء زلة لا يُعد بها مبتدعاً؛ لأن العالم الكبير لا ينبغي أن يُبدّع بما يبدع به غيره؛ لأن ما عنده من الخير والأصول الأخرى يكون كثيراً جداً، وإذا قال بالبدعة فهو صاحب تأول يعذر به ولا يقدح في إمامته، نعم لا يقر عليه بذاته، ويقال هذه زلة، كما حدث من الحاكم النيسابوري رحمه الله، ومن عبد الرزاق بن همام رحمه الله، ومن قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله وغيرهم، فقد حدث منهم شيء من القول ببعض البدع، لكن إمامتهم وجلالتهم في الدين تجعلنا نجزم أنه ليس عن ابتداع ولا هوى، وأنه عن تأول يعذرون به، وهذه القاعدة سارية في جميع أئمة الدين، ولذلك ينبغي أن يعنت أولئك المتعجلون والمتسرعون الذين يقدحون في عقائد هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم، ومن أمثال النووي وابن حجر والبيهقي وغيرهم، فإن هؤلاء أئمة ينبغي ألا نجرؤ عليهم.

    التوسع في الهجر بين الزملاء

    السؤال: مسألة هجر البدعة قد توسع فيها بعض الشباب وطبقوها على إخوانهم من الشباب وطلبة العلم، ويتركون السلام عليهم، فما نصيحتكم لنا ولهم، بارك الله فيكم وفي الجميع؟

    الجواب: هذه من الأمور المضحكة المبكية، إن نظرتها من جانب بأنها صبيانية فهي تُضحك، وإن نظرتها من جانب خطرها فهي مبكية!

    بعض الشباب من طلاب العلم عندما يرى ملحوظة على زميله تجده لا يسلم عليه ولا يصافحه ويُعرض عنه إذا لقاه في الطريق، وقد يكونون على طاعة وفي درس واحد.. وكلهم أهل سنة وكلهم شباب صالحون من أهل الخير، إنما فرقتهم الانتماءات والشعارات والخلافيات الاجتهادية.

    فالذين يعملون هذا العمل هم صبيان في الحقيقة، وليسمح ليس بعض الإخوان الذي ربما يعتذرون لهم، لكن لا بد من قول الحق وإن كان صعباً، فهذه صبيانية ينبغي أن تتأكد بأن صاحبك يستحق الهجر، وكيف تتأكد؟ ارجع إلى أهل العلم الكبار، إن هجروا فلا مانع أن تهجر مثلهم، أما أن تنفرد بموقف في أمور جر إليها الجدال، وأغلب ما يكون هذا بسبب الخصومات، نسأل الله السلامة.

    ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد والرشاد، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجمعنا في دار كرامته.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.