إسلام ويب

فاصبر صبراً جميلاًللشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصبر نصف الإيمان، لذا حض الإسلام عليه، وبين فضله وأهميته، والجزاء المترتب عليه لمن تخلق به، فبالصبر تعلو الدرجات، وتنفك الأزمات، وتغفر السيئات، وتزيد الحسنات، وهو أنواع: صبر على طاعة، وصبر عن معصية، وصبر على المكاره، ولا بد من الصبر في مواجهة الأعداء الذين يطعنون في ثوابت الدين وأصوله، فمع الصبر واليقين ينجلي الصباح ويقترب النصر، وتعود إلى الأمة عزتها وقوتها.

    1.   

    علاقة الصبر بالإيمان

    الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه، يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك.

    وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا يزال الحديث مع سورة المعارج، وتوقفنا عند قول الله سبحانه: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:5-7].

    حديثنا اليوم عن الصبر، عن أنواعه ومعناه، وأقسامه كما بينها العلماء، ثم نتأمل في سيرة الأنبياء والمرسلين؛ للنظر كيف كانت حياتهم في الصبر على الشدائد عند نزول المكروه.

    فالإيمان نصفان: نصفه صبر، ونصفه شكر.

    فمن الناس من يعبد الله في حال السراء، فإن نزل به مكروه انقلب على وجهه فخسر الدنيا والآخرة، كما قال ربنا سبحانه: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:15-16] أي: ضيّق عليه الرزق، فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ [الفجر:16-17] مقاييس فاسدة من العبد، فإنه ليس غنى الغني دليلاً على رضا الله، وليس فقر الفقير دليلاً على سخط الله، فإن الله يعطي الدنيا لمن أحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب.

    لذلك إبراهيم عليه السلام دعا ربه قائلاً: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ [البقرة:126] وأتبعها بقوله: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:126] أي: لا ترزق إلا من آمن بالله واليوم الآخر، فقال الله له: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة:126].

    1.   

    تعريف الصبر

    الصبر لغة: هو الحبس.

    والصبر اصطلاحاً: هو حبس النفس، إما على طاعة، أو عن معصية، أو على مقدور الله.

    وعلى هذا قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أقسام، والآية تقول: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً [المعارج:5]، والصبر الجميل كما يقول العلماء: أن يكون صاحب المصيبة بين الناس ولا يدرون من هو؛ لأنه لا يشكو مصيبته إلا لربه، لا ملل ولا ضجر ولا شكوى لمخلوق أبداً، يكون بيننا صاحب مصيبة لكننا لا نعرفه؛ لأن علاقته بربه سبحانه: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86] فهو يصبر ولا يشعر به أحد، هذا هو الصبر الجميل.

    يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم آمراً إياه بالصبر في أكثر من موضع: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ [الأحقاف:35].

    ويقول: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ [القلم:48].

    ويقول: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28].

    ويقول: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127].

    1.   

    أقسام الصبر

    الصبر على الطاعة

    الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    الأول: الصبر على الطاعة، والصبر على الطاعة مهم؛ لأن الطاعة فيها مشقة على النفس، فتحتاج إلى صبر: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].

    فالذي يزيل الغطاء عن رأسه في هذا البرد، ويستيقظ قبل الفجر بساعة أو ساعتين، ويتوضأ بالماء البارد ويخرج لصلاة الفجر في هذا الجو، يصبر على الطاعة.

    والذي يُخرج من خزائن ماله صدقة ماله أو زكاة ماله، وينفق على الفقراء والمساكين وطلبة العلم، ويدعم المشروعات الخيرية، فهذا يصبر.

    والتي ترى نفسها في غربة حينما ترى التبرج قد ساد وعم، والولاية والرئاسة أصبحتا للهابطات السافرات، فيتقدم أهل السفه، ويتأخر أهل العلم، وحينما يشار إليها بالبنان: من هذه؟ والناس تنظر إليها لحجابها ولعفافها وتؤذى، وربما تؤذى بقول سفيه أو بكاريكاتير هابط، فهذه تصبر.

    والذي يُضيّق عليه في رزقه، ويلقى من مكان إلى آخر؛ لأنه لا يريد شيئاً إلا تقوى الله، واتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، فيضطهد في رزقه ويُضيّق عليه في ماله وولده، فهذا يصبر.

    وحينما تكون الأولوية والقيادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في زمن انقلاب المعايير والمقاييس للكع بن لكع: (يوسد الأمر إلى الأصاغر، ويتراجع الأكابر، وينطق الرويبضة) يصبر المؤمن أو لا يصبر؟ يصبر.

    قال تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [القلم:48].

    وقال سبحانه: وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً [المزمل:10].

    فاصبر يا أخي! على طاعة ربك سبحانه.

    الصبر عن المعصية

    الثاني: الصبر عن المعصية، أي الصبر عن المحرمات والبعد عنها وعدم اقترافها، فالشهوات مع الشيطان، ومع النفس الأمارة بالسوء، ومع أصدقاء السوء، كلهم يحيطون بالإنسان، ويريدون منه أن يقترف المعصية، فبعدك عنها صبر؛ لذلك ربنا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [آل عمران:200] أي: عن المعصية، وَصَابِرُوا [آل عمران:200] أي: على الطاعة، وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، فأكثروا من فعل الخيرات، واصبروا وصابروا ورابطوا.

    الصبر على مقدور الله

    الثالث: الصبر على مقدور الله، وله عند العلماء أربع مقامات:

    المقام الأول: السخط، فمن الناس من يستقبل المقدور بسخط وعدم قبول وعدم رضا، ويشكو الخالق إلى المخلوق، ويُحاسب ربه، ويسأل: يا رب! لماذا فعلت بي هذا؟ ولم اخترتني من بين العباد؟ يُحاسب ربه ولا يقبل مقدور الله في نفسه، فيتسخط على قدر الله، إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالجوارح، فالسخط بالقلب عدم الرضا عن قضاء الله، والسخط باللسان القول، والسخط بالجوارح كشق الجيب ونتف الشعر وأفعال الجاهلية التي لا ينبغي لمسلم أبداً أن يكون عليها.

    المقام الثاني بعد السخط: الصبر.

    المقام الثالث: الرضا.

    المقام الرابع: الشكر، وهذا حال المتقين، عند حلول المصيبة لا يصبر ويرضى فقط وإنما يشكر، كحال الصحابية التي قطع لها إصبع فإذا بها تشكر الله، وتقول: إن حلاوة الأجر أنستني مرارة الصبر. الله أكبر! شكر عند نزول المصيبة؟ نعم؛ لأنها تعلم أن المصيبة إما لرفع الدرجات وإما لتخفيف الذنوب والسيئات: وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    1.   

    نماذج من صبر الأنبياء والصالحين عند النوازل

    روى البخاري في صحيحه: (دخلت فاطمة على أبيها وقد اشتد به مرض الموت) يصبر في حال المرض. يقول ربنا عن أيوب: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44] لم يتضجر أيوب عليه السلام أبداً، فإن الله يقول: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً على بلاء الله في جسده.

    قال: (فوجدت فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثقل) أي: اشتد به الوجع؛ لأنه يوعك كما يوعك رجلان منا؛ لعظم أجره ولعلو منزلته صلى الله عليه وسلم، فقالت فاطمة : (وا كرب أبتاه! فنظر إليها قائلاً: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة !)، لا كرب عليه؛ لأنه سينتقل من الحياة الدنيا إلى الآخرة، إلى الفردوس الأعلى، إلى رضوان الله، فإذا بها تنادي بصوتها وتقول: (يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! إلى جنة الفردوس مثواه، فلما أدخلوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في التراب وأهالوه عليه، بكت وهي تقول لـأنس : يا أنس ! أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟ قال: والله ما طابت، ولكنه أمر الله عز وجل).

    وانظر إلى حياة نبي الله يعقوب، إذ إن الصبر متعدد الأنواع، قال تعالى على لسان يعقوب: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86] حينما قال لأولاده: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً [يوسف:18] والمقابل: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18] صبر جميل لا تضجر معه ولا ملل، ولا شكوى إلا إلى الله عز وجل، أخذوا منه يوسف أحب أبنائه إليه، وحب الأبناء فطري، والعبد لا يملك معه شيئاً، فهو قد أحب يوسف ولا اختيار له في هذا الحب، أخذوا يوسف من يعقوب عليه السلام بعد العهود والمواثيق، ووضعوه في الجب وحيداً، طفل لا اختيار له، ولم تأخذهم به رحمة، وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، جاءوا عشاءً؛ لأن الكذاب كذبه في العادة يبدو على وجهه، ويستحيل أن يداري الكذب، لذلك يقول عبد الله بن سلام : (لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نظرت إلى وجهه فعرفت أنه ليس بوجه كذاب).

    قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، والدموع متعددة، فهناك دمعة النفاق، وهناك دمعة الحزن، وهناك دمعة الخوف، وهناك دمعة بكاء المجاورة، وكل دمعة لها مذاق وطعم خاص وحرارة مختلفة، قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:16-17] فقال لهم أبوهم يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18] وهكذا رأى يعقوب بنور البصيرة.

    ويمر الزمان، ويدخلون على يوسف بعدما فعلوا ما فعلوا فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58] فقد رآهم يوسف بعين البصيرة، فالمؤمن يرى بنور البصيرة، والعاصي قد ران على قلبه الذنوب والمعاصي.

    ذكر البخاري حادثة الإفك، وهذا أيضاً يحتاج إلى صبر في العرض وفي الجسد وفي الرزق وفي الاضطهاد وفي الإيذاء القولي وفي الإيذاء المعنوي، فربما يتهمك الناس ظلماً فاصبر، وربما تذهب ضحية قضية وأنت لست مذنباً فاصبر، فإن مع العسر يسراً وبعد الضيق فرجاً، ومحك الإيمان هو الصبر على المكروه.

    لما حدث في المدينة ما حدث وتجلجلت بحادثة الإفك، وصل الأمر إلى أذن عائشة فعلمت به، وبعد مدة زمنية ذهبت إلى بيت أبيها، تقول أمنا عائشة : (فظللت أبكي حتى انقطعت الدموع من عيني وظننت أن البكاء سيفلق كبدي، فجاءها النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها: يا عائشة ! إن كنت قد اقترفت من ذلك شيئاً فتوبي إلى الله، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله، قالت: يا أبي! أجب رسول الله، قال: ما أقول يا ابنتي؟ قالت: يا أمي أجيبي رسول الله، ثم قالت: إن قلت لكم: إني صادقة كذبتموني، وإن قلت: إني اقترفت من ذلك شيئاً اتهمت نفسي بشيء لم أرتكبه، إنما شأني وشأنكم كشأن يعقوب مع أولاده، لا أقول لكم إلا كما قال لهم: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]) عند ذلك جاء الوحي ببراءة عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات.

    ومن الصبر أيضاً: الصبر في طلب العلم، قال الخضر لموسى عليه السلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:67-69]، فالصبر أيضاً يكون في طلب العلم.

    1.   

    ضرورة الصبر في مواجهة الطاعنين في ثوابت ديننا

    يا عبد الله! ما أحوجنا اليوم إلى الصبر، ربما يقول أحد: نفد الصبر يا شيخ! أقول: لم ينفد الصبر، بل سنصبر، مع تآمر المتآمرين سنصبر، ومع كيد الماكرين سنصبر، ومع انتهاك حرمات دولة الإسلام سنصبر، ومع الطعن في السنة سنصبر، وسنرد كيد الكائدين إلى نحورهم.

    هناك طعن في السنة ليل نهار، طعن في الثوابت، وطعن في الأمور التي أجمعت عليها الأمة، وآخر أمر نسمعه سب علني على شبكة الإنترنت من عالم يدعي أنه عالم، كان يخطب في الجيزة على مرأى ومسمع من الناس، وتنقل له الشاشات اللقاء في برنامج أسماء الله الحسنى، وأخيراً سقط النقاب عن وجهه؛ لأنه قد تشيع، فقال في أبي بكر وعمر كلاماً لا يمكن أن يقال، فلا نقول إلا كما قال المؤمنون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    هناك طعن في ثوابت الدين وفي الأمور المتفق عليها، وهي طعون عجيبة وغريبة، لا يقولها من عنده أدنى علم.

    يقال: النقاب في حق الإسلام جريمة، ولا يقول هذا إلا سفيه أو رجل ممسوخ العقل أو قد غاب وعيه، لمصلحة من؟ ولحساب من؟ أقل الأقوال فيه عند الفقهاء أنه مكرمة يا عبد الله! بل الوجوب فيه الراجح؛ بل في زمن الفتنة يجب على المرأة أن تغطي وجهها؛ وآخر أمر تقام برامج على الشاشات والإذاعات المسموعة، وأمور لا ينبغي أبداً أن تتداول بين الأمة.

    1.   

    ضرورة الإعداد لتمكين الأمة وعزتها والصبر على ذلك

    أيها الإخوة الكرام الأحباب! يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:5-7] وينبغي ألا نغفل عن المنهج أبداً، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الساعة: (متى الساعة؟ قال له: وماذا أعددت لها) فهذا الذي ينبغي أن ننشغل به.

    امرأة رأت في منامها أنها ترضع القمر، فقال المفتي: إنه ظهور المهدي ، وهكذا أقوال ما أنزل الله بها من سلطان، وهناك كتب في السوق تستهوي العامة، ولا ينبغي أن تستهوي طالب العلم.

    فينبغي أن ننشغل بما أعددنا ليوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) ربما يقول قائل: أغرس الفسيلة في الأرض وأنا لا أضمن أن أحصد ثمرتها؛ لأن القيامة ستقوم والدنيا ستنتهي، فلم أغرس الفسيلة؟

    الجواب: ضع الفسيلة واترك أمرها إلى الله عز وجل، هذا هو المنهج القويم.

    قال تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:6-7] فكل آت قريب.

    وقال تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1].

    وقال تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1].

    إن ما يحدث الآن من إنتاج لكتب أو أشرطة على حسب رغبة المستمعين، تتحدث في أمور غيبية ليس لها من الله برهان، ويستهويها الناس، هناك حديث عن المهدي ، وعن المسيح الدجال وعن عذاب القبر، ولا بأس بذلك، لكن لا يكون هو الشغل الشاغل؛ لأنه لابد أن تتعلم العلم النافع الذي تصلح به حركة الدنيا.

    كما أن منهج التغيير عندنا واضح، فإننا لم نرَ صلى الله عليه وسلم جمع الصحابة في مكة، ورفع الأعلام، وهتفوا في مظاهرة: يسقط أبو جهل وعاشت الكعبة، وكل يردد خلفهم، ماذا صنعنا من المظاهرات؟ تظاهروا لأجل فلسطين وقد انتهت المظاهرات والقتل لا يزال مستمراً، أخبروني متى كانت المظاهرات وسيلة فعالة لدفع حرب أو لحفظ دم؟ القوى الوطنية ستجتمع في القاهرة، وبالأمس يعبرون عن الشجب والاستنكار، مسلم ملتزم وبجواره شيوعي ومن خلفه علماني وعن يساره امرأة متبرجة ترفع العلم وتقول: بالروح بالدم. خبتِ وخسرتِ.

    فأسلوب المظاهرات هذا الذي نراه لا يقره شرع، وكفاكم مزايدة باسم الدين، كفاكم أن تركبوا هذه المزايدات باسم الإسلام، إن المظاهرة ليست من وسائل التغيير في شرعنا، إنما في شرعنا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، فهل سيغير الواقع امرأة متبرجة تظهر شعرها وثديها، وتلبس البنطال الذي يجسد العورة، وترفع الشعار وتهتف وهي لا تصلي لله؟! هل يمكن أن تقف بجوارها أنت وتدعمها في مسيرة واحدة؟!

    يا عبد الله! كفانا أن ننجرف خلف التيار الخادع، يقولون لنا: دول أوروبا عبرت بالمظاهرات، لكننا نحن لا نعرف أسلوب المظاهرات في شرعنا إنما نعرف الإعداد، والإعداد معناه: العلم بالقرآن والسنة وبفهم سلف الأمة.

    لابد من صنع الرجال، وصنع الرجال يحتاج إلى وقت ومثله صنع السلاح، فكما أن هناك مصانع للسلاح كذلك هناك مصانع لصنع الرجال، قال تعالى: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ [الأحزاب:23] من هم الرجال؟

    لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح

    شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح

    نعم، قال بنو إسرائيل لنبيٍ لهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246] كما أننا نقول: بالروح بالدم لا نريد أن نقاتل، نريد أن نغير الواقع، قالوا: وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246] وقد قال لهم نبيهم: أخشى أن يكتب عليكم القتال فلا تقاتلوا، ومعلوم أن الشعارات لا تصنع أمماً، ومع ذلك هتفوا بالقتال فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا [البقرة:246].

    فيا عبد الله! إن لم تستطع أن تجاهد النفس في قيام الليل، وصلاة الفجر، والصبر على الطاعة، والصبر عن البعد عن المعصية، فإنك كذاب إن قلت: أصبر في ميدان الجهاد؛ لأن أدنى أمر لم تصبر عليه وأنت في أمن وأمان.

    قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:6-7]، نعم، نرى أن النصر للإسلام قريب، وأن التمكين لدين رب العالمين قريب، ولكن قبل الفجر لابد من سواد الليل، وقبل الوضع لابد من ألم المخاض، وقبل التمكين لابد من الغربلة؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم مكن لدينك في الأرض يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك المستضعفين، اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، واجعل الدائرة على عدوهم، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

    اللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء همومنا وغمومنا، اللهم استر عوراتنا، يا رب! بدلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسرنا يسراً.

    اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً، من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره.

    اللهم احفظ أرض العراق المسلمة من تآمر المتآمرين وكيد الكائدين، إنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.

    نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا برحمتك يا أرحم الرحمين!

    اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، وقلوبنا من النفاق، يا أرحم الراحمين! برحمتك نستغيث.

    اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

    اللهم اجعلنا من الذين إذا ابتليتهم صبروا، وإذا أنعمت عليهم شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا.

    ربنا أفرغ علينا صبراً، ربنا أفرغ علينا صبراً، ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، يا رحمن يا رحيم! آمين. آمين. آمين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.