إسلام ويب

تفسير سورة القلم [5]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله لعباده شرائع، وحدّ لهم حدوداً، وأوجب عليهم العمل بشرعه، فإن فيه سعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، وإن مما حرمه الله سبحانه الزنا؛ لأن فيه فساد المجتمعات، وانتهاكاً للحرمات والأعراض، وفيه اختلاط الأنساب، فهو جريمة قبيحة، ولذلك حرم الله أسباب هذه الجريمة بدءاً من النظر الذي هو الطريق إلى الفاحشة، ومروراً ببقية الأسباب الموصلة إليه، كالخلوة، والتبرج، وما شرع الله ذلك إلا لمصلحة البشر، وليعيش المجتمع طاهراً نقياً.

    1.   

    تحريم الزنا وأسباب الوقاية منه

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، وما بكم من نعمة فمن الله.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]، خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.

    وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، بعثه الله سبحانه ليتمم مكارم الأخلاق، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فكأن الغاية من رسالته والهدف من بعثته هي أن يتمم مكارم الأخلاق، ولقد تحدثنا عن الأخلاق وتعريفها عند العلماء، وحسن الخلق مع الخالق، وحسن الخلق مع المخلوق، وعن صفة خلقية ينبغي على المسلم أن يتحلى بها ألا وهي الحياء.

    وموضوعنا اليوم عن فعل قبيح شاع في زماننا، حرمه الإسلام وحرم الوسائل المؤدية إليه؛ لأن الذين يريدون للأمة أن تميل عن صراط الحق، كما قال سبحانه: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27]، نشروا تلك الوسائل، حتى عمت تلك الكبيرة، ألا وهي الزنا، أعاذنا الله وإياكم منها.

    يقرر علماء الأصول قاعدة أصولية يقولون فيها: كل ما أدى إلى الحرام فهو حرام والمعنى: أن الوسائل لها أحكام الغايات، فما أدى إلى الحرام فهو حرام، وكلما ساعد على الحرام يأخذ حكمه، ومن ثم من أجر متجراً أو محلاً لتباع فيه أشرطة الفسق والضلال فدخله حرام، من فصل بنطالاً لامرأة تخرج به سافرة فعمله حرام؛ لأن الله يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    والإسلام حينما حرم الزنا حرم السبل المؤدية له، ولذلك لقاؤنا اليوم بعنوان: الوسائل الواقية من الزنا.

    لقد حرم الإسلام الفواحش بصفة عامة، والآيات في ذلك متعددة، يقول ربنا سبحانه: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف:33].

    ويقول سبحانه: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [البقرة:268].

    ويقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19].

    ويقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    وجاءت الآيات القرآنية تقرر أن من أعظم الفواحش جريمة الزنا، فكم من أعراض تنتهك بسبب ما وقعنا فيه، وبسبب اجتنابنا لشرع ربنا عز وجل.

    لقد وضع الإسلام ثلاث عشرة وسيلة ليغلق هذا الباب، نقرؤها جملة ثم نشرحها تفصيلاً، ثم نربطها بالواقع المؤلم:

    أولاً: أمر بغض البصر.

    ثانياً: نهى عن التبرج.

    ثالثاً: نهى عن الاختلاط.

    رابعاً: حرم الخلوة.

    خامساً: حرم على المرأة أن تسافر مع غير محرم.

    سادساً: حرم على المرأة أن تخرج متعطرة.

    سابعاً: حرم على الرجال مصافحة النساء الأجنبيات.

    ثامناً: حرم على النساء الخضوع بالقول.

    تاسعاً: حرم على المرأة أن تنظر إلى المرأة فتصفها لزوجها كأنه يراها.

    عاشراً: حرم على المرأة أن تمتنع عن فراش زوجها إلا بسبب شرعي.

    الحادي عشر: حرم على المرأة أن تسير في وسط الطريق كما سنبين.

    الثاني عشر: حرم الغناء.

    الثالث عشر: حرم على الرجل أن يحلف أو يقسم على ألا يأتي زوجته أكثر من أربعة أشهر، وهذا يسمى الإيلاء، كما ورد في سورة البقرة.

    لو أن الأمة راعت هذه الوسائل لعمت الطهارة؛ لأن الحرب على التستر وحجاب المرأة قد أطلت برأسها من أصحاب القلوب المريضة ليل نهار، من طعن في العفاف والطهارة والحجاب .. وغير ذلك.

    غض البصر

    الوسيلة الأولى التي ينبغي على المسلم والمسلمة أن يراعيها حتى لا يقع في ذلك المستنقع: غض البصر، وقد جاءت في الآيات القرآنية تأمر بغض البصر، يقول ربنا سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30]، ثم قال ربنا: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31].

    والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بغض البصر، كما جاء من حديث جرير بن عبد الله البجلي حينما سأله عن نظر الفجأة؟ قال: (اصرف بصرك).

    فانظر يا عبد الله إلى ما نحن فيه، هل غض بصره من نظر إلى فيلم هابط يدعو إلى الفاحشة وإلى الدعارة؟

    هل غض بصره من نظر إلى مجلة خليعة ترسم على غلافها صورة امرأة عارية؟

    هل غض بصره من وقف أمام محل لا يتقي صاحبه الله عز وجل فيعرض صوراً عارية؟

    إنا لله وإنا إليه راجعون.

    لقد أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بغض أبصارنا عن كل ما يغضب الله، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله لا بد لنا منها، قال: إن كان ولا بد فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)، فهل أدينا حق الطريق يا عباد الله؟

    انظروا إلى ما نحن فيه، فقد شرد البصر يميناً ويساراً، وأصبح يدعو إلى تلك الجريمة، فاحذر؛ لأنه جاء في الخبر: (أن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس)، كلما نظرت وقع في قلبك فتمنيت فتذكرت فعزمت، فاستدرجك الشيطان.

    إذاً: فأول الطرق الواقية من الزنا هي غض البصر عما حرم الله.

    الحجاب وعدم التبرج

    ثانياً: حرم الإسلام التبرج؛ ليسد هذا الباب، والمتأمل في واقع الأمة يجد أن هناك فريقاً يأمر بالفحشاء والمنكر، ويعلنها حرباً على الحجاب والطهارة والعفاف.

    ولباس المرأة المسلمة له شروط، شرعها الله لها؛ لأنه الذي خلقها، وهو الذي جعل لها حقوقاً بعد أن كانت المرأة في الجاهلية تقتل، كما قال سبحانه: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9]، بل كانت المرأة تورث، بعد موت زوجها يرثها أولادها، فقد جاء الإسلام ليرفع من قدرها وليعلنها صراحة: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ [النساء:7].

    جاء الإسلام وأوجب على المرأة لباساً ينبغي أن تراعيه بثمانية شروط، إن أردنا أن نطبقها على الواقع سنجد أن الفجوة كبيرة بيننا وبين دين ربنا:

    أولاً: أن يكون اللباس ساتراً لجميع بدنها.

    ثانياً: أن يكون فضفاضاً لا يصف.

    ثالثاً: أن يكون صفيقاً لا يشف.

    رابعاً: ألا يكون لباس زينة.

    خامساً: ألا يكون شبيهًا بملابس الرجال.

    سادساً: ألا يكون شبيهًا بملابس الكافرات.

    سابعاً: ألا يكون معطراً.

    ثامناً وأخيراً: ألا يكون لباس شهرة.

    ثمانية شروط لملابس المرأة المسلمة هيا بنا نسقطها على الواقع:

    أن يكون ساتراً لجميع بدنها، فهل ما نراه الآن يستر البدن يا عباد الله؟! تخرج المرأة كأنها تدعو إلى الفاحشة، هل ما نراه الآن فضفاضاً لا يصف، فيما يسمونه بالبنطال الذي يجسد العورة ويظهرها؟ وصدق خير الأنام عليه الصلاة والسلام: (صنفان من أمتي لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، نساء كاسيات عاريات)، وللعلماء في هذا اللفظ أقوال: منهم من قال: كاسية بنعمة الله عارية من شكرها، ومنهم من قال: كاسية في موضع عارية في موضع آخر، ومنهم من قال: كاسية بملابس وكأنها عارية وهو الواقع الآن، فإن هذه الملابس إنما هي دعوة إلى الفجور وإلى الفحشاء، لذلك لا تعجب مما تسمع عنه كل يوم وكل حين عن زنا المحارم، وعن الزواج العرفي، وتسميته بالزواج ظلم وعدوان وعن الاغتصاب، وعن ضياع الأعراض، لماذا هذا الواقع المؤلم؟ بسبب الدعوة إلى الفاحشة عن طريق المجلات الهابطة، والنساء المتبرجات اللاتي يخرجن ولا يتقين الله عز وجل.

    لقد وضع الإسلام ثمانية شروط لملابس المرأة التقية العفيفة، فقد نهى الإسلام عن التبرج، فقال ربنا سبحانه: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، قال العلماء: يظلم الجاهلية الأولى من يقارنها بجاهلية اليوم في التبرج، فإن تبرج الجاهلية الأولى كانت المرأة فيه تستر جميع بدنها، وتلبس ثوبًا فضفاضاً غير شبيه بملابس الرجال، ولكنها تظهر جزءًا من صدرها ونحرها، فسماه الله: تبرج الجاهلية الأولى، فماذا نقول في تبرج اليوم: هل هو كتبرج الجاهلية؟ بل قد تعدى وفاق تبرج الجاهلية، تجد الرجل يصلي الفجر في جماعة، ويقوم الليل، ويحفظ القرآن، وإذا نظرت إلى بيته تجد البنت أو الزوجة تخرج وليس عليها سمت الالتزام أبداً. فيقال له: إن الذي لا يغار على عرضه ديوث، ولا يدخل الجنة ديوث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، الإسلام سلوك، الإسلام واقع، الإسلام ليس شعارات، الإسلام ليس هتافات، الإسلام انضباط على شرع رب العالمين سبحانه وتعالى.

    عدم الاختلاط

    ثالثاً: من التدابير الواقية من الزنا بعد غض البصر والنهي عن التبرج: عدم الاختلاط، ولو أننا نزّلنا ذلك على مجتمعاتنا لعم العفاف والطهارة، ولكن الذين يريدون أن نتبع الشهوات يسعون ليل نهار لأجل إشاعة الفاحشة، لقد حرم الإسلام الاختلاط، فلا ينبغي للمرأة أن تخالط الرجال، فانظر يا عبد الله إلى واقعنا وإلى الاختلاط الذي نعيشه.

    حينما جاءت ابنتا شعيب إلى الماء لتسقيا غنمهما وجدتا على الماء رجالاً فماذا صنعتا؟ لقد انحرفتا بعيداً عن الرجال، فلما مر موسى: قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23]، أي: لا نسقي حتى ينصرف الرجال؛ لأنه لا يجوز لنا أن نخالط الرجال.

    الاختلاط الآن في جامعاتنا في مواصلاتنا العامة في كل حياتنا، حتى في مكاتبنا الخاصة، يعني: أن كل أعمال السكرتارية والمحاسبة يستجلب لها أصحاب الأعمال سكرتيرة من الدرجة الأولى، حتى تقابل العملاء، وحتى تجذبهم، نسأل الله العافية.

    عدم الخلوة المحرمة

    من التدابير الواقية من الزنا: النهي عن الخلوة المحرمة، حتى لمن يعلم القرآن، فلا يجوز لمعلم القرآن أن يخلو بامرأة لا تحل له، لا يحل لمن يدعي أنه يعالج بالقرآن أن يخلو بامرأة لا تحل له، لا يحل لمدرس يعطي دروساً خصوصية أن يخلو ببنت أو بامرأة لا تحل له، لا يحل لمدير في منصبه أن يغلق الباب بسكرتيرته، فهذه دعوى إلى الفاحشة، لا يحل للمرأة أن تذهب لطبيب بمفردها إلا مع ذي محرم.

    أقول لكم إخواني: لقد خرجت المرأة بغير ضابط، يقول عليه الصلاة والسلام: (ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما)، فلا يحل لامرأة أن تكون مع رجل إلا مع ذي محرم، ولذلك قال العلماء: يسقط عن المرأة فريضة الحج إن لم تجد محرماً.

    خرج رجل مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة، فأخبره الرجل أن امرأته ذهبت لتحج، أتدرون ماذا صنع معه النبي صلى الله عليه وسلم؟ أمره أن يترك الجهاد ليحج مع امرأته. هذا هو الشرع يا عبد الله، فإن سفر المرأة بدون محرم فتنة، تذهب إلى أسيوط بمفردها، فتركب من الشرقية إلى أسيوط عشر ساعات، وتبيت في القطار، وتجلس شهراً كاملاً مع غير محرم؛ لتتعلم، فأي علم هذا يا عبد الله؟ أي علم الذي يجعلك تجترئ على شرع الله؟ فإذا جاءت بعد أربع سنوات تقول لأبيها: يا أبي تزوجت بفضل الله، وهذا ولدي من زوجي! ونسألك أن تبارك وأن تؤيد، أنت في غفلة يا عبد الله، البنت بعيدة عن متابعتك، إذا خرجت من بيتها استشرفها شيطان، والمرأة عورة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

    تلك الضوابط إخواني تحفظ أخلاق المجتمع:

    إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

    عدم السفر بدون محرم أو مع غير ذي محرم

    خامساً: السفر بدون محرم أو مع غير ذي محرم، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوماً وليله إلا مع ذي محرم)، أي: لا يجوز لها أن تسافر مع غير ذي محرم، أو تسافر بدون محرم، وهذا واقع بيننا، فقد تجلس المرأة في طائرة أو باخرة بجوار ذئب بشري يلين لها الحديث، ويطيب لها القول، ويستدرجها؛ لغياب المحرم عنها.

    عدم التعطر خارج البيت وعند غير المحارم

    سادساً: يقول عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة خرجت من بيتها وهي متعطرة)، وما أدراك ما العطور، المرأة في البيت تضع لزوجها الثوم والبصل فيتأذى من الرائحة، وإذا ما أرادت أن تخرج تجلس ساعات أمام المرآة وهو يشاهد ويبارك ويؤيد ويستجلب لها العطور، حتى إذا ما مرت على رجال شموا ريحها، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر المرأة إذا تعطرت ألا تشهد معه الصلاة، وأنا أدري أن هناك من يسجل الطعن والسب لهذه الأحاديث ويقول عنها: رجعية، تخلف، تجمد، تحجر، عودة إلى عصور الظلام، فماذا حصدنا من الحريات؟ ضياع الأعراض! حرية كفر لا حرية فكر!.

    أحبتي الكرام! أمر النبي عليه الصلاة والسلام المرأة إذا تعطرت ألا تشهد معه العشاء الآخرة، لا تصلي العشاء في المسجد طالما أصابت العطر، حتى لا تخرج ويشمها الرجال، وإذا فعلت فقد قال صلى الله عليه وسلم: (فهي زانية)، يعني: تدعو إلى الزنا، ليس معنى أنها زانية واقعاً، ولكنها تدعو إلى الزنا والفجور.

    عدم مصافحة المرأة الأجنبية

    سابعاً: نهى الإسلام عن مصافحة المرأة الأجنبية، وكل هذه التدابير تقينا من الزنا، والواقع يعكس غير ذلك تماماً، يقول عليه الصلاة والسلام كما في الطبراني وذكره الألباني رحمه الله في صحيح الجامع: (لئن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن تمس يده يد امرأة لا تحل له)، فلما جاءت النساء يبايعن النبي عليه الصلاة والسلام بايع الرجال بالمصافحة، وبايع النساء بدون مصافحة، وما مست يد النبي صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له، وإن كان الإسلام حرم النظر فمن باب أولى يحرم المصافحة، وستجد من يقول: أنا أصافح وقلبي أبيض، فنقول له: هل قلبك أبيض من قلب رسول الله؟ هذا من تلبيس الشيطان، وذاك يصافح ويبتسم، ولا يحل لامرأة مؤمنة أن تعطي يدها لرجل أجنبي بحجة التقدم، وربما ستجد من ينتسبون إلى العلم يصافحون النساء الأجنبيات، ويحضرون حفلات الرقص والغناء.

    ومما يمرض القلب على واقع الأمة أن رجلاً في أعلى المناصب يقول: لا مانع من إقامة التماثيل للزعماء والرؤساء في الميادين العامة؛ لأنهم أسوة لشبابنا وأسوة لنا، فإذا ما نظر الشباب إليها تأسوا بحياتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لـعلي : (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته)، وهذا الرجل يقول: لا بأس أن نقيم التماثيل للزعماء حتى نقتدي بهم، وأنا لا أدري ما معنى إقامة تمثال لكوكب الشرق هل لنقتدي بها في الغناء.

    وهناك تماثيل في ميادين لأناس ليسوا على الإسلام، و(لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب)، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والنصوص واضحة بينة في تحريم الصور والتماثيل.

    عدم خضوع النساء بالقول

    ثامناً: ترك الخضوع بالقول لقوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، المرأة عند حديثها مع الرجال ينبغي أن تتحدث للضرورة وفي أضيق الظروف مع عدم الخضوع بالقول.

    عدم جواز وصف المرأة غيرها لزوجها

    تاسعاً: لا تصف المرأة المرأة لزوجها، أي: أن تذهب المرأة وتجلس مع امرأة أخرى، ثم تعود إلى بيتها وتصف المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها.

    إجابة الزوجة لزوجها إن دعاها إلى فراشه

    عاشراً: وهذا مرض خطير: أن النساء ينبغي أن يتعلمن أن طاعة الزوج واجبة طالما ليست في معصية الله، واسمع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل دعا زوجته إلى فراشه فتمنعت عليه إلا باتت تلعنها الملائكة)، على نسائنا اليوم أن يتقين الله عز وجل في أنفسهن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا إذا رأى الرجل امرأة فأعجبته ووقعت في نفسه أن يذهب إلى زوجته، فإن الذي معها مثل الذي معها، وقد يرى الرجل امرأة فيذهب إلى زوجته، فتقول: لا، أنا مريضة وغير مستطيعة انصرف، إلى أين ينصرف؟ الله أعلم، نسأل الله العافية، أين هذا الأدب في بيوتنا؟ وأيضاً لا يحل لامرأة أن تصوم صيام نافلة كالإثنين والخميس ويوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض إلا بعد أن تستأذن من الزوج، فهل توجد امرأة تقول لزوجها: أتأذن لي أن أصوم غداً؟

    عدم مشي النساء في وسط الطريق

    الحادي عشر: ليس للنساء وسط الطريق إنما لهن جانبا الطريق.

    عدم استماع الغناء

    الثاني عشر: حرم الإسلام الغناء وهذا موضوع طويل.

    عدم الإيلاء أكثر من أربعة أشهر

    الثالث عشر: لا يحل للرجل أن يحلف بالله أن لا يقترب من زوجته أكثر من أربعة أشهر، يقول ربنا سبحانه: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227]، والمعنى: لا يحل لك أن تحلف أو أن تقسم بالله ألا تقترب من الزوجة أكثر من أربعة أشهر، فإن زادت المدة فللزوجة أن تطلب الطلاق، وإنما قبل الأربعة الأشهر عليك أن تعود مع الكفارة، أما المدة فلا تزيد أبداً، وهذا يشمل من يرحل ويترك الزوجة سنوات؛ ليجمع المال ويرتع في المال، ويترك الأمور سائبة دون ضابط ولا رابط.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    وجوب هجر أماكن المعصية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فأيها الإخوة الكرام الأحباب! تلك التدابير والوسائل والسبل وضعها الإسلام؛ لأجل أن يغلق أبواب تلك الفاحشة، لذلك قال ربنا سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32].

    ومن صفات عباد الرحمن: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68]، وفي الحديث الذي رواه البخاري : (أن النبي صلى الله عليه وسلم -في الرؤيا التي رآها- رأى أناساً عراةً في تنور واسع من الأسفل، ضيق من الأعلى، تخرج من تحتهم نار وهو يصطرخون، فلما سأل عن ذلك المشهد، قيل له: أولئك هم الزناة)، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، هناك شباب كثيرون يقول بعضهم: أنا لا أستطيع مفارقة هذه الفاحشة لأن جارتي تطاردني، وصديقتي تلاحقني كلما أردت أن أبتعد، والحل في أمر واحد وهو: اهجر المكان وارحل إلى بلد آخر؛ لأن هجر مكان المعصية أمر واجب عليك، كذلك هجر أصدقاء السوء، أما أن تقول: أريد أن أتوب ولا زالت العلاقة دائمة، ولا زال الاختلاط قائماً، هذا لا يدعو أبداً إلى التوبة، ولذلك جاء في الحديث عند البخاري ومسلم: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين)، والحديث معروف.

    وخرج علينا الآن من أرباب العلمانية الضالة من يكتب عن هذا الحديث أنه تخاريف، أين حق المجتمع، الرجل قتل مائة نفس ثم يتوب دون أن يأخذ المجتمع الحق منه؟ هذا كلام باطل لوثوا به عقول الشباب، هكذا يقولون عنا، فهل نحن لوثنا عقول الشباب؟ أم عقلك أنت الملوث، أما قرأت في الحديث: (كان فيمن كان قبلكم) أنه يدل على أن هذا كان في شرع من قبلنا، قبل أن تكون هناك دولة ونظام وهيئة تنفيذية وقضائية، ومحاكم كانت مجتمعات بدائية، والحديث يشير إلى سعة رحمة الله عز وجل، فهو يغفر الذنوب جميعاً سبحانه وتعالى.

    والشاهد من الحديث: أن العالم قال للرجل: ارحل عن القرية الظالمة واذهب إلى قرية صالحة، ذاك هو أول طريق للتوبة: أن ترحل عن مكان السوء والمعاصي.

    ومن الأمور التي تجلب الفواحش إلى مجتمعاتنا: السفر إلى بلاد الكفر بحجة العمل والتجارة، ماذا ستشاهد في بلاد الكفر؟ هل ستسمع نداء صلاة الفجر؟ هل ستقوم الليل مع إخوانك؟ أم أنك سترى العناق والقبلات، والرجل يواقع المرأة في قارعة الطريق باسم الحرية، في تلك المجتمعات التي نخرها السوس وأوشكت على الهلاك والدمار.

    اللهم احفظ عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظ يا رب فروجنا، وطهر يا رب عيوننا وأفئدتنا.

    اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً، ونسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، ونسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.

    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم اعف عنا، وعلى طاعتك أعنا، ومن شرور خلقك يا رب سلمنا.

    اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.

    اللهم أصلح نساءنا، واحفظ عوراتنا، وطهر قلوبنا.

    اللهم عليك باليهود ومن والاهم.

    اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون.

    اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وعلمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما أنسينا، وارزقنا حب القرآن وارزقنا نور القرآن، وارزقنا حفظ القرآن، وارزقنا فهم القرآن.

    اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

    رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.