إسلام ويب

سلسلة أصول الفقه [7]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للمنطوق في أصول الفقه أهمية عظيمة في شريعتنا الغراء، إذ به نعرف دلالات النصوص، وقد عرفه العلماء بأنه: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وبينوا أقسامه مع الأمثلة.

    1.   

    المنطوق وتعريفه

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    ثم أما بعد:

    فموضوعنا اليوم في أصول الفقه موضوع هام، ألا وهو: المنطوق والمفهوم، وسأقوم بشرح المنطوق أولاً وأرجئ المفهوم إلى الدرس القادم.

    فأقول وبالله التوفيق: دلالة الألفاظ على المعاني إما أن تكون بمنطوق اللفظ أو بمفهومها، وهذا موضوع مهم، إذ ليس كل لفظ يقال يراد به المنطوق، فقد يكون المفهوم أولى من المنطوق، مثال ذلك: يقول رب العالمين في حق الوالدين: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، فالمنطوق هنا هو أن يقول الولد لأبيه أو أمه: أف، والمفهوم: ما هو أعلى من الأف كالضرب والسب واللعن، وعليه فمن باب أولى إن حرم الله الأدنى أن يحرم الأعلى.

    وعلى هذا نعرف المنطوق بأنه: ما دل عليه اللفظ في محل النطق.

    1.   

    أقسام المنطوق

    وينقسم المنطوق إلى خمسة أقسام: النص، والظاهر، والمؤول، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة:

    أولاً: النص: وهو ما يفيد معنىً صريحاً لا يحتمل غيره، وبالمثل يتضح المعنى: قال تعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196]، فهذا نص؛ لأنه لا يحتمل إلا معنىً واحداً، فهل يفهم أحد من الحضور غير ما يفهم الآخر؟ لا، بل الكل يفهم أن المقصود: إن ترك الحاج واجباً عليه أن يذبح فدية، فإن لم يستطع فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، تلك عشرة كاملة، فهذا كلام واضح لا يحتمل إلا وجهاً واحداً.

    ثانياً: الظاهر: وهو ما يسبق إليه الفهم عند الإطلاق مع احتمال غيره احتمالاً مرجوحاً، مثال ذلك: يقول ربنا سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]، فكلمة (الطهر) هنا لها معنيان: الأول: يطلق ويراد به الغسل أو الوضوء، وهذا هو المعنى الراجح، يقال: طهر وتطهر الرجل، أي: اغتسل أو توضأ، وهذا هو المعنى الذي ينصرف إلى الذهن عند سماع كلمة (الطهر)، والمعنى الآخر هو: انقطاع الدم، وهو مرجوح، وبالتالي فنقدم المعنى الراجح ونؤخر المعنى المرجوح، وحينئذٍ عندما نقول: الطهارة للمرأة عند الحيض أو من الحيض، فإن الاغتسال هو الذي ينصرف إلى الذهن، والمعنى المرجوح هو انقطاع الدم.

    ثالثاً: المؤول: وهو ما حمل لفظه على المعنى المرجوح لدليل يمنع من إرادة المعنى الراجح، كقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]، فكلمة: (الجناح) حينما تطلق يفهم منها: الجناح الجارحة، لكن في هذه الآية لماذا صرفناها من الجناح بمعنى الجارحة إلى معنى التواضع والذل؟ لأنه يستحيل أن يكون للإنسان جناح، فكلمة (الجناح) في الآية صرفت عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن بها، وهذا هو التأويل المحمود.

    لكن هناك التأويل المذموم: وهو صرف المعنى من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح بغير دليل، كقول المؤولة: يد الله، أي: قدرة الله، فصرفوا اليد عن معناها الراجح إلى معناها المرجوح بغير دليل.

    وعليه فالتأويل منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، والتأويل المحمود: أن تصرف الكلمة من معناها الراجح إلى معناها المرجوح لدليل يقترن بها، كقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، فظاهر الآية: أن الله أقام سداً حتى لا يروا، والمعنى المرجوح: أن الله صرف أعينهم عن الرؤية، وهذا هو المقصود، وليس المقصود أن الله أقام سداً؛ لأن الله قادر على أن ينزع الرؤية دون سد، لذلك صرفنا الكلمة عن معناها الراجح إلى معناها المرجوح لدليل، وهكذا حينما نقول: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد، فإن الشهيد -الصحيح أنه- لا يصلى عليه، فما معنى قوله: (صلى على شهداء أحد)؟ معناها: دعا لهم، والصلاة حينما تطلق يراد بها الصلاة المعروفة، فكونه صلى على شهداء أحد ظاهره أنه صلى عليهم صلاة الجنازة، فلماذا صرفناها عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح؟ صرفناها لدليل وهو أن الشهيد لا يصلى عليه.

    إذاً: عند صرف الكلمة عن معناها الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يسمى هذا التأويل المحمود، ولغير دليل يسمى التأويل المذموم.

    وخلاصة القول: أن دلالة الألفاظ على المعاني إما أن تكون بالمنطوق، وإما أن تكون بالمفهوم.

    رابعاً: دلالة الاقتضاء، أي: أن صحة اللفظ قد تتوقف على كلمة مضمرة غير موجودة، لكنها مضمرة في السياق، فهذا يسمى دلالة الاقتضاء، أي: أن المقام يقتضي كلمة، لكن هذه الكلمة غير موجودة في السياق، مثال ذلك: يقول ربنا في سورة البقرة في آية الصيام: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فإذا سافر رجل وصام هل عليه قضاء أم لا؟ ابن حزم الظاهري يقول: إن سافر وصام عليه القضاء؛ لأن الله يقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فسواءً صام أو أفطر فلابد أن يقضي، فنقول: إن ابن حزم رحمه الله أهمل هنا دلالة الاقتضاء؛ لأن المقام يقتضي: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، فكلمة (فأفطر) موجودة هنا بدلالة الاقتضاء، أي: أن الكلام يقتضيها.

    ومثل ذلك قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، فهنا كلمة مضمرة يقتضيها المقام وهي (الوطء والزواج)، وليس المعنى: أن أمك حرام عليك من كل الوجوه، وإنما المقام يقتضي: حرم عليكم وطء أمهاتكم، فدلالة اللفظ هنا تتوقف على إضمار كلمة، وهذه يسميها العلماء: دلالة الاقتضاء.

    وقد لا تتوقف على إضمار، ويدل اللفظ على ما يقصد به قصداً أولياً، وتسمى دلالة الإشارة.

    وعليه فدلالة الاقتضاء: هي أن الكلام يتوقف صحته على كلمة مضمرة بحذفها لا يستقيم المعنى، ولا يدل اللفظ على المعنى إذا حذفت.

    والمقصود: أن الكلام قد يفهم منه المعنى، وقد لا ينبغي أن نحمل الكلام على ظاهره، كقوله صلى الله عليه وسلم: (اليد تزني وزناها اللمس)، فهذا كلام منطوق، والمفهوم أن اللمس يؤدي إلى الزنا، فهذا هو المفهوم من الكلام، وليس المعنى أن اللمس زنا، وأن من صافح امرأة فقد زنا يقام عليه الحد؛ فإن هذا كلام غير معقول ولا يقول به أحد، ويوم أن أفتى الشيخ عطية صقر وقال: المصافحة حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليد تزني وزناها اللمس)، في ثاني يوم رأينا مخبولاً من مخابيل الفكر المستنير رسم كاركاتيراً ورسم فيه شاباً يصافح امرأة ويقول للضابط: أنا مستعد أصلح غلطتي وأتزوجها، أي: أنه يهزأ من الحديث؛ لأنه فهم أن الزنا بالمعنى المراد، لكن المقصود المفهوم: أن الملامسة تؤدي إلى الزنا، فالكلام له منطوق وله مفهوم.

    وفي حديث بدء الوحي في كتاب البخاري : أن هرقل سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم: هل تتهمونه بالكذب؟ قال: لا، ما كذب أبداً، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله، يعني: أنتم تقولون: إنه لا يكذب على الناس إذاً من باب أولى ألا يكذب على الله، هذا مفهوم الكلام، فهرقل فهم من الكلام أن الذي يترك الكذب على الناس من باب أولى يترك الكذب على الله. ومثل ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10]، فلو قال رجل أحمق: أنا لا آكل مال اليتيم، إنما سأحرقه وأتلفه بالضياع والفقدان، فماذا نقول في عقله؟ نقول: إنه مجنون؛ لأن الذي حرم الأكل حرم كل الأسباب التي تفضي إلى إتلاف المال.

    خامساً: دلالة الإشارة وهي أن يكون الكلام لا يقتضي إضماراً، وإنما يفهم المراد من السياق بدون إضمار، مثل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، يفهم من ذلك أنه يجوز للرجل أن يجامع زوجته من المغرب إلى الفجر، فهم هذا بالإشارة.

    وهكذا حينما نقول: إن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، نأخذه بالإشارة من القرآن من قوله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43]، وذلك أن السجود أفضل من الركوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فحينما أمرها بالصلاة في البيت قال: (واسجدي)، وحينما أمرها بالصلاة مع الجماعة قال: واركعي مع الراكعين ، والسجود يقدم على الركوع، فإذاً: صلاتها في البيت تقدم على صلاتها في المسجد.

    والصلاة قد يعبر عنها بركن من أركانها، فالسجود هو الصلاة، والركوع هو الصلاة، قال الله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، فالركوع والسجود والقيام والقنوت يطلق ويراد به الصلاة، لكني أردت أن أوضح أن الصلاة في الحالتين تختلف، فحينما أمرها بالصلاة بمفردها قال: واسجدي ، وحينما أمرها بالصلاة مع المصلين قال: واركعي مع الراكعين .

    إذاً: خلاصة القول في المسألة: أن المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وهو ينقسم إلى خمسة أقسام: نص، وظاهر، ومؤول، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة.

    والكل يشترك في شيء واحد وهو: أنه دل عليه اللفظ في محل النطق، أما المفهوم فلنا معه لقاء آخر إن شاء الله تعالى.