إسلام ويب

التربية الجادة .. ضرورةللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المجتمعات والمؤسسات التربوية، والتجمعات بل الأفراد جميعاً يمارسون التربية لأنفسهم، ولكن ليست هذه التربية هي التي نريد، فنحن نريد التربية التي تهيئ المرء ليكون عبداً حقاً لله سبحانه وتعالى، ليكون أهلاً أن يحمل هذه الرسالة وأن يتحمل تكاليف هذا الدين، ومن ثم كان لابد من الحديث عن التربية الجادة.

    1.   

    التربية التي نريد

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فهذا هو الدرس السابع من الدروس التربوية أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيها الخير والبركة، وأن يعيننا على إتمامها والاستفادة منها.

    وهذا الموضوع إنما هو امتداد للموضوع السابق، فنحن كما أننا بحاجة إلى القناعة بأهمية التربية والحديث عن ضرورتها، والعناية بها نحن كذلك نحتاج إلى نوع من التربية، إن المجتمعات والمؤسسات التربوية، والتجمعات بل الأفراد جميعاً يمارسون التربية لأنفسهم، وليست كل تربية هي التربية التي نريد، فنحن نريد التربية التي تهيئ المرء ليكون عبداً حقاً لله سبحانه وتعالى، ليكون أهلاً أن يتحمل هذه الرسالة وأن يحمل هذا الدين، ومن ثم كان لا بد من الحديث عن التربية الجادة.

    وقد نتساءل ماذا نعني بالتربية الجادة، لعل هذا التساؤل تزول الحاجة له عند الحديث عن جوانب هذا الموضوع، ولكننا يمكن أن نقول باختصار: إن التربية الجادة يمكن أن نعرفها من خلال برامجها، فهي تلك التربية التي تحتوي على برامج جادة وعلى برامج طموحة تهدف إلى الارتقاء بالمتربي إلى منازل عالية وإلى منازل الرجال.

    ويمكن أن نتعرف إليها من خلال الهدف التي تؤدي إليه، والنتيجة التي تصل إليها ألا وهي إعداد الرجل الجاد، الرجل الجاد ليس هو قليل الدعابة والهزل، الرجل الجاد هو صاحب الهدف، الذي يسري في أعماقه وروحه، الرجل الجاد هو من يتوجه بالعبادة الحقة لله سبحانه وتعالى، هو الجاد في طلبه للعلم الشرعي، هو الجاد في دعوته إلى الله عز وجل، هو الرجل القادر على اتخاد القرار الحاسم في الوقت المناسب، هو الرجل الشجاع، هو الرجل غير الهياب، إن مواصفات الرجل الجاد مواصفات أشمل وأتم من أن تكون ذاك الرجل قليل الضحك كما قد يتبادر للذهن، وماذا نريد من إنسان صموت قليل الضحك قليل الكلام وهو في مقابل ذلك قليل العمل وقليل الإنتاج، فلعل بعض الجمادات تكون أكثر هدوءاً وأقل كلاماً وحديثاً من الكثير من أولئك، وما تغني شيئاً، فنحن نريد بالرجل الجاد الرجل العامل الذي يقول الكلمة حين ينبغي أن تقال، يعمل العمل حين ينبغي، صاحب المبادرة في حياته كلها، ونحن بحاجة إلى أن نتخلص من وهم الجماهير والانخداع بها.

    إننا نرى الآن أفواجاً هائلة تفد إلى الله سبحانه وتعالى، ونرى هذه الصحوة المباركة تمتد على قنوات ومجالات شتى، وهي ظاهرة ولا شك تبشر بالخير وتسر كل مسلم، ولكننا ينبغي أن لا نفرط في التفاؤل وأن لا نعطي هذه الجماهير أكبر مما تستحق، وأن لا نعول عليها فقد تخذلنا حين نحتاج إليها، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25]، ونخشى أن تتحول هذه الغثائية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستصيب الأمة: (قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) نخشى أن تتحول هذه الغثائية إلى تيار الصحوة، فيصبح عندنا تياراً قوياً جارفاً فيما نتصور، ولكنه غثاء كغثاء السيل.

    إنني لست أتشاءم ولا أقلل من الإنجازات، ولست أنظر بنظرة سوداوية إلى إنجازات هذه الصحوة، ولكنني أيضاً أخشى أن يصيبنا داء غيرنا الذين يتحدثون عن الإنجازات ويتحدثون عن الأرقام ويهتمون بالعدد، وأن ترى الحديث كثيراً في القرآن في ذم الاغترار بالكثرة والاغترار بالعدد، إننا مع حرصنا على تكثير سواد الصحوة وعلى سواد المنتمين لهذا الطريق والخير ينبغي أن لا نخدع بهذه الجماهير، وينبغي أن نشعر ونوقن أن هذه الجماهير بحاجة إلى تربية، تربية جادة، تربية عميقة، تربية طويلة تحتاج إلى جهود يتظافر عليها الجميع، وما كنا نظن أنه سيأتي الوقت الذي نحتاج إلى أن نقنع الناس بالحاجة إلى التربية، أن نتحدث عن أهمية التربية والحاجة إليها، إنها قضية ينبغي أن تكون بدهية، ينبغي أن تكون مستقرة لدى الجميع، وقد كانت كذلك فترة من الزمن ولكن حين امتد الخير وانتشر رواقه، ودخل من دخل أصابنا ما أصابنا فأصبحنا بحاجة إلى أن نقرر البدهيات، وبحاجة إلى أن نتحدث عن أهمية التربية، إننا الآن بحاجة إلى أن نتحدث عن وسائل حديث في التربية، بحاجة إلى أن نتحدث عن مشكلات تربوية، بحاجة إلى أن نتحدث عن برامج التربية عن مضمون التربية وما يتعلق بها، وينبغي أن نتجاوز تلك المرحلة التي نقنع فيها الناس بضرورة التربية والحاجة إلى التربية، هذا مدخل بين يدي هذا الموضوع، والذي سيتضمن النقاط الآتية، مبررات المطالبة بالتربية الجادة، ثمار التربية الجادة، صور من نتائج التربية الجادة، حين تتخلف التربية الجادة، والمفاهيم المغلوطة، مقترحات للنقلة.

    1.   

    مبررات المطالبة بالتربية الجادة

    إننا حين نطالب المربين جميعاً سواء كانوا آباءً أو أساتذة أو معلمين، سواء كانوا مشايخ في حلق العلم، أو كانوا طلبة للعلم في برامجهم مع إخوانهم، أياً كان أولئك المربين إننا حين نطالب هؤلاء بالتربية الجادة ننطلق من مسوغات ومبررات عدة أولها ما سبق الحديث عنه في الدرس السابق الذي أشرت إليه: حاجتنا إلى التربية.

    ولقد ذكرت هناك مسوغات عدة تبرر الحاجة الملحة للعناية بالتربية، لعلي أذكرها الآن إجمالاً، منها:

    مسوغات سبق الحديث عنها

    ضخامة الدور المنوط بهذه الصحوة.

    كثرة الفتن والمغريات.

    أن هناك معان لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التربية، معاني الصبر والوفاء والكرم والشجاعة إلى غير ذلك.

    عمق الخلل التربوي في المجتمع، الخلل في واقع الصحوة، الفصام في المؤسسات التربوية بين النظرية والتطبيق، توسع مجالات الدعوة وجوانبها.

    تلك أمور سبق الحديث عنها بالتفصيل والإفاضة في ذلك الدرس.

    تحدثنا عنها وذكرنا أنها مسوغات للمطالبة بالتربية، وهي الأخرى أيضاً مسوغات للمطالبة بالتربية الجادة، ومن هنا فلست بحاجة إلى تكرار الحديث عنها، فمن لم يحضر الدرس عليه أن يرجع إليه ويستمع إليها حينئذ، أنتقل إلى مسوغات أخرى غير تلك المسوغات، منها:

    نصوص الكتاب والسنة

    أننا حين نقرأ في نصوص الكتاب والسنة نجد أن هناك نصوصاً متضافرة في الكتاب والسنة تخاطب المسلمين على أن الأمر أمر جد، أن الأمر يحتاج إلى أن يؤخذ بجدية، يقول الله سبحانه وتعالى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1]

    قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:2-5].

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل أمراً ثقيلاً، أمراً جاداً كان يحتاج معه إلى أن يفرض عليه صلى الله عليه وسلم قيام الليل هو وأصحابه، فقاموا شهراً حتى ورمت أقدامهم ثم نزل التخفيف بعد ذلك، واختلف هل بقي قيام الليل واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم أم أنه نسخ وصار في حقه نافلة، هذا الموضوع لا يعنينا، لكن لماذا فرض على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين قيام الليل في تلك الفترة؟ أخبر الله سبحانه وتعالى بالحكمة، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:2-6].

    لقد كان هذا القول الذي تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم ثقيلاً، هل كان ثقيلاً بألفاظه وحروفه؟ أبداً فهو ميسر وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، لكنه كان ثقيلاً بتبعاته، كان ثقيلاً يحتاج إلى نفس جادة، إلى نفس تربت تربية تؤهلها لأن تحمل هذه الرسالة.

    من هذه النصوص قول الله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران:142-143].

    وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

    إن هذه النصوص من كتاب الله سبحانه وتعالى تعطينا دلالة واضحة على أن الأمر أمر جد، أن الأمر يحتاج إلى نفوس عالية، وإلى همم تربت تربية جادة عميقة تحتمل هذا الأمر وتحمل هذا الدين.

    كيفية بداية الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم

    أمر ثالث: كيف بدأ الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم؟

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء ويتعبد فبينما هو كذلك أتاه الملك فغطه غطة قوية حتى بلغ منه الجهد فقال: (اقرأ قال: ما أنا بقارئ، ثم أرسله ثم غطه ثم أرسله ثلاث مرات، ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق:1-2] فعاد النبي صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده إلى خديجة رضي الله عنها)، ما السر أن يأتي الوحي بهذه الطريقة وبهذه القوة؟ إنه إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحمل قضية جادة، قضية تحتاج إلى همة وعزيمة قوية.

    إن الإجابة على هذا كله نقرأها في قوله سبحانه وتعالى، في هذه الآيات التي هي من أول ما نزل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:5-6].

    وحين نقرأ سنة النبي صلى الله عليه وسلم نجد الكثير من النصوص التي تؤيد ما نقول، فهو صلى الله عليه وسلم يقول: (حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات) إن طريق الجنة طريق محفوف بالمكاره فلن يوصل إلى الجنة إلا من خلال سلوك هذا الطريق، الطريق المليء بالمكاره والأشواك، إذاً فلن يسلك هذا الطريق إلا الرجل الجاد، إذاً الرجل الذي سيتربى ليصل إلى هذه المنزلة وليحقق هذا الهدف بحاجة إلى أن يتربى تربية جادة ليتأهل لبلوغ وتجاوز هذه المكاره، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (استعن بالله ولا تعجز) (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم كل مسلم في هذه الأرض أن يستعين بالله ولا يعجز، أن يكون رجلاً هماماً، رجلاً صاحب قرار يستعين بالله سبحانه وتعالى ولا يعجز ويدع الكسل.

    أيضاً من المؤيدات والمبررات دعاؤه صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو، بل كان يدعو كل صباح: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) إن العجز والكسل من أكبر معوقات الرجل الجاد، إن الرجل غير الجاد لا يمكن أن نصفه بأدق من هذا الوصف: إنه رجل عاجز وكسول، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله كل يوم من هذا الداء من العجز والكسل، إذاً فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله رجلاً جاداً، رجلاً متخلصاً من هذه العوائق.

    ينكأ لك عدواً أو يمشي إلى الصلاة

    رابعاً: ينكأ لك عدواً أو يمشي إلى الصلاة، حديث يحتاج إلى وقفة، يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا عاد أحدكم أخاه فليقل: اللهم اشف عبدك فلاناً ينكأ لك عدواً أو يمشي إلى الصلاة) والحديث رواه الحاكم من حديث ابن عمر ، ورواه أيضاً الحاكم والإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمرو .

    إن هذا الحديث يعطينا شعوراً بأن وظيفة المسلم وظيفة جادة، وظيفة عمل، فهو يدعى له بالشفاء لأجل أن ينكأ العدو أو يمشي إلى الصلاة، يدعى له بالشفاء لأجل أن يبادر فينكأ العدو ويهين العدو ويواجه العدو فيجاهد في الله سبحانه وتعالى، ويمشي إلى الصلاة وإلى عبادة الله عز وجل، إذاً فهو حين يسعى إلى الشفاء وحين يدعى له بالشفاء لا يدعى له بالشفاء لمجرد أن يكون صحيح البدن سليماً، إنما لأجل أن يعود إلى دوره الطبيعي في الحياة، وهو أن ينكأ العدو أو يمشي إلى الصلاة، وهذا يعطينا دلالة على أن الأصل في حياة المسلم حال الصحة أن ينكأ العدو ويمشي إلى الصلاة، وليست القضية مربوطة فقط بقضية الجهاد وحدها والمشي إلى الصلاة، إنما هي رمز فنكء العدو يتمثل في أن يكون المرء جاداً عاملاً لخدمة دين الله سبحانه وتعالى، يكون شوكة في حلوق أعداء الله عز وجل أياً كان هؤلاء الأعداء، ينكؤهم بالكلمة الصادقة، ينكؤهم بالعمل الجاد المثمر، ينكؤهم بالجهاد في سبيل الله حين يرفع لواء الجهاد، إنه رجل يحمل في قلبه العمل والحيوية والهم لهذا الدين، وهو أيضاً يمشي إلى الصلاة، فهذا رمز لاجتهاده وجده في عبادة الله سبحانه وتعالى.

    الأصل في الحياة الجدية

    هذا هو المبرر الخامس، أن الحياة أصلاً لا يعيش فيها إلا الرجل الجاد، تأمل في تاريخ الدول والأمم ترى الأمة التي سادت وكونت حضارة لا بد أن تكون أمة جادة، لا بد أن يملك أفرادها قدراً من الجدية يؤهلهم إلى أن يصلوا إلى هذه المنزلة وإلا لن يصنعوا شيئاً، وإلا سيكونوا كبني قومنا من المسلمين الذين تتاح أمامهم الموارد الكثيرة: الموارد الاقتصادية، والموارد البشرية وكل الطاقات والإمكانات متاحة للمسلمين، لكنك تجد أنه يغلب عليهم الكسل والتواني ودنو الهمة، ومن ثم فاقهم وسبقهم غيرهم، أنت لا ترى شعباً حقق انتصاراً وحقق إنجازاً أياً كان هذا الإنجاز، إنجازاً مادياً، إنجازاً عسكرياً، إنجازاً في نظم الحياة إلا وترى وراء ذلك رجالاً جادين أياً كان أولئك الرجال، صاحب الدنيا والمال إنه رجل جاد لا يمكن أن يحصل المال ويكسب ويربح إلا ذاك الرجل الجاد الذي يفرغ حياته ووقته لكسب هذا المال والاحتيال عليه بأي وسيلة وأي طريقة بغض النظر عن سلامة طرقه وعن سلامة منهجه، لكنه رجل لم يحصل ما حصل إلا بالجد، إنك حين تتأمل في هذه الحياة ترى أنه لا يمكن أن يحقق امرؤ نجاحاً إلا من خلال الجد والعمل.

    فالمؤسسة التي تريد أن تحقق نجاحاً لا بد أن تكون مؤسسة جادة، الفرد الذي يريد أن يحقق النجاح في حياته الخاصة في دراسته، في تعلمه، في أي شأن من شئون الحياة لا بد أن يكون رجلاً جاداً.

    الأمة والدولة لا يمكن أن تنجح ولا يمكن أن تحقق الإنجازات إلا عندما تكون جادة، تعمل أكثر مما تتكلم، تحمل رجالاً صادقين جادين عاملين أكثر من مجرد مهرجين وأناس يجيدون فن النفاق والحديث، ومن هنا فعندما تتأمل في التاريخ القديم والحديث ترى أن هذا سر من أسرار نجاح الجميع.

    جهاد وجهاد لا قتال فيه

    الأمر السادس: جهاد وجهاد لا قتال فيه، تقول عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: (نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) هنا عائشة تقول: نرى الجهاد أفضل الأعمال، هذا الجهاد هو أفضل الأعمال، وهو الذي لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل يعدل الجهاد في سبيل الله. قال: لا تطيقونه فعندما ألحوا عليه، قال: (هل تطيق إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر، وتصلي فلا تنام؟ قال: من يطيق ذلك؟ قال: لا يعدل الجهاد شيء)، هذا الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقد يطيب لنا أن نسمع الحديث عن الجهاد وعن البطولات، نقرأ في الكتب، نسمع الروايات عن البطولات مع الجهاد، ويستلقي الإنسان على فراشه ويمني نفسه بالجهاد لكنه ينسى أن الجهاد يعني: قعقعة السلاح، الجهاد يعني: الخوف، يعني: الرعب، يعني: مواجهة العدو، يعني: مواجهة الأخطار كلها، يعني: أن يواجه الحرب والبرد والخوف والهلع والجوع والظمأ والعطش، يعني: أن يواجه كل ما يواجهه الإنسان من مصائب في هذه الحياة، هذا الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين، والذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، أليس يعطينا دلالة أن الأصل في حياة المسلمين هي الحياة الجادة؟ أليس يعطينا دلالة أننا بحاجة إلى أن نربي الرجال الذين يتهيئون لهذه المواقف.

    أما الإنسان الذي يفزع بمجرد أي موقف، الذي يخاف ويذعر من مجرد أي صيحة، الإنسان الذي ليس لديه أي استعداد أن يتحمل الجوع والعطش والحر والبرد لا يتحمل هذه الأمور ليس مؤهلاً أن يعيش في الحياة فضلاً أن يكون مؤهلاً لأن يجاهد.

    ثم جهاد لا قتال فيه الحج، الحج الذي يعنيه النبي صلى الله عليه وسلم ليس الحج الذي يحصل الآن، والذي تتنافس فيه مؤسسات الحج في تقديم وسائل الراحة، يبعد مخيمنا عن الجمرات 100 متر فقط، أو 40 متر فقط، لدينا معجون أسنان، لدينا مشروبات على مدار الساعة إلى غير ذلك، ليس هذا هو الحج الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلكم جميعاً أدركتم الحج الذي فعلاً فيه المشقة والتعب والنصب، هذا الحج الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه جهاد لا قتال فيه، هذه صورة من الأعمال فعلاً والعبادات التي يجب أن يكون المسلم متهيئاً لها، فهذا الجهاد يجب على كل المسلمين أن يحدثوا أنفسهم به، الحج فرض على كل مسلم أن يؤديه مرة في العمر، هذا الحج الذي كان يركب فيه المسلم راحلته وكان يتعب وينصب إلى وقت قريب جداً أدركناه جميعاً، كنا نعرف أن الحج هو عنوان المشقة والتعب؛ ولهذا عندما يقال: فلان مريض فيسأل: ما به؟ يقال: قدم من الحج، لا يستغرب الناس؛ لأن الأصل أن الذي يقدم من الحج أن يصاب بالمرض أو على الأقل التعب والإرهاق.

    الفتن

    سابعاً: الفتن، فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن تحاصر المرء في مجتمعاتنا الإسلامية لا يصمد أمامها إلا الرجل الجاد، الرجل الذي تربى تربية جادة، وقد سبق الحديث عنها في الدرس الماضي.

    كيف ساد الرجال

    ثامناً: كيف ساد الرجال؟ حين نقرأ في سير السلف، نرى أمراً عجباً كيف كان أولئك يتربون التربية الجادة؟ كيف كان أولئك ينظرون إلى الحياة، يقول عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه: سمعت أبي يقول: كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس أو يصبحوا، وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي عياش وغيره، الإمام أحمد يريد أن يخرج إلى الدرس قبل أن يؤذن الفجر فتأخذ أمه بثيابه رحمة به وشفقة عليه حتى يؤذن الناس، والآن عندما تطلب من أحد الشباب موعداً بعد الفجر، أو الساعة السابعة يقول لك: يا أخي صعب. يعني: ما نستطيع نرتاح قليل، إلى غير ذلك من أساليب الاعتذار التي تنم فعلاً عن تخلف الجدية.

    ابن أبي حاتم يقول: كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ ونقابل، فأتينا يوماً أنا ورفيق لي شيخاً فقالوا: هو عليل، أيك وجدوا فرصة ليأكلوا طعاماً دسماً، لما أتوا للشيخ ووجدوه مريضاً، قال: فرأيت سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا فلم تزل السمكة ثلاثة أيام وكادت أن تنتن فأكلناها نيئة، لم نتفرغ لنشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.

    والآن عندما تقدم للشباب وجبة غير مناسبة لهم تسمع الحديث والكلام: وجبة جافة.. إلى غير ذلك من التمعر والحديث، فليس عنده استعداد أن يتحمل أن يجوع يوماً من الأيام أو على الأقل أن يشبع، لكنه من طعام لا يشتهيه، أولئك الرجال إذا كنا جادين نريد أن نتربى مثل أولئك الرجال، فلنقرأ في سيرهم ونعرف كيف كانوا؟

    كيف انتصرت الدعوات

    تاسعاً: كيف انتصرت الدعوات، نحن نحلم أن نرفع راية الإسلام، نحلم أن نرفع الغشاوة عن هذه الأمة، أن ننصر الإسلام، ونتخيل أننا بهذه النفوس المريضة وهذه التربية الهزيلة نستطيع أن ننتصر، لعلنا قرأنا جميعاً غزوة أحد، قرأنا غزوة الخندق، جيش العسرة، قرأنا النماذج وقرأنا سير الدعاة والمصلحين والمجددين مما يضيق الوقت عن عرض الأمثلة منه فرأينا كيف انتصرت الدعوات، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]، نحن بين خيارين إن كنا نريد أن نحقق النصر، إن كنا نريد أن ننصر هذه الدعوة فلنعلم أن الطريق شاق، طريق يحتاج إلى رجال، يتربون تربية جادة، تربية حازمة، وإن كنا نريد أن نسير الهوينا فعلينا أن نعلم أن الثريا أقرب إلينا مما نريد.

    أول الأربعة

    عاشراً: أول الأربعة، استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم: (من علم لا ينفع) في أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم ، وما رواه أحمد وابن حبان والحاكم عن أنس ، وما رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمر ، وما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة ، وما رواه النسائي أيضاً عن أنس ، كل هذه الأحاديث يستعيذ فيها النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، وفي بعضها يقول: (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع).

    ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً: (سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع) رواه ابن ماجة وابن حبان من حديث جابر .

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (علم لا ينفع ككنز لا ينفق منه) إذاً فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من العلم الذي لا ينفع، وعندما تقرأ في كتب آداب العالم والمتعلم تجد أن السلف يحذرون من الانشغال بالعلم الذي لا ينفع، ماذا يعني هذا؟ أليس يعني: الجدية؟ أليس يعني: أن يكون المرء جاداً، حتى طلب العلم، حتى تعلم العلم، لا يسأل ولا يتعلم إلا ما ينفعه، لقد عاتب الله سبحانه وتعالى عباده، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189].

    سأل الناس عن الهلال ما باله يبدو صغيراً ثم يكبر؟ فأجابهم الله بغير سؤالهم: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] بما ينفعهم، ثم قال: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [البقرة:189].

    قيل في تأويل هذه الآية: إن معنى هذه الآية أن سؤالكم عما لا ينفع إنما هو إتيان للبيوت من ظهورها، فأتوا البيوت من أبوابها، ائتوا العلم من الطرق الموصلة إليه، واسألوا عما ينفعكم.

    1.   

    ثمار التربية الجادة

    النقطة الثانية ثمار التربية الجادة: قد أكون أطلت كثيراً في النقطة الأولى واستغرقت وقتاً طويلاً؛ لأنها نقطة مهمة؛ لأنها تعطينا القناعة فعلاً بالحاجة والضرورة الملحة إلى التربية الجادة، ماذا تنتج التربية الجادة؟

    العمل المستمر المثمر

    التربية الجادة تنتج أولاً العمل المستمر المثمر، إن الذي تربى تربية جادة هو ذاك الرجل الذي يعمل عملاً مستمراً مثمراً، قد تجد الكثير من الناس عنده استعداد أن يعمل ويضحي ويتعب ويعمل عملاً يتطلب منه تضحية، لكنه عمل متقطع، أما الإنسان الذي يتحمل عملاً يحتاج إلى برنامج طويل، ووقت طويل، ونفس طويل، هؤلاء عملة نافعة، ولا يتحمل هذا العمل إلا من تربى، ومن تربى تربية جادة، يسهل جداً أن الإنسان يتحمس فيكون عنده مبادرة ويعمل أعمالاً ضخمة وكبيرة جداً لكنها أعمال متقطعة سرعان ما يتركها.

    أما الإنسان الذي يتحمل عملاً يتطلب وقتاً طويلاً وبرنامجاً فهؤلاء قلة، هؤلاء الذين تربوا تربية جادة هم الذين عندهم استعداد ليتحملوا؛ فإنه تأتي عليه حالات ضعف وحالات قوة وحالات.. وتأتي صوارف وتأتي، فعندما يكون تربى تربية جادة صار أمامه طريق واضحة وهدف يسعى إليه، لكن إنسان ممكن يستجمع له حماس ويعمل له عمل ثم يفتر، لأنه لم يترب فعلاً تربية حقيقية وتربية جادة؛ فهو لا يشعر أن هذا الطريق أمامه إلى أن يموت.

    الجدية في التعامل مع الوقت

    كذلك من ثمار التربية الجادة: الجدية في التعامل مع الوقت، أن يكون المرء جاداً في تعامله مع وقته، في تحكمه في وقته، في استغلاله لوقته، انضباطه في مواعيده، تنظيمه لأوقات الراحة، لا يمكن أن يكون الإنسان جاداً في ذلك إلا الرجل الذي أمامه هدف جاد، لكن الإنسان الذي أموره عنده سهلة، الذي أموره عنده هينة ليس بحاجة أصلاً إلى أن ينظم وقته ولا إلى أن يستغل وقته.

    الجدية في الاهتمامات

    الثمرة الثالثة: الجدية في الاهتمامات، الرجل الذي تربى تربية جادة اهتماماته عالية، واهتماماته طموحة، ومن ثم لا يجد وقتاً للأمور الدونية، حتى عندما تقرأ في تراجم بعض أهل الحديث يقول أحدهم: بقي شهراً لا يجد وقتاً يغسل ثوبه.

    أحدهم نصح أحد تلامذته نصيحة طريفة قال له: اطل ثوبك بطلاء أسود حتى لا تنظر بعد ذلك إلى ما يصيبه من قذر وأذى. وهذه الصورة لا نطلبها لكنها على الأقل صورة تعطينا من اهتمام أولئك الرجال الجادين الذين هم أصحاب اهتمامات عالية؛ ولهذا تجدون مثلاً أنا نحن نفوق في العناية بالكماليات، العناية بالمظاهر، فمثلاً عندما يأتي الإنسان يقرأ كتاباً يكلمك عن الإخراج والطباعة وشكل الإخراج وغيره، وعندما يقيم عملاً معيناً تجده يعتني بالمظاهر، نعتني بالأشياء هذه ونوليها جهداً وعناية وتستغرق علينا وقتاً. أنا أقول: هذا مظهر من مظاهر سذاجة الاهتمامات، ومن مظاهر عدم الجدية؛ لأن الرجل الجاد أصلاً منصرف إلى هدف أساس، يعني: القضايا هذه ما يهتم بها، إذا تحققت أهلاً وسهلاً، وإذا ما تحققت ما عنده وقت أصلاً أن يهتم بها، ومن ثم فالرجل الجاد تجده صاحب اهتمامات عالية واهتمامات جادة، وتستطيع أنت أن تقيس المرء من خلال اهتماماته.

    الاقتصاد في المزاح والهزل

    الثمرة الرابعة: الاقتصاد في المزاح والهزل؛ فإن كثرة المزاح والهزل مظهر أيضاً من مظاهر عدم الجدية.

    تحمل البرامج الجادة

    الثمرة الخامسة: تحمل البرامج الجادة، فمثلاً: عندما يكون هناك درس عملي يطول لمدة ساعة، أو ساعة ونصف تجد البعض يبدأ يغير جلسته، يبدأ يتنحنح وينظر للساعة، يريد أن يستأذن، كأن هناك جبلاً سوف يسقط عليه، فتجده يحاول إذا كان المتحدث معه رءوس أقلام أن ينظر ماذا بقي من الموضوع، المهم أنه قد أصبح هذا الموضوع ثقيلاً عليه وهماً عليه، وعندما يذهب في سفر أو في رحلة جادة يجد فيها شظف العيش، تجده ينتظر العودة، لكن الرجل الذي تربى تربية جادة لا يتحمل كل هذه الأمور، يتحمل البرامج الجادة كما سيأتي الآن بعد قليل من نماذج من سير السلف.

    تحمل المسئوليات

    الثمرة السادسة: تحمل المسئوليات، المسئوليات لا يتحملها إلا الرجل الجاد؛ لأنه يعرف تبعاته، ويعرف ما يترتب عليها ويعرف أنه لا بد أن يتحملها؛ لأن هذا عمل ومسئولية وأمر يجب أن نبادر جميعاً إلى تحمله وإلى التسابق عليه؛ لأن هذه قضية دين وقضية مستقبل أمة، ليست قضية مجرد التخلي عن المسئوليات والتبعات.

    النقد العلمي الجاد

    الثمرة السابعة: النقد العملي الجاد: الرجل الذي يتربى تربية جادة عندما ينتقد انتقاداً جاداً، ما ينتقد انتقاداً هازلاً، فإنه يسهل أن يجلس الإنسان في المجلس وينتقد الناس، فيقول: فلان مشكلته أن أسلوبه ضعيف، فلان مشكلته أنه يتحمس في هذه القضية، فلان مشكلته كذا، وينتقد البرامج وينتقد الناس وينتقد الدعوات، وقد ينتقد انتقاداً صحيحاً، لكن هذا انتقاد غير عملي.

    أما الرجل الجاد فعندما ينتقد ينتقد انتقاداً عملياً مثمراً، فهو عندما ينتقد يبلغ هذا الانتقاد إلى من يراه، فمثلاً: أنا أعرف أن فلاناً قد لا يطيق إلا هذا المستوى، وأن هذا العمل غاية ما يصل إليه هذه المرحلة فقط، فلا داعي لكي أزعجه بالانتقاد والنقد؛ لأني إنسان عملي؛ وإنسان جاد، فعادة الإنسان كثير الانتقاد والذي ينتقد الناس جميعاً يكون غير عامل وغير جاد، أما الرجل الجاد فهو ينتقد، لكنه ينتقد انتقاداً عملياً، وهو يعرف كيف ينتقد.

    المبادرة الذاتية

    الثمرة الثامنة: المبادرة الذاتية: الرجل الجاد لا ينتظر التكليف، بل يبادر، ويفكر، ويعمل، يكون صاحب مبادرة ذاتية، لا يتنظر أن يكلف ويوجه.

    1.   

    صور من نتائج التربية الجادة

    النقطة الثالثة: صور من نتائج التربية الجادة:

    لا يتبعني أحد من هؤلاء

    لا يتبعني أحد من هؤلاء، يحكي لنا النبي صلى الله عليه وسلم قصة في الصحيحين: عن يوشع بن نون أنه عندما أراد أن يغزو ببني إسرائيل القوم الجبارين خطب فيهم فقال: (لا يتبعني منكم رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها) يعني: إنسان خطب وتزوج وعقد ولم يدخل بامرأته، (ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينظر ولادها) ثم ذكر الحديث، فلما وصل قريباً من العصر وسيصبح على يوم السبت قال للشمس: (أنت مأمورة وأنا مأمور) فحبس الله له الشمس حتى فتح الله له القرية.

    إنه رجل فعلاً ربى أصحابه تربية جادة، فليس لديه مجال للذي يذهب للغزو وهو يفكر في زوجته، أو يفكر في البيت والأغنام والإبل والماشية، في التجارة، في المؤسسات، فهذا ليس له مكان، فهو يريد رجلاً جاداً فعلاً، ولذلك فتح الله على أيديهم.

    فمن شرب منه فليس مني

    صورة ثانية أيضاً من نتائج التربية الجادة: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي [البقرة:249]. وهي القصة التي نقرأها جميعاً في سورة البقرة: قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249] جيش يسيرون ويصيبهم الضمأ ومع ذلك أمامهم النهر، من شرب منه فليس منه، إلا من اغترف غرفة بيده، لأنه لا يريد إلا رجلاً جاداً، فالإنسان الذي لا يصبر، ولا يتحمل، ليس له مكان معه.

    لو سرت بنا إلى برك الغماد

    صورة أيضاً: لو سرت بنا إلى برك الغماد. وهي تلك الصورة التي نقرأها في غزوة بدر حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فتنوعت مقولاتهم، فمنهم من قال: لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد. وآخر: لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا وراءك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. إلى غير ذلك من تلك العبارات القوية التي نقرأها في سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين تربوا التربية الجادة.

    والله لا يخزيك الله أبداً

    والله لا يخزيك الله أبداً، تلك الكلمة العظيمة التي قالتها خديجة ، المرأة الجادة فعلاً عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (دثروني دثروني) وقد ثقل عليه أمر الوحي وقال: (خشيت على نفسي)، واجه امرأة جادة، قالت: (والله لا يخزيك الله أبدا) فطمأنته ثم انتقلت إلى ورقة وسألت ورقة وحكت له ذلك، ثم أخذت النبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة وقالت: اسمع من ابن أخي. وصارت معه صلى الله عليه وسلم، حتى قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: (بشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب)، وقد ذكروا معنى لطيفاً في لا صخب ولا نصب فقالوا: لا صخب؛ لأنها لم ترفع صوتها يوماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا نصب؛ لأنها تعبت في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم. من قصب؛ لأنها حازت قصب السبق في التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم ومناصرته، إنها صورة أيضاً من المرأة الجادة العاملة فعلاً.

    لقد وجدناها حين فنيت

    لقد وجدناها حين فنيت: قصة نقرأها جميعاً في السيرة وهي في الصحيحين من حديث جابر ، سرية الخبط عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثاً قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم 300، قال: فخرجنا وكنا ببعض الطريق ففني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمعت، ثم صار يقوتهم، فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، ومع ذلك واجهوا عدوهم، فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟ قال: لقد وجدناها حين فنيت.

    وعلى الثلاثة الذين خلفوا

    نموذج آخر: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118]، لقد سار النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في جيش العسرة، لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:117-118]، وماذا أصاب الثلاثة الذين خلفوا حين تخلفوا عن هذه الغزوة؟ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهجروا، فلم يكلمهم المسلمون شهراً كاملاً، وبعد الشهر أمرهم أن يعتزلوا أزواجهم، إنها صورة من التربية الجادة، لماذا؟ لأنهم تخلفوا عن غزوة من الغزوات.

    مسيرة خالد بن الوليد من العراق إلى الشام

    صورة أخرى أيضاً: خالد بن الوليد رضي الله عنه كان في العراق واستنجد المسلمون الذين كانوا في الشام أبا بكر رضي الله عنه، فأمر خالداً أن يسير إليهم، فسار خالد رضي الله عنه بأصحابه مسرعاً في 9500، ودليله رافع بن عميرة الطائي ، فأخذ به حتى انتهى إلى قراقر وسلك به أراض لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار وقطع الأودية وتصعد على الجبال، وسار في غير مهيع أي: في غير طريق بين، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق، وهو في مفاوز معطشة، وعطش النوق وسقاها الماء عللاً بعد نهل يعني: شربة ثانية، والنهل أول الشراب، يعني: يسقيها تارة ويتركها تارة، وقطع مشافرها حتى لا تحتز رحل أدبارها واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال: بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء وأكلوا لحومها، ووصل ولله الحمد والمنة في 5 أيام، وكانت طريقه في صحراء قاحلة، حتى أشار عليه كثير من الناس أن لا يقطعها.

    إنها صورة من تلك التربية الجادة التي تتخذ القرار الحاسم في ذاك الموقف، ولم يكن خالد وحده بل كان الجيش معه كلهم على هذا المستوى، وإلا لقالوا له كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.

    طلب أسد بن الفرات للعلم

    ومن هذه النماذج أيضاً أسد بن الفرات حينما جاء إلى الإمام مالك فتعلم عنده ثم رحل إلى محمد بن الحسن فطلب أن يعطيه درساً خاصاً فكان يدرس مع الطلاب في النهار ثم يأتي إلى محمد بن الحسن في الليل فيدرس عنده، فكان إذا أتاه النوم وهو في الدرس أخذ محمد بن الحسن ماء فينضح في وجهه، فكان يجاهد ويكابد السهر حتى أصاب علماً كثيراً.

    هل وجد لهم وقتاً؟

    هل وجد لهم وقتاً؟ قال أبو حاتم عن القعنبي : سألناه أن يقرأ علينا الموطأ. فقال: تعالوا بالغداة يعني: بعد الفجر. فقلنا: لنا مجلس عند الحجاج بن منهال . قال: فإذا فرغتم منه. قلنا: نأتي حينئذ مسلم بن إبراهيم ، قال: فإذا فرغتم. قلنا: نأتي أبا حذيفة النهدي . قال: فبعد العصر، قلنا: نأتي عارماً أبا النعمان . قال: فبعد المغرب. فكان يأتينا بالليل فيخرج علينا وعليه كبل ما تحته شيء في الصيف، فكان يقرأ علينا في الحر الشديد حينئذ.

    فكان هذا الوقت في الصيف، وما كان هناك مكيفات ولا أجهزة تبريد، وكانوا يجلسون في الضحى في شدة الحر، وبعد الفجر درس ثم بعده درس ثم بعده درس ثم يقيلون، ثم بعد العصر درس ثم بعد المغرب بعد ذلك درس في شدة الحر، كلها دروس متلاحقة ومتواصلة.

    1.   

    حين تتخلف التربية الجادة

    اذهب أنت وربك فقاتلا

    والصورة المقابلة حين تتخلف التربية الجادة، (اذهب أنت وربك فقاتلا) كان موسى مع بني إسرائيل، بعد أن عانى ما عانى منهم قال لهم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، هذه الأرض المقدسة وقد كتب الله لكم، ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:21-22]، يعني: إذا خرج القوم الجبارون عندنا استعداد أن ندخل، لكن حتى هذه فيها شك، فقد لا يدخلوا، قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ [المائدة:23]، يعني: القضية ما تحتاج شيء، مجرد أن تدخلوا الباب، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا [المائدة:24]، ولن تفيد النفي التأبيدي عند الزمخشري ، وهي عند بني إسرائيل تفيد التأبيد، وإذا كان هناك معنى آخر أقوى من التأبيد فهو عندهم، لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] هذا نموذج، وهذه النهاية التي يصل إليها من لم يترب التربية الجادة، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25-26].

    ثم دخلوها لما عاشوا في الصحراء أربعين سنة وهلك هذا الجيل وجاء أبناؤهم بعد ذلك، وعاشوا على الشظف والمعيشة القاسية، وأتاهم يوشع بن نون وقال: (لا يتبعني أحد بنى داراً وينتظر أن يتم سقوفها)، فخرج إليه القوم الجادون فاستطاع أن ينتصر بهم.

    تولوا إلا قليلاً منهم

    يقول الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النساء:77] أولئك كانوا يقولون: لو كتب علينا القتال، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:246].

    إذاً فحين لا يتربى المرء تربية جادة قد يتمنى الجهاد، وقد يكون عنده تصور أنه يثبت عند المحن، لكن عندما تأتي المحن قد يكون ممن قال الله فيهم: تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:246].

    التواضع المصطنع

    نتيجة ثالثة لتخلف التربية الجادة: التواضع المصطنع: الكثير من الناس لما تطلب منه إلقاء محاضرة، أو كلمة، أو مساهمة في عمل، يقول لك: والله يا أخي الكريم أنا أشعر أني لست أهلاً لذلك، وهو يعرف أنه أكثر الناس أهلية لذلك، بعض الناس قد يقولها تواضعاً، لكن الكثير يقولها تهرباً من المسئولية، وأنا أعتبر الإنسان الذي يعرف أنه أكفأ هذه المجموعة ويترك عملاً يعرف أنه إذا تخلى عنه سيقوم به من هو دونه أن هذا رجل غير جاد في الواقع، وليس هذا هو التواضع أبداً، وإلا إذا كان رجلاً جاداً فيستعين بالله سبحانه وتعالى ويتحمل العمل ويعرف أن الله سبحانه وتعالى سيعينه حينما لا يسأل الإمارة.

    اقتراح جميل

    اقتراح جميل: تتحدث مع الناس، تطرح عليهم أفكار، مشاريع جبارة تحتاج إلى إنفاق، تحتاج إلى جهد، فتجد بعضهم يقول لك: هذا اقتراح رائع ومشروع جميل جداً، طيب من عنده استعداد أن يتحمل العمل؟ من عنده استعداد أن يقوم بالعمل؟ فتجد الجواب: أنا مشغول، أنا لا أصلح، أنا غير مؤهل، فهذا نموذج من نماذج التربية غير الجادة، تجد عندنا استعداد لكي نؤيد ونقترح لكن العمل لا.

    أوقات الراحة

    كيف نتعامل مع أوقات الراحة؟

    مثلاً طلبة العلم، يجلسون فيقرءون في كتاب أو في جلسة علمية أو درس علمي أو نقاش فكري جاد ثم بعد ذلك يأتي وقت الراحة فتجد وقت الراحة كله ضحك وهزل وكلام غير مفيد، يكونون في السيارة كذلك، صار وقتهم وقتاً غير جاد، الوقت الجاد عندهم فقط هو الوقت الذي يكون في محاضرة أو في درس أو في قراءة معينة، وسائر الأوقات أوقات غير جادة.

    مثل هذا التعامل مع أوقات الراحة صورة أيضاً من صور التربية غير الجادة، الإنسان الجاد يسيطر عليه هذا الهم، فتجده وهو يتحدث وهو يأكل، وهو يمشي، دائماً يتحدث في هذه الأمور الجادة.

    1.   

    التربية الجادة والمفاهيم المغلوطة

    ساعة وساعة

    نقطة أخرى: التربية الجادة والمفاهيم المغلوطة: ساعة وساعة، عندما تتحدث عن التربية الجادة يقول لك: ساعة وساعة، لكن في الواقع أن منطقنا ليس ساعة وساعة، فلا تجد وقت الترفيه يوازي الوقت الذي يستفيد منه، أيضاً خارج هذا الوقت الوقت الذي يتحدث فيه الأوقات الأخرى كلها أيضاً داخلة في وقت الترفيه، فعندما تأخذ الوقت الذي تستفيد منه وتنسبه إلى ساعات اليوم أنه لا يساوي شيئاً، وحينما نحتج بهذا النص يجب أن نأخذ المناسبة التي قيل فيها هذا النص عندما جاء حنظلة يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... الحديث الذي تعرفونه.

    أيضاً الذين رووا لنا حديث: (ساعة وساعة) كيف كانوا يعيشون؟ كانوا يعيشون كما حكينا لكم قبل قليل.

    حدث الناس كل جمعة

    صورة ثانية أو مفهوم ثاني أيضاً: حدث الناس كل جمعة، يحتجون مثلاً بما قاله ابن مسعود لـمسروق : حدث الناس كل جمعة ولا تملهم، (وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا)، يجب أن نفرق بين الحديث لعامة الناس ووعظ عامة الناس وبين الجيل الذي يتربى، فالجيل الذي يتربى يجب أن يكون مثل أبي حاتم ، عنده درس بعد الفجر ودرس في الضحى ودرس بعده ودرس بعده ودرس في العصر ودرس في المغرب، أو يكون مثل الذي لم يجد وقتاً ليشوي السمكة التي عنده، هذا هو الجيل الذي قد تربى، الجيل الذي يحمل الرسالة، الجيل الذي يحمل العلم ويحصل العلم. إذاً فتحديث الناس كل جمعة والتخول بموعظة هذا خطاب لعامة الناس، أما أن يكون الإنسان الذي يريد أن يربي نفسه ولا يتعلم فلا، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح نقرأ سيرهم في العلم والتحمل والرحلة فيه نرى أنها صورة أخرى غير تلك الصورة الخاطئة التي تصورت في أذهاننا.

    لكن الناس لا يستحملون

    ثالثاً: لكن الناس لا يستحملون. يعني: بعض الناس يقول لك: الكلام الذي تقوله كله صحيح، لكن يا أخي الشباب ما يتحملون، وحرام عليك أن تنفر الناس ... إلى غير ذلك؛ ولهذا تبدأ برامجنا هزيلة هزيلة هزيلة، لماذا؟ حتى نجمع الناس، حتى نجمع الغثاء، هذه النهاية التي نصل إليها، يا أخي هذا شاب انتقل من الشارع إلى حياة الاستقامة والالتزام، كان في الشارع فوضوياً لا يعرف استئذاناً، ولا يعرف انضباطاً، ولا يعرف أدباً، لا يعرف إلا الكلمة القبيحة، رجل كان يعيش حياة تختلف كلياً، عندما استقام والتزم انتقل نقلة هائلة جداً في مظهره، في عبادته، في اهتماماته، في منطقه، طيب نحن نريد أن ننقله نقلة أخرى جادة، المسافة الآن أيهما أبعد: المسافة بين هذه النقلة بين واقعنا الذي هو عليه الآن والصورة الجادة التي نريد أو المسافة بين النقلة الذي كان عليها في الشارع وتلك الصورة؟

    لقد انتقل نقلة هائلة من الشارع إلى حياة الاستقامة والخير والصلاح، إذاً فهو مؤهل، هذا الذي انتقل هذه النقلة عنده استعداد أن ينتقل، وأن يكون جاداً أيضاً، لكن متى؟ عندما يتربى. أعطيكم صورة:

    مصعب بن عمير كان شاباً مترفاً منعماً فتياً يشم العطر منه عندما يمر في السوق، ومع ذلك عندما أسلم وتابع النبي صلى الله عليه وسلم عاش حياة الشظف فهاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة وتغرب وصار به ما صار إلى أن قتل في غزوة أحد وما وجدوا عنده شيئاً إلا بردة واحدة فقط، إذا غطوا بها رأسه بدت قدماه، وإذا غطوا قدميه بدا رأسه. فمع احترامي لك ولأصحابك من الذي يكون أكثر ترفاً من مصعب بن عمير ؟ وأيضاً لا نريدهم أن يصلوا إلى حالة مصعب بن عمير ، فأقول: الذي جعل مصعب بن عمير وهو بشر ينتقل هذه النقلة الهائلة يمكن أيضاً أن يجعل هؤلاء ينتقلون نقلة دونها بكثير.

    أقول: لا يسوغ أن نجعل وضعنا مقياساً، ونقول: لابد أن نحفظ برامجنا حتى تكون هزيلة، ويتخرج لنا جيل هزيل، ليس عنده استعداد أن يتحمل أي شيء، ولا يمكن أن يطلب منه موقف، ولا يمكن أن يصمد أمام أي فتنة، سواء كانت من فتنة الشبهات أو فتنة الشهوات.

    الرجل الطريف

    من المفاهيم المغلوطة الرجل الطريف: فقد يكون الإنسان طريفاً وصاحب نكتة، وقد نتساءل كيف يكون هذا جاداً؟ فنقول: قد يكون إنسان طريفاً ومع ذلك يكون رجلاً جاداً، وسأضرب لكم صورة من صور بعض السلف فمن مشاهير السلف في الطرافة: الأعمش والشعبي ، الأعمش كان عنده رجل فسأله وقال: كيف بت البارحة؟ فدخل منزله وأخذ وسادة فوضعها ثم استلقى وقال: بت هكذا. وذات يوم كان عنده ضيوف فأحضر لهم رغيفين فأكلوها كلها، فدخل المنزل وأحضر حزمة قت -يعني: برسيم- وقدمه لهم وقال: أكلتم طعامي وطعام أولادي وبقي طعام شاتي.

    وكان الأعمش واقفاً عند النهر فأتاه جندي متكبر مغرور يريد منه أن يعبر به النهر فصعد على ظهره وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، فما كان من الأعمش إلا أن سار به فلما توسط النهر رماه وقال: رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين.

    هذه صور الآن من ذاك الرجل الطريف الأعمش رحمه الله فكيف كان جاداً؟ كان يقال عنه رحمه الله: ما خلف الأعمش أعبد منه، وكان يعرض القرآن فيمسكون عليه المصاحف فلا يخطئ في حرف واحد، إضافة إلى أنه إمام من الأئمة، فتلك الطرافة التي كانت لديه لم تكن تشغله عن أن يكون رجلاً جاداً عاملاً عالماً.

    وكذلك الشعبي أيضاً هو الآخر جاءه رجل مغفل وهو واقف هو وامرأته فقال: أيكم الشعبي ؟ فقال: هذه، وسأله رجل: ما اسم زوجة الشيطان؟ قال: إني لم أحضر العرس.

    المهم أن الشعبي هو الآخر كان طريفاً، لكنه كان يقول عنه مكحول : ما رأيت أحداً أعلم من الشعبي . ويقول هو عن نفسه: ما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا وقضيت عنه، ولا ضربت مملوكاً لي قط، ولا حللت حبوة إلى شيء مما ينظر إليه الناس. وهو إمام من الأئمة في الحفظ، كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء قط، وما حدثني رجل بحديث فاحتجت أن يعيده، وأقل ما أحفظ الشعر، ولو شئت أنشدكم شهراً دون أن أعيد بيتاً واحداً.

    إذاً قد يكون الرجل رجلاً طريفاً وصاحب دعابة لكنه أيضاً رجل عملي، ورجل جاد، فعلاً يعمل وينتج ويكون مثل أولئك، لكن يتخفف من مثل هذه الطرافة، أو تكون هذه الطرافة والدعابة في غير مواطن الجد.

    1.   

    مقترحات للنقلة إلى التربية الجادة

    بعد كل ما عرضنا نعرض بعض المقترحات ووسائل العلاج التي نرى أننا بحاجة إليها حتى ننتقل إلى التربية الجادة.

    الاقتناع والتخلص من العوائق

    أولاً: الاقتناع والتخلص من العوائق، وهذا هو نصف الطريق، فعندما نقتنع بأننا بحاجة إلى التربية الجادة وأننا نستطيع أن نربي أنفسنا وأن نربي أبناءنا وأن نربي جيلنا تربية جادة، ونتخلص من تلك العوائق التي كثيراً ما نتعلل بها.

    القدوة الحسنة

    الأمر الثاني: القدوة الحسنة، إن الأب الذي يطلب من ابنه أن يحافظ على وقته ثم يكون هو مفرطاً في وقته لا يمكن أبداً أن يربي ابنه تربية جادة، الأب الذي يحث ابنه على طلب العلم ثم يقصر هو لا يمكن أبداً أن يكون قدوة لابنه، الأستاذ الذي يضيع الوقت في الفصل في الأحاديث الجانبية وفي الأحاديث غير المفيدة ثم يطالب الطلاب أن يعتنوا بأوقاتهم لا يمكن أبداً أن يكون قدوة حسنة، الأستاذ غير الجاد، الأب غير الجاد، الموجه غير الجاد، المربي غير الجاد لن يخرج إلا أمثاله.

    إذاً فيجب أن نكون قدوة صالحة، يكون المربي قدوة صالحة فعلاً في الجدية في كل جوانبها، فيدعو بعمله أكثر مما يدعو بقوله.

    الوسط الجاد

    الأمر الثالثة: الوسط الجاد: أن نسعى إلى وسط جاد فعلاً؛ لأن الكثير من الناس عنده قابلية أن يتشكل حسب الظروف، تأتيه مع أناس أصحاب هزل تجده من الأوائل في الهزل والضحك، يأتي مع ناس جادين تجده يكون جاداً؛ فإذا ساقته الظروف إلى قوم هازلين صار هازلاً، وساقته الظروف إلى قوم جادين فصار جاداً، إذاً عندما نهيئ الوسط الجاد والبيئة الجادة نستطيع أن نهيئ للشاب المحضن الذي يربيه التربية الجادة بعد ذلك.

    غير عتبة بابك

    الأمر الرابع: غير عتبة بابك، إبراهيم عليه السلام جاء يزور ابنه اسماعيل، فلما جاء وجد فسألها عنه ثم قال: كيف عيشكم؟ كيف طعامكم وشرابكم؟ فذكرت له سوءاً فقال: أبلغيه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، ثم لما جاء إسماعيل وسألها قال: أنت عتبة بابي وقد أمرني بطلاقك، فإبراهيم عليه السلام أحس أن هذه المرأة غير جادة، امرأة ما تتحمل الحياة هذه؛ ولهذا عندما سأل المرأة الثانية واكنت تعيش نفس المعيشة أثنت خيراً فقال: ثبت عتبة بابك.

    إذاً بعض العناصر أصلاً غير مؤهلة أن تصل إلى مستويات عالية؛ لهذا من العبث أن نحاول أن نرتفع بها، وكما كان يقول الأعمش رحمه الله لما قيل له: حدث أولئك، قال: لا يقلد الذهب الخنازير، أي: هناك أناس لا يستحقون العلم أصلاً، أي: غير جادين؛ فمثل هذا ينبغي أن لا يشغلنا ولا يكون عبئاً على غيره، فلا ينقل مثل هذا إلى الأوساط الجادة، يعني: هذا يمكن أن ننقله إلى مرحلة معينة لا يتجاوزها، أما الأوساط الجادة العالمة بالمراحل التي نريد فعلاً أن نعد فيها أناساً يتحملون مسئوليات يجب أن نبعد عنها أمثال هؤلاء وأن نغير عتبة الباب.

    على قدر أهل العزم تأتي العزائم

    خامساً: على قدر أهل العزم تأتي العزائم: إن ارتفاع البرامج التربوية أياً كانت هذه البرامج التربوية، سواء كانت مناهج دراسية أو خطباً تربوية، أو برامج إعلامية، البرامج التي يتربى من خلالها الجميع بالمفهوم الواسع والمفهوم العام للتربية يجب أن تكون هذه البرامج عميقة وبرامج قوية، عندما تكون هذه البرامج عميقة وقوية وبرامج حازمة ترفع عندنا مستوى الجدية عند الآخرين، وكلما هبطت هذه البرامج سيهبط مستوى الجدية، وسيكون أقل من مستواها أيضاً، فيطالبون بالهبوط فنستمر في هبوط مستمر والعكس إذا صعدت سيصعدون، وسيتطلعون إلى ما هو أفضل، وسوف ترتفع المستويات حتى نصل إلى المستويات العالية التي نريد.

    الأعمال بالخواتيم

    سادساً: الأعمال بالخواتيم: أن ننظر إلى نتاج التربية لا ننظر إلى العدد، قد تقول لي: عندي درس في المسجد أو حلقة قرآن أو برنامج يجمع فئة من الشباب، فعندما يكون البرنامج جاداً وحازماً قد لا يبقى عندي إلا (10)، لكن إذا كان برنامجاً مبحبحاً -على ما يقول الناس- وواسعاً قد يكون عندي (30)، وبالحسابات المادية (30) أكثر من (10)، لكن لا تنظر إلى هذا المقياس، بل انظر إلى النتائج، فمثلاً خلال خمس سنوات ماذا حققت، وصاحب الـ30 خلال خمس سنوات كم حقق، من ناحية العدد تجد أن الثلاثين هؤلاء يتنافرون أصلاً؛ لأنهم لم يتربوا تربية جادة، وعندما تأتي إلى صاحب العشرة هذا الرجل الجاد تجد أنه مثلاً يمكن أن نقول: إنه استطاع أنه يخرج مثلاً خلال 5سنوات خرج لنا 50 شخصاً، لكن صاحب 30 ما خرج لنا إلا 10، و10 المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، كلهم ضعاف، فأنا أجزم وأقول هذا الكلام عن قناعة: إن التربية الجادة على مدى أوسع تخرج حتى أكثر عدداً من التربية الهزيلة؛ لأن أصحاب التربية الهزيلة أصلاً لا يستمرون؛ لأنه لا يجد شيئاً مقنعاً بعد ذلك، ثم يتساقطون والعبرة بالخواتيم، وفكر وراجع التاريخ وتأمل ستجد هذه النتيجة، وعندما تكون عندنا هذه القناعة لا تأتينا هذه الإشكالات في الحسابات المادية والحسابات العددية.

    الرجل الجاد لا ينظر إلا للأمام

    وأخيراً الرجل الجاد لا ينظر إلا للأمام، يعني: افترض أنك اقتنعت أن تربيتك تحتاج إلى عنف وجدية، سواء تربيتك لنفسك أو تربيتك لأبنائك أو لطلابك أياً كنت متربياً أو مربياً، فليس هناك داع أن تجلس تتحسر على الماضي، فالرجل الجاد ليس عنده وقت أصلاً أن يتحسر على الماضي، الماضي مضى بما فيه نحن أبناء اليوم، واعتبر الماضي مرحلة سواء كانت خطأ أو لم تكن خطأ، فأهم شيء أن ننظر إلى الأمام، فالرجل الجاد هو الذي ينظر إلى الأمام ويبحث عن العمل المنتج.

    ولهذا فأنا أقول: إن المراحل التي قطعناها وكونت لنا هذا الجيل الطيب من الصحوة لم تكن خطأً، وأيضاً كانت مرحلة من المراحل قطعناها لا نريد أن نستمر نحن على هذه المرحلة، بل نريد أن نرتقي إلى مرحلة أعلى، فأيضاً من الإجحاف أن نقول: أن هذا خطأ، وأنا كنا نعمل في السابق على خطأ، لا، أنا أقول: نحن قطعنا مرحلة نحتاج بعد ذلك لأن ننتقل إلى مرحلة ثانية أعلى.

    1.   

    الأسئلة

    صور من التربية غير الجادة

    السؤال: إننا في هذا الزمن نجد بعض شباب الصحوة ليس لهم هم سوى متابعة الأناشيد والمخيمات الترفيهية، وتجدهم لا يفكرون تفكيراً جاداً للعمل للإسلام، سواء كان بدعوة أو طلب علم، فما نصيحتكم لأمثال هؤلاء؟

    الجواب: فعلاً كثير من الشباب تجده يحفظ من النشيد أكثر مما يحفظ من القرآن، ودائماً حياته سماع النشيد، هذه صورة من التربية الهزيلة، ولو كان هذا جاداً ما وجد وقتاً أصلاً أنه يسمع مثل هذا، وأنا لا أقول أنها محرمة، لكن الرجل الجاد عنده ما يشغله أصلاً.

    كذلك المخيمات التي تقدم للشباب طيبة وخيرة، لكن يجب أن نرتفع بها، فهي فرصة لأن يتربى هؤلاء الشباب من خلال هذه المحاضن، وهذه البرامج، فالمخيمات أو المراكز الصيفية أو الأنشطة المدرسية لا يكون الهدف منها الترفيه، ونغرق فيها في برامج ووسائل الترفيه حتى يخرج لنا هذا الجيل الغثاء.

    نفرة الشباب بالتربية الجادة

    السؤال: التربية الجادة ربما تنفر الشباب وتجعلهم يتركون العمل للدعوة إلى الله؟

    الجواب: هذا سبق أن أجبنا عليه، ويمكن أن نقول الآن أن التربية الجادة مراحل، فنحن نريد أن يتربى المجتمع كله تربية جادة لكن على مستوى معين، فهناك ناس يصلون إلى مستوى معين، وهناك آخرون إلى مستوى آخر، وليس بالضرورة أن نطالب الجميع بمستوى معين من التربية، ومستوى معين من الجدية، لكن أقول أنا: أنه عندما نتأمل الواقع نجد أننا متأخرون كثيراً، وأننا نضع الكثير من الناس دون مراحلهم التي يجب أن يصلوا إليها.

    التربية الجادة وحفظ القرآن

    السؤال: أليس من التربية الجادة اقتطاع شيء من البرنامج اليومي لحفظ كتاب الله والانتظام في حلقة لتحفيظ القرآن؟

    الجواب: لا شك أن من التربية الجادة أن يعتني الشاب بنفسه، ومن أهم ما ينبغي أن يعتني به حفظ القرآن الكريم، لكن كيف؟ يلتحق بحلقة .. يحفظ على شخص، هذا شأن آخر، المهم هو الهدف، أما الوسيلة فتختلف من شخص إلى آخر ومن ظرف إلى آخر.

    من جوانب التربية الجادة

    السؤال: نجد بعض الشباب يتحمس فيربي نفسه تربية جادة، فينقطع لطلب العلم فترة من الزمن، وبعد مدة نجده يفتر ويكسل، وإن لم ينتكس عن الطريق المستقيم، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

    الجواب: سبق أن قلنا يا إخوان في الدرس السابق أن التربية ليست هي طلب العلم وحده، بل هو جانب من جوانب التربية فالإنسان يحتاج إلى جوانب عديدة لتربية نفسه، والجانب العلمي جزء منه، فالإنسان الذي يتفرغ ليتعلم وحده، وهو يرى المنكرات ويرى الواقع الذي يحتاج إلى تغيير ليس جاداً، والجدية لا تعني أن الإنسان يكون مقطب الجبين، ولا تعني أن الإنسان مجرد يقرأ، ولا تعني أن يستغل الإنسان وقته كيفما اتفق، بل الجدية أن يكون الإنسان فعلاً يختار العمل المناسب، ويكون عنده توازن، هذا هو الرجل الجاد، أما الإنسان الذي يتفرغ مثل هذا التفرغ ويهمل الواقع ويهمل الدعوة أصلاً فأنا أعتبره رجلاً غير جاد.

    الخلطة والتربية الجادة

    السؤال: نرى كثيراً من الشباب يبالغون في الخلطة، حتى إنها قد تصل إلى الخلطة الممرضة للقلب، وهم يعللون ذلك بالتربية، وهي في الحقيقة سبب من أسباب تعطيل التربية الجادة أرجو التعليق على ذلك.

    الجواب: هذا كلام صحيح، أنك تجد كثيراً من الشباب فعلاً يطيل في الخلطة، فتجده في ذهاب وإياب ليس له أي ثمرة ولا نتيجة، وهو يقول لك: تربية، تربية أن تتعرف على الشباب وتسلي عنهم إلى غير ذلك، وبهذا يخرج لنا فعلاً جيل هزيل، فنربي الشباب على إضاعة الأوقات، وعلى الأمور الهزيلة، والتعلق بالتوافه، وإن كان ولا شك أنا نحتاج إلى نوع من الترفيه، ونحتاج إلى نوع من الخلطة، لكن يجب أن تكون الأمور بقدرها.

    فيجب أن نتخفف من الخلطة غير المجدية، فإنها من الخلل التربوي، فعندما يقضي المربي مع من يربيه وقتاً طويلاً دون فائدة، هذا يهدر شخصية المربي ويجعل شخصيته شخصية غير مؤثرة، ويحول المربي إلى مجرد زميل وصديق، وما لم يكن هناك مسافة بين المربي والمتربي، ونوع من الهيبة لا يمكن أن تؤدي التربية ثمارها المطلوبة.

    كثرة الخلطة والبرامج الهازلة تؤدي إلى القضاء على هذا الشعور الموجود عند المتربي، ويمكن أن نتقلل نحن من الخلطة بأمرين: نتقلل أصلاً من الخلطة غير المفيدة، يعني: اللقاءات غير المفيد وغير العملية لا يوجد داعي إلى كثرتها.

    والأمر الثاني: أن نستغل أوقات الراحة كما قلنا، فما المانع عندما نكون في مناسبة أن نتناقش في موضوع جاد، ونتحدث عن موضوع جاد؟ بل هذا هو الواجب، وهذا من معايير ودلائل الجدية.

    مقياس التربية الجادة

    السؤال: تكلمت عن الرجل الجاد وعن بعض الصور من التربية الجادة، ولكن ما هو المقياس الذي يتضح منه أن التربية جادة جزاك الله خيرا؟

    الجواب: المقياس هدي النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما أصلح أولها، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالمقياس هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    التربية الجادة والشهوة

    السؤال: لا بد للإنسان أن يربي نفسه تربية جادة لكي يواجه الشهوة فكيف يتم ذلك؟

    الجواب: الذي يربي تربية جادة سيكون صاحب عبادة، متخل عن الشهوات، ويكون جاداً مع نفسه وحازماً مع نفسه، فيغلق على نفسه أبواب الذرائع، وإذا وقع في المعصية فسيكون جاداً فيتوب، الرجل الجاد لا شك أنه سيكون أبعد الناس عن الشهوات، وإذا أصابه منها شيئاً سيكون أسرع الناس إلى التخلي عنها؛ لأنه رجل جاد وقليلاً ما يتعلق بهذه الشهوات.

    ضابط النقد الجاد

    السؤال: ما ضابط النقد الجاد وكيفية استثماره؟

    الجواب: النقد الجاد الذي يكون له نتيجة عملية؛ فكل واحد يستطيع ينتقد، فلو نقول الآن: من أفصح شخص فيكم؟ فيقول شخص: أنا، ويقوم فيلقي خطبة عصماء، فواحد يقول لك: لحن في كذا وكذا، وواحد يقول لك: أخطأ في هذه الآية، وواحد يقول لك: مستوى العاطفة عنده مرتفع، وكل واحد ينتقد، سهل الانتقاد، لكن هذا انتقاد غير عملي، نريد نحن الانتقاد العملي الانتقاد الجاد فعلاً، تجد -مثلاً- الناس بعد خطبة الجمعة يتجمعون فينتقدوا خطيب الجمعة: بالغ في كذا، قال كذا، تحدث عن كذا، لكن ما هو نقد عملي؛ لأنه ولا واحد منهم يوماً من الأيام فكر أن يخاطب الخطيب بمثل هذه الملحوظة، فهذا نقد غير جاد، وأعتبره نقداً هازلاً.

    عندما نتحدث في المجالس ننتقد المؤسسات الدعوية، وننتقد البرامج ونتحدث عنها ونطيل الحديث فيها أيضاً أنا أعتبر هذا نقداً غير جاد، فالنقد الجاد هو الذي يوجه إلى أصحابه، للقنوات السليمة، ثم أيضاً النقد الجاد -ليكون نقداً موضوعياً- يأخذ في الاعتبار المحاسن والمساوئ، ويأخذ في الاعتبار أيضاً العناصر البشرية، وأن البشر لا بد أن يكونوا بشراً يقعون في الخطأ، وأتصور أن هذه بعض معالم النقد الجاد العملي.

    علاقة الرجل الجاد بمجموعته غير الجادة

    السؤال: إذا كان الشخص مع مجموعة غير جادة فهل الأصلح أن يتركهم إلى مجموعة جادة أم يحاول الإصلاح؟ ثم كيف يصلح مجموعته؟

    الجواب: لا شك أن الأولى أن يحاول الإصلاح ولا يترك المجموعة إلا إذا وصل إلى حد الإياس، لكن هذه قضايا أعيان، وقضايا الأعيان كما يقال: تحتاج إلى فتوى خاصة.

    الرفق في الدعوة

    السؤال: الدعوة إلى الله -خصوصاً مع المدعوين- تحتاج إلى نوع من إرخاء الحبل قليلاً حتى يتم جذبهم ودعوتهم إلى الله عز وجل.

    الجواب: نحن نحتاج إلى الرفق بالمدعوين، والعناية بهم، وتلمس نفسياتهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان أرفق الناس، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، والله عز وجل قال عنه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159]، لكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بالرفق، والذي كانت هذه مواصفاته هو الذي جعل الصحابة يعملون في غزوة الخندق حتى كان أحدهم يربط على بطنه الحجارة من الجوع، ونزل فيهم ما نزل.

    النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل الصحابة يسيرون إلى جيش العسرة بعد أن طابت الثمار، يعني: يغرسون ويتعبون، ولما طابت الثمار وجاء وقت أكلها رحلهم إلى الجيش في شدة الحر، فساروا في طريق طويل، إلى مواجهة الروم، وتركوا الثمار كلها بكل ما فيها؛ ولم يكن هناك ثلاجات ولا وسائل حفظ، ومع ذلك استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم وساروا، وحينما تخلف ثلاثة من أصحابه عاتبهم بما سبق أن أشرنا إليه.

    هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر بالرفق، فيجب أن يكون عندنا توازن، فلا نبالغ في الإثقال على الناس والحزم الذي نقضي معه على كل معاني الرفق، وأيضاً لا نبالغ في هذه المعاني فنميع تربيتنا، والذي ينظر إلى هدي الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة متكاملة يسلم من الأخطاء.

    وهناك نصيحة أود أن أقولها وقد سبق أن أشرت إليها مراراً، وهي أن المشكلة أحياناً تأتي من سوء الفهم، فالإنسان عندما يتحدث عن موضوع سيحشد الأدلة والمؤيدات والأمور التي تؤدي إلى إصلاح خلل معين وخطأ معين، فأنت لا تأتيه بالمقابل وتقول له: إن الذي يفهم من كلامك كذا وكذا.

    فمثلاً عندما يأتيك إنسان ويقول لك: لا بد أن نعتني بالعلم، ونوظف نفيس أوقاتنا في طلب العلم وإلى غير ذلك، يأتيك إنسان يقول لك: هذا يعني أن نترك الدعوة؟ لا، من قال لك ذلك؟ فنحن كذلك عندما نطالب بالتربية الجادة لا يعني أن نهمل الرفق، ولا يعني أن نهمل أخذ الناس بالتؤدة، لكن أيضاً الرفق وفق المنهج السليم، الرفق والتؤدة وفق التوازن، فنمسك العصا من الوسط ونتوسط، وكما قلت لكم: المقياس لذلك هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أرحم الناس وأرفق الناس، ومع ذلك انظروا كيف كان يفعل مع أصحابه، النبي صلى الله عليه وسلم بايع بعض أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً، قال: (بايعوني على أن لا تسألوا الناس شيئاً)، وبايعوه، أليس هذا من الحزم؟ أليس هذا من الجدية؟ فالجدية لها مستويات ولها منازل تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فنحن يجب أن ننظر إلى الأمر نظرة عامة، نظرة متوازنة، وعندما ننظر من خلال هذه النظرة لا يمكن أن نقع في مثل هذه الإشكالات.

    كيفية وضع برنامج للسير عليه

    السؤال: هل يمكن أن يضع الرجل جدولاً يسير عليه؟ وما هي أساسيات هذا الجدول؟

    الجواب: ينبغي للإنسان أن يضع لنفسه جدولاً وبرنامجاً، لكن أنا أتحدث مع فئات مختلفة، مع طالب في المتوسط وطالب في الثانوي وطالب في الجامعة ومع موظف ومع أستاذ ومع متخصص في العلم الشرعي، فمن الغلط أن يقتطع لكل هؤلاء جدول واحد، لكن كل إنسان يعرف كيف يضع لنفسه جدولاً، وأهم شيء أن يكون جاداً في استغلال وقته واستثماره وفق ظروفه.

    فالتاجر -مثلاً- الذي يعمل في ميدان التجارة يحتاج إلى برنامج يتناسب مع عمله وموقعه، وكذلك الأستاذ، والطالب، والموظف، والرجل، والمرأة، فالناس يختلفون، فمن الخطأ أن نضع جدولاً واحداً نطالب الناس بالسير عليه، ونقول: هذا الجدول نموذجي ومثالي، والرجل الجاد لا يحتاج أن يوضع له جدول، هو نفسه يعرف كيف يحقق هدفه.

    العمل الصالح وأيام العشر

    السؤال: ما رأيك لو ذكرت الحضور بقضية التكبير في أيام العشر، وكثرة العمل الصالح فيها.

    الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام -يعني: عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، فالنبي صلى الله عليه وسلم صور لنا أجر المجاهد كمثل الصائم والقائم الذي لا يفتر من صيام ولا من صلاة، ومع ذلك يجعل النبي صلى الله عليه وسلم العمل الصالح في هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله.

    وفي الحديث الآخر يقول: (فأكثروا فيهن من التحميد والتكبير والتسبيح) فينبغي أن نكثر في هذه الأيام من العمل الصالح، ولا شك أن أفضل عمل صالح يعمله المرء في هذه الأيام هو الحج إلى بيت الله؛ لأن هذه الأيام ما كانت فاضلة إلا لأنها كانت أيام الحج؛ لأن فيها يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، فأحث نفسي وأحث إخواني على اغتنام هذه الأيام وهذه الليالي.

    وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا وإياكم على خير، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.