إسلام ويب

سلسلة من أعلام السلف الإمام سفيان بن عيينةللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي علم من أعلام أتباع التابعين وإمام أهل مكة، كان مقارباً للإمام مالك في إتقانه، اشتهر بزهده وعبادته، وأثنى عليه العلماء لعلمه الغزير وقلبه المستنير، فرحمه الله رحمة واسعة.

    1.   

    نسب سفيان بن عيينة ومولده وصفته

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فما زلنا -بحمد الله- سعداء مع الصحبة المباركة أعلام السلف، ونحن مع علم من الأعلام، وهو من أئمة كبار أتباع التابعين إمام مكة سفيان بن عيينة رحمه الله.

    اسمه: سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك بن مزاحم .

    مولده: عن محمد بن عمر قال: أخبرني سفيان بن عيينة أنه ولد سنة (107 هـ).

    قال ابن سعد : وكان أصله من أهل الكوفة، وكان والده من عمال خالد بن عبد الله القسري ، فلما عُزل خالد عن العراق وولي يوسف بن عمر الثقفي طلب عمال خالد فهربوا منه، فلحق عيينة بن أبي عمران بمكة فنزلها.

    1.   

    ثناء العلماء على سفيان بن عيينة

    قال أبو نعيم: ومنهم الإمام الأمين ذو العقل الرصين، والرأي الراجح الركين، المستنبط للمعاني المرتبط بالمباني، أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي ، كان عالماً ناقداً، وزاهداً عابداً، علمه مشهور، وزهده معمور.

    قال الذهبي : طلب الحديث وهو حدث، بل غلام، ولقي الكبار، وحمل عنهم علماً جماً، وأتقن وجود وصنّف، وعمّر دهراً، وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علو الإسناد -لأنه جاوز التسعين سنة- ورُحل إليه من البلاد، وألحق الأحفاد بالأجداد.

    طال عمر سفيان وظل إماماً لمكة أربعين سنة، فكان يروي عنه الرجل ثم يروي عنه ابنه، ثم يروي عنه حفيده، وهذا معنى قوله: وألحق الأحفاد بالأجداد.

    وقال علي بن المديني : ما من أصحاب الزهري أحد أتقن من سفيان بن عيينة .

    فهم دائماً يفضّلون سفيان بن عيينة إمام مكة ومالك بن أنس إمام المدينة، فقد كان سفيان بن عيينة أوسع علماً وأكثر حديثاً، ولكن مالكاً أتقن.

    وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان ابن عيينة ثبتاً في الحديث، وكان حديثه نحواً من سبعة آلاف ولم تكن له كتب، أي: أن ضبطه كان ضبط صدر وليس ضبط كتاب.

    وقال بهز بن أسد : ما رأيت مثل سفيان بن عيينة، فقيل له: ولا شعبة ؟ قال: ولا شعبة .

    وقال يحيى بن معين: هو أثبت الناس في عمرو بن دينار.

    لأن عمرو بن دينار أيضاً من علماء مكة.

    وذكر أن الإمام مالك لم يرو عن عمرو بن دينار ؛ لأنه رأى الناس يكتبون عنه وهم واقفون، فأجل حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتبه وهو واقف.

    وقال ابن المديني : قال لي يحيى القطان : ما بقي من معلمي أحد غير سفيان بن عيينة وهو إمام منذ أربعين سنة.

    وقال ابن المبارك : سئل سفيان الثوري عن سفيان بن عيينة ؟ فقال: ذاك أحد الأحدين، ما أغربه!

    وكما ذكرنا الحمادين وقلنا: إن حماد بن سلمة بن دينار أكبر سناً من حماد بن زيد بن درهم ، وكلاهما من علماء البصرة، فإن سفيان الثوري من علماء الكوفة وسفيان بن عيينة من علماء مكة، وهما متقاربان، وكان سفيان الثوري أيضاً أكبر سناً من سفيان بن عيينة .

    وقال أبو حاتم الرازي : سفيان بن عيينة إمام ثقة، كان أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة ، قال: وأثبت أصحاب الزهري هو ومالك .

    وقال الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي يقول: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.

    لأن سفيان بن عيينة من علماء الحجاز.

    وقال علي : وسمعت بشر بن المفضل يقول: ما بقي على وجه الأرض أحد يشبه سفيان بن عيينة .

    وقال عثمان بن سعيد الدارمي : سألت يحيى بن معين قلت له: ابن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار أو الثوري ؟ فقال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فـابن عيينة أحب إليك فيه أو حماد بن زيد ؟ قال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فـشعبة ؟ قال: أيش روى عنه شعبة؟ إنما روى عنه نحواً من مائة حديث.

    وقال محمد بن إسحاق صاحب كتاب المغازي -وهو من تلامذة الزهري - قال: وكان ثقة ثبتاً كثير الحديث حجة، توفي وهو ابن إحدى وتسعين سنة.

    وطلب العلم وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين، فانظروا كيف حصّل العلم.

    1.   

    سعة علم سفيان بن عيينة رحمه الله

    سعة علمه رحمه الله:

    قال حرملة بن يحيى : سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أحداً من الناس فيه آلة العلم ما في سفيان بن عيينة ، وما رأيت أحداً أكفأ في الفتيا منه.

    قال الشافعي رحمه الله: وجدت أحاديث الأحكام كلها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث، ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثاً.

    والشافعي مكث فترة طويلة في مكة وتتلمذ على سفيان بن عيينة .

    قال الذهبي معلّقاً على هذا الخبر: فهذا يوضّح لك سعة دائرة سفيان في العلم؛ وذلك لأنه ضم أحاديث العراقيين إلى أحاديث الحجازيين، وارتحل ولقي خلقاً كثيراً، ما لقيهم مالك ، وهما نظيران في الإتقان، أي: أنه قريب من مالك في الإتقان، ولكن الإمام مالكاً لم يرحل كثيراً، وكان يعتقد أن الحديث الذي ليس له أصل في الحجاز انقطع نخاعه؛ لأن الحجاز وخاصة المدينة كان فيها أبناء وأحفاد المهاجرين والأنصار، وكان يعتبر إجماع أهل المدينة حجة، فلذلك لم يرحل كثيراً.

    يقول: وهما نظيران في الإتقان، ولكن مالكاً أجل وأعلى، فعنده نافع وسعيد المقبري .

    وقال عبد الرحمن بن مهدي : كان ابن عيينة من أعلم الناس بحديث الحجاز.

    وقال ابن وهب : لا أعلم أحداً أعلم بالتفسير من ابن عيينة .

    وقال أحمد : ما رأيت أعلم بالسنن منه.

    1.   

    اتباع سفيان بن عيينة رحمه الله للسنة

    اتباعه للسنة رحمه الله:

    قال الذهبي : كان سفيان رحمه الله صاحب سنة واتباع.

    قال الحافظ ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الفضل بن موسى قال: حدثنا محمد بن منصور قال: رأيت سفيان بن عيينة سأله رجل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله منه خرج وإليه يعود.

    وقال محمد بن إسحاق الصاغاني : حدثنا لوين قال: قيل لـابن عيينة : هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية؟ قال: حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه.

    وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: سمعت ابن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

    1.   

    زهد سفيان بن عيينة رحمه الله وأقواله في الزهد

    زهده رحمه الله، وأقواله في الزهد:

    قال أحمد بن أبي الحواري : قلت لـسفيان بن عيينة : ما الزهد في الدنيا؟ قال: إذا أُنعم عليه فشكر، وإذا ابتُلي ببلية فصبر، فذلك الزاهد.

    وقال المسيب بن واضح : سئل ابن عيينة عن الزهد؟ فقال: الزهد فيما حرم الله، فأما ما أحل فقد أباحه الله، فإن النبيين قد نكحوا وركبوا ولبسوا وأكلوا.

    فكأن سفيان ينكر على الصوفية زهدهم، فهم يُحرّمون على أنفسهم الطيبات فلا يتزوج الواحد منهم مثلاً أو لا يأكل الطعام الطيب! وهذا كان في سلف الصوفية، ولكن بعد ذلك توسعوا في المآكل والمشارب، فالمقصود: أن الذي يُنكر هو الزهد المبتدع.

    قال: فأما ما أحل فقد أباحه الله، فإن النبيين قد نكحوا وركبوا ولبسوا وأكلوا، لكن الله نهاهم عن شيء فانتهوا عنه وكانوا به زهاداً.

    وعن أحمد بن عبدة قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: الزهد في الدنيا الصبر وارتقاب الموت.

    وعن حرملة بن يحيى قال: أخذ سفيان بن عيينة بيدي فأقامني في ناحية، وأخرج من كمه رغيف شعير وقال لي: دع يا حرملة ! ما يقول الناس، هذا طعامي منذ ستين سنة.

    1.   

    شيوخ سفيان بن عيينة وتلامذته رحمه الله

    شيوخه:

    قال الحافظ : روى عن عبد الملك بن عمير وأبي إسحاق السبيعي وزياد بن علاقة والأسود بن قيس وأبان بن تغلب وإبراهيم بن موسى ومحمد بن عقبة وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وإسرائيل بن موسى وإسماعيل بن أبي خالد وإسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى وأيوب بن أبي تميم السختياني ويزيد بن أبي بردة وبيان بن بشر وجعفر الصادق.. وغيرهم.

    تلامذته:

    قال الحافظ : وعنه الأعمش -وهو أعلى طبقة منه؛ لأنه من صغار التابعين- وابن جريج وشعبة والثوري ومسعر ، وكل هؤلاء من شيوخه، ولكنهم رووا عنه.

    أيضاً روى عنه من أقرانه: أبو إسحاق الفزاري وحماد بن زيد والحسن بن حي وهمام وأبو الأحوص وابن المبارك وقيس بن الربيع وأبو معاوية ووكيع ومعمر بن سليمان ويحيى بن أبي زائدة ، وهم من أقرانه وماتوا قبله؛ لأنه عمّر وجاوز التسعين سنة.

    ومن تلامذته أيضاً: محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن وهب ويحيى القطان وابن مهدي وأبو أسامة وروح بن عبادة والفريابي وأبو الوليد الطيالسي وعبد الرزاق وأبو نعيم.. وغيرهم.

    1.   

    درر من أقوال سفيان بن عيينة رحمه الله

    عن محمد بن ميمون الخياط قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل فما أصنع بالعلم الذي جمعت؟

    وعن إبراهيم الجوهري قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إنما أرباب العلم الذين هم أهله الذين يعملون به.

    وعن علي بن الجعد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: من زيد في عقله نقص من رزقه.

    وهذا في الغالب، كما قيل:

    تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب

    فليس معنى: أن الإنسان عنده رزق واسع أنه يكون أذكى الناس، فالله عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.

    وعن سنيد بن داود عن ابن عيينة قال: من كانت معصيته في الشهوة فارج له التوبة، فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فغُفر له، وإذا كانت معصيته في كبر فاخش على صاحبه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبراً فلُعن.

    وعن أبي معمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: ليس العالم الذي يعرف الخير والشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتّبعه، ويعرف الشر فيجتنبه.

    وعن أحمد بن محمد بن أيوب قال: اجتمع الناس إلى سفيان بن عيينة فقال: من أحوج الناس إلى هذا العلم؟ فسكتوا، ثم قالوا: تكلم يا أبا محمد ! قال: أحوج الناس إلى العلم العلماء، وذلك أن الجهل بهم أقبح؛ لأنهم غاية الناس وهم يُسألون.

    وعن سفيان بن عيينة قال: كان يقال: جالس العلماء؛ فإن مجالستهم غنيمة، وصحبتهم سليمة، ومؤاخاتهم كريمة.

    فالإنسان يجالس أهل العلم وأهل الفضل؛ لأن الإنسان يكتسب من صفات من يجالس.

    وقيل في تربية الأولاد: يجالسهم أهل الفضل وأهل الخير وأهل العلم، ويجنبون السفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس خُلقاً.

    وعن أبي موسى الأنصاري قال: من أبر البر كتمان المصائب، قال: وسمعت سفيان يقول: لا تكن مثل العبد السوء، لا يأتي حتى يُدعى: ائت الصلاة قبل النداء، أي: على الإنسان أن يأتي المسجد قبل حي على الصلاة.

    قال: وسمعت سفيان يقول: قال رجل: من توقير الصلاة أن تأتي قبل الإقامة.

    وعن إبراهيم بن الأشعث قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: كان يقال: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة: رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملاً منه، فأصبح العبد سيداً والسيد عبداً، ورجل له مال فلم يتصدّق منه، فمات فورثه غيره فتصدق منه.

    أي: جمع المال وبخل بإنفاقه في سبيل الله، فورثه ولد صالح وأنفقه فكان في ميزان ابنه، فهو جمع المال فكان في ميزان غيره.

    قال: ورجل عالم لم ينتفع بعلمه، فعلّمه غيره فانتفع به.

    وقال أبو أيوب سليمان بن داود : عن سفيان بن عيينة كان يقال: إن العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة لم يزدد على الكثير منها إلا شراً.

    1.   

    وفاة سفيان بن عيينة

    عن الحسن بن عمران بن عيينة بن أبي عمران قال: حججت مع عمي سفيان آخر حجة حجها سنة (197هـ)، فلما كنا بجمع في مزدلفة وصلى، استلقى على فراشه ثم قال: قد وافيت هذا الموضع سبعين عاماً أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت أول يوم من رجب سنة (198هـ).

    وهو ولد سنة (107هـ) وتوفي سنة (198هـ) أي: أنه عاش (91) سنة، ودفن بالحجون فرحمه الله تعالى رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

    نكتفي بهذا القدر، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007964600

    عدد مرات الحفظ

    720712868