إسلام ويب

سلسلة من أعلام السلف الإمام الأوزاعيللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى من أئمة أتباع التابعين، ومن علماء الشام الغر الميامين، جمع بين العلم والأدب، والعبادة والخشية، وعدم المداهنة للخلق، فلذلك هابه الملوك والسلاطين، فما أحوج العلماء والدعاة وطلاب العلم إلى معرفة سيرته والانتفاع بها!

    1.   

    بين يدي ترجمة الإمام الأوزاعي

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فما زلنا بحمد الله تعالى سعداء بصحبة الركب المبارك أعلام السلف، وعالمنا وعلمنا في هذه الترجمة إمام مبارك من أئمة أتباع التابعين، ومن علماء الشام الغر الميامين، جمع العلم والأدب، والعبادة والخشية، فكان لا يهاب الملوك الجبابرة، وتهابه الملوك لقوته في الحق، وعدم مداهنته للخلق، فما أحوج الطلاب والعلماء إلى معرفة سيرته والانتفاع ببركته، ونكتفي في هذه المقدمة بما ذكره الحافظ الذهبي في سيره عن العباس بن الوليد قال: فما رأيت أبي يتعجب من شيء في الدنيا تعجبه من الأوزاعي ، فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء، كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حجر أمه، تنقله من بلد إلى بلد، وقد بلغ حكمك فيه أن بلغته حيث رأيته. يا بني! عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه، ما سمعت كلمة قط فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه.

    يعني: ما تكلم بكلمة خير إلا احتاج من يستمع إليها إلى إثباتها.

    ثم قال: ولا رأيته ضاحكاً قط حتى يقهقه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول في نفسي: أترى في المجلس قلباً لم يبك.

    فرحم الله الأوزاعي وسائر أئمة المسلمين، وجمعنا بهم في عليين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    التعريف بالإمام الأوزاعي وذكر صفاته

    اسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الشامي الأوزاعي .

    مولده: قال أبو مسهر وجماعة: ولد سنة (88)هـ. يعني: بعد أبي حنيفة بثمان سنين.

    وعن ضمرة قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنت محتلماً أو شبيهاً بالمحتلم في خلافة عمر بن عبد العزيز .

    وقال الوليد بن مزيد : مولده ببعلبك ومنشؤه بالكرك.

    قال الذهبي : كان يسكن عجلة الأوزاع، وهي العقبة الصغيرة ظاهر باب الفراديس بدمشق، ثم تحول إلى بيروت مرابطاً بها إلى أن مات.

    صفته: قال محمد بن عبد الرحمن السلمي : رأيت الأوزاعي فوق الربعة، خفيف اللحم، به سمرة، يخضب بالحناء.

    1.   

    ثناء العلماء على الإمام الأوزاعي

    عن عبد الرحمن بن مهدي قال: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي ، ومالك ، وسفيان الثوري ، وحماد بن زيد .

    يعني: هؤلاء أئمة زمانهم، الأوزاعي بالشام، ومالك بالمدينة، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن زيد بالبصرة، وكان يمكن أن يضيف سفيان بن عيينة في مكة، وابن المبارك أيضاً بخرسان.

    وعنه قال: ما كان في الشام أحد أعلم بالنسب من الأوزاعي .

    وعن عثمان بن سعيد الدارمي قال: سألت يحيى بن معين عن الأوزاعي ما حاله في الزهري ؟ قال: ثقة، ما أقل ما روى عن الزهري .

    يعني: رواياته عن الزهري قليلة؛ لأنه من نفس الطبقة، من طبقة كبار أتباع التابعين، والذين رووا عن الإمام الزهري من صغار التابعين، وكان أعلم أهل زمانه.

    وعن سفيان بن عيينة قال: كان الأوزاعي إمام أهل زمانه.

    وقال محمد بن سعد : وكان ثقة مأموناً صدوقاً فاضلاً خيراً، كثير الحديث والعلم والفقه، حجة.

    وقال إسماعيل بن عياش: سمعت الناس في سنة (140) هـ يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة.

    وعن محمد بن شعيب قال: قلت لـأمية بن يزيد : أين الأوزاعي من مكحول ؟ قال: هو عندنا أرفع من مكحول .

    قال الذهبي : بلا ريب هو أوسع دائرة في العلم من مكحول .

    وقال الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه.

    وعن الوليد بن مسلم قال: ما كنت أحرص على السماع من الأوزاعي حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام والأوزاعي إلى جنبه، فقلت: يا رسول الله! عمن أحمل العلم؟ قال: عن هذا، وأشار إلى الأوزاعي .

    قال الذهبي : كان الأوزاعي كبير الشأن

    وقال إسحاق بن راهويه : إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنة.

    لقد كان الإمام الذهبي مؤرخاً، لكنه لم يكن مؤرخاً حاطب ليل يجمع أي أخبار، ولكن كان يعلق أحياناً ويعترض أحياناً على ما لا يوافق الحق، فعلق على هذه الكلمة (فهو سنة) فقال الذهبي : بل السنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، والإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً إجماعاً ظنياً أو سكوتياً،فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم بقول باجتهاد احتمل له ،فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفاً للإجماع ولا للسنة، كما كان الإمام مالك يعتبر إجماع أهل المدينة حجة.

    وكان يقول: إن المدينة هي مدينة العلم وفيها أبناء المهاجرين والأنصار، فلا شك أن الحديث الذي ليس له أصل في الحجاز كما يقولون انقطع نخاعه ، لا بد أن يكون له أصل في الحجاز، ولكن العلماء بعد الإمام مالك اعترضوا على ذلك، ولم يوافقوه على إن إجماع أهل المدينة حجة؛ لأن هذا ليس عليه دليل شرعي؛ والعلماء تفرقوا في الأمصار، والإجماع هو إجماع سائر الأئمة المجتهدين في عصر من العصور.

    فلا شك أنه كان في خارج المدينة علماء مجتهدون، فلا يعتبر إجماع أهل المدينة أو أي بلد من بلاد المسلمين حجة.

    كذلك يعترض هنا الإمام الذهبي على أن اجتماع الثوري والأوزاعي ومالك سنة فيقول: إن السنة هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، وأيضاً هذا لا يعتبر إجماعاً؛ لأن الإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً، إجماعاً ظنياً أو سكوتياً، فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم بقول باجتهاد احتمل له.

    والذي يخالف الإجماع يكون شاذاً.

    يقول: فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفاً للإجماع ولا للسنة،

    وإنما مراد إسحاق أنهم إذا اجتمعوا على مسألة فهو حق غالباً.

    كما نقول اليوم: لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق عليه أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها،فهذا على سبيل الغالب.

    يعني: لو اجتمع هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم إسحاق وهم أئمة زمانهم فغالباً يكون هو الحق.

    ومن غرائب ما انفرد به الأوزاعي : أن الفخذ ليست في الحمام عورة، وأنها في المسجد عورة.

    وله مسائل كثيرة حسنة ينفرد بها، وهي موجودة في الكتب الكبار، وكان له مذهب مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة وفقهاء الأندلس ثم فني.

    1.   

    عبادة الأوزاعي رحمه الله

    قال الوليد بن مسلم : ما رأيت أحداً أشد اجتهاداً من الأوزاعي في العبادة.

    وقال غيره: حج فما نام على الراحلة، إنما هو في صلاة.

    من السنة التنفل في الراحلة في السيارة في السفينة على الدابة، يقول: حج فما نام على الراحلة إنما هو في صلاة، يعني: كان إذا نعس استند إلى القتب، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى.

    وعن الوليد بن مزيد قال: كان الأوزاعي من العبادة على شيء ما سمعنا بأحد قوى عليه، ما أتى عليه زوال قط إلا وهو قائم يصلي.

    وقال مروان الطاطري : قال: الأوزاعي من أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة.

    وقال الوليد بن مسلم من علماء الشام: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله والفقه في دينه.

    1.   

    خشية الأوزاعي رحمه الله

    عن بشر بن المنذر قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.

    وعن أبي مسهر قال: ما رئي الأوزاعي باكياً قط، ولا ضاحكاً حتى تبدو نواجذه، وإنما كان يتبسم أحياناً كما روي في الحديث،وكان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاء.

    وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي وتتفقد موضع مصلاه، فتجده رطباً من دموعه في الليل.

    وقال بعضهم: ما رئي الأوزاعي ضاحكاً مقهقهاً قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط، وكان إذا خلا بكى حتى يرحم.

    يعني: كان أمام الناس لا يبكي، ولكن إذا كان وحده بكى حتى يرحم.

    1.   

    ورع الأوزاعي رحمه الله

    عن أبي مسهر قال: حدثنا محمد بن الأوزاعي قال: قال لي أبي: لو قبلنا من الناس كل ما يعطونا لهنا عليهم.

    يعني: قبول الجوائز والهدايا، خاصة من الأمراء.

    وعن أحمد بن أبي الحواري قال: بلغني أن نصرانياً أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل. فقال: يا أبا عمرو! تكتب لي إلى والي بعلبك، قال: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك. قال: فرد الجرة وكتب له فوضع عنه ثلاثين ديناراً.

    وعن أبي فروة يزيد بن محمد الرهاوي قال: سمعت أبي يقول: قلت لـعيسى بن يونس : أيهما أفضل الأوزاعي أو سفيان ؟

    فقال: وأين أنت من سفيان ، قلت: يا أبا عمرو ذهبت بك العرقية، الأوزاعي فقهه وفضله وعلمه، فغضب وقال: أتراني أوثر على الحق شيئاً، سمعت الأوزاعي يقول: ما أخذنا العطاء حتى شهدنا على علي بالنفاق وتبرأنا منه، وأخذ علينا بذلك الطلاق والعتاق وأيمان البيعة -يعني: كل هذا بإكراه- فلما عقلت أمري سألت مكحولاً ويحيى بن أبي كثير وعطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير فقالوا: ليس عليك شيء، وإنما أنت مكره.

    يعني: كان هذا تحت تهديد السلاح بأن يقتل أو يطلق امرأته مثلاً، فهو لما سألهم قالوا: ليس عليك شيء، وإنما أنت مكره، يقول: فلم تقر عيني حتى فارقت نسائي، وأعتقت رقيقي، وخرجت من مالي، وكفرت أيماني، فأخبرني سفيان أنه كان يفعل ذلك.

    يعني: فعل ذلك على سبيل الورع، وإلا فقد أفتاه علماء عصره، أنه كان مكرهاً وليس على المكره شيء.

    وعن سعيد بن سالم صاحب الأوزاعي قال: قدم أبو مرحوم من مكة على الأوزاعي فأهدى له طرائف فقال له: إن شئت قبلت منك ولم تسمع مني حرفاً، وإن شئت فضم هديتك واسمع.

    1.   

    اتباع الأوزاعي للسنة

    عن العباس بن الوليد قال: حدثني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي، وأنت على طريق مستقيم.

    هذه عدة آثار تدل على اتباعه للسنة، وإنما يعظم شأن الإنسان إذا عظم شرع الله، وإذا عظم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من هان عليه الشرع أهانه الله عز وجل: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].

    فكان الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي، وأنت على طريق مستقيم.

    وعن بقية بن الوليد وهو أيضاً من علماء الشام، وكان مشهوراً بتدليس التسوية، كما قال بعضهم: أحاديث بقية غير نقية، فكن منها على تقية.

    وليس معنى أنه مدلس أنه وضاع أو أنه كذاب أو ضعيف، ولكن كما قال الشافعي في الرسالة: من دلس لنا مرة فقد أبان عن عورته في الرواية، فلا نقبل منه إلا تصريحاً بالسماع، ومن يثبت عنه تدليس التسوية لا بد أن يكون هناك تصريح بالسماع في كل السند؛ لأنه لا يؤمن أن يكون طوى ضعيفاً بين ثقتين.

    عن بقية بن الوليد قال: قال لي الأوزاعي : يا بقية لا تذكر أحداً من أصحاب نبيك صلى الله عليه وسلم إلا بخير.

    يا بقية العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يجئ عنهم فليس بعلم.

    يعني: أن العلم هو علم الكتاب والسنة بفهم الصحابة الذين هم سلف الأمة.

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه.

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه.

    فالعلم ما جاءنا من قبل الصحابة؛ لأنهم هم الذين نقلوا لنا الكتاب والسنة، وأيضاً نفهم الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله عنهم.

    وعن بقية بن الوليد قال: قال الأوزاعي : لا يجتمع حب علي وعثمان رضي الله عنهما إلا في قلب مؤمن.

    لأنه وجد الشيعة، وفي مقابلهم النواصب، فالشيعة تشيعوا لـعلي وآل البيت، ونصبوا العداوة للصحابة، والنواصب تشيعوا للصحابة ونصبوا العداوة لآل البيت.

    ولكن المؤمن الذي يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع في قلبه حب علي وحب عثمان رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة.

    وعن محمد بن كثير المصيصي قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.

    وعن أبي إسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي : اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية وموافقة السنة، وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم جامع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين.

    يعني: صدق من قال: ما يتكلم الأوزاعي بكلمة إلا احتاج من يسمعها إلى إثباتها.

    وعن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فقلت: بفضلك أي ربي، ثم قلت: يا رب أمتني على الإسلام، فقال: وعلى السنة.

    ورؤية الله عز وجل في المنام جائزة، لأنها ليست رؤيا بالبصر، وإنما هي رؤية قلبية.

    1.   

    صدع الأوزاعي بكلمة الحق

    عن أبي خليد عتبة بن حماد القارئ قال: حدثنا الأوزاعي قال: بعث عبد الله بن علي إلي، وقدمت فدخلت والناس صفان، فقال: ما تقول في مخرجنا وما نحن فيه؟

    يعني: عندما قامت الدولة العباسية قتل عبد الله بن علي كثيراً من أمراء بني أمية، وكان يجبر العلماء على أن يوافقوه على خروجه وأن يطعنوا في بني أمية، فأرسل إلى الأوزاعي فقال: ما تقول في مخرجنا وما نحن فيه؟ قال: قلت: أصلح الله الأمير، قد كان بيني وبين داود بن علي مودة -يعني: أراد أن يهرب من السؤال- قال: لتخبرني، يقول: فتفكرت ثم قلت: لأصدقنه واستبسلت للموت، ثم رويت له عن يحيى بن سعيد حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وبيده قضيب ينكت به، ثم قال: يا عبد الرحمن ! ما تقول في قتل أهل هذا البيت؟

    قلت: حدثني محمد بن مروان عن مطرف بن الشخير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل قتل المسلم إلا في ثلاث) وساق الحديث.

    فقال: أخبرني عن الخلافة وصية لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقلت: لو كانت وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك علي رضي الله عنه أحداً يتقدمه.

    قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قلت: إن كانت لهم حلالاً فهي عليكم حرام، وإن كانت عليهم حراماً فهي عليكم أحرم.

    يعني: إن كانوا نهبوها فلا يجوز لكم أن تنهبوها، وإن كانت عليهم حراماً فهي عليكم أحرم، فأمر بي فأخرجت.

    قال الذهبي : وقد كان عبد الله بن علي ملكاً جباراً سفاكاً للدماء، صعب المراس، ومع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بمر الحق كما ترى، لا كخلق من علماء السوء الذين يحسنون للأمراء ما يقتحمون من الظلم والعسف، ويقلبون له الباطل حقاً، قاتلهم الله، أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق.

    وعن أبي الأسوار محمد بن عمر التنوخي قال: كتب المنصور إلى الأوزاعي أما بعد:

    فقد جعل أمير المؤمنين في عنقك ما جعل الله لرعيته قبلك في عنقهم، فاكتب إليه بما رأيت فيه المصلحة مما أحببت.

    فكتب إليه: أما بعد:

    فعليك بتقوى الله، وتواضع يرفعك الله يوم يضع المتكبرين في الأرض بغير الحق، واعلم أن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد حق الله عليك إلا عظماً، ولا طاعته إلا وجوباً.

    وعن عبد الحميد بن بكار قال: حدثنا ابن أبي العشرين قال: سمعت أميراً بالساحل يقول: وقد دفنا الأوزاعي ونحن عند القبر، رحمك الله أبا عمرو ! فلقد كنت أخافك أكثر ممن ولاني.

    يعني: أنه كان يخاف من هذا العالم أكثر من أمير المؤمنين الذي ولاه.

    1.   

    شيوخ الأوزاعي وتلامذته

    1.   

    درر من أقوال الأوزاعي

    عن يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد:

    فإنه قد أحيط بك من كل جانب، وأعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به. والسلام.

    وعن الأوزاعي قال: إن المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً، وإن المنافق يقول كثيراً ويعمل قليلاً.

    فعلامة إيمان إنسان أن يكون كلامه قليلاً، وعبادته وعمله الصالح كثيراً، وأما المنافق فيقول كثيراً ويعمل قليلاً.

    وعن موسى بن أعين قال: قال لي الأوزاعي : يا أبا سعيد كنا نمزح ونضحك، فأما إذ صرنا يقتدى بنا ما أرى يسعنا إلا التبسم.

    يعني: من صار يقتدى به ينبغي أن يضبط تصرفاته.

    وعن أبي حفص عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.

    فقال أبو حفص : سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: ما جاء الأوزاعي بشيء أعجب إلينا من هذا، يعني: من هذه الكلمة، يقول: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.

    وعن الوليد بن مزيد قال: سمعت الأوزاعي يقول: إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم باب الجدل، ومنعهم العمل، وكذلك العكس بالعكس، وإذا أراد بقوم خيراً فتح لهم باب العمل، وأغلق عنهم باب الجدل.

    وعن محمد بن شعيب قال: سمعت الأوزاعي يقول: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام.

    أي: زلات العلماء، فمن اتبع زلة كل عالم اجتمع فيه الشر كله.

    وعن الأوزاعي قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب الورع.

    1.   

    وفاة الإمام الأوزاعي رحمه الله

    عن محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنت عند سفيان الثوري فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب رفعت، قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي.

    و سفيان الثوري كان بالكوفة، وتكون الشام في جهة المغرب بالنسبة إلى العراق، فقال: كنت عند سفيان الثوري فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب رفعت، قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي ، فكتبوا ذلك فوجد كذلك في ذلك اليوم.

    وعن أحمد بن عيسى المصري قال: حدثني خيران بن العلاء -وكان من خيار أصحاب الأوزاعي - قال: دخل الأوزاعي الحمام وكان لصاحب الحمام حاجة. يعني: حمامات عامة ليست كالحمامات الموجودة في البيوت، يدخل الإنسان فيها بالأجرة، يأخذ كمية ماء مسخن ويغتسل في هذه الحمامات، فدخل الأوزاعي الحمام يقول: وكان لصاحب الحمام حاجة، فأغلق عليه الباب وذهب، ثم جاء ففتح فوجد الأوزاعي ميتاً مستقبل القبلة. يبدو من الدخان، أو أتى أجله في هذا الوقت.

    وعن أبي مسهر قال: بلغنا موت الأوزاعي ، وأن امرأته أغلقت عليه باب الحمام غير متعمدة فمات، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة، ولم يخلف سوى ستة دنانير فضلت من عطائه، وكان قد اكتتب رحمه الله في ديوان الساحل.

    وقال أبو مسهر وعدة: مات سنة (157) هـ وزاد بعضهم في صفر.

    نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007961915

    عدد مرات الحفظ

    720510077