إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [14-18]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وقف المنافقون في الخندق من رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف التخذيل، حتى إنهم لو سئلوا الفتنة والردة لما تخلفوا، مع أنهم كانوا قد عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، ثم هاهم يعوقون ويخذلون عن القتال، ثم هم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها...)

    قال الله جل جلاله: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب:14].

    لا نزال مع المجاهدين في مقاومة الأحزاب الكافرين الذين تجمعوا من كل وثني وكتابي وضال مضل من أعداء الله والإسلام.

    فقوله: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا [الأحزاب:14] الكلام على من قال الله عنهم في الآية السابقة: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب:13].

    يقص الله علينا قصص هذه الفئات المنافقة الكاذبة الذين حضروا مع جيوش المسلمين، وهم يتظاهرون بالإسلام وبالجهاد في سبيل الله، لكنهم حينما اشتد عليهم البأس، اشتد هلعهم ورعبهم، فأظهروا نفاقهم، وطائفة منهم تركوا المعركة وفروا من الزحف.

    ولم يكتفوا بذلك، بل أخذوا يدعون غيرهم لترك المعركة، بل وترك يثرب المدينة المنورة.

    وطائفة منهم أرادوا التوسط فكذبوا في استئذانهم النبي صلى الله عليه وسلم متعللين أن بيوتهم مكشوفة ومفتوحة، وأنها عرضة لكل سارق ومهاجم وغاز، فكذبهم الله وقال عنهم عندما زعموا أن بيوتهم عورة: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ [الأحزاب:13] أي: ليست مكشوفة، وليست عرضة للسارقين والمعتدين والغازين.

    وهنا قال تعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا [الأحزاب:14].

    أي: هؤلاء لو غزوا ودخل أعداء الإسلام المدينة المنورة، ثم طلب منهم أن يكفروا، وطلب منهم الفتنة في دينهم وفي أنفسهم وعيالهم، لأسرعوا إليها متسابقين.

    وقوله: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب:14].

    أي: لو أن المنافقين استجابوا للفتنة وأعلنوا كفرهم، فهم من الأصل كفرة، ولو سئلوا الفتنة وطلب منهم أن يعودوا للكفر جهاراً علناً لأتوا إلى ذلك مسرعين، ولو فعلوا ما طلب منهم، فإنهم لن يلبثوا بها ولن يلزموها إلا يسيراً من الوقت، ثم ستنقلب عليهم ويكونون وقود نارها وحطب جحيمها، حينها سيندمون ولات حين مندم.

    فهؤلاء المنافقون كشف الله حالهم، وحقيقة إيمانهم، والمنافقون يكذبون وليس لهم من الإيمان والإسلام إلا قول اللسان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار)

    قال تعالى: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [الأحزاب:15].

    أي: هؤلاء الذين تذبذبوا ونافقوا، سبق أن فاتتهم حروب قوية حضرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، فعندما قاتل عليه الصلاة والسلام في بدر، قالت فئة من بني حارثة : لقد فاتنا الخير الكثير في عدم حضور هذه المعركة، وقد كان قائدها مباشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعاهد الله إن جاءت غزاة أخرى حضرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لنحضرنها، ولنبذلن فيها أرواحنا وأموالنا، وكل عزيز علينا ونحرص ألا تفوتنا.

    وهاهم هؤلاء قد حضروا معركة الأحزاب، وكان المشرف عليها النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم قد نقضوه، فهم يفرون من المعركة، وبعضهم يستأذنون في تركها كذباً زاعمين أن بيوتهم مكشوفة، وأن بيوتهم تحت تناول الغزاة والسارقين والمهاجمين، وهم إنما يريدون الفرار من المعركة، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر.

    وقوله: (وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا).

    أي: هذا العهد الذي قطعوه على أنفسهم من أن يحضروا المعركة ولا يفروا منها، سيسألهم الله يوم القيامة عن خيانتهم لهذا العهد، ولهذا الميثاق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل)

    معنى قوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم ...)

    قال الله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:16].

    أي: يا أيها النبي قل لهؤلاء المنافقين الكفرة: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:16].

    فأنتم تفرون من المعركة خوف الموت والقتل، والموت تابعكم وملاحقكم، وفراركم من الموت لن ينفعكم، ولن تفلتوا من الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة.

    وإن أنتم عشتم بعد ذلك لا تعيشون إلا أياماً وشهوراً معدودات، فمهما طالت وامتدت فلن تكونوا قد استمتعتم فيها إلا تمتعاً يسيراً، وماذا عسى أن يزيدكم هذا التمتع وقد فررتم من الموت أو القتل؛ ظناً منكم أن أعماركم ستطول وحياتكم ستدوم، وهيهات هيهات أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78].

    فكيف تفرون من الموت وهو آتيكم، ومن القتل ولا مفر عنه، ولو عشتم فلن تمتعوا ولن تعيشوا إلا يسيراً قليلاً، مع الخزي وغضب الله.

    موقف أبي لبابة الأنصاري مع بني قريظة

    وقد سألني سائل بالأمس عن أبي لبابة هذا الذي عندما طلب اليهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم ليستشيروه، وقد كان حليفهم مع الأوس في الجاهلية، فاجتمع عليه صبيانهم ونساؤهم وأخذوا يجهشون بالبكاء والعويل، والرجال تسأله: ماذا يريد منا محمد؟ وإن استسلمنا له فبماذا سيجازينا ويعاقبنا؟

    وقد كان حصرهم في حصونهم لمدة شهر، وهم يأبون الاستسلام، ثم بعد ذلك أرسلوا له يقولون: (ألا تعاملنا معاملة قبائل بني النضير بأن تأخذ أموالنا وأرضنا وتتركنا ونساءنا وأطفالنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لهم: استسلموا دون قيد ولا شرط) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    يعني: لا تشترطوا، بل استسلموا وسأحكم عليكم بما أريد، وبما يلهمني الله عند ذلك، فاستشاروا أبا لبابة.

    وإذا بـأبي لبابة عندما بكت أمامه النساء والأطفال وسألوه: ماذا يراد بنا؟ فأشار لهم بأصبعه إلى حلقه. أي: الذبح!

    فعلم أنه خان الله ورسوله، وكشف سراً من أسرار النبي عليه الصلاة والسلام، وهو لم يقل: موت ولا ذبح، ولكنه أشار إليهم بأنه لن يعاقبهم ويجازيهم بما جازى به بني النضير قبلهم، وإنما يريد ذبحهم وقتلهم؛ لأن بني قريظة تزعموا التأليب والتحزيب على رسول الله صلى الله وعليه وسلم بقيادة طاغيتهم وكبيرهم في الكفر كعب بن أسد ومعه حيي بن أخطب الذي تنقل بين قبائل العرب يؤلبهم على رسول الله عليه الصلاة والسلام والإسلام.

    ثم إنهم هم الذين أفسدوا بني النضير على النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين، فكان جزاؤهم أشد وأقوى عقوبة من بني النضير.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام ينتظر أبا لبابة الأنصاري ليخبره خبر بني قريظة، فإذا به يذهب إلى المسجد ويربط نفسه بسارية من سواريها، ويقول: علي عهد الله ألا أعود لأرض خنت الله فيها، وعلى أن أربط نفسي ولا أحلها ما لم يتب الله علي، فبقي ستة أيام مربوطاً في السارية تأتيه زوجته فتحله عند أوقات الصلاة، ثم تعود فتربطه.

    وعندما أخبر عليه الصلاة والسلام بخبره قال: لو أتاني لاستغفرت له، أما وقد أبى إلا ذلك فليترك وما أراد، عسى الله أن يغفر له.

    وبعد انتهاء معركة بني قريظة كان النبي صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة وإذا به يضحك ويتبسم عليه الصلاة والسلام، وذلك عند السحر، فسألته أم سلمة : ما الذي أضحكك يا رسول الله، أضحك الله سنك؟ قال: قد نزلت التوبة من الله على أبي لبابة بن عبد المنذر ، وكان الحجاب لم ينزل بعد، فقالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أبشره؟ قال: إن شئت!

    وإذا بها تفتح باب غرفتها وتصيح: أبشر أبا لبابة فقد نزلت توبتك من الله، وغفر الله لك.

    وإذا بمن كان في المسجد من المؤمنين المنتظرين لصلاة الصبح، يتسابقون إليه مهنئين ومباركين، ويريدون حل رباطه من السارية، فقال لهم: لا، حتى يحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده.

    وإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام عندما خرج من حجرته لصلاة الصبح يرى أبا لبابة لا يزال مربوطاً فيحله بيده صلى الله عليه وسلم.

    وقد نزل في أبي لبابة عندما خان الله بما أشار به لإخوة القردة والخنازير أنه الذبح، نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    وعندما نزلت توبته، نزل قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة:102].

    موقف سعد بن معاذ وموته بعد بني قريظة

    أما سعد بن معاذ فقد جرح في الخندق ودعا الله تعالى ألا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة الذين خادعوا الإسلام والمسلمين، وغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفروا حفرة كانوا الواقعين فيها، وبحثوا عن حتفهم بأنفسهم.

    فتم له ما أراد، وحكم في رجالهم بالقتل، وفي النساء والأطفال بالأسر، وفي أموالهم بقسمتها، فخمست ثم قسمت فجعل للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد.

    ثم بعد ذلك بزمن قليل انفجر جرحه، وانقطع أكحله، وهو العرق في اليد يتصل بالقلب، فاستفحلت الدماء، فدخل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً له: (يا نبي الله من هذا الذي مات، لقد اهتز له عرش الرحمن؟ فقام صلى الله عليه وسلم مسرعاً من بيته ليرى ما الذي صنع الله بـسعد وهو عند الجارية السوداء رفيدة تعالجه وتمرضه، وإذا به يجده قد مات)، فكان اهتزاز العرش وحضور الملائكة في جنازته كرامة من الله لهذا الصحابي الجليل الشهيد رضوان الله عليه.

    وقد حاول بعض من يطعن في هذا الحديث من حيث المعنى، فقالوا: (اهتز العرش) أي: اهتز السرير الذي حمل عليه سعد ، ولكن في الحديث ذكر عرش الرحمن.

    قال أبو عمر ابن عبد البر من أئمة المالكية الأندلسيين: ولم لا يهتز العرش وما هو إلا خلق من خلق الله؟!

    ويقول أبو عمر ابن عبد البر أيضاً: قد تواتر الحديث بهذا عن جمهور من الصحابة.

    وممن كتب في التواتر من السابقين واللاحقين السيوطي في القرن التاسع في كتابه (الأزهار المتناثرة من الأحاديث المتواترة)، وجدي محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله في أواسط هذا القرن، وهذا في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر).

    إذاً: مشهور ومنتشر بين أهل العلم والحديث خاصة أن سعد بن معاذ رجل عظيم جليل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتز لموته عرش الرحمن، وأن أبا لبابة الأنصاري قد خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً كما نزلت الآية فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً...)

    قال الله تعالى: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [الأحزاب:17].

    أي: قل يا محمد لهؤلاء: من الذي يمنعكم من عذاب الله إذا شاء ذلك من هزيمة أو قتل أو أسر، ومن الذي يعصمهم من الله إن أراد بهم رحمة وأراد بهم نصراً، وأراد لهم عزاً وأراد لهم شهادة؟

    والجواب: لا أحد يعصم من الله ومن مراد الله، خيراً كان أو شراً.

    وقوله: إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً [الأحزاب:17].

    أي: أراد غضباً ولعنة للمنافقين الفارين من القتال، أو أراد رحمة للمجاهدين المقاتلين الصادقين، من الذي يحول بين الله وعباده؟ لا أحد، بل كل عبد لله خاضع لجلاله ذليل بين يديه، لا يد له ولا إرادة ولا رغبة، ولا يستطيع أحد أن يقف بين الله ومراده.

    والسوء هنا الغلبة والقهر والذل والموت.

    والرحمة هنا النصر والعز والسيادة والشهادة، فمن الذي يحول بين الله وبين عباده المؤمنين أن ينصرهم ويعزهم، أو ينيلهم الشهادة، برحمة الله ورضوانه؟

    ومن الذي يستطيع أن يحول بين الله وبين من عصاه من عباده من المنافقين والكافرين، إن أراد لهم سوءاً وذلاً وهواناً وغلبة؟ لا أحد يستطيع أن يتأله ولا أن يغالبه جل جلاله وعز مقامه.

    وقوله: وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [الأحزاب:17].

    أي: هؤلاء المهزومون المنافقون لم يجدوا لهم ولياً يرجعون إليه، ولا قريباً ينتصرون به ويعتزون بسلطانه وقوته، ولم يجدوا نصيراً ينصرهم، ويقف حائلاً بينهم وبين عذاب الله وعقابه، وإنما يخرجون من الدنيا ويلقون في حفرة فرادى بلا أولاد، ولا أنصار، جاءوا إلى الدنيا فرادى وسيذهبون ويخرجون منها فرادى، فلا يحول بينهم وبين مراد الله أحد في الأرض لا ولي ولا نصير، فلا حول مع حول الله، ولا قوة مع قوة الله، إن القوة لله جميعاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا...)

    قال الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18].

    (قد) في لغة العرب إذا دخلت على المضارع تكون للاحتمال والتوقع، وتكون للتقليل، فإذا دخلت على الماضي تكون للتحقيق، وقد تخالف القاعدة العامة، فتدخل على المضارع فتكون للتحقيق، كما في هذه الآية الكريمة: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ).

    والمعنى: أن الله جل جلاله يعلم كل شيء، وهو مطلع على كل شيء، ولا يحول بين علمه وقدرته شيء، وقد هنا دخلت على المضارع، وهي للتحقيق في العلم، لا للتقليل ولا للظن، وهذا من القلة في كلام العرب.

    فقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الأحزاب:18].

    يقال: عوق فلان فلاناً، أي: وقف في وجهه وثبطه على ترك عمل من الأعمال.

    فهؤلاء المنافقون حاولوا أن يعوقوا المؤمنين عن الحرب والقتال، وقد قص الله علينا في الآية السابقة خبرهم فقال: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب:13]، فهم حاولوا أن يعوقوا المؤمنين عن البقاء في المعركة، فهؤلاء المعوقون المنفرون يحولون بين الناس وبين الجهاد، وبين بذل أنفسهم رخيصة في سبيل الله، فالله يعلم حالهم، ويعلم مقاصدهم.

    وهذا إعلان من الله جل جلاله بتهديدهم وتخويفهم وتوعدهم بالعذاب الشديد والخلود في النيران إن بقوا على نفاقهم، أما إن تابوا وأنابوا ورجعوا عما هم فيه من التعويق، وإبعاد الناس عن القتال والجهاد وطاعة الله ورسوله، فإن الله يتوب عليهم.

    وقوله: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب:18].

    أي: الذين تركوا المعركة خوفاً من اليهود وغيرهم من المشركين المهاجمين، قالوا لإخوانهم الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هلموا إلينا وأقبلوا علينا واتركوا محمداً وأصحابه.

    وقوله: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18].

    أي: أنهم إذا تظاهروا بالإسلام والقتال لا يحضرون المعركة إلا برهة من الزمن لا تكاد تعد، ولا تكاد ينظر لها، بل لا يكادون يحملون السلاح إلا رياء ونفاقاً، فإذا اشتد هلعهم وزاد خوفهم وبلغت منهم القلوب الحناجر أعلنوا الكفر، وفروا من المعركة، وأخذوا يحضون المؤمنين على ترك القتال، فهم إن أتوا القتال لا يأتونه إلا قليلاً مع النفاق والكذب، وهم يعوقون المؤمنين عن حضور المعارك، ويريدون بذلك انفراد النبي صلى الله وعليه وسلم مع أعدائه ومعه قلة من المخلصين، وهيهات أن يغلب من كان الله معه.

    والنبي صلى الله وعليه وسلم كان وحده بين الكفار مع قلة من أصحابه في المدينة النبوية، والكفار من كل جانب، فكلهم يحاولون قتله ويحاولون صده، ويغرونه بالملك وبالمال وبالنساء، ويرهبونه بتعذيب أصحابه وأتباعه، ويشتمونه ويتهمونه، والنبي صلى الله عليه وسلم ثابت ثبوت الجبال الرواسي، وقد تهتز الجبال وتتزلزل ولا يهتز صلى الله عليه وسلم.

    وقبل الهجرة جاءته قريش يعرضون عليه الملك والنساء والمال، على أن يترك الدعوة إلى دين الله، حتى كاد أبو طالب أن يغرى بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أدع هذا الأمر ما تركته، حتى يقضي الله أمره أو أهلك دونه).

    أي: لن أترك ما أمرني الله به إلى أن أموت أو أنتصر، فهو قد مات عليه الصلاة والسلام كما يموت كل حي، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، لكن لم يلق الله إلا بعد النصر وبعد العز، وبعد الغلبة، وبعد عودته إلى مكة عزيزاً منصوراً مظفراً، قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد [القصص:85] أي: حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً من مكة إلى المدينة وهو في الطريق أنزل عليه يبشره بأنه سيعود إلى مكة منتصراً، فبشر بذلك المسلمين، وما كادت السنة الثامنة من الهجرة تقبل وتهل إلا ودخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة عزيزاً مظفراً منصوراً، دخل القبلة المحمدية، ومكان الحج والمناسك التي فرض الله على كل مسلم في الأرض أن يأتيها حاجاً مرة في العمر إن كان مستطيعاً، ويستحب مرة عند كل خمس سنوات، كما في مسند الإمام أحمد.

    وقوله: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب:18].

    (هلم) اسم فعل أمر مبني على السكون دوماً، بمعنى : أقبل إلينا، ويخاطب بها المفرد والمثنى والجمع بصيغة واحدة: هلم يا رجل، هلم يا امرأة، هلم يا رجلان، هلم يا امرأتان، هلم يا رجال هلم يا نساء، وهي بمعنى الإقبال والقدوم.

    وقوله: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18].

    أي: لا يأتون القتال إن أتوا، والبأس: الحرب والقتال، لا يأتونه إلا قليلاً، بلا رياء ولا صدق ولا إخلاص يحذر الله نبيه والمؤمنين من هؤلاء المنافقين أن يصدقهم وأن يقبل قولهم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3027469385

    عدد مرات الحفظ

    725688161