إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [70-75]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اجتمع عبدة الأوثان من قوم إبراهيم وأرادوا الانتصار لأوثانهم، فعزموا على إحراقه فنجاه الله من كيدهم، ورزقه ذرية طيبة صالحة، وهاجر مع سيدنا لوط الذي أرسل إلى القوم الفاسقين فكذبوه فدمرهم الله بما هو معروف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين)

    قال الله تعالى: وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ [الأنبياء:70].

    لا نزال مع خليل الله إبراهيم أبي الأنبياء صلوات الله عليه وعلى نبينا، وهو بين أعدائه عندما دعاهم إلى الله، وإلى عبادته وحده، وإلى ترك التماثيل والأصنام وما يعبد من غير الله من الأباطيل والأضاليل والتهاويل، وقد قال لهم: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:67] .

    عندما قال لهم ذلك وسبهم وشتمهم ولم يهتم بهم ولا بملكهم ولا بسلطانهم، وقد عجزوا عن الدليل والبرهان عادوا إلى تجبرهم واستغلال حكمهم وجاههم، فقالوا: حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ [الأنبياء:68].

    فقال الله جل جلاله: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] .

    كل هذا قد مضى، يقول ربنا: وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا [الأنبياء:70] أرادوا به مكراً، وأذية وظلماً انتصاراً لآلهتهم المزيفة، ولأحجارهم التي لا تعي ولا تعقل.

    قال تعالى: فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ [الأنبياء:70].

    قد خسروا نفقتهم، وخسروا كيدهم وسلطانهم، وخسروا دنياهم وأخراهم، وكانوا الأذلين والمهزومين والخاسرين.

    والأخسر على صيغة أفعل أي: كانوا هم يريدون هذا بإبراهيم، فكانوا هم المهزومين الخاسرين، بل الأخسر والأظلم والأذل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين)

    قال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:71].

    نجى الله إبراهيم بعد أن صنعوا له الكيد في أن يحرقوه، وطالما اجتالوا بذلك ليالي وأياماً حتى اشتد اللهب وقذفوه بمنجنيق، وبقي أياماً في النار، ما كانوا يظنون إلا أنه أصبح رماداً مع الأحجار والوقود والأشجار، وإذا به يخرج وهو جالس يسبح الله ويحمد الله، ولم يحترق منه إلا الوثاق الذي وثقوا به يديه ورجليه.

    وعندما جاءه جبريل وهو يقذف قال له: (هل لك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فبلى).

    وقال عن ربه: (علمه بحالي يغني عن سؤالي. ثم قال: حسبنا الله ونعم الوكيل).

    فكان الله حسبه، وكان وكيله كما فعل مع خاتم الأنبياء من ذريته عندما قالوا له: إن القوم قد جمعوا لك وتآمروا عليك فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فكان هذا الذكر هو الواجب على كل من يقال له: إن أعداءك تآمروا عليك، إنهم أرادوا بك الكيد فليقل: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله حسبه ووكيله، ومن كان الله وكيله لا يضره شيء لا من السماء ولا من الأرض.

    قال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا [الأنبياء:71] بعد أن صنع فيه هؤلاء ما صنعوا حرمهم الله بركة نبي الله بين ظهرانيهم، وأمره بالهجرة والخروج من بينهم، كما أمر بعد ذلك سليله محمداً صلى الله عليه وسلم عندما تألبوا عليه، فهجرهم وذهب إلى المدينة المنورة.

    وكذلك إبراهيم أنجاه الله من أرض العراق حيث نشأ وولد في مدينة الكوفة في عصر النمرود المتأله الجبار، الطاغية الكافر الذي حاول بطغيانه أن ينال من إبراهيم، فنصر الله إبراهيم عليه نصراً عزيزاً مؤزراً، وسلط على النمرود وقومه أحقر وأصغر خلقه، سلط عليهم البعوض، فكانت البعوضة تدخل الأذن، ثم الخياشيم، وتظل تتحرك إلى أن تصل إلى المخ والدماغ؛ فيموت هلاكاً.

    قال الله بعد ذلك: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا [الأنبياء:71] أنجى إبراهيم وقريبه النبي لوطاً ابن أخيه، وكان قد آمن به كما آمنت به ابنة عمه سارة ، وخرج مهاجراً من أرض العراق إلى الشام هو وابن أخيه لوط، وزوجته وابنة عمه سارة ، وترك أرض الكفر فاراً إلى عبادة الله، حيث لا يظلم ولا يؤذى ولا يحال بينه وبين الدعوة إلى الله وإلى عبادته وتوحيده.

    فذهب إلى حوران من أرض الشام، وكانت بذلك نجاته من ظلم الظالمين، وبذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (أرض الشام هي أرض الهجرة بعد الهجرة، أرض مهجر إبراهيم عليه السلام) .

    وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:71] يقول تعالى: إنه أنجى وأنقذ نبيه وخليله إبراهيم وابن أخيه نبي الله ورسوله لوطاً إلى الأرض المباركة التي بارك فيها للعالمين.

    وجمهور المفسرين يرون أن الأرض المباركة هنا هي أرض الشام، فهي مباركة بثمارها، وزروعها، مباركة حيث هي أرض المنشر والمحشر، وفيها ينزل عيسى عليه السلام، وحيث اختارها الله هجرة لخليله وأبي أنبيائه إبراهيم عليهم السلام.

    ولكن ابن عباس يقول: بل الأرض المباركة هي مكة، وتلا قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:96-97] فقد سماه الله مباركاً، وقال الله عنها: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ).

    وابن عباس كان يقول: المقام هي مكة كلها، وليس الحجر الذي تصلى فيه الركعتان فقط، وأن من طاف بالكعبة سبعاً، وصلى في البيت ركعتين فقد صلى في المقام، وقام بما طلب منه بعد الطواف.

    لا شك أن مكة مباركة، ولا شك أن مكة سيدة بلاد العالم على الإطلاق هي والمدينة المنورة، فهي منزل الوحي وخاتم الأنبياء، وهي مسقط رأس سيد البشر عليه الصلاة والسلام، وهي البقعة التي جعل الله الحج إليها فرضاً على كل إنسان، ولكن بشرط أن يكون مسلماً، فإن لم يكن مسلماً فالحج واجب عليه ولكن لا يقبل منه، ولا يجوز أن يدخل الأرض المباركة ما لم يؤمن بالله رباً، ونبيه محمداً نبياً ورسولاً صلوات الله وسلامه عليه.

    ولكن مع ذلك إبراهيم لم تكن سكناه مكة، وعندما أتى بإسماعيل قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم:37] يقول: من ذريتي، أي: ببعض ذريتي.

    وعندما أتى به مع أمه تركه وعاد إلى الشام، وكان يتردد عليه ولم يأت بكل أهله ولا أولاده، ولم يأت بـسارة ولا إسحاق ولا أحفاده.

    ولكن رأي ابن عباس له حرمته ومقامه، وهو حبر القرآن، وابن عباس المكي المدني. ولقائل أن يقول: هو أعلم بهذا.

    قال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:71] والبركة: النماء والخير، بارك فيها للعالمين، وجعلها أرضاً مفتوحة لكل مسلم، وفيها من المياه أنهر عدة، وفيها من الغابات، وفيها من الزروع والثمار والفواكه، وفيها من الأنعام، وفيها من اعتدال الجو بالنسبة لغيرها صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً.

    وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:71] لكل الناس، كانت كذلك ولا تزال، ولذلك جاء في الأثر النبوي والحديث: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم).

    وهي الأرض المباركة، وفيها أرسل أكثر أنبياء الله، وما من نبي إلا كان منها أو ذهب إليها ورحل، ومن هؤلاء نبينا عليه الصلاة والسلام رحل صغيراً قبل النبوة مع عمه أبي طالب أولاً، ثم بعد ذلك مع مولاه زيد لتجارة خديجة بنت خويلد التي كانت بعد التجارة أم المؤمنين الأولى، وزوجته الأولى التي لم يتزوج عليها إلى أن ماتت رضوان الله عليها.

    قوله: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا [الأنبياء:71] ولوط كذلك من أنبياء الله نبئ بعد هجرته مع عمه إبراهيم، وسكن إبراهيم حوران من أرض الشام، وسكن لوط سدوم على بعد مائة وعشرين ميلاً في ما ذكروا.

    وذهب إبراهيم إلى مصر فوجد حاكمها لا يقل طغياناً وجبروتاً عن حاكم العراق، فترك مصر مرة ثانية، وقد كان جبارها وطاغيتها يريد أن ينال من السيدة الجليلة سارة بسوء، ولكن الله تعالى أبعده عنها.

    وعندما اجتمع بها ما رآها إلا وحشاً كاسراً، لا يكاد يحاول مس يده إلا ويشل، ويرى في سارة وحشاً ضارياً يكاد يفترسه، وإذا به يصيح: أبعدوا عني هذا الشيطان، ليس هي بإنسان، وكان ذلك عندما قيل لهذا الطاغية: رجل جاء من العراق عنده أجمل النساء، وكان هذا الفاسق الفاجر إذا سمع بجمال امرأة ينالها على أية حال كان الأمر.

    وعندما أتي إليه بإبراهيم وقد طلبه قال له: من هذه منك؟ قال: أختي، يعني: أخته في الإنسانية، وأخته في الإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة...)

    قال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ [الأنبياء:72].

    استجاب الله لطلب إبراهيم ودعائه وندائه، وكان قد تجاوز المائة عام، قال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:100] .

    دعا أن تكون له ذرية صالحة، فاستجاب الله له بعد كبره وبعد عقم سارة ، فولدت سارة بعد أن تجاوزت التسعين إسحاق، وولدت هاجر إسماعيل الأب الأعلى لنبينا صلوات الله وسلامه عليه.

    فقال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ [الأنبياء:72] في هذا الوقت لم يكن إلا إسحاق، كان هبة من الله وعطية له من الله.

    قال تعالى: وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [الأنبياء:72] والنافلة: الزيادة مثلما نقول: الفرائض والنوافل، والفرائض: حق لازم وفرض على كل مسلم، والنوافل: زوائد من صلاها أجر، ومن تركها لا يأثم ولا يعاقب، وإن أصر على ذلك قد يلام على تركه سنة لم يتركها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنها على كل اعتبار ليست بفريضة، وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: التقوى إتيان الفرائض.

    ومن هنا يقول الشاعر:

    ولم أصل سوى فرض ولم أصم

    يقول عن نفسه: الذي أكرمني الله به أنني لم أترك الفرائض قط، أي: لم يترك الأركان ومتعلقاتها، وتلك التقوى عند السلف الصالح.

    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ [الأنبياء:72] أعطاه إسحاق منحة في غير وقت الولادة، وكانت سارة عقيمة، وكان إبراهيم مسناً قد رق عظمه، وكثر شيبه وضعف؛ ولذلك عندما جاءه الملائكة يبشرونه ضحكت سارة أيكون هذا وأنا عقيم! وهذا بعلي شيخاً؟ قالوا لها: أتعجبين من أمر الله! إن الله قادر على كل شيء.

    من ولد الصخر ناقة لم لا يولد إنساناً كان مسناً أو عقيماً أو لم يكن؟! فهو الذي أولد غير العقيم وهو القادر على زوال العقم من العقيم.

    قوله: وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [الأنبياء:72] ويعقوب هو ابن إسحاق أي: حفيد إبراهيم، وإبراهيم قد أكرمه الله في حياته بأن كان في بيت واحد وسلالة واحدة أربعة أنبياء، إبراهيم خليل الله، وإسحاق وإسماعيل ولداه نبيا الله المكرمان، وحفيده يعقوب، كان الأربعة أنبياء في بيت واحد؛ ولذلك سأل صلى الله عليه وسلم مرة: (من الكريم فيكم) فأخذوا يفكرون ويتنقلون بأذهانهم أنه نبي، أو فلان.. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (الكريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم نبي الله، وولد نبي الله، وحفيد نبي الله، وسبط نبي الله) .

    أربعة في سلالة واحدة، كانوا يقولون لبعضهم: أبي وجدي وولدي وحفيدي وسبطي، وهذا هو الكرم الذي لا كرم بعده، والحسب الذي لا حسب بعده، ومع ذلك فنبينا سيد الكل، وإمام الأنبياء وسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.

    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ [الأنبياء:72] طلب إبراهيم أن يهبه الله من الصالحين ولداً، فالله تعالى وهب له الصالح وأكرمه، وجعله من سادات الصالحين، وأعطاه ولداً نبياً من الصالحين وحفيداً من الصالحين، وسبطاً ليوسف من الصالحين.

    قال تعالى: وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ [الأنبياء:72] لم نقصر الصلاح على ما طلب من الولد، بل جعلنا الأب والابن والحفيد والسبط كل واحد منهم صالحاً، وهذا التنوين في لغة العرب يقال له: تنوين العوض، فهو عوض عن كلمة، وقد يكون عوضاً عن جملة.

    وكل هؤلاء إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعلنا من الصالحين، أكرمناهم، وخلقناهم، وفطرناهم ضمن الصالحين من عباد الله الأنبياء والرسل، وأتباعهم من المؤمنين الصالحين الصادقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا...)

    قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73].

    يصف الله لنا هؤلاء الكرام السادة من الأنبياء ليكونوا قدوة لنا وأسوة.

    فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90] قالها لسيد الخلق، وهي لنا تبعاً لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.

    قال عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً [الأنبياء:73] أي: سادة، ورؤساء، وقادة، وأنبياء، ورسلاً.

    قوله: يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء:73] أي: بوحينا، يهدون الناس إلى الخير، ويهدونهم من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد.

    قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:73] فكانوا أنبياء موحى إليهم، ورسلاً كراماً دعاة إلى الله وتوحيده وعبادته.

    وما الخيرات إلا الطاعات، وما الخيرات إلا العبادة، وما الخيرات إلا التوحيد، وما الخيرات إلا الإيمان بالله وحده لا شريك له، وبرسله عبيداً مكرمين، ورسلاً مبشرين ومنذرين.

    أوحى لهؤلاء السادة الثلاثة الكرام، وجعلهم أئمة في الخير وسادة للناس، وجعلهم رسلاً وأنبياءً، وأوحى إليهم من الخيرات العبادة والتوحيد والطاعة وفعل الخيرات كلها، وترك المنكرات جميعها.

    قوله: وَإِقَامَ الصَّلاةِ [الأنبياء:73] وأوحى إلى هؤلاء أن يقيموا الصلاة، والإقامة: الإتيان بالصلاة بأركانها وواجباتها وسننها وشرائطها، وصلاة كل نبي حسب شريعته.

    قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48] أي: عبادة كالصلاة، وصلاتهم الله أعلم بها، ولكنها مع ذلك لا تخرج عن التسبيح، والتمجيد، والتعظيم، والدعاء، والتوجه لله بجميع الحواس.

    قوله: وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ [الأنبياء:73] كما أوحى إليهم إقامة الصلاة والملازمة عليها، والقيام عليها أوحى إليهم أن يؤتوا الزكاة، ويعطوا قدراً معلوماً على كل مال وزراعة وتجارة، حسب شرائعه التي اندثرت ونسخت، وعوضت هذه الديانات بالدين الذي لم يقبل الله بعد الرسالة المحمدية غيره، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] .

    وكل هذه الأمة أمة محمدية، المسلم واليهودي والنصراني، ولكن المستجيب من الناس يسمون أمة الإجابة، وغير المستجيب يسمى أمة الدعوة، ويعتبرون متمردين عصاة، وقد تمردوا على طاعة نبيهم أيضاً؛ ولذلك عندما يقال: نبي العرب أو نبي الإسلام من يقول هذا يكون جاهلاً، فليس هو نبي العرب وحدهم، ولم يأت النبي بهذا فقط، بل جاء بالإسلام لكل الخلق والبشر.

    وهكذا دواليك إلى قيام الساعة، فمنذ وقف في هذه البطاح المقدسة، وعلى هذه الجبال الشاهقة، وفي هذه الأرض المباركة وهو يقول: إني رسول الله إليكم جميعاً، لزم على كل من بلغته الدعوة أن يقول: سمعاً وطاعة، لبيك يا محمد، لبيك يا رسول الله، فإن لم يفعل اعتبر متمرداً كافراً مشركاً، إلا أن يتوب الله عليه قبل أن تصل روحه إلى الحلقوم.

    قوله: وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73] هذا هو المدح والإطراء الذي لا يعلوه مدح، الله جل جلاله يثني على عباده هؤلاء الذين خلدوا إلى أبد الآباد في الدنيا، وسيخلدون كذلك مع المؤمنين في الآخرة، أشاد الله بهم أعظم إشادة هنا، وفي غير ما آية وما سورة.

    وقال خاتماً هذه الآية: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73] أي: موحدين، ومختصين بالعبادة، لم يشركوا معنا غيرنا، لم يطيعوا غيرنا، لم يعبدوا سوانا، وكانوا عابدين موحدين مطيعين لما أمروا به، وهكذا أثنى الله تعالى على هؤلاء السادة النجب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً ...)

    ثم انتقل بنا إلى الكلام على لوط فقال تعالى: وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [الأنبياء:74].

    أي: اذكر يا محمد لوطاً، فهو كذلك ممن أكرمناه واصطفيناه، وآتيناه الحكم والعلم، آتاه الله الحكم نبياً رسولاً يحكم في أتباعه والمؤمنين الذين آمنوا به، وآتاه الله علم الحقائق بمعرفة الله ومعرفة أنبيائه، ومعرفة أن هذا الكون بعلوه وسفله وشرقه وغربه وشماله وجنوبه وما بينها هي كلها خلق الله.

    والله هو الذي فطرها وابتدعها على غير مثال سابق، وكل ما على العالم خلق الله وعبد لله، والكل آتيه عبداً طائعاً إلى الجنة أو مكرهاً إلى النار.

    قوله: وَلُوطًا [الأنبياء:74] نصب على حذف الفعل، قال: وَلُوطًا آتَيْنَاهُ [الأنبياء:74] تقديم وتأخير، أي: آتينا لوطاً حكماً وعلماً، آتاه الله الحكم والنبوة، وأرسله إلى قوم سدوم من أرض فلسطين، من أرض الشام.

    وآتاه العلم الذي به دعا الخلائق، دعا قومه وعشيرته ومن أرسل إليهم إلى عبادة الله؛ فحورب، وكادوا يبطشون به، ولكن على عادة ربنا مع عباده المكرمين أن النصر لهم في النهاية.

    قوله: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ [الأنبياء:74] أي: القرية التي كانت تعمل الخبائث التي لم تسبق لها، ولم يسبق أن كان مثلها قبلهم، فقد كانوا يأتون الذكران دون النساء، وكانوا يأتونهم في المجالس، وكانوا مشتملين على أنواع من المنكرات والفواحش يكاد يعجز عنها الشيطان.. إلى أن بلغ بهم الأمر عندما جاء ملائكة من الله رسلاً للوط، حيث جاءوا في صور الشباب الصغار المراهقين، والملك له من قوة التطور ما أعطاه الله، وإذا بهم جاءوا بتجسس من امرأة لوط التي كانت كافرة، والتي لم تكرم بالإيمان به رغم كونها زوجته، وكانت في بيته، ونشأت بين جناحيه وفي حضنه.

    فجاءوا مسرعين يريدون الفاحشة؛ فأنذرهم لوط ونصحهم، فلم يزدادوا إلا عتواً.. إلى أن خرج أحد هؤلاء فضربهم بيده فعموا جميعاً، ثم عوقبوا بأن جعل الله الأرض عاليها سافلها، وجاء جبريل ومن معه فحملوا أرض سدوم ورفعوها إلى السماء إلى أن سمعت ملائكة السماء صياح ديكتهم وحيواناتهم.

    ثم قلبوها على الأرض، فأصبح عاليها سافلها، وأتبعوا بالرجم والصواعق، فأصبحوا كأمس الدابر وكأنها لم يكن، وهكذا الذي يحاول أن يتجاوز الحرام، ويحاول أن يستمر في الكفر ويصمم عليه فإن الله يمهل ولا يهمل، فقال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ [الأنبياء:74] أي: كما أنجاه وهو في العراق مع عمه إبراهيم فأخرجه من العراق ونجاه من النمرود وقومه، كذلك عندما أتى إلى سدوم وأرسله الله نبياً إليهم فكانوا أفسق وأفجر الناس، أنجاه الله منهم مرة أخرى، بأن بددهم ودمرهم، وسحقهم سحقاً.

    قوله: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ [الأنبياء:74] الخبائث: هي هذه المعاني التي أشرنا إليها ومضت لنا في السورة الماضية، وتأتي كذلك بعد.

    قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [الأنبياء:74].

    قال تعالى عن أهل سدوم: إنهم كانوا قوم جريمة وسوء وفسق ومعصية، قوم منكرات وخبائث.

    فاسقين أي: خارجين عن الطاعة والإيمان، خارجين عن الأخلاق التي يجب أن تكون في الإنسان المؤمن المطيع.

    ثم انتقلنا من بعد ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط إلى ذكر نوح، ومن هنا كانت السورة اسمها: سورة الأنبياء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين)

    قال تعالى عن لوط: وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [الأنبياء:75] أدخل لوطاً في رحمته وجنته ورضاه وكرمه. وهكذا عندما الله يرضى عن إنسان ويرحمه يعطيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويعطيه في الدنيا قبل الآخرة، وللآخرة خير وأكرم للمتقين الهداة الصالحين.

    قوله: وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا [الأنبياء:75] أي: في رضانا وطاعتنا، وفي حسناتنا وأجورنا.

    قوله: إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [الأنبياء:75] أي: إن لوطاً من الصالحين، فالله أثنى عليه بالصلاح، وهو من عباد الله الصالحين، ومن أنبيائه ورسله المصطفين من خلقه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3028172859

    عدد مرات الحفظ

    725830216