إسلام ويب

يا من طال بعدهللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شهر رمضان هو شهر القرآن، ففيه نزل، وفيه يتلى كثيراً في القيام وغيره، وهو شهر الصدقات والعطاءات والإحسان والبذل والجود. وفي هذا الشهر تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتسلسل الجان، وفيه تتنزل رحمات الرحمن، وفيه تفتح أبواب العفو والغفران. وقد كان السلف يجتهدون في هذا الشهر ما لا يجتهدون في غيره، فكانوا يقومونه ويصومونه، ويكثرون فيه من قراءة القرآن، والتقرب بالطاعات إلى الرحيم الرحمن.

    1.   

    أطيب النفحات

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها؛ فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة من رحمة الله لا يشقى بعدها أبداً)، وأطيب النفحات وأرقها نفحات رمضان.

    الخير باد فيك والإحسان والذكر والقرآن يا رمضان

    والليل فيك نسائم هفهافة حنت لطيب عبيرها الرهبان

    بين الجوانح في الأعماق سكناه فكيف ينسى ومن في الناس ينساه

    في كل عام لنا لقيا محببة يهتز كل كياني حين ألقاه

    بالعين بالقلب بالآذان أرقبه وكيف لا وأنا بالروح أحياه

    في موسم الطهر في رمضان الخير تجمعنا محبة الله لا مال ولا جاه

    فالعين دامعة والأذن سامعة والروح خاشعة والقلب أواه

    يقول مصطفى صادق الرافعي :

    فديتك زائراً في كل عام أحيي بالتحية والسلام

    وتقبل كالغمام يفيض حيناً ويبقى بعده أثر الغمام

    ولم أر قبل حبك من حبيب كفى الرهبان آثار القيام

    فلو درت العوالم ما درينا لحنت للصلاة وللصيام

    هبت على القلوب اليوم نفحة من نفحات نسيم القرب، وسعى سمسار الوعظ للمهزورين للصلح، وصلت البشارة للمنقطعين.

    فيا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، ويا شمس التقوى والإيمان على القلوب أطلعي، ويا عين المتهجدين في ليل رمضان لا تهجعي، ويا همم المحبين بغير الله لا تقنعي.

    من دامت خسارته فهذه أيام التجارة الرابحة، ومن طال بعده عن مولاه فهذا وقت المصالحة، فينادى حي على الفلاح وأنت على الخسران مثابر، فإلى رمضان وإلى الصيام وإلى القيام.

    1.   

    فضائل الصوم

    قبل أن نتكلم عن هذا الشهر نقول: للصوم فضائل ومزايا، فمنها ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي أمامة الباهلي : (عليك بالصوم فإنه لا عدل له) وفي رواية: (عليك بالصوم فإنه لا مثل له).

    فكان أبو أمامة الباهلي لا يرى في بيته نار إلا في حضرة الضيف، ومعنى هذا: أنه كان يسرد الصوم سرداً.

    ويحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

    وهذا الحديث ورد بثلاث روايات كل رواية أفادت معنى جديداً:

    الرواية الأولى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له كفارة إلا الصوم فإنه لي).

    يقول العلماء: قد يأتي الإنسان يوم القيامة وعليه غرماء، فيأخذون من حسناته، من ثواب الصلاة، وقراءة القرآن والذكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما ثواب الصيام فكما قال سفيان بن عيينة : لا يأخذ الغرماء منه شيئاً، بل يختم الله تبارك وتعالى عليه ويدخل صاحبه به الجنة.

    الرواية الثانية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).

    فالمولى تبارك وتعالى الجواد الذي جاد بكل من جاد، والذي علا جوده على كل جواد، من تفضّله ومن كرمه على عباده يزيد ثواب الحسنات إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ولا يزيد ثواب أي عمل فوق السبعمائة ضعف بأي حال من الأحوال إلا الصبر؛ لقول الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، والصوم مثل الصبر، بل تجتمع فيه معاني الصبر الثلاثة: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة، ولذلك استثنى الله عز وجل ثواب الصوم وزاده فوق السبعمائة ضعف.

    الرواية الثالثة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).

    فالصلاة لله تبارك وتعالى، وكل العبادات له تبارك وتعالى، فلم أتى الله تبارك وتعالى إلى عبادة بعينها وهي الصوم ونسبها إلى نفسه دون باقي العبادات؟ إنما هي نسبة تخصيص وتشريف، كما نسب الله عز وجل إلى نفسه البيت الحرام فقال: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج:26] مع أن كل المساجد لله.

    وقال العلماء عن سبب تخصيص الصوم بنسبته لله تعالى: أن الصوم له خاصية ينفرد بها عن بقية العبادات، فحشوه الإخلاص ولا رياء فيه، ومتى صح الصوم من الناحية الفقهية فلا رياء فيه، قال الإمام أحمد : لا رياء في الصوم.

    أما الصلاة فقد تصح من الناحية الفقهية ثم يضرب بها وجه صاحبها يوم القيامة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غير الدجال أخوف عليكم شرك السرائر، أو الشرك الخفي، قالوا: وما شرك السرائر يا رسول الله؟! قال: أن يقوم الرجل فيصلي فيطيل في صلاته؛ لما يرى من نظر الرجل إليه).

    وأول من تسعّر بهم النار ثلاثة: رجل ظنه الناس مجاهداً في سبيل الله، وآخر ظنوه عالماً وقارئاً، وثالث ظنوه الناس متصدقاً، فهؤلاء أول من تسعّر بهم النار؛ ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إلا الصوم فإنه لي)؛ لأنه عبادة محشوة الإخلاص، وهي عبادة السر كما قال العلماء.

    المعنى الذي بعد ذلك: أن الله تبارك وتعالى جبل الإنسان على شهوات البطن والفرج والفم، وكلما تحرر من هذه القيود التحق بالملأ الأعلى، وإن كان في أي عبادة من هذه العبادات لا يتحرر مطلقاً من هذه الشهوات؛ لأنه تكره الصلاة بحضرة الطعام، وفي الحج يمتنع الإنسان عن الجماع ولكنه يأكل لذيذ الطعام، أما في الصيام فينكد نفسه بالساعات حتى يحس ويشعر بألم فقده لهذه الشهوات التي جبل عليها، فطوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الكامل، وطوبى لمن جوّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، وطوبى لمن ترك شهوات حياة عاجلة لموعد غيب لم يره.

    يشتد عطشك إلى ما تهوى فارصد آمال الرجاء إلى من عنده ري كامل، وقل: قد عيل صبر الطبع في سنيه العجاف، فعجل لي العام الذي فيه يغاث الناس ويعصرون.

    من صام عن شهواته أدركها في الجنة، ومن صام عما سوى الله فذاك عيده يوم لقاء ربه.

    وقد صمت عن لذات دهري كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين عاماً) فكيف بصيام ثلاثين يوماً! وفي رواية: (سبعين خريفاً).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة من النار).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله بوعدت عنه النار مسيرة مائة عام).

    يحكي أحد الصحابة أنهم كانوا في سرية بحرية، فبينما هم على المركب إذ سمعوا هاتفاً من فوقهم يقول: أيها الناس! ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه يوم خلق السماوات والأرض؟ قالوا: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله تعالى قضى على نفسه أنه من صام يوماً في سبيل الله سقاه الله يوم العطش، يقول الله تبارك وتعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    قال مجاهد : هذه آية الصائمين، تمد لهم موائد الإنعام من رب البرية، والناس ما بعد يحاسبون في عرصات القيامة، كل يا من لم تأكل، واشرب يا من لم تشرب.

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) وخلوف الفم: هو تغير رائحته من آثار الصيام، حتى إذا مر الرجل الصائم برجل من أبناء الدنيا من أهل الكروش يقول صاحب الدنيا: ابتعد عني فإن رائحة فمك تؤذيني، فماذا يكون الجزاء؟ يُطيب الطيب بعطر أفواههم، وليس هذا فقط، بل لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.

    وكما يقول مكحول : يروح على أهل الجنة برائحة ما وجدوا خيراً منها، فيقال: يا رب! ما هذه الرائحة؟ فيقال: هذه رائحة أفواه الصائمين، إذا ما انفرجت الشفاه تخرج رائحة تعطِّر الجنة بأسرها، ولا تحتاج الجنة إلى عطر وإنما هذا جزاء تغير رائحة الأفواه في الدنيا.

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون لا يدخل معهم غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق من ورائهم، من دخل منه شرب، ومن شرب لا يظمأ أبداً).

    من دخل منهم شرب وهم يحتاجون إلى الشرب في يوم يطول خمسين ألف سنة، ما ذاقوا فيه طعاماً، ولا شربوا شراباً حتى تقطعت أجوافهم عطشاً، وحتى يسمع لصوت الأجواف غليان، يقول سلمان الفارسي : تقول الأجواف: غط غط، وهذا صوت الغليان، فكيف إذا كان الجزاء دخولهم من الريان.

    إن الرجل إذا سار في الصحراء واشتد به الظمأ، وأشرف على الهلكة ثم قيل له: هذا ماء، فإنه يرتوي تلقائياً حتى ولو لم يشرب، فكيف إذا طال العطش ثم قيل: هذا الباب يسمى الريان؟

    الريان من الري، والري: ضد الظمأ، قابل الله تبارك وتعالى عطشهم بمسمى باب يبعث على الراحة، وأول الغيث قطرة، فما ظنك بالداخل؟! فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

    خذني إلى بيتي أرح خدي على عتباته

    وأبوس مقبض بابه

    خذني إلى وطني أموت مشرداً

    إن لم تكحِّل ناظري بترابه

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ختم له بصيام يومه دخل الجنة) .

    يا إخوتاه! أحدنا يؤثر الظل على الشمس، فما بالنا لا نؤثر الجنة على النار؟ أفلا تساوي الجنة نقلة من الشمس إلى الظل؟ إذاً: فاجعل الصوم سبيلاً للجنة، فاستمسكوا بهذا السبيل، فإنه سبيل للجنة.

    والصوم مكفرة للسيئات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فتنة الرجل في ماله وأهله وولده وداره ونفسه تكفرها الصلاة والصيام والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

    فهذه معان عظيمة في الصوم لا بد أن نحياها، وأيضاً الصائم له دلال على الله تبارك وتعالى، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين).

    سبحان الله! أنت تأكل والله تبارك وتعالى يصلي عليك، فتكون كأم موسى تُرضع ولدها وتأخذ أجرها من فرعون؛ لأنه لا يعلم أنه ابنها، فيكون حالك في توكلك على الله تبارك وتعالى، وصدقك معه في أرقى المرتب؛ فأنت تأكل والله تبارك وتعالى تتنزل عليك رحماته، والملائكة تستغفر لك.

    يا أخي! كم من ملك في السماوات والأرض ما ذاقت أعينهم غمضة، وما ذاقوا طعاماً، ولا شربوا شراباً منذ أن خلقهم الله تبارك وتعالى، ليست لهم منحة تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، وليس لهم عبير (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) لأن هذا فرق ما بين صيامنا وبين صيام ضلال النصارى، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فرق ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)؛ لأنهم لا يتسحرون، ولذا سماه الرسول صلى الله عليه وسلم الغذاء المبارك، فقال: (قم بنا إلى الغذاء المبارك).

    وسماه أيضاً: الفلاح، يقول الصحابة: (وما كنا ننصرف إلا في طلوع الفجر خشية أن يفوتنا الفلاح).

    فعلق الله تبارك وتعالى فلاح هذه الأمة بأن تكون أمة فريدة في خصالها، فلا تتشبه باليهود ولا بالنصارى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجلت أمتي الفطر).

    وقال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر).

    وقال: (لا تزال أمتي على سنتي ما عجّلت الفطر قبل اشتباك النجوم)؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون الصيام إلى اشتباك النجوم، فكل ما في الأمر عبودية لله تبارك وتعالى، فسارع بالإفطار حتى ولو كان هوى نفسك أن تواصل، تسارع بالإفطار إرضاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتؤخر السحور إرضاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفيذاً لأمره صلى الله عليه وسلم المبلّغ عن ربه، وهو الذي لا ينطق عن الهوى.

    1.   

    حال السلف مع الصوم

    قارنوا يا إخوتاه بين أحوالنا وبين أحوال عباد السلف، وبين أحوال الأنبياء، فكان داود أعبد الناس، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً.

    وهذه السيدة حفصة بنت عمر رضوان الله عليها زوج رسول الله، كان للصيام أثر طيب في حياتها، وقد أبقاها الله زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله -كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة-: طلقها ذات يوم، فنثر عمر التراب على وجهه، وقال: ما أصبح الله يبالي بـعمر ولا بابنة عمر ، فنزل جبريل من السماء وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة ؛ لأنها قوامة صوامة، وإنها زوجتك في الجنة.

    والسيدة عائشة رضوان الله عليها كانت تسرد الصوم سرداً، وكذلك إمام أهل السنة وعالم المدينة مالك بن أنس ، وكذا عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، سرد الصوم ستين عاماً، يصوم يوماً ويُفطر يوماً، ومات وهو صائم.

    وداود بن أبي هند سرد الصوم أربعين سنة، كان يأخذ طعامه من البيت فيتصدق به في عرض الطريق، فيظن أهل البيت أنه قد تناول ما أخذ من طعام، ويظن أهل السوق أنه قد أكل ما أخذه من البيت، بقي على هذا أربعين سنة، لا يشعر به زوجه، أو أهله.

    سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلى السرائر

    وهذا الإمام إبراهيم بن إسحاق النيسابوري إمام جليل من أئمة هذه الأمة تلميذ الإمام أحمد بن حنبل ، وصاحب كتاب مسائل الإمام أحمد ، هذا الإمام العابد كان نسيج وحده في الصيام، لدرجة أن الإمام أحمد وهو إمام أهل السنة يقول لابنه إسحاق: ومن يطيق ما كان يطيق أبوك؟! هذا الإمام ضل ستين سنة يسرد الصوم سرداً، لا يفطر إلا الأيام التي يحرم فيها الصوم. فلما جاءه الموت قال لابنه: يا بني! قرِّب إليّ قدحاً من الماء لأشرب، ثم قال لابنه: يا بني! هل غربت الشمس؟ قال: لا يا أبت! قال: فنح القدح إذاً، ثم مات وهو يتلوا قول الله تبارك وتعالى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61].

    فأديموا الصيام يا إخوتاه، وافرحوا بصومكم، افرحوا بعبادة تقربكم من الله تبارك وتعالى.

    1.   

    خصائص شهر رمضان

    أما عن رمضان، وما أدراك ما رمضان! فهو تاج على مفرق الدهور وممر الأعوام، له خصائص طيبة تميّز بها عن باقي الشهور، وهي كالتالي:

    الأولى: أنه شهر يزاد فيه ثواب الأعمال؛ لقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي).

    والعمرة: سنة مؤكدة على أرجح أقوال العلماء، ولا تصل إلى ثواب الحج وهو فرض، فيضاعف الله تبارك وتعالى ثواب العمرة في رمضان حتى تصير مثل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن ثواب الأعمال يضاعف في رمضان، وكذلك ثواب الصدقات، وثواب الصلاة، وثواب القيام، كل هذا يضاعف، فما ظنكم بالثواب المضاعف ويُضاعف؟! فاتق الله تبارك وتعالى، ولا تبع الليل ولا رمضان بلقمة بها تُحرم منحة (تتجافى)، وبها تُحرم عتاب: (كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني)، أليس كل حبيب يحب الخلوة بحبيبه؟

    يا إخوتاه! إذا جن الغاسق حن العاشق، وقلوب المحبين جمرة تحت شحمة الليل، إذا هب عليها نسيم السحر أجج ما فيها من شوق إلى الله تبارك وتعالى، فاحرصوا على لحظات رمضان.

    أخي! قد قيد الصد قدميك، وغل الإبعاد يديك، أفما لك عين تبكي لو بعت لحظة من رمضان بملك قارون في عمر نوح، ولو فعلت لغبنت وما ربحت، فحافظ على هذه الأنفاس التي تخرج إلى الله تبارك وتعالى، واملأها بجواهر تزيد في ميزان أعمالك يوم لقي الله تبارك وتعالى، وهنا يفرح الصادقون.

    الخاصية الثانية لرمضان: أنه شهر نزول القرآن، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].

    وفي نزول القرآن في رمضان قولان:

    الأول: قال ابن عباس : معنى نزوله: أن نزوله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا كان في رمضان.

    ونحن نؤمن باللوح، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى خلق لوحاً من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء، عرضه ما بين السماء والأرض، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء).

    المعنى الثاني: أن بدء نزول القرآن الكريم على قلب رسولنا صلى الله عليه وسلم، بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام كان في ليلة القدر في رمضان.

    وهو شهر نزول كل الكتب السماوية؛ لحديث واثلة بن الأسقع -وحسنه الشيخ الألباني - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان) على اختلاف العلماء في تحديد ليلة القدر، وأن الوتر يكون باعتبار ما مضى من الشهر، فإذا عددت من أول الشهر تكون ليلة واحد وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين هي أرجى الليالي موافقة لليلة القدر.

    وإذا عددت من آخر الشهر؛ لحديث أبي سعيد الخدري لواحدة بقين، لثلاث بقين، لخمس بقين، فبهذا الحساب من آخر الشهر قد تكون ليالي الوتر وترية باعتبار ما تبقى من الشهر، وتكون شفعاً باعتبار ما مضى من الشهر.

    إذاً: فشهر رمضان شهر نزول كل الكتب السماوية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية .

    قال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:51] فالقرآن كاف لكل ذي لب.

    1.   

    فضل قراءة القرآن

    أين نحن من القرآن ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (من سرّه أن يُحب الله ورسوله فلينظر في المصحف)، فأينا لا يسرّه أن يحب الله تبارك وتعالى؟

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكلام أقواماً ويضع به آخرين).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية كنت تقرأها).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من علم آية من كتاب الله فله ثوابها ما تليت).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له به أجران).

    1.   

    سير السلف في قراءة القرآن في رمضان وغيره

    مزامير الأنس، من حضرة القدس، بألحان التوحيد، من رياض التمجيد، هذا طعم الخبر ، فكيف بطعم النظر!

    آيات منزلة من حول العرش، الأرض منها سماء فهي منها نجوم، فلم لا تقبلون على كتاب الله تبارك وتعالى؟ يقول عثمان بن عفان : لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم.

    يقول أحمد بن أبي الحواري: إني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنؤهم النوم ومعهم القرآن! أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا.

    يا إخوتاه! هذا شهر يستحب فيه ختم القرآن في أقل من ثلاث، وعليه عمل السلف في هذه الأمة وعبّادها، فـالشافعي كانت له ستون ختمه في شهر رمضان، يعني: أنه يتلو القرآن مرتين يومياً بواقع ستين جزءاً، وأقسم بالله إني لأعلم شباباً يقرءون القرآن في سبع ساعات حدراً لا يخطئون خطئاً واحداً، ففي سبع ساعات يمرون عليه مروراً.

    وعليه قول الإمام مالك فقد سئل الإمام مالك عن رجل يقرأ القرآن كل ليلة ويختمه، فقال: القرآن إمام كل خير، وأمام كل خير.

    وهذا قول أحمد ، وقول إسحاق بن راهويه أنه لا يكره الختم في أقل من ثلاث؛ لأن هذا فقط في الأيام التي يرجى فيها الخير ويستحب فيها الدعاء، وليس هذا ديمة، فأديموا مع القرآن وقوفكم.

    عجباً لك يا أخي! يأتيك خطاب من ابن عمك ربما كان لا يساوي خردلة في ملك الله، فتقرأه في الطريق ولا تستمهل أن تصل إلى البيت فتقرأه! وأمامك كتاب الله تبارك وتعالى فلا تسعد عينك بالنظر إليه!

    أحد تابعي هذه الأمة -وكان ضريراً- سأل الله تبارك وتعالى أن يمن عليه بالبصر وقت قراءة القرآن فقط، فكان إذا قرأ القرآن عاد إليه بصره.

    رميت ببين منك إن كنت كاذباً وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح

    وإن كان شيء في الوجود سواكم يقر به القلب الجريح ويفرح

    هوى غيركم نار تلظى ولحظة وحبكم الفردوس بل هو أفسح

    اسمعوا إلى الطيب الحيي سيدنا عثمان بن عفان ذي النورين لما قتلوه بكت زوجته نائلة ، تصوروا يا إخوتاه رجال من هذه الأمة ينتسبون إلى هذه الأمة يقتلون عثمان ذا النورين ! أناس تمتد أيديهم إلى ذي النورين الذي تستحي منه الملائكة، ويقتلونه وهو يقرأ القرآن، فيسيل الدم على قول الله تبارك تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137].

    تقول زوجه: قتلتموه وإنه كان يحيي الليل كله بالقرآن، ويقرؤه كله في ركعة واحدة، وفيه نزل قول الله تبارك وتعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9] .

    فأين نحن من تلاوة القرآن؟ أين نحن من تدبر القرآن؟ أين نحن من الرجوع والتحاكم إلى القرآن؟

    يا أخت أندلس عليك سلام هوت الخلافة عنك والإسلام

    طوي الهلال عن السماء فليتها طويت وعم العالمين ظلام

    وقال الآخر:

    بكت الصلاة وتلك فتنة عابث بالشرع عربيد القضاء وقاح

    أفتى خزعبلة وقال ضلالة وأتى بكفر في البلاد بواح

    ضجت عليكِ ممالك ومآذن وبكت عليكِ منابر ونواحي

    فالصين والهة ومصر حزينة تبكي عليكِ بمدمع سحاح

    والشام تسأل والعراق وفارس أمحى من الأرض الخلافة ماح

    خطب أتى طول الليالي دونه قد طاح بين عشية وصباح

    وعلاقة فصمت عرى أسبابها كانت أبر علاقة الأرواح

    نزلت صفوف المسلمين ودمعهم في كل غدوة جمعة ورواح

    فلتسمعن بكل أرض داعياً يدعو إلى الكذاب أو لسجاح

    ولتسمعن بكل أرض فتنة فيها يباع الدين بيع سماح

    يبكى على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس وحقدها الملحاح

    إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:40].

    1.   

    فضل قيام الليل في رمضان وغيره

    الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله حبيب قلوب الوالهين، ومنتهى رغبة السالكين، ومحط آمال الراحلين.

    ورمضان يا إخوتاه شهر القيام، وشهر التراويح، وشهر التهجد، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها، وباطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟! قال: لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام).

    شهر رمضان يا إخوتاه شهر الإخلاص في الصوم والقيام، يقول قتادة : كان يقال: ما قام الليل منافق. والصلاة في الليل تبعث على الإخلاص، وقيام الليل ليس فيه رياء، وصحته على ركني هذا الشهر: الصيام والقيام، فبهما يطرد كل رياء من القلوب، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن رجل ينام الليل أجمعه فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) .

    يقول الحسن البصري : إنه والله بول ثقيل، يقول لك الشيطان: عليك ليل طويل فنم ولا تستيقظ، وعلى الطرف الآخر يقول الله تبارك وتعالى لجبريل: أقم فلاناً وأنم فلاناً؛ حتى لا يساوي الحيوانات العجماوات، ولا يساوي الطيور العجماوات.

    تقول السيدة عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم إذا سمع الطارق وهو الديك، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول في حديث حسنه المناوي والألباني : (لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة).

    إذاً فهذا الديك هو أحسن من بعض البشر الذين يوقظون للمعاصي، (لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة). صاح الديك فلم تنتبه، فأعاد فلم تفق، فقوى برد الجناحين فخطم خديه حزناً على مصيبته.

    قم بنا يا أخي لما نتمنى واطرد النوم بالعزيمة عنا

    قم فقد صاحت الديوك ونادت لا تكون الديوك أطرب منا

    تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17] .

    وقال تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    وقال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:1-6].

    وقال تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8]، فإذا فرغت من الفريضة فانصب لصلاة الليل، كما قال ابن مسعود .

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم).

    فعادة الصالحين الطيبين قبلكم أن يقوموا الليل، فإذا قام العابد إلى مصلاه قالت له الملائكة: طوباك سلكت منهاج العابدين من قبلك، (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة منكم إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد).

    وحينما تذهب إلى أي طبيب في أمراض الروماتيزم فكل ما يعطيك من أدوية: بلكريم ونحو ذلك، فكل هذه الأدوية مسكنة ولا تقضي على المرض، ولم يخترع علاج على مستوى العالم إلى الآن لأمراض الروماتيزم، وهناك طبيب من أعظم أطباء مصر حينما قال: لقد اخترعت علاجاً لأمراض الروماتيزم، أوقف من النقابة 6 أشهر عن مزاولة المهنة، وقد أتى بها الرسول منذ أربعة عشر قرناً.

    وهناك بحث أعده أطباء القصر العيني بالتعاون مع كلية الطب بحلوان وأشرفت عليه كل كليات الطب في العالم الإسلامي، أخذوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (ومطردة للداء عن الجسد) هذه الفقرة فقط وأجروا بحثاً على ثلاثين رجلاً يصلون التراويح، وثلاثين آخرين لا يصلون التراويح، فأثبتوا أن الذين يواظبون على صلاة التراويح ارتفعت عندهم الكفاءة الوظيفية للقلب مع مرونة جميع فقرات العمود الفقري، واختفاء كل الآلام الروماتيزمية من المفاصل، هذا لمن يطلب المادة، وأما من يطلب الآخرة فهناك شيء آخر لقيام الليل، فقد جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، ممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء)، فالذي يواظب على صلاة التراويح يكتب عند الله تبارك وتعالى من الصديقين والشهداء.

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس).

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتن، ماذا أنزل الليلة من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات) يعني: أمهات المؤمنين، (يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة).

    والمصطفى صلى الله عليه وسلم يطرق علياً وابنته فاطمة ليلاً وقال: (ألا تصليان؟ فقال علي : يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثنا ابتعثنا، يقول علي : فسمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54]).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مؤمن يسأل الله عز وجل فيها شيئاً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة).

    والرسول صلى الله عليه وسلم يمر بـسالم مولى أبي حذيفة فيجده يتهجد بصلاة الليل، فقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله).

    1.   

    سيرة السلف في قيام الليل

    قيل لسيدنا عمر بن الخطاب : ألا تنم يا أمير المؤمنين؟! فقال: كيف لي بالنوم، إن نمت بالنهار ضيعت مصالح الرعية، وإن نمت بالليل ضيعت حضي مع الله.

    لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى

    لو تفرغت لاستطالة ليلي ولرعي النجوم كنت مخلا

    وسيدنا عثمان عندما مات عمر تزوج عثمان بإحدى نسائه، فلما سألوه عن سر ذلك قال: والله ما تزوجتها رغبة في نكاح ولا ولد، وإنما تزوجتها لتخبرني عن ليل عمر .

    اللهم بغّض إلينا ساعات أكلنا وشربنا، وارزقنا سهراً في طاعتك، اللهم ارزقنا الشوق إلى لقائك، اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، رب اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، لك أوّاهين مخبتين منيبين، وتقبّل توبتنا، اللهم واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدرونا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.

    قام الخطاءون وقمنا إلى عبادتك، اللهم أصلحنا لعبادتك، اللهم أصلحنا لخدمتك، اللهم أصلحنا لخدمتك، اللهم تجاوز عن سيئاتنا .. اللهم تجاوز عن سيئاتنا، اللهم فرغ قلوبنا ممن سواك، اللهم فرغ قلوبنا ممن سواك، اللهم فرغ قلوبنا ممن سواك.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ومعذرة إن كنت قد أطلت عليكم، وأقم الصلاة.

    قال الشاعر:

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

    وهذا سيدنا أبو ريحانة الصحابي الجليل قفل من غزوه فأعدت له زوجه طعام العشاء، فأكل ثم نصب قدميه في محرابه إلى الصباح، فلما كان الصبح وأراد أن يمضي إلى الجيش قالت له زوجه: يا أبا ريحانة ! غزوت فأطلت الغزو ثم عدت، أفما كان لنا فيك نصيب؟ قال: لو خطرت لي على بال لكان لكِ فيَّ نصيب، قالت: يرحمك الله وما الذي شغلك عنا؟ قال: إني نظرت إلى ما أعد الله عز وجل للمتهجدين في كتاب الله من سندسها ومن إستبرقها، فذاك الذي شغلني عنكِ.

    وقد سأل سيدنا موسى الله تبارك وتعالى: (من أدنى أهل الجنة منزلة، ومن أعلاهم منزلة؟ فلما سأله عن أعلاهم منزلة قال: أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16])، ومعنى هذا: أن المتهجدين هم أعلا أهل الجنة منزلة، ولذلك حرص العلماء على قيام الليل، فسيدنا أبو هريرة قسّم الليل أثلاثاً بينه وبين زوجته وبين خادمه، فإذا قام هذا نام هذا، واتخذوا الليل زمناً، فإذا أسفر الصباح كانت له اثنتا عشرة ألف تسبيحة.

    فإذا صلى واحد من العشاء إلى الفجر وقام الليل بعشر فإنه يجد رقة عجيبة، فما بالك إذا كان سيدنا أبو هريرة يأتي باثنتي عشرة ألف تسبيحة، ثم بعد أن يفرغ من هذا يقول: إنما أسبِّح بقدر ذنبي، وكأنهم قد أسلفوا في ليلهم الجرائم.

    إنما أسبح بقدر ذنبي، وفي رواية: إنما أسبِّح بقدر ديتي.

    وسيدنا عبد الله بن عباس اتخذ الليل زمناً، فنصفه يصلي ويدعو، ونصفه يبكي.

    وحفرت الدموع خطين أسودين في وجه الفاروق ، فبالله عليك قل لي عن دمع يحفر مجرى في لحم كيف هذا الدمع؟

    وإحدى العابدات أخذت بيد ابنها وكان عابداً كثير البكاء بالليل، فأرته نقرة أو حفرة في البيت وقالت له: هذا موضع دموع أبيك.

    والإمام الأوزاعي دخلت إحدى الجارات على أم ولد له فوجدت بللاً في مصلى الشيخ، فقالت لزوج الأوزاعي : ثكلتك أمك تركت الصبيان حتى بالوا في مصلى الشيخ؟

    قالت: والله ما هذا بول الصبيان، وإنما هذا من أثر دموع الشيخ ليلاً.

    فما ظنك بالدموع إذا كانت هذه آثار الدموع الباقية.

    وابن عباس ظل يبكي حتى مرضت عيناه كما قال علماء التراجم.

    وسيدنا مسروق بن عبد الرحمن تقول عنه زوجه: ما كان يأتي فراشه إلا زحفاً كما يزحف البعير، وإن قدميه لمنتفختان من أثر القيام، وكنت أجلس خلفه أبكي له رحمة مما يصنع بنفسه.

    وكان أحد العباد إذا أتى صلاته زحفاً -وهو علي بن الفضيل - ينظر إلى أبيه ويقول: أي أبتاه! سبقني العابدون وقُطع بي، والهفاه يا أبتاه!

    وقتله ترداده لآية في ظلام الليل قام بها الليل، وهي قوله تبارك وتعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]، فظل يرددها حتى خرجت روحه فيها، وبكى والده وقال: واابناه، واقتيل جهنماه! ما قتل ابني إلا الخوف من النار.

    والربيع بن خثيم كانوا يعلمون شعره بالليل، فإذا أتى إلى صلاة الصبح قالوا: والله إن شعر الربيع ليخبركم أنه ما توسده الليل.

    وقالوا للحسن البصري : هنا رجل يحفظ القرآن وينام الليل، فقال: ذاك رجل يتوسد القرآن.

    يعني: كأنه ينام على القرآن.

    وضيغم بن مالك الذي صلى حتى تفحم، وصلى حتى أُصيب بمرض أقعده، قال أحد العبّاد: ما أطول بكاء ضيغم! فقالت أم ضيغم: لمثل ما ندب إليه فليكن البكاء .. القيامة وما فيها، يا بني وهل رأيت حزيناً قط؟ ذهب الحسن وأصحابه بالحزن.

    ونور الدين محمود زنكي كان مدمناً لقيام الليل، وكان له مع رمضان حكايات وحكايات، ورمضان هو شهر بدر وشهر فتح مكة، وشهر الجهاد، رمضان هو شهر عين جالوت، رمضان هو شهر الزلاقة، رمضان هو شهر الفتوحات، فأين نحن من هذا؟

    فهذا نور الدين محمود زنكي قاهر الصليبيين وما كان يتناول من إفطار المملكة شيئاً طوال شهر رمضان، وكان يبعث إلى شيخه يأتي له بالرقاق يتناوله طوال شهر رمضان، وكان مدمناً لقيام الليل، فبهؤلاء انتصر المسلمون.

    يقول الحافظ ابن كثير دخل بعض المسلمين إلى بيت المقدس أيام أخذ الفرنجة له فسمعوا النصارى يقولون: إن القسيم بن القسيم -يعنون نور الدين - لا ينصر علينا بكثرة عتاده وجنده، وإنما ينصر علينا بصلاته في الليل. فهذه شهادة الكفار في حقه.

    وأين منا قول أنس بن النضر : واهاً لريح الجنة، إني لأشم رائحة الجنة من وراء أحد.

    وأين منا قول جعفر :

    يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها

    عليّ إن لاقيتها ضرابها

    أين منا قول عمير بن الحمام : إنها لحياة طويلة إن مكثت في الدنيا حتى آكل تمراتي هذه؟!

    وأين منا قول حرام بن ملحان الذي نفض الدم على رأسه وقال: فزت ورب الكعبة؟!

    وأين منا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل) ؟

    وأين منا قول أبي بكر : والله لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد .

    ورمضان يا أخوتاه شهر الدعاء، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد بسند جيد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان).

    وهذا نور الدين محمود زنكي كان مدمناً لقيام الليل، وكذلك كانت زوجه عصمة الدين بنت الأتابك خاتون، فقد قامت ذات ليلة غضبى من نومها، فسألها عن سر غضبها؟

    فقالت: فاتني وردي من البارحة فلم أصل من الليل شيئاً، فلما مات عنها تزوجها صلاح الدين الأيوبي.

    يقول القاضي ابن شداد شيخ الحنفية: كان صلاح إذا اشتد الحصار بالمسلمين يطوف على البلاد والأمصار وعيناه تذرفان الدموع، ويقول: يا للإسلام .. يا لعكا، ويطول قيامه ويقول: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية عن نصرة دينك، وليس لي إلا الإخلاد إلى جنابك، ودموعه تتقاطر على لحيته، قال: فوالله ما يأتي الفجر إلا ومعه خبر النصر على الأعداء.

    والإمام البطل المجاهد الحافظ عبد الغني المقدسي - وهذا كان من أعظم علماء الحنابلة- رآه رجل كافر وهو يصلي بالليل، فلما كان الغد أسلم هذا الرجل لما رأى من الخشوع الذي على وجه عبد الغني المقدسي .

    قالوا للحسن البصري : عجزنا عن قيام الليل!

    قال: أثقلتكم ذنوبكم، وقيدتكم خطاياكم، إنما يؤهل الملوك للخلوة بهم من يصدق في ودادهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك.

    قالوا للحسن البصري : ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟

    قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.