إسلام ويب

دروس في التوبةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المعلوم أن الذنب لا يسلم منه أحد؛ ولهذا فالإنسان بحاجة ماسة إلى التوبة صباح مساء، والتوبة الصادقة لها علامات، ومنها: أن يحافظ صاحبها على الأوقات، وأن يعيش مع السنة، وأن يكثر من ذكر الله تعالى، مع ندمه الشديد على ما سلف.

    ثم تطرق للحديث عن أمور ووصايا للجندي المسلم، وذكر منها: مراقبة المولى جل ذكره، وحسن الخلق مع الناس، والحرص والتزود من العلم الكفائي، والإكثار من نوافل العبادة ونحوها من الآداب.

    1.   

    حاجتنا الماسة للتوبة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

    ثم أما بعـد:

    شكر الله لسيادتكم، وشكر الله لكم اجتماعكم، وجمعنا بكم في دار الكرامة.

    أخٌ زار إخوانه، ومحبٌ زار أحبابه؛ ليتدارس معهم الرسالة التي أرسل بها محمدٌ عليه الصلاة والسلام، فهي رسالتي ورسالتكم، ومهمتي ومهمتكم، ومسئوليتي ومسئوليتكم، لا تصلح أنت، ولا أصلح أنا، ولا نتآخى ولا نتآلف إلا بهذه الرسالة الخالدة، قال تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لأنفال:63].

    كان الناس قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام أمواتاً أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:21] كانوا يأكلون ويشربون، ويغنون ويرقصون ويطبلون؛ ولكنهم أموات، كانوا يخونون ويغشون، ويزنون ويغدرون ويرابون؛ ولكنهم أموات، فلما أتى محمدٌ عليه الصلاة والسلام كتب في قلوبهم النور هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]

    أنا وأنت بحاجة إلى هذا النور، أن نستلم هذا النور، وأن نمضي في أفياء هذا النور، وأي قلبٍ لا يصل إليه هذا النور؛ فسوف يبقى أعمى في الدنيا والآخرة، لا يجد سعادة، ولا يجد نجاحاً، ولا يجد فوزاً، فلا إله إلا الله كم لرسالته عليه الصلاة والسلام من إشراق! ولا إله إلا الله كم عمَّر الله بدعوته من قلوب! ولا إله إلا الله كم أحيا بدعوته من أرواح!

    يا إخوتي في الله: عنوان هذه الجلسة والمحاضرة " دروسٌ في التوبة".

    نحن نحتاج إلى التوبة صباح مساء؛ لأننا أذنبنا وقصرنا مع الله، وأخطأنا، المتكلم والسامع، ولكننا عرفنا أن لنا رباً سبحانه وتعالى، يأخذ بالذنب ويغفر الذنب، فقلنا: نستغفر الله، قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    يفتق الثوب؛ فيذهب به إلى الخياط، وتتعطل الآلة؛ فيذهب بها إلى المهندس، ويمرض المريض؛ فيذهب به إلى الطبيب، ولكن قلوبنا إذا تعطلت ومرضت وفتقت إلى أين يذهب بها؟ إلى الله الواحد الأحد، فلا يصلح القلوب إلا الله، ولا يشرح القلوب إلا الله، ولا ينور القلوب إلا الله نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    والقلوب تفزع، والقلوب تقسو وتصدى، والقلوب تقفل فلا ترى نوراً ولا حكمةً، ولا هداية ولا رسالة.

    كان عليه الصلاة والسلام يقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) والله يقول: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] ويثبت قلبه على النور، وحاجتنا أول ما نحتاج؛ بل هي أول المنازل وآخر المنازل التوبة النصوحة.

    ثلاث قضايا في التوبة

    واعلم يا مسلم: أن هناك ثلاث قضايا في التوبة:

    القضية الأولى: أنه لا يغفر الذنب إلا الواحد الأحد، ولو اجتمع ملوك الدنيا ومسئولوها، وزعماؤها وعلماؤها على أن يغفروا لك ذنباً واحداً ما استطاعوا، يقول تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران:135].

    القضية الثانية: أنه مهما أتيت من ذنب ثم تبت إلى الله غفر الله ذنوبك وإن كانت جبالاً من الخطايا وسيلاً من السيئات، وتستغفر وتتوب وتعزم على أنك صادق؛ يغفرها الله سبحانه وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    القضية الثالثة: أن الصغائر تجتمع على العبد حتى تهلكه، كمثل نظرة، وسماع أغنية، ولمحة، وقليلٌ من السيئات تجتمع فيتدكدك تحتها العبد، ويسحق والعياذ بالله! في الصحيحين: {أن رجلاً من بني إسرائيل أذنب على نفسه ذنباً عظيماً -كان مؤمناً موحداً، ولكن أذنب وأخطأ- فلما أتته سكرات الموت قال لأبنائه: إذا مت فاجمعوا لي حطباً، وأشعلوا فيه النار ثم أحرقوني، ثم اسحقوني وذروني علَّ الريح أن تذهب بي في كل مكان، فجمعوا له حطباً وأحرقوه وسحقوه وذروه فذهب به الريح في كل مكان} ولكن من الذي يجمعه؟! هو الواحد الأحد، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] وقال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] جمعه الله بكلمة (كن) فكان أمامه، وظن هذا الرجل أن الله لا يستطيع أن يجمعه: {.. قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي، قال: يا ملائكتي أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة} رحمة الله واسعة، وفضله عظيم، لكن يوم يعرف العبد أن رحمة الله واسعة وفضله عظيم.

    أحوال الناس مع الذنوب

    والناس قسمان -ولا يسلم من الذنب أحد-: منهم من يذنب ويتوب ويستغفر، يتوضأ، ويصلي الخمس، ويراجع حسابه مع الله، يبكي، ويندم، ويتصدق، ويتوب، ويأتي بنوافل، فيغفر الله ذنبه إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] ومنهم من يذنب ولكن يركب رأسه، ويغلبه هواه؛ فيتردى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] ولو رأيتهم يوم تركوا الصلوات الخمس، ووقعوا في المعاصي والفواحش، ووقعوا في المخدرات، وعقوا الوالدين، وقطعوا الأرحام، لرأيت أمراً عجيباً!

    المنافق والفاجر يرى ذنوبه كأنها ذبابٌ، قال به هكذا فطار، والمؤمن يرى ذنوبه كأنها جبلٌ يريد أن يسقط عليه، مات قلب الفاجر من الإعراض والعصيان.

    شبابٌ رأيناهم في بعض الأمكنة كالسجون، تركوا صلاة الفجر ثم وقعوا في المخدرات، قالوا: ما وقعنا في هذه السيئات إلا لما تركنا صلاة الفجر والصلوات الخمس.

    وصف الله الصلاة بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن متى تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟ يوم تكون صلاة، لا تكون لعبة في أيدي بعض الناس، يقدم عمله، ووظيفته، ومسئوليته على صلاته، واهتمامه بعمله أعظم من اهتمامه بصلاته، يقدر المسئول -وهذا مطلوب- أعظم من ربِّ البشر، ويخاف من البشر أعظم من خوفه من ربِّ البشر، ويوقر، ويقدر، ويحترم البشر أعظم من تقديره وتوقيره واحترامه لربِّ البشر: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً [النساء:108].

    1.   

    مفهوم الأمانة العام

    يا مسلمون: يا أخيار! يا من جعلهم الله على ثغرة من ثغور الإسلام! يا من إذا صدقوا الله عز وجل جعل أعينهم من العيون المنيبة التي لا تمسها النار! (عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله) ويوم يصدق العبد أولاً مع الله ويحمل الأمانة، ولا أقصد بالأمانة أن تقف في دوريتك أو نوبتك فقط، بل الأمانة مع ذلك أن تكون أميناً مع الله، أميناً في صدقك وعبادتك مع الواحد الأحد؛ لأن الذي يكون مع الله فهو مع القيادة وولاة الأمر ومع الشعب أخ، والذي يقطع حبله مع الله فهو مع البشر أقطع وأظلم وأغشم، ولذلك قال سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].

    أمانة حفظ الصلوات

    وأول الأمانات: الصلوات الخمس، يوم تصليها في جماعة، يوم تصليها في خشوع، يوم تعيش الصلوات الخمس، حينها: يحجب الله عنك الفواحش والمنكرات، ويتوب عليك توبةً ظاهرةً وباطنة، ويتقبلك فيمن تقبل، ويهديك سواء السبيل، والله يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] والمصطفى صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه قال: {من صلَّى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله؛ فالله الله! لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار}.

    والصلوات الخمس حياة، وما ظلم من ظلم، ولا فجر من فجر، ولا وقع من وقع في المعاصي؛ إلا يوم أن ترك وأعرض عن الصلوات الخمس التي من تركها كفر.

    أمانة مراقبة الله في السر

    وأمانة أخرى وهي: حفظ الغيب مع الله، تتستر في الحيطان ولا يراك إلا الواحد الديان، وتتستر بالجدران ولا يراك إلا الرحمن.

    وإذا خلوت بريبة في ظلمةٍ     والنفس داعية إلى الطغيانِ

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    إن من ينظر إلى أحوال بعض الناس يتعجب، أين المجتمع الذي عاشه عليه الصلاة والسلام؟! أين ذاك المجتمع الفاضل؟! المجتمع الذي ينام على القرآن، ويصحوا على القرآن، وتنتهي المساجد به! المجتمع الذي كان يمر عليه الصلاة والسلام عليه في الليل الدامس، فيسمع القراءة من بيوت الأنصار وهم يرددون كلام الله! المجتمع الذي يقول عنه عمر: [[توليت القضاء في عهد أبي بكر سنة كاملة ما أتاني خصمان]] المجتمع الذي تصدق منه رجلٌ بقطعة لحم إلى جاره وهم في مجاعة، فدارت هذه القطعة إلى أن رجعت على المتصدق الأول!، المجتمع الذي رضي الله عليه من السماء، كانت كلمتهم واحدة، وحبهم واحدٌ في الله! ولكن انظر إلى مجتمعاتنا.

    إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا      وفي كل يومٍ واعظ الموت يندبُ

    ولله كم غادٍ حبيبٍ ورائحٍ      نشيعه للقبر والدمع يسكب
    ُ

    إذا قيل: أنتم قد علمتم فما الذي      عملتم وكلٌ في الكتاب مرتب
    ُ

    نعم.. في الساحة صحوة، وهنا مساجد، ومصلون، وطلبة علم، وأخيار، وزهاد، وعباد، لكن الخبث إذا كثر لابد أن نخشى على أنفسنا منه، في المجتمع ظهر الربا وظهر الزنا ولا ننكره، ونسأل الله أن يغفر لنا، وهناك غناء ماجن في الجلسات، وضياع للأوقات، أشاب مسلم يصلي الصلوات الخمس، ويسهر على البلوت، وعلى الورق إلى الساعة الثانية؟! أين القرآن؟ أين طاعة الواحد الديان؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    أنت دقائق وثواني، إذا مضى منك دقيقة والله لن تعود لك هذه الدقيقة ولو اجتمع من في الدنيا، أنت أيام، يومك هذا الذي ينصرم الآن إذا غربت شمسه فلن يعود إليك، واحتسب أنه قد ذهب من عمرك.

    دقات قلب المرء قائلةً له     إن الحياة دقائقٌ وثوانِ

    فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمرٌ ثانِ

    الفجرة يقولون يوم القيامة: يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام:31] والله يقول عنهم: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62].

    1.   

    علامة التوبة الصادقة

    ومما ينبغي في التوبة أن يعرف أن الصادق في توبته: هو الذي يحفظ الواحد الأحد، ولكن حفظ الله معناه: أن تؤدي أوامر الله وأن تجتنب نواهيه، وأن تطيع الله ثم تطيع ولاة الأمر في طاعة الله لا في معصية الله عز وجل، ويوم تطيع الله تصدق في التوبة.

    قيل لأحد الصالحين: ما علامة التوبة؟ قال: بكاء العين، ووجل القلب، وطاعة الجوارح.

    وقيل لآخر: ما علامة التوبة؟ قال: أن ترغب فيما عند الله وتزهد فيما في الدنيا.

    وقيل لثالث: ما هي التوبة؟ قال: أن تجعل في ذهنك أول ليلة من ليالي القبر. وتذكر هذه الليلة يدفعنا إلى التوبة وإلى العودة إلى الله، ويوجد والحمد لله في الساحة عودة عظيمة إلى الله، وقد ذاق الناس طعم الكفر والإعراض والفجور، ثم ذاقوا طعم الإيمان فعادوا إلى الواحد الأحد.

    والله يخرج من يشاء من الظلمات إلى النور، ويوم يصدق العبد مع الله عز وجل، ويوم يعود العبد صادقاً مع الواحد الأحد، ولكن المقصد مما يحرك التوبة أن نذكر أول ليلة من ليالي القبر، ومثل لنفسك ليلتين اثنتين: ليلة وأنت مع أطفالك وزوجتك وأهلك في بيتك، وأنت مرتاح الحال وسليم البال، وطيب الضمير، وفي ليلةٍ ثانية تنتقل إلى القبر، ثم تطرح وحيداً.

    باتوا على قلل الأجبال تحرسهم     غلب الرجال فما أغنتهم القللُ

    واستنزلوا بعد عزٍ من معاقلهم      إلى مقابرهم يا بئس ما نزلوا

    ولا يوسع القبر عليك إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا ينوره أبداً إلا طاعة الواحد الأحد، وكما تعرفون جاء في الأحاديث الصحيحة: (القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حفر النار) سافر رجل -وقصته مشهورة وقد ذكرت في بعض الخطب- من أهل الرياض من الصالحين، وعنده زوجة صالحة تربت على القرآن والإيمان، سافرت معه، فأدى مناسك العمرة هو وزوجته، ويقول هو عن نفسه: لما خرجت أنا وزوجتي من البيت لأداء العمرة من الرياض ودعت أطفالها، وكأنها تودعهم الوداع الأخير، وكأن هاجساً هجس في خاطرها أنها لا تعود، وذهبت وأدت المناسك ولكن أولياء الله يحفظهم الله، وهذه ليالي وفراقات تحدث صباح مساء، ينتظر هذا الفراق صباح مساء، إن لم يأتك اليوم أتاك غداً، فلمَّا أدَّنا العمرة، وعادا من الطائف إلى الرياض، وقع لهما حادث في السيارة، ووقعت زوجته في الحادث، ونزل إليها من الباب الآخر فوجدها في سكرات الموت، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي تقول: عفا الله عنك من زوج، نلتقي في الجنة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] اعلم أنك لن تجتمع بأطفالك ولا بأهلك ولا بأحبابك إلا إذا عملت صالحاً، واعلم أن الوحشة والفراق العظيم يوم ألا تعمل صالحاً، ولا تنجو بنفسك من الخطايا والذنوب.

    إخوتي في الله: أول ليلة من ليالي القبر جعلت كثيراً من أهل الإسلام يتوبون ويعودون، وجعلت أهل الغناء واللهو والعبث يعودون إلى الواحد الأحد، أحدهم يقول:

    غيرت موضع مرقدي     يوماً ففارقني السكون

    القبر أول ليلةٍ     بالله قل لي ما يكون

    واعلم أن أمرك ليس في يدك، وأنك لا تدري ما الله فاعلٌ بك، والأيام ثلاثة: يومٌ مضى وانتهى، الله أعلم ما كتب فيه فعلمه عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى، نسيته أنت ولكن الله ما نسيه وهو أمامك بالمرصاد، وقالوا: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49] ويومٌ أنا وأنت نعيش فيه؛ فسدد وأصلح فيه، ويومٌ لم يأت وهو يوم غد فما عليك منه.

    سهرت أعينٌ ونامت عيون     في شئون تكون أو لا تكون

    إن رباً كفاك ما كان في الأمس      سيكفيك في غدٍ ما يكون

    وأنبه على قضايا ينبغي أن يتاب منها، وكل خطيئة واجبٌ عليك أن تتوب منها وجوباً حتمياً قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    من علامة التوبة: حفظ الوقت

    أول علامات التوبة: أن تحفظ وقتك.

    الصحابة كما قلت: كانوا عباداً لله، ولكن تحولت عبادة الصحابة وسهرهم مع كتاب الله عز وجل وذكر الله، والبكاء، تحولت في هذا الزمن عند بعض شباب المسلمين إلى الجلوس في المقاهي اللاهية اللاغية، وفي السهرات الحمراء، والسيجارة، ومع الكأس، ومع المخدرات، والمعصية والعياذ بالله! أظلمت الدنيا من كثرة المعصية، وقست القلوب من الفاحشة، وانقطع القطر من السماء من ظلم بني آدم، وفي الصحيح أن الله عز وجل يقول: {يسبني ابن آدم ويشتمني وما ينبغي له ذلك، أما سبه إياي فيسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار كيف أشاء} يقول بعض العلماء في معناها: لا تنقموا على الدهر وانقموا من أنفسكم مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79].

    وإن من عقوبات هذه المعاصي والخطايا والذنوب: ما شاهده بعض الناس في قلوبهم يوم سلبت منها الطمأنينة والراحة، عاشوا كل شيء لكن ما وجدوا الإيمان، وملكوا كل شيء لكن ما وجدوا راحة الضمير والسعادة التي ينشدها الكافر اليوم، والتي يدخل الكفار في دين الله أفواجاً لما رأوا طعم السعادة، برفسورٌ في علم الهندسة، هندسة في تسيير الذرة، والضياء، والضوء، والأشعة، وفي الأخير ما وجد السعادة ولا الشهرة العالمية، فأصبح يقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وكثيرٌ منهم اليوم يقول: ظلمتمونا يا مسلمون! كان عندكم كنز الهداية والإيمان وما قدمتموه للبشرية، وقد قدمنا لكم ملاذ البشرية؛ هم قدموا لنا الميكرفون، والطائرة، والسيارة، والثلاجة، والبرادة، والمكيف، ولكن الإيمان الذي عندنا ما قدمناه، بل نحن نقول: إننا مفتقرون اليوم إلى الإيمان، ونعيش في بعد عنه.

    كثيرٌ من البيوت اليوم ما قامت على منهج لا إله إلا الله، وتجد فيها غناء، وتبرج، وجهلٌ بالسنة، وتخلفٌ عن الصلاة، وأكل ربا، وغيبة، وشهادة الزور، فمتى تصدق؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    من علامات التوبة: العيش مع السنة

    ومن علامة التوبة: أن تعيش مع السنة.

    من هو قدوتك في الحياة؟ من هو أستاذك؟ من هو شيخك الذي يعلمك؟ من الذي بيده مفتاح الجنة؟ والله لا ندخل الجنة، لا أنا ولا أنت ولا أي رجل حتى نتبع سنته صلى الله عليه وسلم ونأتي من بابه بعد مبعثه، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهوديٌ ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار} فهو قدوتك لا شرقي ولا غربي، ما دام أنه فعل هذا الفعل الصالح لك، والنصحية لك، والذي أنصح نفسي وإياك أن تفعله ولا تتأخر في تطبيقه لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    كان عليه الصلاة والسلام مصلياً، صائماً، صادقاً، عابداً، زاهداً، وفياً، محافظاً على الجماعة، كان متسنناً بخصال الفطرة، ملتحياً، يمقت إسبال الإزار، يدعو إلى الصدق وبر الوالدين وصلة الرحم، وكان يحرم الغناء، والربا، والزنا، والفحش، والجور، والرشوة، فبأي إنسانٍ نقتدي؟ ومن هو المعلم الذي ننجو إذا اتبعناه؟ إنه محمد عليه الصلاة والسلام، بأبي هو وأمي، وإذا لم تنصح نفسك باتباعه فاعلم أنك ترديت، قال بعض العلماء: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به محمداً عليه الصلاة والسلام؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    من علامات التوبة: العيش مع الإسلام

    ومن علامات التوبة: أن تعيش في بيتك مسلماً، وفي سوقك، ودكانك وفي عملك، ألا تكون مسلماً فقط وقت الصلاة فإذا خرجت من المسجد خلعت مفهوم الصلاة، تقول: الصلاة الصلاة لكن أين مفهوم الصلاة؟ المحاكم تشكو من الرُّشا، والربا، والكذب، وشهادة الزور، المقاهي يأتي إليها مئات الشباب؛ الذين عقوا الوالدين، وقطعوا الرحم، وهجروا المسجد، وتركوا القرآن، وغنوا، وطبَّلوا، وزمَّروا، وأصبحوا كالبهائم، فأين مفهوم الصلاة عند هؤلاء؟!

    يوجد من كبار السن من لا يعرف عن الإسلام شيئاً، ولكن مع ذلك المستقبل لهذا الدين، والصحوة مع الإسلام، ولصالح هذه الدعوة الخالدة التي أتى بها محمد عليه الصلاة والسلام!

    من علامات التوبة: ذكر الله كثيراً

    ومن علامات التوبة: أن تكون ذاكراً للواحد الأحد.

    أهل الدنيا إذا اجتمعوا ذكروا دنياهم، وأولياء الله إذا اجتمعوا ذكروا الله أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    قيل لبعض من الزهاد: ما علامة التوبة؟ قال: حركة اللسان بذكر الواحد الديان، وإصغاء الأذنين لكلام الرحمن، وارتياح القلب لذكره ولعبادته أو كما قال. فإذا لزم ذلك وعرفه فاعرف أن أحسن الساعات التي تقضيها في طاعة لله؛ أن يكون بيدك مصحف، أو شريط إسلامي تستمعه، أو كتابٌ تقرؤه، أو تذكر الله مع إخوانك، أو استغفارٌ وتوبة، أو تأملٌ في آيات الله، أو تربية في البيت، فوقت المؤمن محفوظ.

    1.   

    كلمات موجهة إلى جنود الإسلام

    ولي معكم أيها الجنود الأبرار! كلمات:

    أولها: أبلغكم حبي لكم في الله الواحد الأحد، وما أنتم بغريبين عن الإسلام، بل أنتم أبناء خالد بن الوليد، وطارق بن زياد، وعقبة بن نافع، وصلاح الدين، ومن يشابه أبه فما ظلم.

    نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى     نوراً ومن فلق الصباح عمودا

    جدكم خالد بن الوليد الجندي المسلم الذي عرف الله، كان جندياً لرب البشر قبل أن يكون جندياً للبشر، سلم قلبه لله، وكان عنده أكثر من مائة سيف ومائة فرس احتسب أجره واقتادها في سبيل الله؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن خالداً سيف من سيوف الله، سله الله على المشركين) كان عند خالد بن الوليد مصحف قالوا عنه: كان غلافه من جلد الجمل، فكان يفتحه في الصباح فتنهمر دموع خالد على القرآن؛ لأن حياته ومدرسته القرآن، وأول ما يستهل في صباحه القرآن، ولذلك أي قلبٍ افتتح بالقرآن فأي قلبٍ يكون؟!

    إن من يركب الطائرة اليوم، وينظر إلى الركاب يجد أكثرهم يتناولون الصُحف والمجلات، وقراءتها جائزة، ولا بد من قراءتها لمعرفة الواقع، لكن انظر إلى من يحمل مصحفه فيردد سورة، أو انظر إلى من يسبح، إن ذلك نادر الوقوع، فـخالد بن الوليد عاش مع المصحف، ولذلك أعطاه الله ما تمنَّى، ونسأل الله له الفوز في الآخرة.

    حضر أبو سليمان معركة مؤتة، قال عنه ابن كثير: كسر تسعة أسياف في يده. حضر اليرموك فقال له أحد المسلمين لما رأى جيش الروم مائتين وثمانين ألفاً، وجيش المسلمين ما يقارب ثلاثين ألفاً:[[يا خالد! أرى أنَّا نفر اليوم إلى جبل سلمى أو إلى جبل آجا -في حايل - قال: لا والله! لا نفر إلى جبل سلمى ولا إلى جبل آجا ولكن إلى الله الملتجى، حسبنا الله ونعم الوكيل]] فنصره الله.

    هذا الجندي الذي قدم معلماً من معالم الحق كان يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام: ماذا أقول يا رسول الله! عند النوم؛ فإنه يصيبني أرق وقلق، فأخبره عليه الصلاة والسلام بدعاء فإذا هو طالب علم، وإذا هو قارئ للقرآن، وإذا هو زاهدٌ، وإذا هو متعبدٌ في الليل، وهو الشجاع المقدام في النهار؛ فهل يوجد أحد منا مثل خالد؟! وهل نعود لمدرسة خالد؟

    وأما جدكم عقبة بن نافع الذي وقف على المحيط الأطلنطي ورفع سيفه وأشهر سلاحه وقال: [[أما والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتها بفرسي هذا لأرفع لا إله إلا الله]] وقد اكتشف فيما بعد أن وراء المحيط الأطلنطي قارات، ولو علم بها عقبة لفتحها بإذن الله وبكلمة الله.

    1.   

    وصايا للجندي المسلم

    إن مما يلزم الجندي المسلم أموراً وهي:

    مراقبة المولى سبحانه وتعالى

    أولاً: تسمى عند اللواء الركن محمود شيث خطاب مراقبة المولى، أول شارة عليك وأول نجمة، وأول تاج تحمله مراقبة المولى.

    اللواء الركن محمود شيث خطاب العراقي غفر الله له ورفع منزلته، كان متسيباً في أول حياته، كان ضائعاً يعيش في الضلال، فكان لا يعرف المسجد ولا القرآن، لا يعرف إلا الأكل والشرب، والغناء والطبل والزمر، لكنه ما عرف النور، وما عرف الهداية أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] بالإيمان وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122] بالفهم كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] كمن مثله في المعاصي؟! كان في الجيش العراقي ساكناً في ثكنة -يروي قصته بنفسه- فمر به أحد دعاة الإسلام، فوجده مع بعض القيادات العراقية في ثكنة وهم يشربون الخمر، قد غابوا عن رب البشر، فغابت قلوبهم عن الله؛ فعصوا الله، فقال له هذا الداعية: يا لواء محمود! إن عليكم رقيباً -يقصد الواحد الأحد الذي يعلم السر وأخفى، الذي سوف يحاسبك ويحاسبني يوم القيامة ويقول: يا فلان فعلت كذا يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا- قال هذا اللواء: لا يرانا إلا الكواكب، قال الداعية: وأين مكوكب الكواكب؟! قال: فلا زالت كلمته ترنُّ في ذهني حتى هداني الله عز وجل يوماً من الأيام، فارتفعت في قلبي شحنة الإيمان؛ فذهبت بعد أن اغتسلت إلى المسجد وتوضأت وانفجرت باكياً، ثم أصبح داعية وعالماً، وأصبح منظراً للعسكرية الإسلامية.

    والشاهد أن أول لافتة للجندي مراقبة الواحد الأحد.

    حسن الخلق مع المسلمين

    ثانياً: حسن الخلق مع المسلمين.

    أنت تعرف أن الذي في الشارع من المواطنين أخوك، أو ابن عمك أو قريبك، أو مسلمٌ له عليك حق الرحمة، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به} وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إن شر الرعاء الحطمة} ومعنى ذلك: الذي يعصف بالناس، ويظلمهم، ويغلظ عليهم في الخطاب، ففي الناس شيخٌ كبيرٌ قد شابت لحيته؛ له عليك أن توقره، وفي الناس طالب علمٍ يحمل كتاب الله، وفي الناس رجلٌ صالح زاهد، وفي الناس قائم الليل، وفي الناس مسكينٌ فقير، وفي الناس أصناف آخرون من عباد الله، فلا بد أن تكون رحيماً بهم.

    الدعوة

    ثالثاً: أن تكون داعية.

    أن تمثل الإسلام، وأن تتصل بالناس، أنت في بلادٍ أعلنت إسلامها وقدسيتها، وأعلنت فيها لا إله إلا الله محمداً رسول الله، علمها أخضر، ولكن عليه لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وأنت تعرف أنك لست في أوروبا ولا في الصين ولا في أمريكا، أنت هنا في مهبط الوحي، في مهد الرسالات، فعليك أن تكون داعية؛ داعية تدعو الناس إلى منهج الله، تنصح العاصي وتدعوه إلى طريق الجنة، تنصح صاحب الحبوب المخدرة، وصاحب المسكر، وصاحب الشريط الغنائي، والفيديو المهدم، وصاحب الجريمة، والمتعاون على الفاحشة، والذي يريد ألا يستمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو عدو للإسلام، وأنت داعية في منصبك هذا، قال عليه الصلاة والسلام: {بلغوا عني ولو آية} وقال: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان} إن ولاة الأمر يدعون في بلادنا إلى إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجنودهم لا بد أن يمتثلوا لهذه الأوامر، ولا يخفى عليكم أن سر عظمتنا ونهضتنا ونصرنا بهذا الإيمان، ويوم نتخلَّى عنه نسحق ونصير شذر مذر.

    الحرص على نوافل العبادات

    رابعاً: أن تحرص على النوافل ما أقدرك الله على ذلك.

    فما يبقى لك في القبر إلا هذه النوافل، يقول عليه الصلاة والسلام وقد قال له أحد الصحابة: {يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة؟ قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة} ويقول عليه الصلاة والسلام: {لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس}.

    رأينا بعض الناس من أمثالكم الأخيار الأبرار وهم في القطاعات الإقليمية، كأنهم يعيشون في عصر الصحابة، أحدهم له وردٌ في المصحف (حزب) لا بد أن يقرأه في اليوم، وله تهليلات وتكبيرات، ويحافظ على السنن الرواتب، وقد تشرف بحمل سنة محمد صلى الله عليه وسلم في مظهره وشكله، فأحبته القلوب، ودعا له ولاة الأمر وأحبوه؛ لأن من أحبه الله أحبه الناس، وفي الصحيح: {إذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فيبغضه، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغض في الأرض} والعياذ بالله! القبول من الواحد الأحد، والقلوب بيد الله، ويوم تعمر ما بينك وبين الله يعمر الله ما بينك وبين الناس:

    فليتك تحلو والحياة مريرة      وليتك ترضى والأنام غضابُ

    إذا صح منك الود فالكل هينٌ      وكل الذي فوق التراب ترابُ

    والناس شهداء الله في أرضه، وأهل الحي أو القرية التي تسكن فيها يستشهدهم الله يوم العرض الأكبر عليك، ويسألهم عنك، وقد ورد في الصحيح {كان عليه الصلاة والسلام جالساً مع الصحابة، فمروا بجنازة من عنده، وإذا الناس يثنون على صاحب الجنازة خيراً -يصفونه بالمحافظة على الصلوات، ويصفونه ببر الوالدين، وبصلة الرحم، وبذكر الله، وبالصدق، وبالوفاء- قال عليه الصلاة والسلام: وجبت وجبت، ومروا برجلٍ شقيٍ -والعياذ بالله!- بعض الناس يتحمل الشقاء في الدنيا والآخرة، شقي في عمله، وفي مكتبه، وفي الشارع، والبيت، شقيٌ أينما ذهب، قال الناس: أراحنا الله منه، تارك الصلاة، عدو الدين، الفاجر، المعرض- فأثنوا عليه شراً فقال عليه الصلاة والسلام: وجبت وجبت وجبت، قالوا: يا رسول الله! ما قولك وجبت في الأولى ووجبت في الثانية؟ قال: أما الأول فأثنيتم عليه خيراً فقلت: وجبت له الجنة، وأما الثاني أثنيتم عليه شراً فقلت: وجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه}.

    فاحذر -يا أيها الأخ الكريم!- أن تنالك الألسنة، أو أن تشهد عليك يوم العرض الأكبر، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] يستشهد الله أهل حيك؛ هل كان يصلي في المسجد؟ فيقولون: لا. هل كان وفياً؟ فيقولون: لا. هل كان صادقاً؟ لا. فماذا نقول لله يوم القيامة؟! وبماذا نعتذر؟! أسأل الله لي ولكم الثبات.

    طلب العلوم الشرعية

    خامساً: أن على المسلم أن يحرص على طلب العلم ولو على حد أدنى من العلم الشرعي مما تقوم به صلاته.

    أنا لا أطلب من الجندي، أو الطبيب، أو المهندس، أو التاجر أن يكون علاَّمة في العلوم ومفتياً، لكن نطالب من جميع طبقات الناس أن يكون لهم حد أدنى من العلم؛ يفقه فيها عبادته، يعرف كيف يصلي، والرسول عليه الصلاة والسلام صح عنه أنه قال: {صلوا كما رأيتموني أصلي} وقال في الحج في الصحيح: {خذوا عني مناسككم} وطلب التفقه سهل، وبإمكان الإنسان أن يحصل عليه، فمنافذ المعرفة والحمد لله كثيرة، الكتيب الإسلامي مبذول وموجود بثمن بسيط يسعدك في الدنيا والآخرة، المصحف وذكر الله بجانبك، الشريط الإسلامي تسمع فيه ما لذ وطاب، طلبة العلم، المحاضرات، الدروس، حينها سوف ترى أن الله عز وجل يسددك ويهديك سواء السبيل، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين}.

    احترام ولاة الأمر وطاعتهم

    سادساً: احترام ولاة الأمر والمسئولين في دائرتك ومن هم أعلم.

    الإسلام دين نظام، يعلم الرجل كيف يحترم ربه ثم يحترم مسئوليه ويحترم نفسه، ويتحقق ذلك بالطاعة، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: { من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى الأمير فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله} والمعنى: أنه يلزم المسلم أن يطيع من ولاه الله أمره، أو كان مسئولاً عليه في طاعة الواحد الأحد إلا إذا أمرك بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه وتعالى.

    الطاعة: احترام، ومعناها: أن تؤدي عملك على أكمل وجه، وصح عنه عليه الصلاة والسلام عند البيهقي وغيره أنه قال: {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه} يجعلونك في الحراسة فأنت في الحراسة، في الدورية فأنت في الدورية، في المكتب فأنت في المكتب، في مهمة أو انتداب فأنت كذلك؛ لأن الله سوف يسألك يوم يجمع الأولين والآخرين.

    وما تردت أوضاع المسلمين إلا يوم أصبحت هذه الطاعة أو الأمانة مفقودة، أو لم يراقب الله عز وجل، فلا بد من وعي لهذا الدرس، وإني أطالب كذلك المسئولين بالرحمة بمن تحتهم ومن دونهم، الرحمة في الأمر، وحسن التعامل، والشفقة، وتقدير حاجاتهم، وطوارئهم من مرض وتعبٍ وإعياء؛ علَّ الله أن يرحمهم، وفي حديث يحسنه بعض العلماء: {الناس عيالٌ لله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله} ومن رحم المسلمين رحمه الله، ومن شق عليهم شق الله عليه في الدنيا والآخرة.

    حب الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه

    سابعاً: إن مما ينبغي علينا أن نتآلف في طاعة الله، وأن نتحاب، وأن نتآمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر.

    نعم في كل مكانٍ صالحون وطالحون، وفي كل مكان أبرار وفجار، فعلى البار أن يستنقذ أخاه، وأن يهديه، ويدله على طريق الهداية، يقول عليه الصلاة والسلام: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    هذه كلمة، وسوف يكون لنا معكم كلمات. ولكني أعود فأقول: لنتب ونستغفر، ولنعد إلى الإيمان، ولننقذ أنفسنا من النار ومن العار، ولنعلم أنما هي حياة واحدة لا تتكرر، إما أن تجعلها لله وإلا فسوف تكون للشيطان.

    واعلموا أن أعظم مكسب لكم في الحياة هو الإيمان والعمل الصالح، وأنكم لا تقدمون لأنفسكم مستقبلاً كمستقبل الإيمان؛ بع الدنيا، وشهرتها ومناصبها ورتبها وشهاداتها، فوالله إنها بلا إيمان هباء منثور، وإنها مع الإيمان إذا استغلت في طاعة الله نعم العون، لكن: اللهم لا تجعل نصيبنا مما عندك دنيا، ولا تجعل قسمنا إذا تقسم الناس الإيمان من الدنيا، اللهم ما زويت عنا من الدنيا ومناصبها وشهرتها ومالها فاجعله رضاً وطاعة، وحباً واستقامة، وهداية وسلوكاً.

    أسأل الله أن ينفع بكم أنفسكم وبلادكم والعباد، وأن يجمعكم في دار الكرامة، وأن يثيبكم على ما تقدمون للأمة من جهد، وأن يحرس بكم العباد والبلاد، وأن يحرسكم بالإيمان، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.