إسلام ويب

الصدقللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصدق منجاة، من عمل به نجاه، وهو من صفات المؤمنين، ومن خصال المتقين، ومن علامات الصالحين، فالفوز والفلاح معقود في كل كلمة صدق، والنجاة والخلاص متعلقة بكل كلمة حق. وقد حث الله عليه في كتابه الكريم، وحض عليه رسوله المصطفى في غير موضع من سنته المطهرة، والصدق لا يعني فقط صدق اللسان، وإنما هو صدق الجنان، والجوارح والأركان في جميع الأعمال والأقوال والأحوال.

    1.   

    فضل الصدق

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    ثم أما بعد:

    الصدق أساس هذا الدين، وعمود فسطاط اليقين، به تميز سكان الجنان من سكان النيران، أما كونه أساس هذا الدين فلا يدخل العبد في الإسلام إلا بتصديق من قلبه حتى وإن نطق بالشهادتين وخالف النطق قلبه فهو مخلد في النار، فأساس الإسلام: قول باللسان وتصديق بالجنان، وكما قالوا: إن العبد يعصم ماله ودمه بالنسبة للدنيا بالنطق بالشهادتين، ولكن المسلم الناجي عند الله عز وجل: من أتى بالنطق بالشهادتين ثم صدق القلب بما نطق اللسان.

    وهذه قد تظهر من فلتات الرجل أو تظهر من أعماله وإن لم يصرح بها.

    هب أن رجلاً نطق بالشهادتين أمام الناس، ثم أتى إلى مصحف فمزقه، ووضعه تحت قدمه وهو غير مكره ولا خائف ولا معتوه العقل، فهل يصدق أن هذا مسلم؟

    فلو كان في قلبه أصل أعمال القلوب، وأصل التوقير لله عز وجل، وأصل الخوف من الله عز وجل، لما مزق كتاب الله عز وجل، فلا يدخل العبد في الإسلام إلا بتصديق القلب، والنطق بالشهادتين: يعصم بها المال والدم في ديار الإسلام، ولا يقتل الرجل طالما أنه نطق بالشهادتين ما لم يرتد بعد ذلك.

    الصدق به الفلاح في الدنيا والآخرة، قال الله عز وجل: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119]، فالصدق هو الذي ينجي في عرصات القيامة، والكاذب كاذب حتى في عرصات القيامة، فلقد جاء في الحديث: أن الله تبارك وتعالى يقول لنوح أول نبي أرسله: (يا نوح هل بلغت؟! يقول: نعم، فيقول الله عز وجل لأمة نوح: هل بلغكم نوح؟ يقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول الله عز وجل: من شهودك؟ يقول: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته)، فيكذب قوم نوح أمام الله عز وجل، ولكنهم إذا رءوا النار تلتهب صدقوا: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15]، وعندما يقول لهم خزنة النار: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ [الملك:8-9].

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام أحمد، وحسنه الحافظ ابن كثير ، وحسن الإسناد الشيخ أحمد شاكر : (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل لـأبي هريرة : وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة)، أي: الرجل الحقير التافه يتكلم في أمر العامة، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)، وقال صلى الله عليه وسلم لأعرابي: (إن تصدق الله يصدقك)، وقال أيضاً: (أفلح إن صدق).

    1.   

    من أخبار الصادقين

    عبد القادر الحسيني رجل عظيم، استشهد وهو يدافع عن القدس، وابنه هو المسئول الآن عن ملف القضية الفلسطينية، هذا كان خريج الجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي حفل التخرج، وبعد أن صعد المنصة ليتسلم شهادته، قال أمام الجميع: إنكم ما أتيتم لبلادنا إلا للتفجير والتنصير، وهناك كتب عدة في الجامعة تدعو إلى هذا، ثم أتى بالشهادة فمزقها ووضعها تحت قدميه. إن تصدق الله يصدقك.

    وهذا الرجل في أثناء حرب ثمانية وأربعين، وقد أوشكت القدس على السقوط، ذهب إلى سوريا يستنجد من اللجنة العربية لإنقاذ القدس، ويطلب سلاحاً يدافع به عن القدس، فلم يعطوه، فعاد مرة ثانية من سوريا وهو يقسم ألا تسقط القدس حتى يقتل في سبيل الله عز وجل، وظل بمدفعه يقاتل أربعة وعشرين ساعة متكاملة، والقوات التي أمامه تظن أنه كتيبة فدائية تقاتلها، حتى سقط الرجل شهيداً. إن تصدق الله يصدقك.

    مفتاح الصديقية، وهي درجة ثانية بعد النبوة، صدق في الأقوال، وصدق في الأحوال وهو الإخلاص وصدق في الأعمال واستواء السريرة مع العلانية ولقد كان رسول المولى عز وجل يسأله: أن يرزقه مدخل صدق، ومخرج صدق، فقال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80].

    وسيدنا إبراهيم سأل ربه فقال: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، وقال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55]، وقال الله تبارك وتعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:2].

    ومعنى: أدخلني مدخل الصدق أي: كل دخول في أي أرض يكون بالله ولله، كدخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فقد خرج من دياره تاركاً وراءه كل شيء: الأهل والأحباب والمال، خرج فاراً بدينه، فلما أتى إلى المدينة وكان دخوله صادقاً بالله وفي الله أثر هذا الدخول في عبد الله بن سلام زعيم اليهود، قال عن يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: (لما نظرت إليه علمت أنه ليس بوجه كذاب على الله، فكان أول ما سمعته منه: أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، هذا مدخل الصدق.

    ومخرج الصدق: كل خروج يكون لله عز وجل، كخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وخروجه أيضاً من مكة لينشر دعوة الله عز وجل:

    ويح قوم جفوا نبياً بأرض ألفته ضبابها والظباء

    وسلوه وحن جذع إليه وقلوه ووده الغرباء

    ونحا المصطفى المدينة واشتا قت إليه من مكة الأنحاء

    وخروج الكذب: كخروج أبي جهل في يوم بدر، قالوا له: قد أفلتت العير من محمد فارجع سالماً، قال: لا والله! والله لا نعود ولا نرجع حتى نمكث ببدر ثلاثة أيام، نشرب الخمور وتعزف لنا القيان، فتسمع بنا العرب فتهابنا، فأذله الله عز وجل في يوم بدر.

    كل خروج من البيت أو إلى أي مكان تكون فيه ضامناً على الله عز وجل وأنك ستخرج لله وفي لله، فهو خروج الصدق.

    ولسان الصدق: هو الثناء العطر من الناس بعد ممات الرجل، قال الله تبارك وتعالى: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:108-109].

    فاحذر أن يفضحك ميراثك يوم موتك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مروا عليه بجنازة: (مستريح أو مستراح منه، ولما سألوه عن المستراح منه؟ قال: العبد المنافق أو الكافر تستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب).

    ومقعد صدق أي: الجنة، وقدم صدق: ما تقدمه من إيمان بالله ورسوله، ولذلك فسروها: بأنها محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما تقدم عليه وهي الجنة. الدين كله صدق، فمن زاد عليك في الصدق، فقد زاد عليك في الدين.

    قال الله تبارك وتعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95]، وقال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وقال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ أي: الدين وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33] أي: الصديق رضي الله عنه.

    يقول سيدنا علي: والذي نفسي بيده! إن الله سمى أبا بكر صديقاً، يعرفه المسلمون بنعته وصفته، وكثير من المسلمين لا يعرفون اسم أبي بكر الصديق الحقيقي، إنما يعرفونه بكنيته وبصفته.

    الصدق يرفع صاحبه، وانظر إلى الصديق الأنصاري ومنزلته في الأنصار كمنزلة أبي بكر في المهاجرين، وهو سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه لما قال: (يا رسول الله! امض لما أمرك الله به، فإنا والله صدق في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك)، وهذا الرجل حالف يهود بني قريظة قبل الإسلام فكانوا من حلفائه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعشر الأنصار: (قوموا إلى سيدكم) فأنزلوه، وكان مريضاً، وسأل الله عز وجل ألا يمته حتى تقر عينه من يهود بني قريظة، وقد قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا، ونالوا منه بألسنتهم، وكان قد أصيب سعد في أكحله، وكان الدم لا يرقأ، وبكى أبو بكر وبكى عمر وبكى النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل النبي حوله من يرقع جرحه، وما اندمل الجرح، فرفع سعد يده يدعو إلى السماء، وقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من يهود بني قريظة، قالوا: فوالله لقد حبس الشريان فما قطرت منه بعد ذلك قطرة واحدة، ثم حاصر النبي صلى الله عليه وسلم يهود بني قريظة وقاتلهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وهم يظنون أنه سيجاملهم.

    وحكم فيهم سعد بحكم الله من فوق سبع سماوات: أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى نساؤهم وذراريهم، وهذا نفس الحكم الموجود في توراتهم المحرفة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لقد حكمت فيهم يا سعد! بحكم الله من فوق سبع سماوات).

    فتصوروا أن رجلاً يمشي على الأرض يوافق حكمه حكم الله عز وجل من فوق السماوات السبع، أي شرف لهذا الصادق أعظم من هذا.

    ثم قال سعد بعد أن قتل اليهود على ضوء سعف النخيل: اللهم افجره شوقاً إليك، فانفجر الشريان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى سعد كل يوم، ويسأل عن أخباره رفيدة، فلما أتى إلى رفيدة قالت: يا رسول الله! اشتد به الوجع، فأتى قومه بني عبد الأشهل فحملوه إلى ديارهم، ونزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (يا رسول الله! من هذا الذي مات من أمتك؟ نزل اليوم إلى الأرض سبعون ألف ملك، ما نزلوا إلى الأرض قبل يومنا هذا).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أسرع المشي حتى قال الصحابة: (يا رسول الله! تقطعت شسوعنا ونعالنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة).

    ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته وجد أمه تنوح عليه، فقال: (كل نائحة تكذب إلا أم سعد ، أو إلا نائحة سعد)، جعلت تقول:

    ويل أم سعد سعداً صرامة وجداً وفارساً معداً.

    ولما حملوه قال المنافقون: ما وجدنا أخف حملاً منه، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن الملائكة قد حملته معهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن السرير اهتز فرحاً بموت سعد بن معاذ)، وفي رواية: (إن عرش الرحمن اهتز فرحاً بموت سعد بن معاذ)، وهذه هي الجائزة العظمى للصدق.

    1.   

    من أنواع الصدق

    الصدق في الإيمان والأحوال والأعمال، والصدق في النيات، والصدق في العزم.

    الصدق في النيات والعزم

    فالصدق في النيات: هو أن تريد بالعمل وجه الله تبارك وتعالى، ولا تريد رئاء الناس، يقول الله تبارك وتعالى عن المنافقين: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107]؛ لأنهم كذبوا في نياتهم.

    الصدق في العزم: يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله! لئن أقدم فتضرب عنقي، أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق .

    والصدق في العزم يتفاوت، فرب رجل يقول: عليّ لله إن أعطاني مالاً أن أتصدق بجميع هذا المال، ولكنه إذا أتاه المال يكون متردداً. وقد يقول رجل: إني أحب أبا بكر الصديق ، ولكن لا يكون في عزمه كعزم سيدنا عمر ، فسيدنا عمر يقول: والله لئن أقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق. وهذا صدق في العزم.

    ومثل سيدنا أنس بن النضر رضي الله عنه عندما غاب عن مشهد بدر، فقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الكافرين وأغيب عنه! والله! لئن أشهدني الله مشهداً آخر لأرين الله ما أصنع.

    يقول أبو تراب النخشبي : إن الرجل إذا صدق في عزمه أعطاه الله حلاوة العمل قبل مباشرته للعمل. يعني: إذا علم الله عز وجل من نيتك ومن عزمك الصدق ألبسك رداء هذا العمل قبل أن تفعله، وأعطاك بصيصاً من حلاوته قبل أن تقدم عليه.

    فالأصل: المتاجرة مع الله عز وجل بالقلوب، وسيدنا أنس بن النضر عندما خرج إلى جبل أحد، فقال له سعد بن معاذ : إلى أين يا أبا عمرو؟ فقال: إليك عني يا سعد بن معاذ، والله! إني لأشم ريح الجنة من دون أحد. وقاتل حتى قتل، فما عرفته إلا أخته الربيع بنت النضر ببنانه فقط، وفيه نزل قول الله عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23].

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث نعيم بن همار الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط بإسناد صحيح، قال: (الشهداء الذين يقاتلون في سبيل الله في الصف الأول، ولا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا، يلقون في غرف الجنة العليا يتلبطون، يضحك الله تبارك وتعالى إليهم، وإن الله تبارك وتعالى إذا ضحك إلى عبد فلا حساب عليه).

    الصدق في الأقوال

    الصدق في الأقوال: أن يجتنب الإنسان ما أمكنه عن المعاريض، ويحاول أن يكون صادقاً، ويجنب نفسه كثرة المعاريض، نعم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ولكن يحاول الإنسان أن يخفف.

    ومن الصدق في الأقوال: أن يصدق الله عز وجل في مناجاته أثناء العبادات، فلا يقول أثناء الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً. وقلبه في القاهرة مثلاً، ولا يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] ويكون عبداً لشهواته، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، فالصدق في الأقوال ينجي.

    روي أن صبياً وهو عبد القادر الجيلاني أثناء طلب العلم ذهب إلى بغداد، فأعطته أمه أربعين ديناراً، فخرج على القافلة التي كان يسير فيها قطاع الطرق، فأتى أحد اللصوص إلى الجيلاني فقال: ما معك؟ قال: أربعون ديناراً!

    فظن أن الولد يكذب، فأعاد عليه مرة ثانية، فقال: معي أربعون ديناراً، فأتى به إلى زعيم اللصوص، فقال: ما معك؟ قال: أربعون ديناراً، ثم أخرجها؟ قال: ما حملك على الصدق؟ قال: إني عاهدت أمي على الصدق!

    قال: يا سبحان الله! أنت تخاف أن تنقض عهدك مع أمك على الصدق، وأنا لا أخاف أن أنقض عهد الله عز وجل، ثم قال: أنا تائب على يديك، فقال اللصوص: أنت كبيرنا في التوبة كما كنت كبيرنا في قطع الطريق، وتابوا على يد الجيلاني وهو طفل صغير.

    والصدق منجاة، قال الجنيد في درجة الصدق في الأقوال: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب، مثل ربعي بن حراش رحمه الله وهو أحد التابعين، قالوا: ما كذب قط، وكان الحجاج طالباً منه ولديه ولم يكن له غيرهما، فعلم أن ربعي بن حراش يعلم مكان ولديه، فلما أتي به إلى الحجاج قال: أين ولداك؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون هما في البيت، قال: عفونا عنهما من أجل صدقك.

    الصدق في المجاهدة والتوبة إلى الله

    والصدق في المجاهدة مع الله عز وجل: ألا تختار غير الله عز وجل، ولا تقدم عليه أحداً، قال الله عز وجل: هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج:78] أي: اصطفاكم، فلا تختر على الله عز وجل ولا تقدم عليه أحداً، كما لم يقدم عليك ولا على المسلمين أحداً بأن اصطفى هذه الأمة.

    و

    الصدق في التوبة مع الله عز وجل.

    فهذا بشر بن الحارث الحافي ، الذي قال عنه الناس: ما أخرجت بغداد أتم عقلاً منه، والإمام أحمد كان إذا سئل في مسألة عن الزهد والورع، قال: تسألوني عن الزهد وفيكم بشر؟

    قالوا: إنه كان في بداية حياته ماجناً، وكان يسرق، وبينما هو يدعو إخوانه إلى ليلة عنده، إذ مر ذاهب بالباب فطرق قصر بشر بن الحارث، فلما خرجت إليه الجارية، قال لها: قصر من هذا، قصر عبد أم حر؟ فقالت له: قصر حر، فقال: صدقت لو كان عبداً لاستعمل آداب العبودية، ثم مضى، فخرج بشر حافياً وراءه، لما سأل الجارية عما قاله، وما لبس نعلاً وظل حافياً طيلة حياته، قال: حال لقيت الله عز وجل بها لا أغادرها أبداً، فلقب بالحافي، ويوم موته خرجوا به وقت صلاة الغداة وما وضعوه في قبره إلا بعد العشاء.

    علي بن المديني يقول: هذا والله! عز الدنيا قبل عز الآخرة، وهذا شرف الدنيا قبل شرف الآخرة.

    وكان أبو محمد حبيب العجمي مرابياً، وكان إذا خرج إلى الشارع يخرج الأطفال حوله يهتفون وراءه: هذا أبو محمد حبيب العجمي المرابي، فجلس مجلساً للحسن البصري فتاب إلى الله عز وجل، وتصدق بجميع ماله، فكان بعد ذلك إذا خرج إلى السوق يقول الأطفال: هذا أبو محمد حبيب العجمي الزاهد .

    إن تصدق الله يصدقك، يقول أبو عبد الرحمن الزاهد : ويلي! من أشد جرماً؟ يا مولاي! عاملتُ عبادك بالصدق والأمانة، وعاملتك بالخيانة!!

    اتق يوماً تقف فيه أمام الله عز وجل، ليس بينك وبينه ترجمان، تنظر عن يمنيك ما ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا النار.

    أنا العبد الذي كسب الذنوبا وصدته الأماني أن يتوبا

    أنا العبد المسيء عصيت سراً فمالي الآن لا أبدي النحيبا

    أنا الغدّار كم عاهدت عهداً وكنت على الوفاء به كذوبا

    أنا العبد المخلف عن أناس حووا من كل معروف وطيبا

    فيا أسفا على عمر تقضى ولم أكسب به إلا الذنوبا

    وأحذر أن يعاجلني ممات يحير هول مصرعه اللبيبا

    أنا العبد الفقير مددت كفي إليكم فادفعوا عني الخطوبا

    أنا العبد الغريق بلج بحر أصيح لربما ألقى مجيبا

    أنا العبد السقيم من الخطايا وقد أقبلت ألتمس الطبيبا

    أنا المضطر أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا

    انظروا إلى توبة ماعز الذي ارتكب الزنا ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (والله! لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لعمتهم).

    وانظروا إلى الغامدية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن زنت وتابت إلى الله عز وجل: (والله! لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه).

    وهذا كعب بن مالك عندما تاب الله عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أبشر يا كعب بخير يوم خرج عليك منذ ولدتك أمك).

    الصدق في الخوف

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    ثم أما بعد:

    الصدق في الخوف: ليس أن تدمع عيناك وأنت ترتكب المعاصي، ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه.

    كان مالك بن دينار يعظ قوماً، ثم بعد أن انتهى من موعظته التفت إلى النعل فلم يجدها، فقال: كلنا يبكي فمن سرق النعل؟ فالدموع ليست بكافية، ربما تكون دموع تماسيح.

    هل أنت صادق مع الله عز وجل؟ أم أن توبتك كتوبة شيخ ضعفت قوته عن ارتكاب المعصية، أو يدعي التوبة ويلتفت إلى الذنب الفينة بعد الفينة، ويتذكر حلاوة الذنب؟

    فلو صدقت توبتك لصحت. فكل يوم يمر عليك ولا تعصي الله عز وجل فهو يوم عيد.

    وهذه هاجر أتى بها إبراهيم إلى جبال فاران موضع مكة الآن، ونظرت حولها فلم تجد إلا هدير الصحراء؛ فقالت: (يا إبراهيم! إلى من تتركنا في مثل هذا المكان القفر، يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً فلن يضيعنا).

    هذا الكلام سهل، لكنه كلام امرأة ومعها رضيعها في الصحراء، وبعد قليل سيفارقها زوجها، ولن تجد بعد ذلك لا ابن ولا بنت، ولن تجد إلا الموت في الصحراء.

    فماذا تفعل المرأة برضيعها، وهو يتلبط من الجوع والعطش، فتهرول ما بين الصفا والمروة، ولصدقها يجعل الله عز وجل هذه الخطوات ركن من أركان الحج، فرفعها الله عز وجل بصدقها، ولما نزل إليها جبريل، قال: من أنت؟ ومن زوجك؟ قالت: أنا أم إسماعيل، وزوج إبراهيم، قال: إلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله، فقال: صدقت، وكلكما إلى خير كافل، لا تخشي الضيعة، إن الله لا يضيع أهله.

    ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا

    ويسألنا على الإحسان جوداً كأنا لا نراه ولا يرانا

    قال الله عز وجل: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، ولما صدقت في المعاملة مع الله عز وجل، وعلمت أن الله عز وجل هو خير كافل، وهو خير وكيل، ألقت بابنها الرضيع على صفحة النهر، وقد كانت ترضعه على خوف من فرعون وملئه، والآن تلقيه في اليم، والأم إذا خافت على ولدها ضمته إلى صدرها، فلم يقل لها: فضميه إلى صدرك بل (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)، وهذا من صدق التوكل على الله عز وجل.

    سبحان من جعل من موج البحر لموسى مستراحاً ومأمناً ومناماً، وجعل من النار لإبراهيم برداً وسلاماً. ويأتي هذا التابوت إلى قصر فرعون لتكون المعركة على أرضه.

    وكأنه يقال له: جندت كل جندك وكل القافلات من أجل هذا الطفل الرضيع! فسوف نسهل لك المهمة ونأتي به إلى قصرك. وتنظر الجواري فيلتقطن سيدنا موسى عليه السلام، وإنما يؤتى الحذر من مأمنه، ولا يؤتى فرعون إلا من قبل زوجته التي تعيش معه في غرفة واحدة، قال الله تبارك وتعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، قالت زوجة فرعون: لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9]، ونجاه الله عز وجل بأرق شيء، وهو المحبة التي ألقاها في قلب آسية ، فلم تحمه الملائكة ولا غيرها، وإنما حماه الله بكلمة الحب: لا تقتلوه.

    وربي موسى في حجر فرعون، ولسان القدر يقول: لا نربيه إلا في حجرك.

    1.   

    النصر متعلق بالصدق

    والصدق ينجي في الدنيا والآخرة، هل صدق المسلمون والعرب وهم مليار وربع مليار، واليهود خمسة مليون فقط؟ هل صدقوا الله عز وجل في نصرة فلسطين؟ والله! ما صدقوا.

    قالوا لنا أرضنا أرض مباركة فيها التقى والهدى والوحي والرسل

    ما لي أراها وبحر الزور يغرقها وأبقوا الأمر في أرجائها زجل

    عار على الأرض كيف الذل أغرقها كيف استوى عندها الكذاب والرجل

    فكم بكينا على أطلال قرطبة وقدسنا لم تزل في العار تغتسل

    في القدس تبكي أمام الله مئذنة ونهر دمع على المحراب ينهمل

    لم يبق شيء لنا من بعد ما غربت شمس الرجال تساوى السفح والجبل

    وكعبة تشتكي لله غربتها وتسكب الدمع في أعتاب من رحلوا

    كانوا رجالاً وكانوا للورى قبساً وجذوة من ضمير الصدق تشتعل

    القاتل الوغد لا تحميه مسبحة حتى ولو قام وسط البيت يعتمر

    يعقوب لا تبتئس فالذئب نعرفه من دم يوسف كل الأهل قد سكروا

    أسماء تبكي أمام البيت والهة وابن الزبير على الأعناق يحتضر

    يا فارس الشعر قل للشعر معذرة هل يسمع الشعر من بالوحي قد كفروا

    واكتب على القبر: هذي أمة رحلت لم يبق في ذكرها شأن ولا أثر

    تصوروا يا إخوتاه! أن الذي أدخل البريطانيين إلى القدس هم العرب، فقد أقام الجنرال اللنبي معاهدة مع الشريف حسين حتى يأخذ الخلافة، وتكون الخلافة هاشمية، فاسترخص اللنبي أن يأتي بدم إنجليزي ويدخل به إلى القدس، فأتى بعرب من أعراب المسلمين، ودخل ببنادقهم القدس في عام (1917م)، ثم ركز علمه الذي فيه الصليب على جبل الزيتون وقال: انتهت الحروب الصليبية الآن، والذين حوله لا يعلمون رطانته الأعجمية، ولا يعرفون ماذا يعني.

    ولما سقطت فلسطين، واجتمعت الجيوش العربية نصبوا الملك عبد الله ، عامله الله بما يستحقه، ومسكوه قيادة القوات العربية كلها، فجعل على رأس القمة قائداً إنجليزياً، وهو جولوب الإنجليزي، فكيف ستقاتلون الإنجليز واليهود تحت راية رجل إنجليزي؟!!

    وإن تصدقوا الله عز وجل يصدقكم.

    اللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأحوال والأعمال، واحشرنا مع الصادقين، واجعلنا مع الصادقين، اللهم زينا بزينة المهتدين المتقين.

    رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أوابين مخبتين منيبين، اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا إلى غيرك، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننكسر فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.

    أقول قولي هذا، وأستغفر لي ولكم.