إسلام ويب

رجال من الجنةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى نظر إلى قلوب عباده فلم يجد أبر ولا أزكى ولا أطهر من قلوب الصحابة. فاختارهم لصحبة نبيه، وحملة لدينه، وشعاعاً يضيء لهذه الأمة فنصروا الدين، وقاتلوا مع نبيه وقتلوا، ولا ينصر الدين في أيامنا هذه إلا بأمثالهم:

    أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع

    1.   

    التجارة الرابحة

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الناس! متى كانت أمة محمد عليه الصلاة والسلام ضائعة؟! ومتى كانت لاهية؟! ومتى كانت اهتماماتها هوايات؟! ومتى كان ليلها ضياعاً ونهارها تفلتاً عن منهج الله؟! متى كنا نجعل الفن هواية؟! ونجعل الكرة مهمة؟! ونجعل الرسم مبدأ؟!

    متى كان سقطة الناس نجوماً ونجومها مطاردين مبعدين؟!

    كان ذلك يوم انطمست معالم إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    أيها المؤمنون يا دولة الحق     ويا عصبة الرسول محمد

    بثكم ربكم شعاعاً من الفجر     على رغم من طغى وتمرد

    فاسمعوا قصة الوفاء بـبدر      صاغها من يريد إياك نعبد

    جنة الله بشرت بكرام     يقرع الباب بالتحية أحمد

    يا معالم! يا فجر! يا تاريخ!     ويا كل مسلم وموحد!

    يا ولاة أمورنا إذا الكفر ألقى     بتلابيبه وأرغى وأزبد

    اقرءوا سيرة الرسول كنوز     كل أنفاسه ودر وعسجد

    عنوان هذه الخطبة: رجال من الجنة.

    كان أجدادنا رجالاً يحبون الجنة فدخلوا الجنة، فلما خلف مَنْ بعدَهم تنكروا للجنة، فما أحبوا طريقها: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [صّ:16] فما باعوا أنفسهم لله وما شروا منه السلعة، وما قدموا أرواحهم.

    خلق الله الجنة فقال: تكلمي، فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] وخلق لها خلقاً، قال: أريد أن تدخلوا الجنة، قالوا: ما الثمن؟ قال: أرواحكم، قالوا: أين رجال البيع وسوق الشراء؟ قال: المعركة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فأنزل الله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111] وأنزل الله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23] وأنزل الله: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران:195].

    المبادئ لا تقوم إلا على الرجال، والمبادئ لا تزرع إلا في الدماء، ولذلك كان معلمنا عليه الصلاة والسلام شجاعاً بما تعنيه كلمة الشجاعة من معنى، وجاء أصحابه شجعاناً، أبو بكر صديق، وعمر قتيل، وعثمان ذبيح، وعلي يضرج بدمائه، قتل من أصحابه صلى الله عليه وسلم (80%).

    1.   

    الحديث عن معركة أحد

    يقول عليه الصلاة والسلام قبل معركة أحد بيوم واحد على المنبر: (والذي نفسي بيده ما من قتيل يقتل في سبيل الله؛ إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم قتل في الدنيا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك). وفي حديث آخر: (إن الله يقول للشهداء يوم القيامة: من قتلكم؟ قالوا: أعداؤك، قال: فيم قتلتم؟ قالوا: فيك، قال: غفرت لكم).

    اليوم أريد أن أطوف معكم بيوم أحد تطوافةً تحيي القلب، لنرى كيف كان أجدادنا وكيف أصبحنا! ماذا قدمنا للإسلام؟ أين شهداؤنا؟

    وأين بطولاتنا؟

    وأين أثرنا في نشر هذا الدين؟

    أين الدماء؟

    وأين الأموال؟

    وأين السهر؟

    وأين الفداء؟

    وأين التضحية؟

    لا شيء!!

    استشارة النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في موقع المعركة

    وقف عليه الصلاة والسلام على منبره قبل أن تبدأ معركة أحد بيوم، فاستثار الناس، وأعلن القتال على أبي سفيان وعلى المشركين، وأخبر بما فعل المشركون من اعتداءاتهم المتكررة على المدينة، ثم استشار أصحابه فقال: {ما ترون أيها الناس؟ أنقاتلهم في الطرقات، أم نخرج إليهم إلى جبل أحد؟ فأما كبار الناس فقالوا: يا رسول الله! بل نبقى مكاننا في طرقاتنا، وفي بيوتنا، وفي منازلنا، فإذا دخلوا علينا قاتلناهم، فوافقهم}. ولما انتهى الكلام خرج مجموعة من أصحابه وشبابه، ثمانون شاباً، فلبسوا السيوف وأخذوا الخوذ على الرءوس، وأتوا يرتجزون خارج المسجد بصوت مرتفع:

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    ثم هتف شاب منهم في العشرين من عمره، فقال: {يا رسول الله! اخرج بنا إلى أحد، لا تحرمنا دخول الجنة، والله إني أريد أن أدخل الجنة} ووقف عليه الصلاة والسلام على المنبر يسمع القول الحار، ويسمع النشيد الخالص، فتهتز كل شعرة من جسمه، وتثور كل قطرة من دمائه، ويعلم أن الجنة قد فتحت أبوابها، وأن الله قد تجلى لعباده، فيقول لهذا البطل الشاب: {وبم تدخل الجنة؟} أين شبابنا في العشرين؟ وما دورهم وهمهم؟

    جمع الطوابع، واستماع الأغنيات، وهوايات المراسلة، وتشجيع النوادي، والسهرات في المقاهي، والسفر إلى الخارج، والتزلج على الثلج، وتربية الحمام، وصيد الصقور في الصحراء وفي الفصول الربيعية، هؤلاء شبابنا!!

    قال: {وبم تدخل الجنة؟} قال: {باثنتين؟ بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف، فدمعت عيناه عليه الصلاة والسلام دمعاً سخياً ساخناً، ورفع يديه وقال: إن تصدق الله يصدقك} وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    خروج النبي وأصحابه إلى أحد

    وخرج عليه الصلاة والسلام إلى المعركة، وبدأت معركة أحد، وقبل المعركة بساعة سل عليه الصلاة والسلام سيفه، وقال: {من يأخذ هذا السيف؟ قال الناس: نحن جميعاً نأخذه، قال: من يأخذه بحقه؟ قال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: حقه أن تضرب به في الكفار حتى ينحني}. هل سمعتم بسيف ينحني من الضرب؟ نعم بكف أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام.

    فأخذه فقام وهو يرتجز:

    أنا الذي عاهدني خليلي     ونحن بالسفح لدى النخيل

    ألا أقوم الدهر في الكيول     أضرب بسيف الله والرسول

    فضرب به حتى انحنى، ورده منحنياً إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وظهرت البطولات، وفتحت أبواب الجنة، وشاركت الملائكة، ودفعت أبواب السماء بكتائب يقودها جبريل، ونزل على جبل أحد، وأصبحت القيادة المشتركة بين جبريل ومحمد عليه الصلاة والسلام، بل قال أهل العلم: القائد الأعلى محمد عليه الصلاة والسلام، وبدأ أصحابه عليه الصلاة والسلام يقدمون تضحيات ما سمع التاريخ بمثلها، لا والله لا في التاريخ النصراني، ولا اليهودي، ولا الشيوعي، ولا قبل التاريخ ولا بعد التاريخ، ولا في الجاهلية، ولا في الإسلام أن سمعنا برجل قدم شجاعة كشجاعتهم ذلك اليوم، لأنها إما حياة وإما موت، إما أن يزال الدين من على وجه الأرض، أو أن ينتصر الحق.

    1.   

    نماذج من شباب الجنة

    وسوف أعرض نماذج من شباب الله الذين دخلوا جنة عرضها السماوات والأرض.

    وقف عبد الله بن جحش لما رأى السيوف تطيح بالرءوس والرماح تلعب بالأكتاف قال: يا رب! أسألك هذا اليوم، أن تلاقي بيني وبين عدو لك شديد حرجه، قوي بأسه، كافر بك، فيقتلني، ثم يبقر بطني ويجدع أنفي، ويفقأ عيني ويقطع أذني، فألقاك يا رب بهذه الصورة فإذا قلت لي يوم القيامة: لم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب!

    وقاتلت معنا الأملاك في أحد      تحت العتادة ما حادوا وما انكشفوا

    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا      إياك نعبد من سلسالها رشفوا

    في كفك الشهم من حبل الهدى طرف     على الصراط وفي أرواحنا طرف

    واندفع مصعب بن عمير بالعلم، وحمل الراية، واستبسل استبسالاً ما سمع الدهر بمثله، فضرب ثمانين ضربة وقطع بجانب العلم.

    ثم اندفع قتادة بن النعمان وواصل المسيرة فضربه كافر فأسقط عينه اليمنى حتى أصبحت معلقة على خده بعرق واحد، فأتى إلى القائد العظيم عليه الصلاة والسلام وهو في الصف الأول مثخن بالجراح، فقال: يا رسول الله! عيني، قال: ادن مني، فدنا منه فرد عينه بيده، وقال: باسم الله، فعادت أجمل من الأخرى وأحدّ.

    أنا ابن الذي سالت على الخد عينه     فردت بكف المصطفى أحسن الرد

    فصارت على حسن أول حالها      فياحسنما عين ويا حسنما خد

    وتقدم سعد بن الربيع فقاتل فقتل، فاندفع دمه يقذف قذفاً على الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام: (أين سعد بن الربيع؟ قالوا: لا ندري يا رسول الله! قال: يا زيد بن ثابت اذهب والتمس سعد بن الربيع، قال زيد: فأتيت فإذا هو في حفرة ودمه قد غطاه في الحفرة، وأصبح في الرمق الأخير -مودعاً الدنيا مستقبلاً الآخرة، وهو يطل على حياة جديدة، على قصور وأنهار وأزهار، وعلى مكالمة الله- قال: كيف تجدك يا سعد بن الربيع؟ قال: أبلغ رسول الله السلام، وقل له جزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، نشهد أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم تبسم ومات).

    ثم تقدم أنس بن النضر ففتك فتكاً عجيباً في الصفوف، فلما ضرب سال دمه وقال: إليك عني يا سعد! والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، وصار الصوت في المدينة، وارتفع صياح النساء، وأصبحت الغارة تشن من قرب عاصمته عليه الصلاة والسلام، والملائكة والسماء والأرض مشتبكة بين الكفر والإيمان، إما سعادة ونصر، وإما سحق وإبادة، فثار حنظلة شاب من المدينة لما سمع الصوت وهو جنب، فاخترط سيفه من الغمد، فذهب فقاتل فقتل في سبيل الله، فرفعته الملائكة في السماء، والرسول عليه الصلاة والسلام يشاهد جثمانه وتنهل دموعه على عينيه ويقول: (والذي نفسي بيده، إني أرى حنظلة تغسله الملائكة بين السماء والأرض في صحاف الذهب بماء المزن) سلوه فيم قتل؟ قالوا: في الله، وقال: ولم تغسله الملائكة؟ قال أهله: مات جنباً.

    وتقدم حمزة رضي الله عنه فقتل سبعة من القادة ثم أثخن بالجراح، ورمي بحربة فلقي الله، فوقف عليه الصلاة والسلام على حمزة، وعلى الشهداء، وقال لـحمزة وقد رآه مقطعاً أمامه: (والذي نفسي بيده لا أقف موقفاً أغيظ لي من هذا الموقف، والذي نفسي بيده لئن ظفرت عليهم لأمثلن منهم بسبعين، ثم قال: أنتم شهداء، والله شهيد، وأنا على ذلك شهيد) وهو شهيد عليه الصلاة والسلام أنهم شهداء.

    ثم أتى عبد الله بن عمرو الأنصاري فقاتل حتى قتل وقطع إرباً إرباً، فبكى ابنه، فقال عليه الصلاة والسلام: (ابك أولا تبك، والذي نفسي بيده ما زالت الملائكة تظل أباك بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان، فقال: تمن، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: إني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً) وارتفعت أرواح الشهداء، وقتل سبعون، وسال دمه عليه الصلاة والسلام من جبينه، ودخل المغفر في رأسه، وانكسرت رباعيته، وأثخن بالجراح حتى سقط على الأرض.

    فأتى والد أبي سعيد قال: (يا رسول الله! أسألك بالله أن تأذن لي أن أمص دمك -وهو الدم الذي يسيل من الجرح- فتقدم فمص الدم، فقال عليه الصلاة والسلام: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا). ولما انتهت المعركة، وقف عليه الصلاة والسلام ودمه يغلي على حمزة وعلى إخوانه من الشهداء، متأثراً مجروحاً، لكي يعلم أن مبدأه سوف ينتصر وسوف يبقى والعاقبة للمتقين، قال: (صفوا ورائي لأثني على ربي) قال بعض الفضلاء: الله أكبر تثني على ربك وأنت جريح؟!

    تثني على ربك وأنت مصاب؟!

    تثني على ربك وقد قتل أصحابك؟ نعم.

    إن كان سركم ما قال حاسدنا      فما لجرح إذا أرضاكم ألم

    هذه بطولات أهل الجنة، وهم سلفكم الصالح، وهم والله الذين نصروا هذا الدين، ورفعوه في معالم الدنيا، ونشروه في بقاع الأرض، ولم يقدموا عليه مالاً ولا أهلاً ولا ولداً.

    عباد ليل إذا جن الظلام بهم      كم عابد دمعه في الخد أجراه

    وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم      هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

    يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً      يشيدون لنا مجداً أضعناه

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا      وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضر يحل بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعة      فما سقطنا لأن الحافظ الله

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    نص حديث: (إذا تبايعتم بالعينة) وشرحه

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين وعلى آله وصبحه أجمعين.

    أيها الناس! إن القائد المعصوم، والمضحي الأول، والفدائي الأول، والمعطي الأول عليه الصلاة والسلام يقول في الخلف؛ الذين خلفوا السلف، الذين انحصر الإسلام على رءوسهم، الذين سلموا الأرض لقمة سائغة للأعداء، الذين تركوا بيت المقدس في كف اليهود، الذين سلبت منهم الأندلس وأفغانستان وبلاد كثيرة، يقول لهم: (إذا تبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم) رواه أحمد وصححه بعض العلماء.

    فما معنى هذا الكلام؟

    تبايع بعض الناس بالعينة

    لقد تبايع الناس بالعينة إلا القليل، وسقطوا في البيع المحرم، بل أدهى من ذلك وأمر، فقد أكلوا الربا، وشربوا الربا، ولبسوا الربا، وبنوا بيوتهم من الربا، فكيف ترجو من رجل مرابٍ أن ينصر دين الله؟ رجل أعلن الحرب على الله، أينصر دينه؟! أيكون من أوليائه؟!

    الله يحرم عليه الربا ويلعن المرابي، ويعلم أن الربا حرام، ويجمع أهل العلم على تحريم الربا، ثم يصطك متناسياً لاهياً ويرابي.

    ترك الجهاد

    { وتركتم الجهاد} تُرِكَ الجهاد منذ عهد بعيد، فلم يجاهد شعب لله، ولم تجاهد أمة، ولم يرتفع علم الجهاد، ولم تسر الأمة مساراً صحيحاً في الجهاد، أمة أترفت وميعت، فأصبحت أمة زائفة راسبة، كأنها لم تكن يوماً من الدهر أمة الشهداء، أمة حمزة ومصعب بن عمير وخالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، تركت الأمة الجهاد تماماً، وأصبح الجهاد عندها مستنكراً، بل يسمونه في الوسائل الغربية همجية وبربرية، أما إسفاف الكفر، وأما سحق الشعوب، أما قتل شعب مسلم في فلسطين فعدل، وأما قتل مليونين من أفغانستان فعدل، أما إذا قام المسلمون برفع لا إله إلا الله فهمجية وبربرية، وتردد وسائل الإعلام الناقصة المتخلفة المفترية هذه الكلمات، وأصبحت توجه السهام لدعاة الإسلام وتسميهم بأبشع الألقاب: الأصوليين، الفوضويين، الفضوليين.

    عجيب أمركم! من هو الأصولي والفوضوي؟! من هو الذي طرح خده للمستعمر؟! من الذي أصبح وسيلة وأداة في كف أعداء الله عز وجل؟! أقوم يريدون أن تعود لنا المكرمات والأمجاد، أم قوم سلخوا من مبادئهم وأعرافهم وتقاليدهم الإسلامية؟

    الرضا بالزرع

    { ورضيتم بالزرع} أمة مزارعة، والزرع ليس بحرام؛ لكن إذا أصبحت البطون مقدمة على إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وأصبح الحرث والزراعة مقدمة على مسألة العبودية لله، وعلى نصر الدين في أقطار الأرض، وعلى تشجيع العلماء والدعاة، وعلى بث الوعي في الأمة، وعلى تعليم الناشئة، وعلى تربية الأطفال تربية مستقيمة، فالأمة لم تبعث مزارعة، والزراعة نتركها لغيرنا إذا أردنا أن ننصر دين الله، ولا تمنعنا الزراعة من نصر دين الله، فلنكن مزارعين؛ لكن ومجاهدين قبل ذلك، ولا يفهم من الكلام أن من زرع أو حصد أو استثمر أو عمل أو تاجر فقد ارتكب أمراً محرماً، فالله يأمر بذلك، لكن لماذا لا نقدم الدين أولاً؟! ولماذا لا نضحي لـ(لا إله إلا الله) أولاً؟! إذا أشغلتنا المزارع عن مبادئنا فلا حياها الله ولا بياها، وقد هدد الله وتوعد أن من رضي بالحياة الدنيا واطمئن بها أن يصليه نار جهنم.

    { ورضيتم بالزرع} فما أصبحنا نفتخر أمام العالم إلا بالمزارع والحدائق، وكنا نفتخر أمام العالم بأنا أهل العدل والإنصاف، وأهل الإسلام والإيمان والتوحيد، والشهداء الذين أزالوا الرِق من العالم، وأصبحنا الآن نخبر الناس أننا مزارعون من الدرجة الأولى، وحراس، وتجار، وصناع.

    الاهتمام بالمواشي والأنعام

    { وأخذتم أذناب البقر} أسلوبه عليه الصلاة والسلام لاذع لأولئك الذين تركوا دين الله، وأصبحت مواشيهم ودواجنهم في بيوتهم أعظم عندهم من نصرة الدين، وقد وجد هذا، فوالله إن في الأمة من يغضب لبقره أكثر من غضبه لمبادئه الإسلامية.

    الدين ينتهك، والمنكرات والفواحش تنتشر، وتعطيل كثير من أمور الإسلام، ومع ذلك لا غضب، أما إذا مست وظيفة العبد، أو منصبه، أو شيء من مصالحه، أو بيته أو أرضه، أقام الدنيا وأقعدها.

    فمن هو المسئول عن الدين إلا أنتم؟ ومن يبلغ هذا الدين إلا أنتم؟ ومن يحمل مبادئه في الناس إلا أنتم؟

    { وأخذتم أذناب البقر} وقس على البقر أمثالها وأمثالها من الدواجن، والحمام، والغنم، والصقور، وفن الهوايات التي تعلق بها السفهاء ولو كانوا كباراً في السن، فأصبح الواحد منهم كبيراً في جسمه، طفلاً في عقله، يلعب بالصقر، ويتفرج الصباح والمساء على دواجنه ومزارعه، ودين الله لم يقدم له كلمة، ولم يقدم له درهماً ولا ديناراً، ولم يكن عوناً لنشره في الأرض، ماذا أريد أن أقول بعد هذه المقدمة؟

    أقول: نحن في موطن صيفي، وهذه المنطقة كغيرها من مناطق البلاد الإسلامية تحتاج إلى دعوة، وتحتاج إلى رواد محمد عليه الصلاة والسلام، وإلى حملة قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، أن ينشروا الدعوة في القرى والبوادي والمدن، وأن يكونوا دعاة فضيلة، يقول عليه الصلاة والسلام: {بلغوا عني ولو آية} ويقول: {نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع} أين آلاف الخريجين من الجامعات؟ وأين آلاف الطلاب من الثانويات؟ وأين القضاة؟ أينتشر السحر والكهانة والشعوذة والشرك في المناطق والقرى والبوادي؟

    أيخيم الجهل على كثير من الناس حتى لا يعرف الإنسان أنه يؤدي صلاته أداء إسلامياً؟

    فأين أولئك؟ ألن يسألهم ربهم؟ ألن يسألهم معلمهم وشيخهم صلى الله عليه وسلم؟

    فيا دعاة الإسلام! ويا حملة المبادئ! لا نريد منا أن نكون كمن قدموا أرواحهم في أحد.

    فلا تعرضن بذكرنا في ذكرهم      ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    لكن نريد أن نقدم شيئاً للدين؛ بنشر الكتاب الإسلامي، والكلمة الطيبة، والشريط الإسلامي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإصلاح الناس، وأن نسعى في سعادتهم وإنقاذهم من الظلمات، وإنقاذهم من النار، وإدخالهم جنة عرضها السموات والأرض.

    أيها الناس! صلوا على الحبيب عليه الصلاة والسلام، وأكثروا من الصلاة والسلام عليه، وأفيضوا بالتحيات عليه في هذه الساعة المباركة، وعلى أصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسان، جمعنا الله بهم في دار السلام.

    اللهم أصلحنا ظاهراً وباطناً، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم اهدنا سبل السلام، اللهم أصلح من وليته علينا، اللهم ولِّ علينا خيارنا ولا تول علينا شرارنا، اللهم ولِّ علينا من يرجوك فينا ويخافك فينا ويرحمنا فيك.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.