إسلام ويب

تعظيم شعائر اللهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يزال المؤمن يخطئ ويخاف، أما المنافق فإنه عديم الإحساس، فالأول يعظم شعائر الله، والثاني قد امتهن شعائر الله، وفي ثنايا هذا الدرس صور لا متهان شعائر الله كما فيه صور لتعظيم شعائر الله ممثلة في الصحابة والتابعين، وفيه تعرض إلى الموقف الشرعي من ذلك، وماذا يجب علينا أن نفعل؟

    1.   

    مراقبة المؤمن وخوفه الدائم من الله

    الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، الحمد لله الذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض ومهد.

    الحمد لله الذي خلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على معلم الخير، وهادي الإنسان، ورسول البشرية، ومعلم الإنسانية، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:

    أيها الناس! فإن المؤمن يحسن ويخاف، وإن المنافق يسيء ويرجو، المؤمن مرهف الإحساس حي العاطفة، يعظم شعائر الله وحرماته الله، ويراقب الله في السر والعلن، وفي الجلوة والخلوة، ويرى ذنوبه كما في الأثر: (كأنه جالس في أصل جبل يخاف أن يقع عليه).

    والمنافق يمشي قُدماً، يرى ذنوبه كأنها ذباب مر بأنفه، فقال به هكذا فلا يخاف منها، والمنافق يخاف من الناس أعظم من خوفه من الله، قال تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء:108] يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله، يقِّدرون الناس ويوقرونهم ولا يوقرون الله تبارك وتعالى، فتعالوا نرى كيف كان السلف الصالح يخافون الله ويراقبونه.

    سبحان من يعفو ونهفو دائماً     ولا يزل مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يخطي ولا يمنعه     جلاله عن العطا لذي الخطأ

    خوف عمر من النفاق

    كان عمر رضي الله عنه وأرضاه من أشد الناس خوفاً من الله، ومع ذلك كان صادقاً مع الله، وصادقاً مع الناس، ومع نفسه، قائماً لليل، وصائماً للنهار.. عادلاً فيما ولاه الله.. زاهداً في الدنيا، ومع ذلك يرى أنه هالك، فيبكي طويلاً ويقول: [[يا ليتني كنت شجرة تعضد]] ويقول لـحذيفة الذي علمه صلى الله عليه وسلم أسماء المنافقين الذين لا يدخلون الجنة: [[يا حذيفة! أسألك بالله، أسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟]].

    لا إله إلا الله! إذا لم تكن يا عمر مؤمناً فمن هو المؤمن؟! وإذا لم تكن صادقاً فمن هو الصادق؟! وإذا لم تكن مخلصاً فمن هو المخلص؟! لا إله إلا الله! بذلت مالك ودمك في خدمة لا إله إلا الله، وتبكي على نفسك أن تكون منافقاً!

    جلس الصحابة في مجلس، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام: {أيكم يحفظ قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا، قال عمر: إنك عليها لجرئ -أي: تستطيع أن تتكلم في هذه المواضع الخطيرة- قال: نعم. قال: ماذا سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الفتنة؟ قال: يقول: فتنه الرجل في أهله وماله، يكفرها الصوم والصلاة والصدقة، -أي: سبه وشتمه لأهله، كفارتها الصوم والصدقة والصلاة- قال عمر: ليس عن هذا أسألك، لكن عن الفتنة التي تموج موج البحر، ما هي كفارتها؟ -أي: فتنة الدماء، وفتنه أن يسل السيف على المسلمين، وفتنة الاختلاط، والزندقة والنفاق والإلحاد- قال حذيفة: يا أمير المؤمنين! لا تخف، إن بينك وبينها باباً قال: أيفتح الباب أم يكسر؟ والباب في الفتنه هو عمر بن الخطاب فيوم قتل بدأت الفتنه، وسل السيف على الأمة المحمدية، وبدأت الفتنة في الجزيرة العربية تموج موج البحر، قال: يا أمير المؤمنين! إن دونك ودونها باباً، قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر، فدمعت عينا عمر وقال: الله المستعان! فسئل حذيفة: هل علم عمر من هو الباب؟ قال: إي والذي نفسي بيده، إنه علم كما علم أن دون الليلة البارحة} ويوم اغتيل أتته سكرات الموت، رضي الله عنه وأرضاه فما بكى على أطفاله أو على أمواله أو منصبه، أو وظيفته، ولكن بكى ذنوبه وخطاياه.

    حياءً من إلهي أن يراني     وقد ودعت دارك واصطفاك

    فيقول: [[يا ليت أمي لم تلدني]] ودماؤه تثعب، مات شهيداً في سبيل الله، قالوا: مالك، قال: [[ذنوبي وخطاياي يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليتني ما توليت خلافة، يا ليتني ما عرفت الحياة]] هذا وهو عمر رضي الله عنه وأرضاه، فكيف بنا أهل الذنوب والخطايا؟ ذاك وهو المؤمن الذي يصوم ويتصدق، ويعمل صالحاً، ويتوب ويخاف من الذنوب.

    والمنافق يترك الصلوات، ويلعب بالمحرمات، وينتهك حقوق الواحد الأحد رب السماوات، ويضحك.

    ويتكلم بالنفاق، ويعمل بالنفاق ويضحك.

    إذا بايع الناس غش وظلم، وإذا أخذ المال وأعطاه رابى، وإذا خاصم فجر وشهد شهادة الزور، ولعن وتعدى وهو يضحك.. قاطع للرحم.. عاق للوالدين.. فاجر في بيته ومجتمعه، وفاجر مع أمته وهو يضحك.

    نماذج أخرى من خوف الصحابة

    لقد كان أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر الناس خوفاً من الله؛ أتى أحدهم والرسول صلى الله عليه وسلم محاصر ليهود بني قريظة، فأرسله صلى الله عليه وسلم، وقال: {اذهب إلى هؤلاء اليهود، وفاوضهم علَّهم أن ينزلوا على حكم الله، فدخل على اليهود، فقال اليهود له وهم يتباكون نساءً ورجالاً.. شيوخاً وأطفالاً، قالوا: ترى ماذا يصنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأخذته الرحمة لكن في غير موضعها، والرقة بأعداء الله، إخوان القردة والخنازير، فأشار إليهم ألا ينزلوا، وهي خيانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يتكلم، وإنما قال بيده على عنقه هكذا -أي: انتبهوا، لا تنزلوا فإنه سوف يذبحكم ذبحاً- وخرج من الحصن، وشعر أنه قد خان الله ورسوله، وخان دين الإسلام، فذهب إلى المسجد فربط نفسه بسارية في المسجد، وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا أطلق نفسي حتى يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ يبكي صباح مساء}.

    فأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بخبره قال: {{ما دام أنه قيد نفسه فوالله الذي لا إله إلا هو لا أطلقه حتى يتوب الله عليه}} وأتت التوبة من السماء، يوم اعترف بذنبه وخطيئته؛ فتاب الله عليه، فأتى صلى الله عليه وسلم فحل وثاقه بيده الشريفة.

    وحين أنزل الله قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2].

    ومعناها: لا ترفعوا أصواتكم، وتأدبوا عند المصطفى، صاحب الرسالة الخالدة صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت أتى ثابت بن قيس بن شماس وهو خطيب الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يخطب في حماية الإسلام، وفي الدفاع عن الإسلام فيرفع صوته على صوت الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس هذا مقصوداً في الآية، لأن الآية تعني الذين لا يتأدبون، أما هو فيرفع صوته براية الحق، فذهب فأغلق بابه في البيت؛ فبكى حتى كادت أضلاعه أن تختلف وقال: {والذي لا إله إلا هو، لا أخرج من بيتي، حتى يتوب الله علي أو أموت في بيتي]] فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة فقال: أين ثابت قالوا: يا رسول الله! نزلت الآية فظن أنها فيه فأغلق عليه بابه ولم يأكل ولم يشرب، وحلف ألا يخرج حتى يتوب الله عليه أو يموت في بيته، قال عليه الصلاة والسلام: بشروه أنه من أهل الجنة، فأتوا يطرقون عليه الباب ويبشرونه أنه من أهل الجنة، فبكى حتى أغمي عليه} حياء من الله.

    وهذا هو فعل المؤمن.. يتقي الله ويخافه ويعظم حرماته، ويتهم نفسه.

    والشاهد من هذا الكلام أنه ينبغي لنا أيها المسلمون الأبرار الأخيار! أن نعظم حرمات الله تبارك وتعالى، فحق على المسئول فينا ألا يتصرف ولا يعمل إلا وهو يعلم أن الله عز وجل حافظه ومتوليه وراعية، وأن يراقب الله في السر والعلن، وحق على من يكتب مقالة نثرية أو شعرية في الصحف والمجلات، أن يتق الله في نفسه، ويعرف أن الله سوف يجمعه ليوم لا ريب فيه.

    صور من الذين لا يخافون الله وما حل بهم

    كم رأينا من أناس كتبوا فما خافوا الله، كتب أحدهم إلحاداً وزندقة يوم نسي الله فأنساه الله نفسه.

    يقول أحدهم يخاطب الأمة العربية، والأمة العربية بلا إسلام أصفار، والأمة العربية بلا دين بادية مضمحلة في ثياب من الغنم، والأمة العربية بلا لا إله إلا الله محمد رسول الله أمة مهزومة فاشلة، يوم دخلت الأمة العربية بدون لا إله إلا الله محمد رسول الله ساقها اليهود وساقوا كتائبها في سيناء وفلسطين وفي كثير من بقاع الدول العربية، ساقوها بطائراتهم.

    فأطفأت شهب الميراج أنجمنا     وشمسنا تحدت ناره الخطب

    إذا تبدت لنا الميراج تقذفنا     سعت لتسقطها الصيحات والخطب

    فالأمة العربية إذا نزع الإيمان منها فقل: عليها السلام، وهذا مجرم لبناني يكتب في صحف لبنان الكبار، ويقول عن الأمة العربية في الحرب مع إسرائيل:

    هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة     وسيروا بجثماني على دين برهم

    بلادك قدمها على كل ملة      ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم

    يقول: ائيتوني بدين يجعل العرب أمة، ولو كان قومية أو بعثية أو حزبية غير الإسلام، ولو كان دين برهم الهندوسي المجرم اللعين، الذي لا يخاف موعود الله.

    ويقول الثاني وقد وقف أمام سلطان من سلاطين الدنيا، وهو شاعر يمدح السلطان ونسي عظمة الله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] يقول هذا السفيه الخرافي الذي نسي الله فأنساه نفسه، والإنسان إذا نسي نفسه تكلم بلا إيمان ونافق الناس ونسي الواحد الديان، يقول هذا للسلطان:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار      فاحكم فأنت الواحد القهار

    يقول لهذا الفقير الهزيل الذي يموت ورزقه وحياته ووجوده وسمعه وبصره وكل شيء فيه من الله، وهو يقول هذا الشعر! فابتلاه الله بمرض أقعده على فراشه، بقي ينبح منه كما ينبح الكلب، لأن الذي لا يعرف الله، يعرِّفه الله بنفسه في الشدة فهو له بالمرصاد.

    فرعون ما عرف الله وهو على الكرسي وعلى الحكم، يقول كما قال تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] فقاده الله بتلابيب ثيابه حتى أنزله في الطين والوحل وأمضى الأنهار والمياه على رأسه؛ فعرف الله وقت الشدة، قال تعالى على لسان فرعون: قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] آلآن يا دجال! آلآن يا لعين! وقد نسيت عظمة الله وجلاله.

    فابتلى الله هذا الشاعر بمرض فبكى وأبكى، وأخذ يتقلب على فراشه ويقول يخاطب رب العزة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويعتذر:

    أبعين مفتقر إليك نظرت لي      فأهنتني وقذفتني من حالقِ

    لستَ الملوم أنا الملوم لأنني      علقت آمالي بغير الخالقِ

    من يعلق أمله بغير الله، يقطع الله حبله وولايته، ويقطع أثره في الأرض، ومن يعتمد على غير الله يهزمه الله ويجعله على دائرة الفشلة، وقد سمعنا ورأينا من الذين أساءوا للإسلام ولو ادعوا الإسلام، ولو سكنوا في بلاد الإسلام، ولو تكلموا بلغة الإسلام أتوا، فإذا حلت بهم الأزمات.. إما مرض عضال فأصبح في المستشفى على السرير الأبيض، أو أصابته كارثة في أطفاله، فعندها عرف الله فأصبح يراجع حسابه، لكن في وقت ضائع، لأنه نسي الله عز وجل، فراعوا يا عباد الله، تعظيم حرمات الله في مجالسنا واجتماعاتنا ومدارسنا.

    فإن من الكلمات ما تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً يطلقها بلا اعتبار، يستهزئ بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو يستهزئ بالسنة الخالدة، أو بالدعاة والدعوة، ولم يعلم أنه يستهزئ برب العالمين تبارك وتعالى، يقول الله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].

    هذا هو الكفر والنفاق، قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4] وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9] لم يدخل النور والإيمان قلوبهم فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [البقرة:11] لا تفسدوا في إعلامنا وصحفنا.. لا تفسدوا في كتبنا ومصنفاتنا، لا تفسدوا في دوائرنا ومدارسنا قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11].

    أي: نحن أهل التطور وأهل التقدم، وهم الرجعيون المتخلفون المتأخرون، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ [البقرة:13] أي: المتطرفون أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:13-14] إذا جلسوا مع الدعاة الأخيار، والعباد والزهاد، لبسوا جلود الغنم من الليِّن، وقلوبهم قلوب الذئاب وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:14-15].

    أتدرون ما معنى الاستهزاء هنا؟ يقال في بعض الآثار الصحيحة: إن الله يأتي بهم يوم القيامة، فيجعل لهم نوراً على الصراط، فيظنون أن هذا النور بإيمان سوف ينجيهم ويجتازوا به الصراط، والصراط مظلم، نسأل الله أن ينور لنا ولكم ما في الصراط.

    فإن من الناس من يأتي ونوره كالظفر، ومنهم من يأتي ونوره يلمع كالنجم، ومنهم من يأتي ونوره كالقمر، ومنهم من يأتي ونوره كالشمس، فيأتي الله بهؤلاء فيوقد لهم نوراً فيظنون أنهم في نور، فإذا أصبحوا على الصراط انطفأ نورهم فوقعوا على وجوههم اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18].

    فالله الله في تعظيم حرمات الله ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30].. وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] وإن منها تعظيم أسماء الله وصفاته، وكتبه، وأنبيائه، ومساجده وأوليائه، وكل ما يمت للإسلام بصلة فعظمه؛ ليعظمك الله تبارك وتعالى.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    صور من عدم تعظيم حرمات الله

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

    امتهان أسماء الله عز وجل

    أيها المسلمون! فإن حرمات الله عز وجل صور متنوعة، ولو أنها سهلة عند كثير من الناس لكنها عظيمة، فمنها: صورة امتهان أسماء الله عز وجل في الصحف، والجرائد، والمجلات، فقد رأينا وسمعنا من أناس كثيرين امتهان كثير من الناس لهذه الأمور، والتي فيها آيات الله المحكمات، وأسماؤه المشرَّفات، فتوضع موائداً وسفراً للطعام، وتلف ويرمى بها في الأرصفة والشوارع والمزابل، وهذا استهانة بأسماء الله وآياته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، إذا كانت هذه الصحف والمجلات تحمل اسم الواحد القهار.

    وفي كثير منها مقالات إسلامية وأجزاء من سور القرآن، تؤخذ عند كثير من الناس الذين ضعف عظمة الله في نفوسهم فتوضع سُفَراً للطعام، فيضعون الطعام عليها وعليها اسم الله، ثم ترمى في المزابل مع الأطعمة ومع ما يلقى من التفاهات والحقارات، وإن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أمرين اثنين:

    أولهما: قلة تعظيم الله الواحد الأحد في القلوب، وعدم الحياء منه سبحانه وتعالى.

    ثانيهما: عدم الأدب والمستوى الراقي الذي لم يبلغ إليه هذا المجتمع الذي يراد منه أن يكون قدوة للناس؛ ولذلك نسمع في مجالسنا أن مدناً كافرة في أمريكا وأوروبا بلغت من تنظيف أرصفتها، وتجمعات الناس، وساحاتها وسككها أمراً عجيباً، ونحن أهل الحضارة والتقدم، وأهل الرقي نرمي صحفنا وكتبنا وجرائدنا وفيها أسماء ربنا تبارك وتعالى، فهذا يدل على التخلف في عالم الأدب، وعدم الرقي في عالم الصيانة والحضارة والمعرفة والثقافة.

    ومن تلك الصور أيضاً: تساهل كثير من الناس في دخول بيوت الخلاء، وأماكن قضاء الحاجة، بأسماء الله تبارك وتعالى، أو بأوراق ومستندات فيها ذكر الله، أو بالمصحف، أو شيء من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهذه استهانة، وهي إما عن جهل وإما عن قلة إيمان، فأما الجاهل الذي لا يدري ما الحكم؟ فالحكم ألا يدخل بيت الخلاء وهو مصطحباً لها؛ لأن أسماء الله مقدسة معظمة، مساكنها المساجد وبيوته تبارك وتعالى، والشيطان يسكن في بيوت الخلاء وذريته وأقاربه وقريباته، فله من أمثاله ما يساكن ذاك المكان.

    وأما قليل الإيمان فنقول له: اتق الله في نفسك، وعظم أمر الله تبارك وتعالى، حتى يعظِّمك الله.

    هذا إبراهيم بن أدهم من أعظم الزهاد، كان في أول حياته مسرفاً على نفسه بالخطايا والذنوب، لكنه يحب الله، لأن بعض الناس يسيء ويذنب ولكنه يحب الله.

    نزل إبراهيم بن أدهم إلى السوق وهو مسرف على نفسه، فوجد ورقة مرمية في الأرض مكتوباً عليها اسم الله تبارك وتعالى، والناس يطئونها بأقدامهم وهم داخلون إلى السوق وخارجون منه ولا يعلمون، فأخذ القرطاس فإذا فيه اسم الله، فبكى، وقال: سبحانك! يهان اسمك هنا، لا والله! فأخذ هذه الورقة وطيبها ورفعها في بيته، فلما أمسى سمع هاتفاً يقول: يا من طيب اسم الله ورفع اسم الله! ليعظمن الله اسمك، يا من طيب اسم الله، وعظم اسم الله! ليعظمن الله اسمك، فهداه الله إلى التوبة النصوح، فأصبح من عبّاد الإسلام، ولما توفي اجتمعت في جنازته ألوف مؤلفة من أمراء وقادة الجيش، والفقراء والمساكين، حتى وصلوا المقبرة وقد تقطعت أحذيتهم من كثرة الناس وازدحامهم وبعد الطريق، لأن من يعظم الله يعظمه، ومن يحتقر شيئاً من معالم أسماء الله، يحقره ويذله تبارك وتعالى.

    صور السلام والتحية في الإسلام

    مما ينبغي أن نتنبه له كذلك:

    صور السلام والتحية في الإسلام، وتقديس وتعظيم هذا الدين، قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] وقال تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب:44] وتحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وقد سمعنا من إذا لقي صاحبه قال: (صباح الخير) و(حياكم الله) وهذه التحية جائزة وواردة وطيبة لكن بعد تحية الإسلام، وبعد شعار الإسلام، يرفع الهاتف فيتصل بالناس فلا يسلم ولا يرد السلام، وهذه أتتنا من عالم الخواجات والوثنيات، ومن عالم الدعارة والانحطاط، ولم تأتنا من المدينة من محمد عليه الصلاة والسلام، تحيتنا السلام ونحن نسلم ونتقبل السلام؛ ليبقى شعارنا شعار السلام، فالله الله في المحافظة على شعيرة السلام، دخولاً وخروجاً، استئذاناً وزيارة لنبقى مسلمين، وهذه قضايا تطول وتطول، ولعل الله أن يهيء من الأوقات ما تبسط للناس ليعرفوا كيف يعظمون الواحد الأحد، ويعظمون الإسلام وشعائره وحرماته؟

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلَّ على نبيك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، اللهم وفقنا لاتباع سنتك، والسير على منهجك، اللهم ارض عن الصحابة الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، واعنَّا معهم بكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة التي تهديهم إلى الحق وتدلهم على الصواب، وجنبهم بطانة السوء التي ترشدهم إلى الباطل، وتدلهم على الضلال.

    اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا.

    اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضلة، ولا فتنة مظلة برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين الأفغان الذين أعلنوا عظمة كلمة لا إله إلا الله، وقوة لا إله إلا الله، وسمو لا إله إلا الله، اللهم ثبتهم، اللهم زلزل أصنام الشرك بأيديهم، اللهم رد أرضهم عليهم، وردهم ظافرين منتصرين يا أرحم الراحمين، اللهم رد لنا أولى القبلتين على يد المسلمين في فلسطين، اللهم دمر اليهود وأعوانهم وأذنابهم وكل من أحبهم وشايعهم، اللهم خذ أعداء الإسلام أخذ عزيز مقتدر، اللهم العنهم كل لعنة، اللهم ومزقهم كل ممزق.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.