إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية تأملات في سورة النجمللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة النجم سورة مكية بدأها الله سبحانه بالقسم، فهي سورة لو تأمل فيها الواعي لوجد فيها من البلاغة وقوة الحجة والبيان ما يعجز المشركون عن الإتيان بمثلها، ومثلها بقية السور من كتاب الله، واختتم الله هذه السورة بالعجب من هؤلاء الكفار الذين لا يتأثرون عند سماع الآيات وهي تتلى، مع أن القرآن هو أعظم ما يؤثر في القلوب ويرققها.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اعترافاً بفضله وإذعاناً لأمره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته.

    اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن هذا هو اللقاء الثالث من سلسلة تأملات قرآنية، وسنقف فيه بعض الوقفات مع سورة النجم.

    وهذه السورة في أكثر أقوال علماء الأمة من المفسرين سورة مكية، وقد دل على ذلك حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فسنشرع في بيانها على ما يأتي.

    صدرها الله جل وعلا بالقسم فقال تبارك وتعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4] ، وختمهما الرب تبارك وتعالى بأن خاطب أهل الكفر بأن كتابه العظيم وقرآنه المتلو الذي نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم أعظم ما يؤثر في القلوب ويرققها ويلينها؛ لما فيه من الوعد والوعيد، وصادق الأخبار، وبلاغة الخطاب، وتعجب الرب تبارك وتعالى من نظرة أولئك الكفرة إلى هذا الكتاب جاعلين مبدأهم به الاستهزاء والسخرية والضحك.

    فقال تبارك وتعالى: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62] .

    وهذه السورة جرت على سنن ونسق السور المكية في العناية بأمر العقيدة، وإثبات الرسالة، وبيان الإشارة إلى رحلة المعراج.

    قال الله جل وعلا: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2]، فأقسم بالنجم، وجوابه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2].

    وقد اختلف العلماء في المراد بالنجم هنا: فذهب فريق من العلماء إلى أن المقصود بالنجم هنا: نزول القرآن منجماً على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فكلمة النجم هنا تعني: الجملة من القرآن وقت نزولها؛ لأن القرآن -كما هو معلوم- نزل منجماً -أي: مفرقاً- خلال ثلاث وعشرين سنة، نزل به جبريل على قلب رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    فعلى هذا يكون معنى قول الرب جل وعلا: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1] قسماً بشيء وجزء وجملة من القرآن حال كونها ينزل بها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا القول قال به بعض السلف قديماً، واختاره الإمام الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان، وقال عفا الله عنا وعنه: وأصوب الأقوال عندي والذي اختاره أن المراد بالنجم هنا الجملة من القرآن، والمقصود بقول الله: إِذَا هَوَى [النجم:1] أي: إذا نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، بل قال رحمه الله: وهي نفسها قول الرب تبارك وتعالى في سورة الواقعة فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة:75] أي: بنزول القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

    وحجته في هذا أمور من أشهرها جواب القسم في سورة الواقعة، وقال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة:75-76]، فقال: إن قول الرب تبارك وتعالى وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة:76] أليق بأن يكون المقسم به القرآن، والجمل من القرآن أليق من النجم الذي في السماء، أو النجم الذي في الأرض -على القول بأن النجم هو نوع من الشجر- نظير قول الرب تبارك وتعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [الرحمن:6] .

    هذا أحد الأقوال في معنى النجم في قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1].

    وأكثر المفسرين على أن المقصود بالنجم هو النجم الذي في السماء، وأن هذا أول ما يتبادر إلى الذهن عند إطلاق النجم.

    لكن هؤلاء العلماء اختلفوا في النجم المقصود، فذهبت طائفة إلى أن النجم هنا المراد به: كوكب الزهرة، وأكثر العلماء على أن المراد بالنجم هنا السبعة النجوم المسماة عند العرب بالثريا حال سقوطها، أي: حال غروبها، وهذا القول ينسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره.

    والقول الثالث: أن المقصود بالنجم هنا جنس النجم في السماء ولا يحدد نجماً بعينه، وأن الله يقسم بالنجوم جملة في السماء، وهذا القول اختاره العلامة ابن سعدي رحمه الله، وهو الذي تميل إليه النفس أكثر، والله تعالى أعلم.

    فالأصل أن العلماء اختلفوا في المراد بالنجم على قولين:

    الأول: أن المقصود به الجملة من القرآن، والثاني: النجم الذي في السماء.

    إِذَا هَوَى [النجم:1] أي: إذا سقط، عند طائفة، وعند آخرين إذا تناثر يوم القيامة.

    وأما جواب القسم فهو قول الرب تبارك وتعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2]، والمخاطب بالآية في المقام الأول هم كفار قريش المكذبون للقرآن وللنبي صلى الله عليه وسلم، والصاحب المقصود به هنا: رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وكاف الخطاب في صاحبكم عائدة على كفار قريش.

    والضلالة هي عدم العلم بالشيء، أي: الجهل، والغواية ناجمة عن ترك العمل بالعلم، وأما الضلالة فناجمة عن عدم العلم، فالله جل وعلا ينزه نبيه صلى لله عليه وسلم عن الجهالة، فأثبت له العلم بالحق لما نفى عنه الجهل، وأثبت له الهداية والعمل بالحق لما نفى عنه الغواية، فقال الرب تبارك وتعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2] .

    قال بعض العلماء القائلين بأن المقصود بالنجم هنا هو النجم الذي في السماء: المناسبة من القسم بالنجم على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو أن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، والوحي يهتدى به في الأرض، بل إن حاجة الناس إلى الوحي أعظم من حاجتهم إلى النجوم، وكما أن النجوم زينة في السماء فإن كلام الله جل وعلا زينة ونور في القلوب وزينة في الأرض.

    هذا وجه المناسبة عند من قال بأن الله جل وعلا أقسم بالنجم الذي في السماء، وزادوا عليه أيضاً أنهم قالوا: إن الله جل وعلا علم من العرب أنها كانت تستخدم النجم في الهداية فتطمئن إليه في زرعها، وفي أسفارها، قال الله: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فأقسم الله بالنجم على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: كما أنكم تطمئنون إلى النجوم، وتعرفون أن النجم لا يخرج عن مساره، وأنكم ما أضلكم النجم قط ولا تتغير هدايته، وأنكم تركنون إليه، فإن الله الذي سخر لكم النجم هو الذي بعث لكم محمداً صلى الله عليه وسلم، فلئن كانت النجوم تهدي في ظلمات البر والبحر فإن نبينا صلى الله عليه وسلم يهدي إلى الجنة، ويجير الله به العباد من النار.

    هذا وجه المناسبة ما بين القسم والمقسم به.

    والعلماء رحمهم الله قد اختلفوا اختلافاً كثيراً في تفسير الآيات التي ستأتي، وأنا سأتكلم فقط عن الرأي الراجح، ولا يعني ذلك أنه ليس هناك آراء أخر، وإنما سنعرج على ما نعتقد أنه الصواب بيننا وبين الله.

    1.   

    تأملات في قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى ...)

    قال الله جل وعلا: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:2-4].

    هذه الآية إحدى تزكيات الله لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهي تزكية للسانه ولفؤاده، كما قال الله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]، وزكى الله البصر فقال: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، وزكاه الله جملة وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    قوله: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3] أي: أن هذا النبي الأمي صلوات الله وسلامه عليه لا يخاطبكم وفق ما تمليه عليه نفسه، ورغباته، وأهواؤه، بل القول الذي يقوله صلى الله عليه وسلم وحي من الله.

    والله جل وعلا قال: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:51].

    وقد مر معنا في دروس سابقة أن الوحي أول وأعظم خصائص الأنبياء، وبه يفرق ما بين النبيين وبين المصلحين في الأرض، فلا يمكن أن يرقى المصلحون من الساسة والقادة والاجتماعين وغيرهم إلى مقام النبوة؛ لأن الأنبياء يعتمدون على وحي الرب تبارك وتعالى، والله يقول: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    وهذا الوحي ينزل به من السماء جبريل عليه السلام.

    ثم قال الله بعدها: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:4-5]، فهناك معَلَّم وهناك مُعلِّم، فالمعلم نعته الله بأنه شديد القوى، والمقصود به جبريل، والمعَلَّم في هذا هو نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وظاهر القرآن والسنة على أن جبريل أفضل الملائكة، وهو أول من يسمع وحي الرب تبارك وتعالى، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فإذا رفع رأسه أوحى الله جل وعلا إليه بما يشاء، فإذا أوحى الله جل وعلا إليه بما يشاء مر جبريل على كل سماء، فكلما مر على سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق، وهو العلي الكبير)، قال الله جل وعلا: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23] .

    وهذا الملك الكريم أوكل الله جل وعلا إليه إنزال الوحي على جميع الأنبياء، وقد دلت السنة والقرآن على أن الذي ينزل بالوحي عليهم هو جبريل عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بنعت من رأى وهو جبريل في أيام الوحي الأولى أخبر بها ورقة بن نوفل فعرف ورقة أنه جبريل، وقال: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، فهذا مما من الله به على هذا الملك الكريم عليه السلام، وقد وصف الله جبريل هنا بأنه شديد القوى، ذُو مِرَّةٍ [النجم:6] أي: ذو خلقة حسنة تامة، وهذا كله نعت لجبريل.

    وقد جاء نعت آخر لجبريل في سور أخر قال الله جل وعلا: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:19-21]، فهذا كله نعت لجبريل عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى ...)

    قال الله جل وعلا: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:5-9] أظهر الأقوال -والله أعلم- أن المقصود بها: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في أيام الوحي في مكة عند جبل حراء، فيصبح المعنى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى [النجم:6-7] أي: استوى جبريل في السماء بالأفق الأعلى فسد ما بين المشرق والمغرب، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها له ستمائة جناح، قد سد ما بين المشرق والمغرب.

    ثم إن جبريل (دنا فتدلى) وهو أسلوب عربي مقلوب تقوله العرب في كلامها؛ لأن التدلي يكون قبل الدنو، وأصل الكلام على لغة العرب تدلى فدنا، لكن هذا أسلوب تستخدمه العرب في كلامها، يقول الرجل: أحسن إلي فزارني، ويقولون: زارني فأحسن إلي، وكلا المعنيين واحد، وتقول: فلان أساء إلي فشتمني، وتقول: شتمني فأساء إلي، فقول الرب تبارك وتعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:8] معناها الحرفي: تدلى جبريل فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقلنا: إن من قواعد العلم أن القرآن لا يعرف بالمعاجم، وإنما يعرف أول الأمر بأساليب العرب في كلامها، وقلنا: إن العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب أضواء البيان لما قدم إلى هذه البلاد من بلاد شنقيط مر على السودان، وكان الإخوة في السودان يسمعون عن علمه، وهو رجل كان يقال له: أمير المؤمنين في المعقول والمنقول، فمر على السودان في طريقه إلى الحجاز للحج قبل أن يمن الله عليه بالإقامة في هذه البلاد، فأقاموا له عشاء ثم سألوه أسئلة متعددة ومنها سألوه: ما آخر كتاب قرأت؟ فقال لهم: آخر كتاب قرأته ديوان عمر بن أبي ربيعة، فتعجب الناس؛ لأن عمر بن أبي ربيعة شاعر غزل فكيف لإمام في تفسير القرآن يسأل عن آخر كتاب قرأ فيقول: كتاب شعر في الغزل، فلما رأى أنه قد أصابهم الحنق قال لهم رحمه الله: أقرؤه لأعرف به أسلوب العرب فأفهم بأسلوب العرب كلام ربي؛ لأن عمر بن أبي ربيعة شاعر عاش في صدر الإسلام في آخر عهد الخلفاء الراشدين وعصر بني أمية، فهو ممن يستشهد بقوله عندما يفسر القرآن فمن يعرف أساليب العرب في كلامها سيعرف أسلوب القرآن؛ لأن القرآن نزل بأسلوب العرب.

    هذا ما أردنا التنبيه عليه في قول الله جل وعلا: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:8]، قلنا: إن الذي دنا وتدلى هو جبريل، فلما دنا وتدلى قرب من النبي صلى الله عليه وسلم ليعطيه الوحي، ثم كنى الله عن قرب جبريل من نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:9]، (أو) هذه تحتمل معنيين: تحتمل أن تبقى على أصلها بمعنى أو، وتحتمل أن تكون للضرب -أي: النقل- فيصبح المعنى: بل أدنى، وأياً كان الأمر فإن المقصود: حكاية قرب جبريل من نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يعلمه الوحي، وكون جبريل يعلم النبي صلى الله عليه وسلم الوحي هذا أمر في الأصل تفزع له القلوب؛ لأن جبريل ملك ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر، لذلك قال الله بعدها: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10] أي: أوحى الله إلى نبيه بواسطة جبريل ما أوحى، قال الله بعدها: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11] معنى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11] على أظهر الأقوال: أن الإنسان إذا رأى شيئاً خارقاً للعادة قد تراه عيناه لكن يكذبه بقلبه، فترى الإنسان جبلة يصيبه اضطراب، ولا يصدق ما يراه، لكن الله أراد لهذا النبي أن يكون آخر الأنبياء وخاتم الرسل، فثبت قلبه صلى الله عليه وسلم ولم يتزعزع، فاتفقا وتواطأ البصر والقلب على تلقي الوحي من الله عن طريق جبريل.

    هذا الذي يظهر لنا -والله أعلم- في تفسير الآيات السابقة.

    ولبعض العلماء رحمهم الله تفسيراً آخر قالوا: إن الذي دنا وتدلى هو الجبار جل جلاله، وقالوا: إن هذا حصل في رحلة المعراج، لكن ذكر أن هذا لا يستقيم معنا إذا فسرنا الآيات جملة، والقول الذي اخترناه هو ما اختاره الإمام ابن سعدي رحمة الله تعالى عليه في تفسيره.

    1.   

    تأملات في قوله تعالى: (أفتمارونه على ما يرى)

    ثم قال الله جل وعلا: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى [النجم:12]، الأصل أن يقال: أفتمارونه فيما يرى، وتمارونه بمعنى: تجادلونه فيما يرى، فالإنسان يقال له: أجادلك في هذا الشيء إذا كان هذا الشيء يصنعه باختياره، وأما تعبير القرآن باستخدام حرف الجر (على) بدلاً من استخدام حرف الجر (في) فيه دلالة على أن هذا الأمر معطى من الله هبة لنبينا صلى الله عليه وسلم، فهذه الأشياء التي يراها كجبريل وكالوحي لا تؤخذ لا بعلم ولا بحلقة، ولا بدراسة، بل هي فضل من الله، والله قد قال لنبيه: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].

    أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى [النجم:12] قال هذا عتاباً وتوبيخاً لكفار قريش على أنهم يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عنهم؛ لأنه لاقى جبريل، وجبريل أنزل عليه الوحي.

    1.   

    تأملات في قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى)

    قال الله جل وعلا: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13]، فالرائي هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمرئي جبريل، نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13] أي: مرة أخرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:14-15]، إذاً: فالرؤية الثانية كانت في السماء ليلة المعراج، وهذا ظاهر في قول الله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13] وما بعدها، وأما ما قبل وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13] فيتحدث عن أيام الوحي الأولى التي في مكة، وبهذا يستقيم الخطاب ويتم المعنى.

    وهذا القول يؤيده ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وعائشة حبيبة رسولنا صلى الله عليه وسلم هي من أعلم الناس بالسنة؛ لأنها كانت قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، فتستطيع أن تسأله متى شاءت، وقد جاءها رجل يقال له مسروق وهو أحد التابعين الصالحين، فجلس مسروق يوماً عند كعب الأحبار فقال كعب الأحبار في المجلس: إن الله خص إبراهيم بالخلة، وقسم الرؤية والتكليم ما بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين، فخرج مسروق من عنده وذهب إلى عائشة وقال لها: يا أم المؤمنين إن كعباً يقول: كذا وكذا، فكانت متكئة فعدلت من جلستها غاضبة، وقالت: لقد قف شعر رأسي مما قلت -أي: وقف-، من حدثك بهذا فقد كذب، فقال: لا تعجلي علي يا أم المؤمنين! ألم يقل الله: وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:23]؟ ألم يقل الله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13]؟ فقالت رضي الله عنها وأرضاها -وهي عندنا صادقة-: أنا أول من سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال لي: (إنما هو جبريل رأيته مرتين على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها) أي: واحدة في أيام الوحي الأولى، وواحدة في رحلة المعراج.

    ثم قالت رضي الله عنها وأرضاها: من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب، قال الله جل وعلا: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]، ومن حدثك أن أحداً يعلم ما في غد فقد كذب، فقد قال الله: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان:34]، ومن حدثك أن محمداً كتم شيئاً من الرسالة فقد كذب، ثم تلت: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67] .

    لكن نقف هنا وقفة مهمة: هذا القول الذي قالته عائشة رضي الله عنها: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، قد نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم كـأبي ذر وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه، لكن اختلفوا هل رآه بقلبه أو رآه بعينه على قولين، وهذا مذهب ابن عباس ومن تبعه من الصحابة.

    1.   

    تأملات في قوله تعالى: (عند سدرة المنتهى)

    قال الله جل وعلا: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:14].

    السدر: هو شجر النبق، والقرآن فيه إشارة بسيطة يفهم منها أن السدر ليس بشجر عظيم في الدنيا، قال الله جل وعلا عن قوم سبأ: وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ:16]، قال بعض العلماء: إن هذا يدل على أن السدر ليس شجراً ذا بال، لكن هذا القول يمكن رده بما روى أبو داود في السنن بسند صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار يوم القيامة).

    وهذا الحديث رواه أبو داود في السنن، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع.

    والذي يعنينا أن هناك سدرة اسمها سدرة المنتهى، واختلف العلماء في سبب تسميتها بسدرة المنتهى مع اتفاقهم على أن اسمها سدرة المنتهى؛ لأن الله أسماها سدرة المنتهى، ولم يخبر لماذا أسماها سدرة المنتهى.

    فقيل -وهو قول الأكثرين-: إنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وقيل: إنه حتى جبريل لا يتعداها، والله أعلم بالصواب، وهذا غيب لا نتكلف فيه، لكن نقول إن سدرة المنتهى سدرة عظيمة بدليل أن الله لما أراد أن يعرف الجنة وصف الجنة بأنها بجوار السدرة، فقال: عِنْدَهَا [النجم:15] أي: عند السدرة جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:15]، وفي هذا دليل على أن الجنة في السماء السابعة.

    1.   

    تأملات في قوله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى ...)

    إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:16]، النبي عليه الصلاة والسلام لما عرج به ورأى السدرة رأى أنه يغشاها من آلاء الله ما لا يمكن أن يصفه بشر، ولذلك أبهم ذلك الوصف فقال الله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:16]، قال الله عندها مدحاً لنبيه: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، فالنبي عليه الصلاة والسلام في رحلة المعراج لم يحد بصره لا ميمنة ولا ميسرة، وإنما كان يري بصره ما أراه الله، وهذا من كمال أدبه صلوات الله وسلامه عليه.

    وأنت إذا دخلت بيت أحد كضيف فلا تجلس حيث تريد بل أجلس حيث يريد صاحب البيت، فهذا هو كمال الأدب؛ لأن صاحب البيت أدرى ببيته، وأدرى أين يضعك، فربما تطلب مكاناً تظنه مناسباً وفيه حرج على صاحب البيت، فمن الأدب أنك عندما تأتي عند أحد كضيف أن تنزل حيث أنزلك، وأن تجلس حيث أجلسك فهو أدرى ببيته.

    نحن نقوله تعلماً والله جل وعلا علمه النبي صلى الله عليه وسلم فطرة؛ فلما رقي به عليه الصلاة والسلام لم يلتفت ميمنة ولا ميسرة، وأقام بصره حيث أقامه الله، ولذلك أثنى الله عليه بقوله: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17].

    ثم أثنى الله على ما رآه نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:18]، وفيه دليل لمن قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه؛ لأن الثناء على النبي بأنه رأى الله أعظم من الثناء عليه بأنه رأى بعض الآيات.

    والإسراء والمعراج لا تفهمه منفكاً وإنما افهمه بالحدث الذي قبله، فقد كانت حاثة الإسراء والمعراج بعد رحلة الطائف، حيث خرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فرده أهل الطائف، فرجع إلى مكة فلما رجع إلى مكة منعته قريش من أن يدخلها، فدخلها بجوار المطعم بن عدي، وكان المطعم كافراً ومات على الكفر، وكان للمطعم أبناء فتقلدوا سيوفهم ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في جوار المطعم، وطاف بالبيت في حراسة من أبناء المطعم بعد ذلك، وبعد هذه الحادثة أكرمه الله برحلة الإسراء والمعراج.

    والآن نقارن ما بين رحلة الطائف وتوابعها، ورحلة الإسراء والمعراج وتوابعها:

    في رحلة الطائف ذهب إلى الطائف مشياً على الأقدام، وفي رحلة الإسراء والمعراج ركب صلى الله عليه وسلم البراق يضع حافره حيث ينتهي بصره، وفي رحلة الطائف كان معه زيد بن حارثة أحد مواليه مستضعف رضي الله عنه وأرضاه، وفي رحلة الإسراء والمعراج كان معه جبريل، في رحلة الطائف صده أهل الطائف، وفي رحلة الإسراء استقبله الأنبياء في بيت المقدس، وفي رحلة الطائف وهو راجع رده أهل مكة، وفي رحلة المعراج استقبلته الملائكة في السماء، وفي رحلة الطائف رجع يطوف بالبيت معه حراسة، وفي رحلة المعراج رأى البيت المعمور في أمن وكرامة وعزة من الله، فانظر الفرق بين الحالتين حتى تعلم مكانة نبينا صلى الله عليه وسلم عند ربه.

    فلما صبر على الأولى من أجل الله عوضه ربه بالثانية إكراماً له صلوات الله وسلامه عليه، قيل للشافعي رحمه الله: أيهما أفضل رجل يمكن أو رجل يبتلى؟ قال: سبحان الله! لن يمكن حتى يبتلى. فهو صلى الله عليه وسلم دميت عقباه، وسال الدم على أرض الطائف، ورد وصد، ورضي بذلك كله وقال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، ونزل من الطائف وهو في الطريق لم ينس حظه من صلاة الليل، فقام يصلي ويتلو القرآن قبل أن يصل إلى مكة، فأكرمه الله بأن جناً يأتون إليه فيسمعون قراءته دون أن يدري.

    ولذلك قال الله:قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن:1]، وقال في الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف:29]. هذا أهم ما يمكن المقارنة به بين رحلة الطائف ورحلة المعراج.

    أما رحلة المعراج فالذي يعنينا منها أنه صلى الله عليه وسلم قدم له لبن وخمر، وجاء في بعض الروايات وعسل، فاختار اللبن، فنودي: هديت، واخترت الفطرة، وهديت أمتك.

    فاللبن الذي يأخذه الجنين من بطن أمه هو الغذاء الوحيد الذي لا تدخل فيه صنعة يد بني آدم، فليس لبني آدم فضل في اللبن الذي يخرج من ثدي المرأة، ولا الذي يخرج من ضرع الشاه أو ذوات الحليب، فلذلك قيل له صلى الله عليه وسلم: اخترت الفطرة.

    ثم عرج به صلى الله عليه وسلم، وقد مر معنا في أكثر من درس ما حظي به صلى الله عليه وسلم من الحفاوة من الأنبياء والمرسلين في أكثر من مناسبة، قال شوقي:

    يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء

    يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء

    بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبــهاء

    تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سمــاء

    أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء

    والمصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء

    صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء

    واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنات عدن آلك السمحاء

    هذه القضية الأولى التي أردت الوقوف عندها في سورة النجم.

    1.   

    تأملات في قول الله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى ...)

    القضية الثانية: قول الله جل وعلا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، فالله سبحانه هنا يوبخ المشركين على أنهم يجعلون هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع نداً لله، فالقضية التي تتعلق بهذه الآية من سورة النجم أن آخرها سجدة، فلما وصل إليها صلى الله عليه وسلم سجد، وهذا أمر يذكر بمسألة شهيرة عند العلماء تسمى: قصة الغرانيق، والغرانيق: جمع غرنوق وهو طائر أبيض، وقصة الغرانيق قصة يذكرها المفسرون عند هذه الآية، ولأهميتها عقدياً سنتكلم عنها.

    ينقل المفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه نقلاً غير صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وجاء عند قول الله جل وعلا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20] زعموا أن الشيطان ألبس على النبي صلى الله عليه وسلم فألقى في قلبه أن يقول بعد أن قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20] أن يقول: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، تلك أي: الأصنام، والغرانيق العلى أي: تطير وتعلو بعبادتهم، وإن شفاعتهن لترتجى: يزعمون أنهم فهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم اعترف بشفاعة آلهتهم.

    وتقول القصة: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد سجد معه كفار قريش، وذكروا أن الوليد بن المغيرة كان شيخاً كبيراً لم يستطع أن يسجد فرفع تراباً وسجد عليه؛ فرحاً منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم اعترف بآلهتهم. هذا نقل.

    النقل الثاني يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقلها، وإنما الشيطان قلد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فظن المؤمنون والكافرون أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قالها، فلما سجد سجدوا معه فرحاً، ويزعمون أنه لما جاء المساء جاء جبريل مرة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اقرأ علي ما أقرأتك؟ فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى -وهذه قصة لا يصدقها عاقل-، ثم إنه غضب جبريل وقال: ما هكذا أقرأتك إياها، فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52]، وقوله تعالى: لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء:73] وهذه هي قصة الغرانيق، وهذه القصة فيها كلام من حيث المتن ومن حيث السند.

    نقول جملة: هذه القصة وردت في أكثر كتب التفسير لكن علماء الأمة من أهل السنة رضي الله عنهم ورحمهم وجزاهم عن السنة خيراً ردوا هذه القصة شكلاً وموضوعاً -كما يقول المعاصرون-، وردوها سنداً ومتناً اللهم إلا ما كان من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فهو يقول: إن سندها من المرسل المقبول، لكنه لا يقول رحمه الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وقد عاتب العلماء كثيراً الحافظ ابن حجر رحمه الله على قوله هذا.

    وأما علماء الأمة قاطبة فقد ردوها متناً وسنداً، وهي لا يمكن أن تصح شرعاً؛ لأن الله يقول عن إبليس: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:99]، فإذا كان إبليس بنص القرآن ليس له سلطان على أهل الإيمان، فأشرف أهل الإيمان هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فكيف يتسلط إبليس على سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ويعجز عن التسلط على غيره؟! ثم كيف يصدق الوحي إذا قلنا: إن الشيطان قابل لئن يدخل في سكتات النبي صلى الله عليه وسلم فيقلد أمره؟!

    وممن اجتهد من العلماء فألف فيها رسالة جامعة نافعة: العلامة الألباني رحمه الله تعالى في رسالة أسماها ( نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق ) بأسلوب علمي لتطمئن نفسك أن هذا كله قول مزعوم على نبينا صلى الله عليه وسلم لا يمكن تصديقه، كما أن العلامة الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان ذكرها في سورة الحج وفندها تفنيداً جيداً، وكذلك الشوكاني رحمه الله تعالى، ومن أعظم من فندها أبو بكر بن العربي ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن وغيرهم من أئمة المسلمين رحمهم الله سلفاً وخلفاً.

    لكن رسالة الألباني أجمعها، وقد كتبها رحمه الله عام (1372هـ) أي: قبل (53) سنة، ولعلها الآن تنفعه في قبره رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وهو قال في المقدمة: إنني أسال الله أن يجعلها ذخراً لي؛ لأنني نصرت نبيه، ولعلها تنفعه برحمة الله وفضله الآن في قبره، كما نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما علمنا في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة.

    وأما معنى قول الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52]، تمنى هنا بمعنى: تلا وقرأ، ولأن أي حكم يحتاج إلى دليل وأي نقل يحتاج إلى إسناد، فدليل ذلك من كلام العرب قول كعب بن مالك في مدح عثمان رضي الله تعالى عنه:

    تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر

    فهو يتكلم عن عثمان أنه كان يقرأ القرآن من أول النهار ومات آخر النهار وهو يقرأ القرآن، فجعل تمنى هنا بمعنى: قرأ وتلا، فهذا شاهد من كلام العرب على أنهم يستخدمون تمنى بمعنى: تلا، فقول الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52] أي: إلا إذا تلا وقرأ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:52]، وأما معنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي: أن المؤمن الذي يسمع الكلام من النبي يأتيه الشيطان بوساوس على قلبه تقول له: هذا شعر، وهذه كهانة، وهذا نثر، وهذا كلام مسجوع، وهذا ليس بقرآن، وساوس من الشيطان، قال الله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:52] أي: لإيمان هذا العبد يذهب الله أثر تلك الوسوسة، ومعنى ينسخ: يزيل، أي: يزل الله أثر تلك الوسوسة، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ [الحج:52] أي: يطمئن المؤمن بأن هذا قرآن وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52] أي: عليم بما يصنع، حكيم فيما يصنع، وهذا بيان ما يسمى بقصة الغرانيق.

    1.   

    تأملات في قوله تعالى: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً ...)

    الوقفة الأخيرة مع قول الرب تبارك وتعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].

    لما ذكر الله جل وعلا تعلق أهل الإشراك بأصنامهم أخبر الله جل وعلا أن الشفاعة شيء عظيم حتى الملائكة وهم ملائكة لا يشفعون إلا بشروط فكيف بأصنامكم!

    وهذا درس في العقيدة، والعقيدة تؤخذ أول ما تؤخذ من القرآن، وأنا أكثر من الاستشهاد بالإمام الشنقيطي رحمه الله؛ لأنه كان عالماً بحق، كان يعلم كثيراً في اللغة والمنطق والبلاغة والفقه، لكن إذا جلس في الحرم لا يدرس إلا التفسير.

    يقول تلميذه الشيخ عطية رحمه الله: سألته لماذا لا تدرس إلا التفسير؟ فقال: كل العلوم مردها إلى القرآن. وعلى هذا الأسلوب الذي قاله الشنقيطي رحمه الله سنتكلم عن العقيدة في باب الشفاعة عن قول الله جل وعلا: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا [النجم:26] .

    الشفاعة في المعنى الاصطلاحي: طلب الخير للغير إما بدفع مضرة، أو بجلب منفعة.

    والشفاعة في الآخرة قسمان: شفاعة باطلة، وشفاعة صحيحة، فأما الشفاعة الباطلة فكما يزعمه من يعبد الأصنام أن أصناهم تنفع، وهذا باطل.

    والشفاعة الصحيحة: ما اجتمع فيها شرطان: إذن الله للشافع مع الرضا، ورضاه عن المشفوع له، قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، فذكر الله الإذن وذكر الرضا، و(كم) هذه تسمى خبرية، وأختها كم الاستفهامية، وكم الاستفهامية تحتاج إلى جواب، وأما كم الخبرية فلا تحتاج إلى جواب إلا إنك تخبر عن كثرة، قال الفرزدق :

    كم خالة لك يا جرير وعمة فدعاء قد حلبت علي عشاري

    وهي في الآية أيضاً كناية عن الكثرة، قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26] .

    الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم

    قلنا: الشفاعة الباطلة ما زعمه الكفار أن أصنامهم تشفع، وأما الشفاعة الصحيحة قلنا شروطها الإذن والرضى، وهذه الشفاعة تنقسم إلى خمسة أقسام: ثلاثة منها خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، واثنتان يشترك فيها النبي وغيره، وهي ما سنبينها على وجه التفصيل.

    الشفاعة الأولى: هي شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف أن يحكم الله جل وعلا بينهم ويفصل، قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري وغيره: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، فإن الناس يجتمعون في صعيد واحد فيلجمهم العرق وتدنو منهم الشمس، فيقول بعضهم لبعض: ألا تذهبون إلى آدم حتى يشفع لكم عندك ربكم أن يقضي بينكم؟ فيأتون إلى آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فيقول آدم: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله، وإنني نهيت عن الشجرة فأكلتها، نفسي نفسي نفسي يقولها ثلاثاً، اذهبوا إلى نوح، فيأتون إلى نوح فيقول في الغضب مثلما يقول، ثم يقول عليه السلام: إنه قد كانت لي دعوة وقد عجلتها، دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم فيثنون عليه: أنت اتخذك الله خليلاً، فيقول كما قال غيره، ثم يقول: إنني كذبت ثلاث كذبات -قالها تواضعاً-، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى موسى، فيأتون إلى موسى فيقولون له: أنت صفي الله وكليمه، واصطفاك الله على الناس برسالته وبكلامه، اشفع لنا إلى ربك، فيقول: إنني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون إلى عيسى فيقولون: أنت كلمة الله إلى مريم وروح منه، فلا يذكر ذنباً عليه السلام، وإنما يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد؛ فإنه نبي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقولون له ذلك، فيقول: أنا لها، فيأتي عليه الصلاة والسلام فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه بمحامد يثني بها على الله لم يفتحها على أحد من قبله، ثم ينادى: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع).

    فهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي خص الله به نبينا صلى الله عليه وسلم.

    الشفاعة الثانية الخاصة به صلى الله عليه وسلم: أنه يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، بمعنى: أن أهل الجنة عندما يحبسون على قنطره بين الجنة والنار فينزع ما في صدورهم، قال الله: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43]، ثم بعد ذلك يجدون أبواب الجنة مغلقة، فيأتون آدم فيردهم إلى محمد، فيأتي صلى الله عليه وسلم فيطرق باب الجنة، فيقول له الخازن: من أنت؟ فيقول: أنا محمد ، فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك فيفتحها، فيدخل الناس الجنة، يدخل كل أحد من الباب الذي فيه أكثر أعماله، أي: من كان أكثر أعماله الصلاة يدخل من باب الصلاة، والذي أكثر أعماله الصيام يدخل من باب الريان، والذي أكثر أعماله الجهاد يدخل من باب الجهاد وهكذا، فهذه الشفاعة الثانية له صلى الله عليه وسلم.

    الشفاعة الثالثة الخاصة به صلى الله عليه وسلم: شفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب، فهو في ضحضاح من نار لكن لا يخرج من النار.

    وأبو طالب أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، وأعمام النبي عشرة، أدرك أربعة منهم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم منهم اثنان، وكفر اثنان، فاللذان كفرا أبو طالب وأبو لهب ، واختلف حالهما، فـأبو لهب كان شديد العداوة مع كفره، وأبو طالب كان شديد النصرة مع كفره، لكن كلاهما في النار إلا أن أبا طالب يخفف عنه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما اللذان أسلما فهما العباس وحمزة ، وحمزة أفضل من العباس، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الطبراني بسند صحيح: سيد الشهداء.

    فهذه الشفاعة الثالثة، وبقيت شفاعتان، وهاتان الشفاعتان له ولغيره من الملائكة والشهداء والصالحين والعلماء، فيشفع الرجل في أهل بيته، ويشفع الرجل في قرابته، وفي جيرانه، وفي معارفه، وهذه شفاعة مشتركة، وتنقسم إلى قسمين:

    شفاعة في أقوام استحقوا النار ألا يدخلوها، وشفاعة في أقوام دخلوا النار أن يخرجوا منها. وهاتان الشفاعتان أنكرهما فرقتان من فرق المبتدعة هما: المعتزلة والخوارج.

    فالخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة كافر، والمعتزلة يرون أنه تجرى عليه في الدنيا أحكام أهل الإيمان، وتجرى عليه في الآخرة أحكام أهل الكفر إذا لم يتب من الكبائر، ويقولون: هو الدنيا في منزلة بين منزلتين.

    ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين جل جلاله فيقول الله جل وعلا: (شفع النبيون، وشفعت الملائكة، وشفع المؤمنون فبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيضع قبضته في النار جل وعلا فيخرج منها أقواماً قد حرقوا بالنار حتى عادوا حمماً لم يعملوا خيراً قط، ثم توضع على رقابهم الخواتم ويدخلون الجنة، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة من غير عمل عملوه ولا خير قدموه)، رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وإن رباً هذه سعة رحمته أهل لئن ترجى رحمته.

    اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لئن ترحمنا فإن رحمتك أهل لئن تسعنا.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.