إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية [5]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من هدي القرآن الكريم بيان أعمال الخير للعباد، وقد ذكر الله تعالى في كتابه طريق نيل البر، وهو الإنفاق في سبيله، وذكر من ذلك الحج إلى بيته الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً. كما أن من هدي القرآن بيان كذب اليهود فيما حرمه الله تعالى على بني إسرائيل، ليتحقق المرء من صدق رسول الله، فإذا ظهر الصدق لم يبق إلا وجوب الاتباع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)

    نيل معالي الأمور بالإنفاق في سبيل الله

    الحمد لله خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فهذا درس في تفسير كتاب الله جل وعلا، وما زلنا في سورة آل عمران، وتفسير هذا الدرس سيكون حول قول الله عز وجل: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] إلى قوله جل وعلا: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97] .

    فنقول مستعينين بالله عز وجل:

    قال ربنا تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92] .

    المعنى الإجمالي للآية: أن الله جل وعلا يخبر أن معالي الأمور، والجوامع لكل خير التي هي رأس كل غاية، وأمل كل مؤمن، لا تنال إلا بإنفاق الإنسان لأشياء يحبها، والله جل وعلا جبل القلوب على حب المال، كما قال سبحانه: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20]، وقال جل ذكره: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] .

    والمال هنا ليس حصراً على النقدين الذهب والفضة، وإنما المال كل ما يتموله الإنسان ويملكه من نقدين، أو أراض، أو عقار، أو غير ذلك، كعروض التجارة، فهذا كله يدخل تحت مسمى المال.

    فالله جل وعلا يقول: إن النفوس جبلت على حب المال، فإذا بلغ الإنسان مرتبة يتخلى فيها عما يحب لشيء أعظم -وهو حبه لله جل وعلا- كان ذلك موصلاً لطريق الخير والبر.

    يقول تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ [آل عمران:92] أي: لن تحصلوا عليه, ولن تدركوه حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] أي: لكي يتخلى الإنسان عن محبة الدنيا والتعلق بها ولكي يصل بنفسه إلى مرحلة عليا عليه أن يتخلى عما يحب من أجل ما عند الله جل وعلا من ثواب وعطاء وجزاء.

    ثم قال سبحانه: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92]، فكل ما ينفقه الإنسان مما عظم أو حقر يعلمه الله جل وعلا ويكتبه له، إن خيراً فخير، وإن كان غير ذلك فغير ذلك.

    مسارعة الصحابة في الإنفاق من المحبوب

    ولما نزلت هذه الآية كان جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أعظم جيل بلا شك، فقد ناصروا نبينا صلى الله عليه وسلم وأيدوه ووقفوا معه، فهم شامة في جبين الأيام، وتاج في مفرق الأعوام رضي الله عنهم وأرضاهم.

    فلما نزلت هذه الآية تسابقوا رضوان الله تبارك وتعالى عليهم في الإنفاق مما يحبون.

    ومما نقل نقلاً صحيحاً ما في الصحيحين من حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه كما روى عنه أنس ، وذلك أن أبا طلحة الصحابي الجليل كان له نخل في مقدمة المسجد النبوي تسمى: بيرحاء، وكانت في مقدمة المسجد، وكان ماؤها عذباً طيباً، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل ذلك النخل فيشرب من ذلك الماء الطيب، فلما نزلت هذه الآية عمد هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه فأشهد النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا النخل صدقة في سبيل الله، فقبلها عليه الصلاة والسلام وقال له من باب الإرشاد: (اجعلها في أقربائك) فجعلها أبو طلحة بأمر النبي عليه الصلاة والسلام وإرشاده في اثنين من الأنصار هما: حسان بن ثابت وأبي بن كعب ، وكانا من ذوي قرابة أبي طلحة رضي الله عنه وأرضاه.

    كما نقل من وجه آخر أن زيد بن حارثة الذي جاء ذكره في القرآن، وهو أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت له فرس تسمى سبل، وكانت أثيرة عنده مقربة لديه، فلما أنزل الله جل وعلا قوله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] جاء زيد رضي الله عنه إلى نبينا صلى الله عليه وسلم وقال: يا نبي الله! إن فرسي (سبل) أحب مالي إلي، وقد أشهدتك أني جعلتها صدقة في سبيل الله، وأعطاها النبي عليه الصلاة والسلام ليتصدق بها، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد وأعطاه الفرس، فلما أعطاه الفرس قال: (اقبضه يا أسامة) فتغير وجه زيد ؛ لأنه ما كان يريد أن يأخذها ولده، حتى يشعر أنه أنفق في جهة بعيدة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تغير وجه زيد قال: (يا زيد ! إن الله جل وعلا قد قبل صدقتك منك) .

    فالمقصود هو إخراج حب المال من القلوب.

    بيان أهمية الوسع في الإنفاق

    وموقع المال مسألة لا تهم، إذا اجتهد الإنسان وبذل جهده، فقد يقع في قرابة وقد يقع في غير قرابة، فهو مأمور بأن يجتهد في وضع ماله، والمهم هو إخراج الدنيا من القلوب، وليس معنى ذلك أن يأتي الإنسان إلى شيء يقتات به وعياله ثم ينفقه كما نسمع بين الحين والآخر، فإن هذا قد يكون في بعض الأحايين مخالفاً للصواب، قال الله جل وعلا وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:29-30].

    فالإنفاق هو أن ينفق الإنسان من أحب ما لديه، ولكن ينظر الإنسان نظرة توازن في أهله وذويه وأبنائه والذين لهم حق عليه، والناس في هذا يختلفون اختلافاً جذرياً، فمنهم من يستطيع أن يعوض، ومنهم من لا يستطيع أن يعوض، بمعنى أن هناك من لو أنفق ماله وذهب يقترض لا يقرضه أحد، فهذا لو أنفق ماله كله لأصبح أشد ممن أنفق عليهم، ولا يقول بهذا عاقل.

    ولكن قد يوجد إنسان له جاه وله قدرة على أن يستدين، إذ يحبه الناس لكونه معروفاً كإمام مسجد أو خطيب أو مدير أو موظف كبير، فهذا لو أعطى ماله كله فإنه يستطيع أن يعوضه، فلو أنفق اليوم ماله كله غداً فإنه قد يكسب شيئا آخر، وعلى هذا يحمل ما فعله الصحابة.

    ولا يأتي إنسان ليقول : إنَّ أبا بكر أنفق ماله كله! فـأبو بكر قد أنفق ماله كله، ولكن أبا بكر كان تاجراً، فما ينفقه اليوم يعوضه غداً.

    وقد نسمع أحياناً في بعض الحملات كالحملة للانتفاضة أو غيرها بأن إنساناً لا يملك إلا السيارة التي ينقل عليها الماء، ويسميها العامة الوايت، فلما تبرع بها قال: يعلم الله أنني لا أملك غيرها، وبها أقتات لأبنائي، ثم قال: جعلتها في سبيل الله! فهذا ليس بحق وليس برشد وليس بعقل، فنسأل الله أن يتقبل منه، ولكن هذا أمر لا يقبل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) .

    فهذا الرجل إذا أمسى وأبناؤه لا يجدون طعاماً في ظل هذا الزمن الذي يحتاج الناس فيه إلى الدينار والدرهم، كره أبناؤه الدين؛ لأنهم يشعرون أن الدين هو السبب في إنفاق المال كله.

    والمقصود أن الإنسان يتبع السنة بفهم للسنة، لا بفهمه هو، فـأبو طلحة رضي الله عنه رجل غني رجل ثري، وكان من ماله بستان بجوار المسجد هو أحب ماله إليه، فماله كثير، ولكن هذا كان أحب ماله إليه، كإنسان عنده مزرعة وعنده قصر أفراح وعنده عمارات، فأحب ماله إليه هو المزرعة أو قصر الأفراح، فإن تصدق بقصر الأفراح، أو تصدق بعمارة، أو تصدق بالمزرعة فقد طبق السنة.

    أما أن يأتي إنسان لا يملك شيئاً، أو لا يملك إلا راتبه، وقد لا يأتيه الراتب أحياناً، أو كان موظفاً في شركة فمرة يُثَبتَّ ومرة لا يُثَبتَّ، ثم يأتي فيقول: أنفقت مالي كله لمؤسسة كذا أو لجمعية كذا أو لسبب كذا، فهذا غير صحيح، فالإنسان إذا كان راشداً عاقلاً لا يتكلف مفقوداً ولا يرد موجوداً، ويمشي بخطى، والله أعلم بما في صدور العالمين، ولا حاجة إلى أن يري الناس ما تصنع.

    فنقول عموماً: إن الإنفاق من أعظم أسباب حصول الخير، ولكن بضوابطه الشرعية، وكلما كان في السر كان أبلغ وأعظم، فقد قال عليه الصلاة والسلام لما ذكر السبعة: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) .

    وليست العبرة بالكثرة، بل العبرة بأن يصيب مال الإنسان ذا فاقة، وإذا كان ذا قرابة كان أولى وأحرى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أبا طلحة بأن يضع ماله في قرابته، فوضعها -كما بينا- في حسان وأبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين.

    هذا هو المعنى الإجمالي للآية.

    فوائد نحوية

    و(لن) حرف ناصب يفيد نفي المستقبل، كما أن (لم) حرف جازم يفيد نفي الزمن الماضي، وكلاهما يؤثر في الفعل بعدها، فـ(لن): تنصبه، و(لم): تجزمه.

    فالله يقول: لَنْ تَنَالُوا [آل عمران:92] وأصل الفعل (تنالون) بنون زائدة في آخر الفعل تسمى نون الرفع للأفعال الخمسة، فلما دخلت (لن) حذفت النون فأصبحت لَنْ تَنَالُوا [آل عمران:92] بدون نون، وتوضع ألف للدلالة على أن الواو واو جماعة.

    بيان المقصود بالبر

    قال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ [آل عمران:92] واختلف العلماء في المقصود بالبر:

    فقيل: إنه الجنة، وهذا رأي ابن مسعود وابن عباس والسدي وغيرهم من أئمة التفسير.

    إذا قلنا: إنه الجنة فإنه يصبح تقدير الآية لَنْ تَنَالُوا [آل عمران:92] أي: ثواب البر الذي هو الجنة، فوضع المقدر مكان ما قدر به.

    وقيل: إن البر اسم جامع لكل خير، واختاره ابن سعدي في تفسيره، فالمعنى: أن يصل الإنسان إلى الاسم الجامع لكل خير.

    والصحيح أن يقال: المعنى متقارب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الصدق قال: (وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة) .

    ذكر معاني (حتى) في النحو

    ونلحظ في قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] وجود (حتى)، وقد قال أحد النحاة قبل أن يموت: أموت وفي نفسي شيء من (حتى)، والمعنى: أن حتى حرف غريب في تأثيره فيما بعده، وذلك أنهم لما نظروا إلى الأحرف وجدوا أن عملها واضح جلي، فبعضها ينصب، وبعضها يجزم، وبعضها عاطف، وبعضها استئنافي، وأما (حتى) فوجدوا أنها تقبل الجميع، كقولك: أكلت السمكة. فـ(أكلت) فعل وفاعل، و(السمكة) مفعول به، ويقال بعد ذلك: (حتى رأسها) قالوا: إن قلت: أكلت السمكة حتى رأسُها بالرفع صح، وإن قلت أكلت السمكة حتى رأسَها بالنصب صح، وإن قلت أكلت السمكة حتى رأسِها بالجر صح، وهذا الذي أشكل على النحاة، فقولك: (أكلت السمكة حتى رأسُها)، تصبح فيه (حتى) حرف استئناف، فيصبح المعنى: أكلت السكة حتى رأسها أكلت، فتعرب (رأسها) مبتدأ، و(أكلت) المقدر المحذوف خبراً.

    وإن قلت: (أكلت السمكة حتى رأسَها) بالنصب تكون قد جعلت (حتى) حرف عطف، فعطفت كلمة (رأس) على السمكة.

    وإن قلت: (أكلت السمكة حتى رأسِها) بالجر تكون قد جعلت (حتى) حرف جر، وما بعدها اسم مجرور.

    بيان معنى قوله تعالى (وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)

    يقول تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92] (ما) تأتي نافية، وتأتي استفهامية، وهنا أتت شرطية، فالجملة جملة شرط، وأداة الشرط (ما) وفعل الشرط (تنفقوا) وجواب الشرط الجملة الاسمية فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92] فالفاء في قول الله فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92] واقعة في جواب الشرط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل ...)

    ثم قال سبحانه: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] .

    إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء، وقد رزقه الله بعدما كبر ذرية، نص الله على اثنين من هذه الذرية، وهما الأكبران الأجلان إسماعيل وإسحاق.

    فإسماعيل من هاجر ، وإسحاق من سارة ، ومن إسماعيل جاء نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن إسحاق جاء يعقوب، إلا أن يعقوب كان -في الأظهر- توأماً لأخ له يقال له: العيص ، فلما ولدتهما أمهما -على ما يقول جمهرة المؤرخين- ولدت العيص أولاً ثم أعقبه يعقوب، فسمي يعقوب لأنه جاء عقب أخيه.

    فـالعيص أكبر من يعقوب، وكان العيص محبباً إلى إسحاق أكثر من يعقوب، وكان يعقوب محبباً إلى أمه أكثر من العيص .

    فيعقوب بعدما كبر بفترة قابله ملك، وهذا الملك هو الذي سمى يعقوب إسرائيل، ومعنى (إسرائيل): عابد الرب، ككلمة عبد الله أو نحوها.

    فيعقوب له اسمان: يعقوب الاسم الذي سماه به أبوه، والاسم الآخر: إسرائيل، وبهما جاء القرآن، قال الله عز وجل: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ [الصافات:112] أي: إبراهيم وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] .

    وقال الله جل وعلا : كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران:93] .

    ومن إسرائيل جاء بنو إسرائيل الذين من هم اليهود، ومن ذرية إسماعيل جاء العرب العاربة، فمن ذرية العيص جاء الروم الذين هم الأوربيون والأمريكيون اليوم.

    فالأمريكيون والأوربيون واليهود والعرب أبوهم كلهم إبراهيم.

    فصار الثلاثة كلهم يفيئون إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إلا أن إسحاق وإسماعيل كانا نبيين بنص القرآن، وكذلك يعقوب, وأما العيص فلم يكن نبياً، بل كان محبباً إلى والده، فدعا له -كما يقولون- بأن يملكه الله غلاظ الأرض وأن يرزقه من الثمرات، وهذا حاصل, فكل من يرى ما هم فيه من الثمرات يذكر دعوة إسحاق لابنه العيص .

    والذي يعنينا أنه من ذرية إسحاق جاء يعقوب الذي اسمه إسرائيل، فعندما يقال: بنو إسرائيل فإنهم ينسبون إلى جدهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.

    ويقال: إن يعقوب اختصم مع أخيه العيص ، فخرج بعد أن اختصم مع أخيه ولم يكن له ذرية، ثم رزقه الله الذرية، ولما رزقه الله الذرية بارك له في تلك الذرية حتى حصل ما حصل من قصة نبي الله يوسف، ولم يكن يوسف وحيداً ليعقوب، بل كان له جملة إخوة، ثم تاب الله على إخوة يوسف.

    والصحيح أن إخوة يوسف هم الأسباط، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، قال الله جل وعلا: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا [الأعراف:160] أي: قبائل متفرقة كلهم يفيئون إلى الأسباط الاثني عشر الذين هم ذرية إسرائيل.

    ومن هذه الذرية جاء أنبياء لا يعدون ولا يحصون، فمنهم أيوب، واليسع، وذو الكفل، وسليمان، وداود، ومن بعدهم إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فبين موسى وإسرائيل نفسه أمم لا تعد ولا تحصى، وفترة زمنية طويلة.

    وموسى عليه الصلاة والسلام هو الذي خرج ببني إسرائيل من أرض مصر بعد أن سكنوا أرض مصر عندما جاء يعقوب إلى ابنه يوسف، كما قال تعالى: وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يوسف:100] .

    فهناك مسافة زمنية طويلة بين إسرائيل وبين موسى، والتوراة أنزلت على موسى.

    ذكر سبب نزول الآية

    يقول تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران:93] .

    وقد اختلف في سببها، ولكن يقال في الجملة: إن اليهود كانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن النسخ شيء باطل، فليس معقولاً أن تأتي فتنسخ شريعة موسى وشريعة عيسى، وتقول: أنا أتيت بشريعة جديدة. وقالوا: إنك تقول: إن الله جل وعلا حرم علينا أشياء؛ لأن الله قال في القرآن فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء:160]، وقال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146] .

    فقالوا لنبينا صلى الله عليه وسلم: قولك هذا كذب! فهذه الأشياء محرمة علينا منذ زمن إسرائيل، بل هي محرمة منذ نوح وإبراهيم هذا زعم اليهود، فقال الله جل وعلا القول الفصل: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95]، فالله يقول لهم: إن الطعام كله كان مباحاً طيباً ليعقوب إلا شيئاً يسيراً منه لم يحرمه الله، بل حرمه يعقوب على نفسه.

    ولم يذكر الله عله تحريمه له، ولكن ورد في السنن وفي الآثار أن يعقوب عليه السلام اشتكى عرق النسا -مرض معروف-، فلما اشتكى عرق النسا نذر إن شفاه الله من عرق النسا أن يحرم على نفسه أحب شيء إليه، فكان يحب لحوم الإبل وألبانها، فلما شفاه الله حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها.

    فتحريم يعقوب على نفسه لحوم الإبل وألبانها كان باجتهاد منه، ولم يحرم الله على إسرائيل ولا من بعدهم شيئاً من الطعام، وإنما حرم على قوم موسى لما بغوا ما ذكره الله جل وعلا لنبيه.

    فالله تعالى يقول: كُلُّ [آل عمران:93] وهي من ألفاظ العموم في القرآن كُلُّ الطَّعَامِ [آل عمران:93] أي: كل مطعوم كَانَ حِلًّا [آل عمران:93] أي: حلالاً، وجاء منصوباً، لأنه خبر كان، كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران:93] فقد كذبتم فيما تزعمون إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران:93] وهو ألبان الإبل ولحومها لأمر عارض.

    قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا [آل عمران:93] فإذا أتيتم بالتوراة ستجدون فيها أن الله لم يحرم على إسرائيل شيئاً؛ لأن التوراة أنزلت على موسى، وإنما المحرم فيها ما حرمه الله على بني إسرائيل وفق ما نصه الله جل وعلا في كتابه.

    قال الله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] وهذا منتهى التحدي، ولم يأتوا بالتوراة، وإنما بهتوا وألجموا، ولم يقبلوا أن يعرضوها على النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ...)

    ثم قال الله جل وعلا -وقوله الفصل الذي لا يقبل الرد-: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران:94] أي: من قال وزعم كذباً بعد أن بينه الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [آل عمران:94] لأنه قد ظلم نفسه وجاوز حده وافترى على الله، حين رد على الله جل وعلا كلامه وكذب قوله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل صدق الله ...)

    قال الله بعدها: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] .

    وهنا يرد سؤال، وهو لماذا قرأها الرسول صلى الله عليه وسلم: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] وكان المفروض أن يقول: (صدق الله)؟ بغير (قل)، وكذلك قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] لماذا لم يقرأها (يا أيها الكافرون)؟ وكذلك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] لم يقرأها (هو الله أحد)، فهذا سؤال يرد -بلا شك- على الذهن، والجواب أن هذا فيه بيان عظيم لبشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يأتي بشيء من عنده، بل هو مجرد مبلغ.

    ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى- أن يبعث شخص ولداً له إلى قوم لدعوتهم إلى طعام الغداء، فأيهما أوقع في نفس المدعو: أن يأتي هذا فيقول: تفضلوا إلى الغداء، أو أن يقول: يقول والدي: تفضلوا إلى الغداء؟! إنه لا شك في أن الصفة الثانية أبلغ؛ إذ بها يعرف أن هذا الابن ليس له إلا البلاغ، وقد بلغ كما أمر.

    فعندما يقول الله جل وعلا: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] وينقلها النبي صلى الله عليه وسلم ففي ذلك بيان أن النبي بشر لا علاقة له بالأمر والنهي، الأمر والنهي والبلاغ من عند الله، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ وبشير ونذير لقوم يؤمنون.

    وقوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] تُبنى على خصوص وعموم، فيبنى على خصوص كما هو هنا، أي: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] في قوله كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران:93] .

    ويبنى على العموم في أن الله صادق في كل ما يقول، ولذلك كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا حدث يقول في الغالب: أخبرني الصادق المصدوق. أو يقول: سمعت الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين في حديث خلق النطفة والعلقة، فقوله صادق، وهو مصدوق فيما يقال له, فالنبي عليه الصلاة والسلام صادق فيما يقول, مصدوق فيما يقول له ربه.

    ولما بعث عليه الصلاة والسلام علياً ومن معه من الصحابة إلى روضة خاخ للإتيان بالخطاب الذي بعثه حاطب بن أبي بلتعة مع المرأة لتبعث به إلى كفار مكة، قال: (ائتوا روضة خاخ، فستجدون فيها ضعينة معها كتاب من حاطب إلى قريش، ائتوني بالكتا) .

    فلما ذهب علي رضي الله عنه وقبض على المرأة أنكرت، فقال علي : والله ما كذبنا ولا كُذِّبنا. يعني: نحن ما افترينا على الرسول بأنَّه قال هذا الكلام، والرسول لا يمكن أن يكذب علينا ويقول لنا: إن معك كتاباً وليس معك كتاب.

    قال تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] فلما ظهر الصدق لم يبق إلا الاتباع، فقال الله جل وعلا: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [آل عمران:95]، والخطاب لليهود على وجه الخصوص، ولكل من يقرأ القرآن ويصله البلاغ على وجه العموم.

    وقوله تعالى: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:95] عائد على إبراهيم.

    وقد قلنا في سياق سابق: إن الله جل وعلا نزه إبراهيم عن كل إثم؛ لأن كل الأمم ادعت أن إبراهيم منها وانتسبت إليه، ولذلك قال الله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67] كما جاء هنا: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:95].

    1.   

    دلالات في سورة آل عمران

    فيتحقق من هذا كله أمور بيناها فيما سبق ونربطها بما لحق، وهي أن هذه السورة -سورة آل عمران- لها علاقة قوية بذكر اليهود، فأغلبها رد على مزاعم اليهود، فكل ما زعمه اليهود يفنده الله جل وعلا ويبين لنبيه صلى الله عليه وسلم مكمن الصواب فيه.

    وتحرر من هذا كله أن بني إسرائيل وبني إسماعيل وبني العيص كلهم يفيئون إلى رجل واحد هو إبراهيم.

    ثم يلتقون في سام أو حام أو يافث من أبناء نوح، ثم يلتقون في نوح، ثم يلتقون في أبيهم آدم، ولهذا كان عنصر التفضيل الَقَبلِيّ مرفوضاً، قال الله جل وعلا: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] , وقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم لآدم وآدم من تراب) .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ...)

    ثم قال جل ذكره: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:96-97].

    قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [آل عمران:96] أي: وضع للعبادة، وإلا فالبيوت قديمة، وليس الكلام عنها، سواء أكانت قديمة أم حديثة، وإنما يتكلم الله جل وعلا عن أول بيت وضع للعبادة.

    ذكر المدة الزمنية بين بناء المسجد الحرام وبيت المقدس

    وهاتان الآيتان فيهما كلام طويل سنحاول بقدر الإمكان أن نجمله، فنقول: إن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض للعبادة، كما قال صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- لـأبي ذر لما سأله: يا رسول الله! أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام, قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى, أو بيت المقدس, قال: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة) .

    والمشهور أن الذي بنى بيت المقدس هو سليمان بن داود، والمشهور أن الذي بنى البيت الحرام هو إبراهيم، فإذا أخذنا بهذا المشهور فهل يتفق الحديث مع الآية؟

    والجواب أنه لا يمكن أن يتفق مع ما بينا؛ لأن بين إبراهيم وسليمان ثلاثة قرون تقريباً، والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر أن بينهما أربعين سنة.

    والصحيح -إن شاء الله- أن أول من وضع البيتين هو آدم عليه السلام، فهو الذي وضع الكعبة، وهو الذي وضع بيت المقدس، ولا يمكن أن ينطبق الحديث إلا على آدم، أو أن الله جل وعلا أمر ملائكة قبله بأن تبني الكعبة، ثم أمره بعد أربعين سنة بأن يبني بيت المقدس، ثم بين الله لإبراهيم مكان الكعبة، ولذلك قال الله: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26] أي: مكان الكعبة، فأعاد بنيانها، وبين لداود وسليمان عليهما السلام مكان بيت المقدس فأعادا بنيانه.

    والمسجد الحرام والمسجد والنبوي والمسجد الأقصى هي الثلاثة المساجد التي تشد إليها الرحال.

    قصة بناء قبة الصخرة

    وهناك صور تنقل كثيراً مسجد قبة الصخرة، وهناك مسجد اسمه المسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى هو الذي صلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه وربط فيه دابته وهي البراق.

    أما قبة الصخرة، فالصخرة كانت تعظمها اليهود وتصلي إليها في غابر الأزمان، والذي أهلك اليهود هو بختنصر ، جاء من بابل من العراق، فأهلك اليهود، وأعان على إهلاك اليهود النصارى، فالعداوة بين اليهود والنصارى عداوة قديمة.

    فالصخرة كانت تعظمها اليهود، في حين أن النصارى يعظمون كنيسة القيامة وما حولها ببيت المقدس عموماً، فبيت المقدس اتفق اليهود والنصارى والمسلمون على أنه أرض مباركة، وكل له غاية فيه.

    ولما فتح عمر رضي الله عنه بيت المقدس أيام خلافته وخرج من المدينة صلحاً وسلمت إليه مفاتيح بيت المقدس كانت النصارى مسيطرة على المدينة، وكان اليهود أذلة.

    فهذه الصخرة كان عليها قمامة كثيرة جداً، حيث جعلها النصارى مجمع نفايات نكاية في اليهود، وكان مع عمر كعب الأحبار، وهو يهودي أسلم في المدينة، فسأل عمر كعب الأحبار فقال: أين تراني أصلي؟ وقد أسلم كعب الأحبار، لكن بقي فيه شيء من اليهودية، فقال: أرى أن تصلي خلف الصخرة. وإذا صلى عمر خلف الصخرة يصبح مستقبل الصخرة عقلاً، وإن كان سيستقبل مكة، فقال له عمر : ما فارقتك يهوديتك، تريدني أن أستقبل الصخرة حتى يرتفع شأن اليهود؟! فتقدم وجعل الصخرة خلفه، وهو يعلم أن الصخرة معظمة، وأخذ يزيل النفايات عنها، ولكنه لم يرد أن يصلي إليها حتى لا تفتخر بها اليهود، فالصخرة في بيت المقدس، وبيت المقدس كله مبارك بلا شك، ولكن عمر لم يرد أن يجعل للصخرة خصوصية تزيد على خصوصية المسجد، فتقدم وصلى وجعل الصخرة خلفه.

    وبقيت الصخرة على هذا الحال حتى كان عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، والذي نازع عبد الملك الخلافة هو عبد الله بن الزبير ، وكان عبد الله بن الزبير في مكة.

    وكانت العرب تحج إلى مكة، فكانوا يلتقون بـابن الزبير، والسياسة لا تدخل في شيء إلا أفسدته، ولذلك فإن العاقل يترك آراء السياسيين ولو كان أتقى خلق الله، فلا تكن إمعة، بحيث ترى كل من يحمل راية سياسية فتعتقد أنها راية دينية، فالسياسة: لا تدخل في شيء إلا أفسدته، فكان الناس يأتون عبد الله بن الزبير خصيم عبد الملك بن مروان ثم يذهب بعضهم راجعين إلى الشام، فجاءوا إلى عبد الملك فقالوا له: ليس عندك أحد، فأمراء القبائل يحجون ويقابلون ابن الزبير ، فقام عبد الملك بن مروان فبنى على الصخرة قبة، وكساها مثلما تكسى الكعبة وزينها لعل الناس أن يأتوها، وذلك لسبب سياسي واحد، وهو أن ينصرفوا عن ابن الزبير .

    والسياسة فيها شيء اسمه المراحل، فالورقة هذه تنفع اليوم ولا تنفع غداً، ولذلك لما انتهت القضية وقتل عبد الله بن الزبير على يد الحجاج بن يوسف لم يبال عبد الملك بقبة الصخرة، وما عاد يكسوها، ولكنه لم يهدمها، فبقيت على حالها إلى اليوم، فجاء بعده ملوك لا يفهمون لماذا بناها، وأخذوا يزينونها! فهذه قصة قبة الصخرة.

    بيان معنى (بكة)

    يقول الله تعالى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ [آل عمران:96] والاسم الآخر هو (مكة)، فهل (بكة) و(مكة) بمعنى واحد أم هما اسمان مختلفان في المعنى؟!

    قال بعض العلماء: إن الباء والميم في اللغة يكثر الإبدال بينهما، فيقال: هذا طين لازب وطين لازم بالميم، والمعنى واحد.

    وعلى هذا القول تكون (بكة) و(مكة) بمعنى واحد.

    القول الثاني: أن بكة المقصود بها المسجد نفسه، ومكة المقصود بها الحرم كله.

    ولكن القولين لا يمكن أن يكون بينهما تنافٍ ولا يتعلق بهما كبير اختلاف.

    بيان بركة البيت الحرام

    يقول الله تعالى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران:96] ولا شك في أنه مبارك، بدليل أن الله جل وعلا يضاعف فيه الحسنات، وأن (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) ، وأن الله شرع الطواف به ولا يشرع إلا به، في أمور لا تعد ولا تحصى تدل على بركة هذا البيت.

    الآيات الموجودة في البيت الحرام

    قال تعالى: فِيهِ [آل عمران:97] أي: في المسجد الحرام آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ [آل عمران:97]، ولم يذكر الله الآيات البينات، بل ذكر واحدة منها فقال: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97] فيصبح تقدير الكلام: فيه آيات بينات كثيرة، منها مقام إبراهيم، وهذا أرجح ما قيل في إعراب (مقامُ) وهو أنها مبتدأ لخبر محذوف مقدم تقديره (منها مقام إبراهيم)، وقيل غير ذلك، لكن هذا الذي نراه، والله أعلم.

    فمن هذه الآيات الموجودة في الحرم المكي مقام إبراهيم، وذلك أن إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع جدار الكعبة، وساعده وعاونه ابنه إسماعيل، وهذا مشهور، فلما ارتفع البنيان قدم إسماعيل حجراً لأبيه ليرتقي عليه، فلما وطئ عليه كان رطباً، فبقيت آثار قدم إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الصخر ظاهرة بينة، والصخر لا يؤثر فيه الوقوف، ولكن الله جعلها رطبة فأصبحت آثار قدمي إبراهيم ظاهرة وبقيت على مر الأزمان.

    وكان هناك قبيلة في العرب مشهور أهلها بالقيافة، أي: يعرفون آثار الأقدام والأرجل، وكانوا هم يطوفون بالبيت يرون أقدام إبراهيم، وفي ذات يوم لما كان النبي صلى الله عليه وسلم صغيراً في حجر جده عبد المطلب خرج يلعب، فلما خرج يلعب جاء إلى قوم من بني مدلج المشهورين بالقيافة، فلما رأوا قدمي نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو يومئذ صبي- حملوه إلى جده قالوا لـعبد المطلب : من هذا منك؟ أي: ما هي القرابة بينكما؟ فقال: هذا ابني، فقالوا احرص عليه؛ فإن قدميه من نفس قدمي من في المقام، يقصدون إبراهيم.

    ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى سدرة المنتهى: (ما رأيت أحدا أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم) يقصد نفسه صلى الله عليه وسلم.

    والمقصود أن مقام إبراهيم حجر وطئ عليه إبراهيم لما أراد أن يبني الكعبة بعد أن ارتفع بنيانها، فبقيت آثار قدميه إلى يومنا هذا، وهو المعروف الآن بمقام إبراهيم.

    وهذا المقام شرع الله الصلاة عنده، قال الله جل وعلا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] .

    بيان معنى قوله تعالى (ومن دخله كان آمناً)

    ثم قال سبحانه: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] قوله: (دخله) عائد على حرم مكة، إما على المسجد أو على مكة عموماً.

    واختلف العلماء في معنى قول الله جل وعلا: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، ومكمن الخلاف في أنه قد يدخل الحرم الإنسان الآن ويؤذى، فقد يأتي مجرم فيخرج خنجراً أو مسدساً ويقتل الناس في الحرم، وهذا مر عبر التاريخ كله.

    فالتوفيق بين الآية وبين الواقع مشكل؛ لأن الله قال: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، ولذلك اختلفت كلمة العلماء في المعنى:

    فقال فريق من العلماء: إن هذا خبر عن الماضي، بمعنى أن أهل الجاهلية قديماً كانوا يدخلون الحرم فلا يؤذي بعضهم بعضاً لحرمة البيت التي وضعها الله في قلوبهم، وهذا معروف وإن كان ليس بصحيح على إطلاقه؛ لأنه قد وقع في الجاهلية أذى وسط الحرم، والنبي صلى الله عليه وسلم أوذي وسط الحرم.

    القول الثاني: قول ابن عباس ، واختاره الإمام ابن جرير الطبري إمام المفسرين وغيره، وهو أن الإنسان إذا جنى جناية خارج الحرم ثم استجار بالحرم فإنه لا يقام عليه الحد ولا يقبض عليه، وإنما يضيق عليه في المعاملة، فلا يبتاع منه ولا يباع له ولا يطعم، حتى يضطر إلى الخروج فيقام عليه الحد، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

    وقال فريق من العلماء: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] أي: آمناً من عذاب النار، لأن الحج والعمرة سبب في النجاة من النار.

    وقال فريق من العلماء -وهو اختيار ابن المظفر السمعاني -: إن المعنى أن الله جل وعلا أمن قريش في جاهليتها لأنهم أهل الحرم، قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67] فلم يكونوا يؤذون لأنهم أهل حرم الله، وكل من رامهم بأذى قصمه الله، كما حصل لأبرهة وجنده، وهذا -في ظني- أقرب الأقوال إلى الصحة، واختاره الإمام أبو المظفر السمعاني كما قلت في تفسيره، والله تعالى أعلم.

    الأمر بحج البيت

    ثم قال جل وعلا: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97] .

    لقد قالت اليهود لنبينا عليه الصلاة والسلام: إنك كنت تصلي إلى بيت المقدس. ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى بيت المقدس وهو في مكة, وصلى إلى بيت المقدس وهو في المدينة.

    أما في مكة فكان عليه الصلاة والسلام يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فيصلي في جهة بحيث تكون الكعبة أمامه وبيت المقدس وراءها، فيكون قد استقبل بيت المقدس والكعبة في آن واحد، وهذا المشهور عن ابن عباس .

    وأما في المدينة فلا يمكن ذلك؛ لأن الكعبة في الجنوب وبيت المقدس في الشمال، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً كما في رواية البراء بن عازب عند البخاري وغيره.

    ثم أنزل الله قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] ، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام يصلي إلى الكعبة، وبقي الحال إلى يومنا هذا.

    فقال اليهود: هذا أكبر دليل على أنك مضطرب في عبادتك، فبين الله جل وعلا لهم في جواب قرآني فقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:142]، فكل الجهات ملك لله، والله جل وعلا يختص منها ما يشاء ويتعبد عباده بما يريد، ولو تعبدهم كل شهر بجهة فهو ربهم وهم عبيده، والجهات جهاته والملك ملكه، وليس لليهود ولا لغيرهم قول ولا برهان.

    فالله جل وعلا أمر نبيه أن يصلي إلى بيت المقدس ابتلاءً واختباراً وهو يعلم جل وعلا أزلاً أنه سينقلهم إلى الكعبة، ففي هذه الفترة يمحص الله جل وعلا عباده، ويبتلي خلقه ليعلم من يثبت ممن لا يثبت، كما قال الله جل وعلا: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة:143] أي: هذا الأمر عظيم إلا على من يسره الله جل وعلا عليه.

    والمقصود أن بيت المقدس كان معظماً والمبالغة في تعظيم الكعبة أمر الله جل وعلا في رده على اليهود بأن يكون الحج إلى الكعبة.

    ولما كانت الكعبة تفضل على بيت المقدس بوجوه كثيرة، كان اختيارها مكاناً للحج أمراً لا مناص منه، فقال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] واللام في وَلِلَّهِ [آل عمران:97] حرف جر، ومعناها للإيجاب والإلزام.

    فأوجب الله وألزم عباده بحج البيت، ولم يكتف الله بقوله وَلِلَّهِ [آل عمران:97]، بل أتى بحرف (على)، فقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، فأتى بمؤكدين: اللام و(على).

    وكلاهما يدل على الإيجاب والإلزام، تقول: لفلان عندي كذا، وعلي لفلان كذا، أي: يجب علي له.

    حد الاستطاعة لحج البيت الحرام

    يقول تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] وكلمة النَّاسِ عامة، ثم جاء التخصيص مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، فمن لم يستطع الوصول إلى البيت سقط عنه فريضة الحج.

    والله جل وعلا لم يحدد كيفية الاستطاعة، وهذا من بلاغة القرآن، لأنه لا يمكن عقلاً تحديد الاستطاعة بشيء واحد في كل الأزمنة، ومن قال من العلماء رحمهم الله: إن الاستطاعة الزاد والراحلة، فقوله قول مرجوح، ولا يمكن أن يكون صحيحاً؛ لأنه قد يقع عارض أشد من الأول.

    ومثال ذلك: لو أن المرض المعروف بـ(سارز) -كفانا الله وإياكم شره- انتشر في أمة مسلمة في بلاد ما حتى أهلكهم، ثم رغب أناس من هذه الأمة في أن يحجوا إلى البيت، وكانوا يملكون الزاد والرواحل، فهل من الحكمة أن يؤذن لهم في الحج؟

    الجواب: لا؛ لأنه قد يأتي منهم من يحمل المرض فيفتك بالحجاج كلهم، فلذلك من الحكمة منعه، والحج يعتبر ساقطاً عنه، وهو معذور شرعاً؛ لأنه لا يستطيع الوصول إلى البيت، فهذا المنع لا علاقة له بالزاد ولا بالراحلة، فتبقى جملة مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] واسعة، فكل من يستطيع الوصول إلى البيت يجب عليه الحج، ومن لم يستطع فقد أعذره الله جل وعلا في كتابه.

    وقوله تعالى: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] أي: طريقاً.

    بيان معنى قوله تعالى (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)

    قال تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، للعلماء في هذه الجملة ثلاثة أوجه:

    الوجه الأول: أن الآية على ظاهرها، والمعنى: أن من لم يحج وهو قادر فهو كافر لظاهر الآية، وهذا مذهب الحسن البصري رحمه الله، ووافقه عليه بعض العلماء.

    الوجه الثاني: أن من أنكر فريضة الحج فهو كافر، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه، وعليه جماهير العلماء.

    الوجه الثالث: أن الآية جرت مجرى التغليظ والتهديد والوعيد والزجر في بيان أهمية الحج إلى بيت الله جل وعلا، وأن تاركه كالكافر، وهذا القول اختاره بعض العلماء، وهو الذي إليه نميل، والله أعلم, فالآية تجري مجرى التهديد والتغليظ والوعيد، وهذا له قرائن في كتاب الله وفي السنة.

    أما له قرائنه في القرآن فإن الله جل وعلا قال: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] مع اتفاقنا على أن هذه الآية تحمل على أنها مبالغة في التهديد، وإلا فإن من قتل نفساً ومات على التوحيد لا يخلد في النار.

    ومن السنة قوله النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: (عبد بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة، وقاتل نفسه في النار) وما إلى ذلك مما جاء في قصة الانتحار.

    والصحيح أن من مات منتحراً ولم يأت بناقض شرعي، ومات على (لا إله إلا الله) فإنه لا يخلد في النار، وتحمل هذه الأحاديث وغيرها على المبالغة في التهديد والزجر والوعيد.

    فقاتل نفسه لا يخلد في النار، وإنما يسن لإمام المسلمين أو نائبه ألا يصلي عليه، فقد روى مسلم في الصحيح أن رجلاً من الصحابة اشتد عليه مرض ما، فعمد إلى عروقه فقطعها فسال الدم، فلما سال الدم أخذ ينزف حتى مات، فرآه ابن عم له في المنام وعليه ثياب بيض وقد غلت يداه، فقال: ما صنع بك ربك؟ قال: عفا عني، قال: فما بال يديك؟ قال: إن الله قال لي: إننا لا نصلح منك ما أفسدته من نفسك؛ لأنه قطع يديه.

    ولما استيقظ قص الرؤيا على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر) قالها ثلاثا.

    قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم وغيره من العلماء: في ذلك دليل واضح على أن قاتل نفسه لا يخلد في النار.

    ولكن هذا يخاطب به طلبة العلم فقط، ولا يقال للعامة حتى لا يستهينوا بقتل غيرهم ولا بقتل أنفسهم، وطالب العلم ينبغي له أن يفرق بين الخطاب إلى العامة والخطاب إلى طلبة العلم.

    الفرق بين أسلوب ذكر الأحكام وأسلوب الوعظ

    وبيان الحكم الشرعي غير الوعظ، ولذلك لما تقرأ في كتب ابن قدامة وغيره من أئمة الدين الفقهاء تجدهم لا يتكلمون مع بعضهم بقولهم: اتق الله، وخاف الله، واخش الله، فهذا كلام وعظ وليس له علاقة بالأحكام الشرعية، وعندما يتكلم المرء في الوعظ لا يتكلم عن تفصيلات اختلافات العلماء، فلا يأتي إنسان في مسألة يخالف فيها آخر فيقول له: اتق الله، فكيف تقول بهذا!.

    فالكلام العلمي لا يقال لقائله: اتق الله، إذ لا يقول هذا الكلام إلا لأنه يعتقد أنه صحيح، فلكونه يتقي الله قال هذا الكلام؛ لأنه هو يعتقد أن هذا صحيح، فهو يقوله لأنه يتقي الله، فليس هناك موضع مجال لكلمة (اتق الله) و(خاف الله).

    وأما من كان في معصية فإنك تقول له: اتق الله؛ لأنه يعلم أنها معصية ويعصي الله جل وعلا.

    ولذلك إذا قرأت مناظرات العلماء وكلام ابن قدامة وغيره من أئمة العلم لا تجد فيها الأسلوب الوعظي ولا ذكر الجنة والنار؛ لأن كل فريق يعتقد صحة ما يقول، وإنما يبنى الكلام على الأدلة، وكل يحاج الآخر بالأدلة.

    وبعض صغار طلبة العلم تقول له: ما رأيك في فلان؟ فيقول: هذا لا يخاف الله؛ لأنه يفتي بكذا وكذا، ويقول بكذا.

    وهذا ليس بكلام رجل عاقل؛ لأنه يخاف الله فقال ما يعتقده، ولو طبق هذا الكلام الذي يتناقله اليوم البعض على الصحابة لهلكنا جميعاً؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبادلون الرأي، ويقول كل منهم بقول، ولا يقول واحد لآخر: اتق الله؛ لأن كل واحد منهم يقول ما يعتقد أنه صواب، وكل منهم يقارع الآخر بالحجة وبالنظر وبالدليل، وإذا استبانت لك المسألة فقد لا تستبين لأخيك، والعكس صحيح.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.