إسلام ويب

اللهم اهدنا في من هديتللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أعظم عطاء يعطيه الله للإنسان هو الهداية إلى الطريق المستقيم، وفي هذا الدرس فوائد عظيمة مستنبطة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدنا فيمن هديت).

    وتعرض الشيخ إلى ذكر أقسام الهداية وطرقها، وبيان الحكمة من طلب النبي صلى الله عليه وسلم الهداية من ربه مع أنه سيد المهتدين، إلى غير ذلك من المسائل.

    1.   

    وقفات مع الحسن بن علي

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أحييكم بعد طول انتظار وشوقٍ إلى أنفاسكم الغالية، وإلى مجالسكم المرفوعة بذكر الله عز وجل:

    يا من يعز علينا أن نفارقهم     وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ

    إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا     أن لا تفارقهم فالراحلون همُ

    عنوان هذه المحاضرة "اللهم اهدنا فيمن هديت" وهي من كلام القائد محمد عليه الصلاة والسلام، كلماتٌ غالية نستمع إليها بشوقٍ ولهفة، وننتظرها وكلنا -يعلم الله- قطرات من الدم على مسيرته الغالية صلى الله عليه وسلم.

    أما الحديث فرواه أحمد وأهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والحاكم، قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءً أدعو به فقال: قل: اللهم اهدني في من هديت، وعافني في من عافيت، وتولني في من توليت، واصرف عني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت) وزاد الحاكم: (اللهم صلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم).

    وفي الحديث أربعٌ وعشرون مسألة:

    أولها: من هو الحسن؟

    ثانيها: "اللهم" ومعناها عند أهل العلم.

    ثالثها: "اهدني" وكيف يطلب الهداية عليه الصلاة والسلام. وأقسام الهداية، والهداية العامة والخاصة.

    رابعها: كيف يطلب صلى الله عليه وسلم الهداية وقد اهتدى بهداية الله؟

    خامسها: الهداية المجملة والهداية المفصلة.

    سادسها: طرق الهداية وكيف يصل العبد إلى الله.

    سابعها: لا يهتدي العبد إلا على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام.

    ثامنها: قوله سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:13].

    تاسعها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].

    عاشرها: ما معنى "وعافنا في من عافيت" وما هو العفو؟

    الحادية عشرة: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] من هم؟

    الثانية عشرة: معنى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة:43].

    الثالثة عشرة: معنى: ( اللهم إني أسألك العفو والعافية).

    الرابعة عشرة: "وتولني في من توليت" من هم أولياء الله؟ وما هي صفاتهم؟ وما هي سماتهم؟

    الخامسة عشرة: بم تنال الولاية؟

    السادسة عشرة: صفات الأولياء.

    السابعة عشرة: قوله عليه الصلاة والسلام "وبارك لي فيما أعطيت".

    الثامنة عشرة: "وقني شر ما قضيت" هل ينسب الشر إلى الله عند أهل السنة؟ ومن الذي كتب الشر على الناس؟ وهل يقدر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الشر؟

    التاسعة عشرة: معنى "إنك تقضي ولا يقضى عليك" لا معقب لحكمه سبحانه.

    العشرون: "إنه لا يذل من واليت" ما هي الذلة؟ وما الفرق بين قوله ولا يذل وبين قوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]؟

    الحادية والعشرون: رواية النسائي والبيهقي زادت "ولا يعز من عاديت".

    الثانية والعشرون: "تباركت ربنا وتعاليت" ما هي البركة؟ وهل يقال للعبد: تباركت؟ وهل فيها اشتقاق أم لا؟

    الثالثة والعشرون: زاد النسائي "وصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم".

    الرابعة والعشرون: زاد الحاكم وابن حبان: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود أن أقول هذا الدعاء).

    أما راوي الحديث فهو الحسن بن علي بن أبي طالب، جده رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء البتول، والحسن بن علي سيد الجماعة، وهو الذي دفع الفرقة عن المسلمين، والذي كف سيف القتل قبل أن يودي بحياة الألوف المؤلفة فيما بعد صفين.

    حسن الذي صان الجماعة بعدما     كادت سيوف المؤمنين تثلمُ

    من جده حمل الشريعة وابتنى     صرح العدالة لا يضرجه دمُ

    يقول أحد الناظمين:

    وقسموا الحديث عن جد الحسن إلى صحيحٍ وضعيفٍ وحسن

    فـالحسن هذا هو الحسن بن علي، أدرك الرسول عليه الصلاة والسلام ومات عليه الصلاة والسلام وعمر الحسن خمس سنوات، منظر الرسول صلى الله عليه وسلم في دمه وعينيه وقلبه:

    من زار بابك لم تبرح جوانحه     تروي أحاديث ما أوليت من مِننِ

    فالعلم عن قرة والكف عن صلةٍ     والقلب عن جابرٍ والسمع عن حسنِ

    النبي يمنع الحسن بن علي من أكل الصدقة

    رباه صلى الله عليه وسلم على الطهر وفطرة الله، أتى يأكل تمرة -والحديث في الصحيحين - من تمر الصدقة، وتمر الصدقة لا يحل لأهل البيت؛ لأن أهل البيت أطهار أبرار لا يأكلون أوساخ الناس، فأتى يأكل التمر فقال صلى الله عليه وسلم: {كخْ كخْ} ولفظها المحدثون: كخٍ كخٍ ولفظها أهل اللغة كخٍ كخْ، يعني: اترك اترك، فالتفت الطفل إلى جده سيد البشرية، قال: {أما تعلم أن الصدقة لا تحل لنا، إنما هي أوساخ الناس}.

    الحسن يصلح بين فئتين من المسلمين

    كان يخطب عليه الصلاة والسلام -والحديث في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه- كان يخطب صلى الله عليه وسلم الجمعة واندفع يتحدث في الخطبة فأتى الحسن -هذا السيد سيد الجماعة- وعمره خمس سنوات وثوبه طويل يعثر بين الصف تارة ويقوم تارة، ولا يلتفت له المصلون؛ لأنهم كلهم آذانهم للمصطفى صلى الله عليه وسلم، فنـزل صلى الله عليه وسلم من على المنبر، وتخطى الصفوف، واحتضن الحسن وقبَّله ووضعه بجانبه، وقال وهو يتبسم ويلتفت إلى الجماهير: {إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين}.

    فصحت نبوته عليه الصلاة والسلام فنشأ سيداً مطاعاً، فلما التقى جيش العراق مائة ألف وجيش الشام ثمانون ألفاً، والسيوف مصلتة والرماح، يريد الحسن ومعاوية الخلافة، قام الحسن فتنازل بالخلافة إلى معاوية فبيض الله وجهه.

    هذا هو الحسن الذي صان الجماعة، وجمع الكلمة، وابتنى داراً عند الله عز وجل بتنازله، عن ملك الدنيا: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5].

    كان صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح- والحسن على ميمنته والحسين على ميسرته فيقبِّل هذا تارة ويقبِّل هذا تارة، ويقول: {اللهم إنهما ريحانتاي من الدنيا}.

    هذا الحسن بن علي رضي الله عنه وأرضاه يروي هذا الحديث وله أحاديث ملاح حسان؛ لأنه ما استمر به الحال فيروي كثيراً، وله حديث: {دع ما يريبك إلى ما لا يريبك} ويروي أيضاً هذا الحديث البديع الذي معنا هذه الليلة.

    1.   

    معنى قوله: ( اللهم )

    أما قوله (اللهم) فأصلها ياألله، حذفت ياء النداء، وأضيفت الميم اختصاراً واستدراجاً في الدعاء، حتى تكون لذيذة:

    إني إذا ما حادث ألمـا     أقول يا اللهم يا اللهما

    ولفظ الجلالة (الله) هو أعظم اسم لله، قالوا: هو الاسم الأعظم، والصفات تضاف إليه، فيقال: الله القدير، الله الرحمن، الله الرحيم، وابتدأ به سُبحَانَهُ وَتَعَالى في كتابه فقال: باسم الله، ولا تعرف العرب هذا الاسم في لغتها، وقيل مشتق وقيل جامد، ولا يهمنا إلا أنه اسم وعى المحاسن والفواضل، والصفات العظيمة.

    أتى إليه سيبويه في الكتاب العظيم: الكتاب فقال: الله: لفظ الجلالة علم لا يحتاج إلى تعريف، قالوا: فغفر الله له بهذا التعريف، فالله مجمع المحاسن.

    ومما اشتق، قيل: من ولَهَ، إذا تحير، لأن العقول تحتار في الله، فيصل العقل إلى درجة أن يحتار، فالعقول مشدوهة أمام قدرة الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    وقيل: من أله إذا سكن واطمأن: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] فلا تطمئن القلوب إلا إلى الواحد الأحد، ولا تطمئن إلى غيره، لا إلى مال أو منصب أو عشيرة، ولكن تطمئن إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    وقيل: إنه غير مشتق وإنه ركب هكذا وسمي به سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فهذا الاسم.

    (وقل: اللهم): يعني ياألله، يا ذا الجلال والإكرام، ويا ذا المحاسن.

    وقيل: يا من تألهه القلوب، وقيل: يا من يستحق العبادة، وكان ابن عباس يقرأ في القرآن: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127] وهذه هي القراءة المشهورة: وقرأ ابن عباس: وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ [الأعراف:127] وإله وآلهة مما يعبد، فالله عز وجل هو المستحق للعبادة ليس إلا هو، وبعث الأنبياء لإثبات العبادة لله، فتوحيد الأنبياء الذي اجتمعوا عليه، هو توحيد الألوهية؛ لأن الأمم أخفقت في توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، والربوبية بعضهم أو جملتهم يقرون به.

    1.   

    أمور تتعلق بالهداية

    قوله صلى الله عليه وسلم: (اهدني).

    الهداية عامة وخاصة

    أولاً: الهداية عامة وخاصة.

    فأما الهداية العامة فهي هداية الخلق للخليقة: أن يهدي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كل مخلوق لما يريده ويحتاجه، فهدى الطفل لثدي أمه، والنملة إلى جحرها، والنحلة إلى خليتها، والطائر أن يأخذ رزقه، والثعبان أن يعيش، والسمك ألا يخرج من الماء، وهدى كل شيء، ولذلك احتج موسى ودمغ فرعون بهذه الكلمة: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:49-50] قال الزمخشري: لله دره من جواب. إذ لم يأت له بكلام مشترك، إذ لو قال: ربي عليم، لقال فرعون: وأنا عليم؛ لأن صفة العلم صفة مشتركة بين الخالق والمخلوق، والله أعظم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    لكن قال: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] فهذه هداية عامة للخليقة، حتى تجد الكافر، يهتدي للأكل والنوم، ويهتدي لرفع الثدي لطفله، وهذا أمر مشترك.

    والهداية الخاصة: هداية المؤمنين، وهي الهداية إلى الصراط المستقيم: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] الذي من معالمه: أنه موصل وقريب ومتعين ومسلوك، وله إمام وهو الذي نطالب الله بلهفة وحرارة في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم.

    لماذا يطلب الرسول الهداية ؟

    والهداية يطلبها عليه الصلاة والسلام وهذا فيه إشكال عند أهل العلم، قال بعضهم: لماذا يقول عليه الصلاة والسلام: اللهم اهدني، وقد هداه الله بل هدى به:

    إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا     كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا

    بل هو مهدي عليه الصلاة والسلام وهو الذي هدى الله به القلوب، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] فلماذا يقول: اللهم اهدني؟ أما اهتديت أما وصلت المنـزلة العلية؟!

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وإنما يطلب عليه الصلاة والسلام الهداية؛ لأن الهداية منازل ودرجات وأعلاها وآخرها: منـزلة الوسيلة، التي يطمع صلى الله عليه وسلم أن يبلغها وسوف يبلغها بإذن الله، ولذلك نقول نحن بعد الأذان: {اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد}. فآخر ما يصل إليه هو هذه الدرجة، فهو يتمناها في كل لحظة.

    وجواب ثان: أن العبد يزداد هداية كل يوم، فالرسول عليه الصلاة والسلام يطلب من الله أن يزيده هداية، فالهداية تتجزأ وهي درجات.

    وجواب ثالث: أن طرق الهداية كثيرة كعدد الأنفاس، وإذا لم يهدك الله عز وجل في كل لحظة وحركة وسكنة؛ لا تهتدي، فيطلب عليه الصلاة والسلام من ربه أن يهديه وأن يزيده هداية.

    الهداية المجملة والهداية المفصلة

    وهناك هدايتان، الهداية المجملة: أن يهتدي الإنسان للإسلام وأركان الإسلام والإيمان، فهذا مهتد في الجملة، مثل الأعراب والمقصرين من المؤمنين والأميين الذين لا يعلمون إلا مجمل الإسلام.

    والهداية المفصلة: هداية أولياء الله؛ الفقهاء في دينه، الذين يعلمون الحكم بدليله، ويعلمون جزئيات الدين، ويكتشفون أسرار الدين، فهذه هداية مفصلة.

    ومثلها كرجل رأى بيتاً فعرف البيت من خارجه، أبواب البيت ونوافذه ومخارجه ومداخله، فيقولون في هذا: هذا عرف البيت معرفة مجملة، أما المعرفة المفصلة فكأن تعرف طول البيت وعرضه وسمكه وارتفاعه، ومادته ومداخله الخارجية، وأبوابه الداخلية ودواليبه، فهذه هي الهداية المفصلة، فالدين مثل ذلك.

    الكتاب والسنة طريق الهداية

    وأما قوله: ما هي طرق الهداية؟

    فليس للعبد في طرق الهداية إلا الآيات الشرعية التي أتت على يد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والهداية بالآيات الكونية؛ والآيات الكونية وحدها لا تكفي وقد عرف الكفار أن هناك رباً مدبراً خالقاً: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه [لقمان:25] وهذا لا يكفيهم حتى أتت الرسل فأخبرتهم أن هناك إلهاً محاسباً قديراً حكيماً رحيماً فهدوهم.

    ولذلك تساءل أبو المعالي الجويني صاحب علم الكلام وهو شافعي: ما هو أول واجب على المكلف؟ قال -وهذا في فتح الباري ينقله ابن حجر الجهبذ الحافظ- قال: أول واجب على المكلف النظر والاستدلال، أن ينظر في الكون وأن يقرأ معالم الوحدانية

    وكتابي الفضاء أقرأ فيه     صوراً ما قرأتها في كتابي

    وهي قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز معلقاً على كلام هذا الرجل: لا. بل أول واجب على المكلف أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو الصحيح عند أهل السنة، لا النظر أو الاستدلال، لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم} فأول واجب: أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    السابع: لا يهتدي العبد إلا على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلا يهتدي على يد المناطقة أو علماء الكلام أو الفلاسفة أو الأطباء أو مشايخ الصوفية ولكن: يهتدي عن طريق الرسل، وخاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، وهداية لا يأتي عليها خاتم المدنية وشارة محمد صلى الله عليه وسلم وعلم أبي القاسم؛ فلا حياها الله ولا بياها، ونسبوا للأستاذ الشهرستاني، صاحب كتاب الفرق أنه تحير في آخر حياته، وقيل: هذا للبغدادي، وقيل لـابن الخطيب، الذي يهمنا أن أحد الثلاثة قال هذه الأبيات، لما حضرته الوفاة تحير؛ لأن علمه منطق وفلسفة، ليس فيه (قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم) فقال وهو نادم حائر:

    لعمري لقد طفت المعالم كلها     وقلبت نفسي بين تلك المعالم

    فلم أر إلا واضعاً كف حائر     على ذقن أو قارعاً سن نادم

    وقد رددت عليه ببيتين، والشهرستاني يسمى عند علماء الكلام الأستاذ، وكان مشهوراً، فكان إذا دخل خراسان يستقبلونه على مرحلتين، قلت:

    لعلك يا أستاذ زرت أحمدا     رسول الهدى المبعوث من خير هاشم

    فوالله لو زرته الدهر مرة     لما كنت نهباً للقصور القشاعم

    واجتمع البطائحية بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقالوا: تعال نعلمك من علومنا، قال: لا. علم لا يخرج من كيس محمد صلى الله عليه وسلم لا أريده.

    فالمناهج كلها ضالة إلا منهجه عليه الصلاة والسلام، والشرائع كلها منسوخة إلا شريعته عليه الصلاة والسلام:

    ألم تر أن الله أعطاك سـورة     ترى كل ملك دونها يتذبذب

    فإنك شمس والملوك كواكب     إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

    فهو الحاشر وهو العاقب وهو الذي نسخ الله به الشرائع، وهو المهتدي والهادي وهو الحجة:

    في كفك الشهم من حبل الهدى طرف     على الصراط وفي أرواحنا طرف

    فكن شهيداً على بيع النفوس فما     تحوي الضمائر منا فوق ما نصف

    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا     إياك نعبد من سلسالها رشفوا

    وأما قوله: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:13] فليس فيه حجة للجبرية الذين قالوا: العبد مجبور، يقولون لأحدهم: لماذا لا تهتدي؟ قال: لو شاء الله أن يهديني لاهتديت، وقال المشركون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] قال: فاحتجوا بحجة هي عليهم فقال الله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام:149] وقال أحد الزنادقة -عليه غضب الله- لما قالوا: إبليس لم يسجد، قال: من إبليس؟! من الذي أغوى إبليس؟! من هو شيطان إبليس؟!

    يقول: إذا كان غوى إبليس فمن هو شيطانه. وقال زنديق آخر:

    وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى     بي الحال حتى صار إبليس من جندي

    يقول: كنت تلميذاً عنده فأغواني، حتى صرت أكثر منه فأصبح من جندي، وقال زنديق ثالث:

    نصب اللحم للبزاة      على ذروتي عدن

    ثم لاموا صبابتي      في فتون من افتتن

    لو أرادوا صيانتي حجبوا وجهك الحسن

    يقول: كيف يخلق الله وجهاً حسناً ويأمرنا ألا ننظر إليه؟! فإذا نظرنا وافتتنا؛ لامنا.

    فهو يعترض على الله، وقال ابن الراوندي وعنده كسرة خبز يأكلها وكان فقيراً فيلسوفاً ملحداً، ألف كتاب الدامغ على القرآن وقد وقف على النهر فمر مولى عنده خيول وجمال وبقر، قال: لمن هذه الخيول والجمال والبقر؟ قالوا: لفلان العبد، فالتفت إلى السماء، وقال: أنا فيلسوف الدنيا تعطيني كسرة خبز، والعبد هذا تعطيه هذه الخيل والبقر والغنم ثم رمى بالكسرة في النهر، فكان أهل السنة يترجمون له فيقولون: الكلب المعفر، الذي اعترض على قدرة الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وقال زنديق رابع:

    أيا رب تخلق أغصان رند     وألحاظ حور وكثبان رمل

    وتنهى عبادك أن يعشقوا     أيا حكم العدل ذا حكم عدل

    قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام:149] أما الرد على هؤلاء، فيقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:13] فلو شاء الله أن يهتدي من في الأرض؛ لهداهم جميعاً بكلمة كن، ولكن بيَّن طريق الخير، وبيَّن طريق الشر، ولم يجبر أحداً على الضلالة وقال: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3] وقال: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] وبين طريق الجنة وطريق النار، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، ونصب الصراط على النار، وخلق جنة وناراً، وخلق حواساً للعبد، ثم تركه لينظر ماذا يرى، وإلا ففي علمه سبحانه أنه يعلم من يضل ومن يهتدي.

    الثاني: نرد عليهم بمنطوق الواقع، فنقول: أنت لا تقبل من زوجتك أو غلامك إذا احتجوا عليك بالقضاء والقدر، فلو قام ابنك وضربك على وجهك كفاً، فقلت له: لمَ ضربتني؟

    قال: قدر الله أن أضربك، لما قبلت قوله، ولذلك رد عمر على السارق لما سرق، قال: [[لمَ سرقت؟ قال: قدر الله علي أن أسرق، فقطع يده عمر فقال: لمَ قطعت يدي؟ قال: قدر الله علي أن أقطع يدك]].

    وهذه هي الحجة البالغة: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام:149].

    حقيقة الهداية في الجنة

    وأما قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن المؤمنين لما سكنوا مساكن الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43] فقال عامة المفسرين: الحمد الذي هدانا لطريق الجنة بالعمل الصالح فاهتدينا، وقال غيرهم: الحمد لله الذي هدانا منازلنا فعرفناها في الجنة، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {للمؤمن في الجنة أدل بمنـزله منه في الدنيا} فيدخل المؤمن في الجنة فيعرف منـزله، تلك المنازل:

    فحي على جنات عدن فإنها     منازلك الأولى وفيها المخيم

    ولكننا سبي العدو فهل ترى     نعود إلى أوطاننا ونسلم

    أما والذي شق القلوب وأوجد الـ     ـمحبة فيها حيث لا تتصرم

    وحملها جهد المحب وإنه     ليضعف عن حمل القميص ويألم

    لأنتم على بعد الديار وقربها     أحبتنا إن غبتم أو حضرتم

    قال: فالمؤمن يهتدي إلى منـزله، كيف يهتدي؟ لأن الجنة واسعة عرضها السماوات والأرض، ومنـزلك قد يكون في أقصاها، وأقل من يسكن الجنة له عشرة أمثال الدنيا، فيهتدي إلى منـزله دون أن يعرف أو يدل، وذلك بهداية الله سبحانه، والصحيح أن: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف:43] أي: للعمل الذي أدخلنا الجنة، فإن الجنة تدخل برحمة الله وتنـزل بالأعمال، ولذلك قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] فظاهر الآية أنه يدخل الجنة بالعمل، بينما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام لما قال: {لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته} قال ابن القيم: والجواب بين الآية والحديث أن الدخول في الجنة لا يكون إلا برحمة الله، ولا يدخل أحد بعمله، وأما النـزول في المنازل والدرجات فبالأعمال، وهذا هو الصحيح المعتبر.

    1.   

    وقفة مع معاني: العفو والعافية

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (وعافني في من عافيت) فإن هناك نعيماً في الدنيا ونعيماً في الآخرة، فنعيم الدنيا عافية، ونعيم الآخرة عفو، فلا يتم نعيم الآخرة إلا أن يعفو الله عن ذنوبك، ولا يتم نعيم الدنيا إلا بأن يعافيك الله في جسدك.

    قالوا لأحد الأطباء: ما هي السعادة؟ قال: أن تعافى، وقالوا لأحد الحكماء: ما هي السعادة؟ قال: عافية في الدنيا وعفو في الآخرة، وعند أحمد في المسند أن العباس قال: (يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو الله به، قال: قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية) وقال له مرة: (يا عم! سل الله العفو والعافية) فما أوتي العبد بعد العفو خيراً من العافية في الأبدان، فالمريض لا قرار له، ولا صحة ولا عافية له، ملكوا الدنانير والقصور فمرضوا فما وجدوا لها حلاوة، فالمريض لا نعيم له.

    كان الجاحظ الكاتب الشهير، والبلاغي النحرير، المعتزلي مريضاً وعنده الدنانير التي أعطاه الخلفاء، فيدخل عليه الزوار بأكياس الذهب والفضة، ويقولون: خذ من الخليفة، فيتقلب ويبكي ويقول:

    أترجو أن تكون وأنت شيخ     كما قد كنت في عصر الشباب

    لقد كذبتك نفسك ليس ثوب     جديد كالبلي من الثياب

    يقول: ماذا أريد بها وأنا في هذا المستوى وفي هذا المرض، وكان أحد أدباء خراسان، يطلب المال في العشرين والثلاثين والأربعين من عمره، فما وجد درهماً واحداً، وكان فقيراً، فلما بلغ الثمانين استدعاه الخليفة وولاه الكتابة وأعطاه راتباً، وجارية له، فبقي يبكي في الليل فقال له أبناؤه: مالك تبكي؟ فنظم قصيدة قال:

    ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا     ملكته بعد أن جاوزت سبعينا

    تطوف بي من بنات الترك أغزلة     مثل الضباء على كثبان يبرينا

    يحيين بالحب ميتاً لا حراك به     وهن يقتلن بالتسعين تسعينا

    قالوا أنينك طول الليل يزعجنا     فما الذي تشتكي قلت الثمانينا

    الفرق بين المغفرة والعفو

    قال صلى الله عليه وسلم: {العفو والعافية} العافية في البدن، والعفو في الآخرة.

    أيها الإخوة: الفرق بين المغفرة والعفو أن المغفرة أخص والعفو أعم، وذلك كقول الإنسان للطالب: غفرت لك، فمعناها: أنك سامحته من العقاب، ولكنك قد تكون عاتباً عليه، وإذا قلت: عفوت عنك، فمعناه: أنك غفرت له العقاب ولم تعتب عليه، وهذا هو الصحيح، قالوا: عفا الملك، يعني: لم يعاتب ولم يعاقب، وقالوا: غفر أي: لم يعاقب وربما عاتب.

    منـزلة العفو

    وأما قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] فهي ثلاث منازل للأولياء.

    المنـزلة الأولى: منـزلة الكظم: أن تكظم غيظك عن الناس لكنك قد تحمل في قلبك عليهم غلاً وحسداً وحقداً، وهذه منـزلة لا بأس بها.

    المنـزلة الثانية: منـزلة أن تعفو عنهم، فلا تعاتبهم ولا تؤذيهم، وهذه منـزلة ثانية أحسن.

    والمنـزلة الثالثة: والله يحب المحسنين، أن تعفو عنهم ولا تؤذيهم ولا تحمل عليهم، وتنفعهم وتهدي لهم.

    وقف خادم على رأس هارون الرشيد ومعه إبريق يصب منه ماءً حاراً، فسقط الإبريق من الخادم على رأس هارون الرشيد، وهو ماء حار كاد أن يذهب صفحة وجهه، فالتفت مغضباً وحوله الأمراء والوزراء والجيش، فقال الخادم وكان ذكياً: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران:134] قال: قد كظمت، قال: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] قال: عفوت عنك، قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] قال: أعتقتك لوجه الله، ذكر ذلك صاحب البداية وصاحب العقد الفريد.

    تفسير قوله تعالى: (عفا الله عنك)

    وأما قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة:43] فهو رفع العتب، فالرسول صلى الله عليه وسلم اعتذر المنافقون عنده فصدقهم عليه الصلاة والسلام وقَبِل ظاهرهم، فقال الله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [التوبة:43] قالوا: رفع للعتب، يعني: لا نعتب عليك:

    إن جرى بيننا وبينك عتبٌ     وتولتْ بنا عليك قصار

    فالدموع التي عرفت كثار     والدموع التي صحبت غزار

    فالمعنى: عفا الله عنك لا نعاتبك، أما العقاب، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعيد منه؛ لأن الله يقول: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:2] إنما لا نعاتبك، لأنه ورد: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1] وهذا عتاب، وأما في المنافقين فقال: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [التوبة:43] قال أهل التفسير: والملحة في الجملة -يعني: الطريف في الجملة- أنه قدم العفو قبل أن يتكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان أحد القراء يقرأ ويبكي فيقول: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [التوبة:43] ثم يقف، ثم يقول: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة:43] ولو نزل جبريل فقال للرسول صلى الله عليه وسلم: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة:43] لخاف الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قال: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [التوبة:43] فما يأتي بعدها سهل، فقال: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة:43] هذا هو الوجه البلاغي والملحة في الجملة.

    وأما قوله: {اللهم إني أسألك العفو والعافية} فإنه من أفضل الدعاء، وهو من جوامع الدعاء، وهناك دعاءان اثنان أوصي نفسي وإياكم بهما، الأول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] والثاني: {اللهم إني أسألك العفو والعافية} فهما يجمعان المحاسن.

    1.   

    أقسام الولاية

    وأما قوله: (وتولني في من توليت) فإن الولاية ولايتان: ولاية عامة، وولاية خاصة، فولايته العامة هي لعامة المؤمنين، بما فيهم الظالمين لأنفسهم: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

    وأما الولاية الخاصة فهي: ولاية لأحبابه وأوليائه أهل الليل والتهجد والدعوة والبذل والعطاء، وأهل الغيرة على محارم الله، ونصرة طلبة العلم ونصرة العلماء، والكتاب والسنة، فهؤلاء لهم ولاية خاصة.

    الولي عند الصوفية

    والولاية ما هي؟ صفة الولي عند الصوفية: هي من صافى فصوفي، وكافى فكوفي.

    وقال غيرهم: الولي من يلبس العباء ويجلس في الخفاء.

    وقال غيرهم: الولي من تراه بين الناس كأنه دعي، وتراه بين الأدعياء وكأنه ولي.

    وهذه خزعبلات لا تجدي، والتعريف الصحيح هو قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] وقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة:55-56].

    كيف تعرف ولي الله

    وكيف يعرف الولي؟

    قالوا: بإقامته للفرائض وتزوده من النوافل، وباجتنابه الكبائر والصغائر، والصحيح أن هذا فيه نظر، وأن الأولياء على قسمين -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -: مقتصد، وسابق بالخيرات.

    فالسابق بالخيرات من يأتي بالفرائض والنوافل ويجتنب الكبائر والصغائر، وهذا في حديث البخاري الذي رواه أبو هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه} فانظر كيف قسمهم إلى قسمين؟!

    وأما المقتصد: فمن يأتي بالفرائض وربما ترك المستحبات، ومن يترك الكبائر وربما وقع في الصغائر، فهذان قسمان في الأولياء.

    ولاية الله تنال بالعبودية لله

    وولاية الله لا تنال إلا بالعبودية، قال ابن القيم في مدارج السالكين: من أراد السعادة الأبدية فليلازم عتبة العبودية، ولا تنال الولاية إلا بطاعة الله.

    والأولياء ليس لهم أنساب، بل نسبهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وسببهم: آية: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وبيوتهم: المساجد، وعصيهم التي يتوكئون بها ويهشون بها على أغنامهم: لا حول ولا قوة إلا بالله، وترسهم الذي يحاربون به في المعارك: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأحذيتهم: الصبر، وزادهم: الفقر، وإمامهم: محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا قال: الله أكبر، قالوا: الله أكبر، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، قالوا: ربنا لك الحمد، وأصحابهم وأصدقاؤهم سلمان وأبو عبيدة وعمار ومصعب، قال: {دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها}.

    فهؤلاء أولياء الله عز وجل، اسمهم: أهل السنة، قيل لأحد السلف: من هم أهل السنة؟ قال: الذين ليس لهم اسم إلا أهل السنة، قال مالك: السنة سفينة نوح، من ركب فيها سلم، ومن تخلف عنها غرق أو هلك.

    1.   

    مسائل تتعلق بقوله: وبارك لي فيما أعطيت

    أما قوله صلى الله عليه وسلم: (وبارك لنا فيما أعطيت) فبارك من مادة برك، يعني: كثر، تقول: تبارك الماء يعني: كثر.

    معنى تبارك الله

    ويقال لله عز وجل بدون تعدية للفعل: تبارك الله، تبارك الله رب العالمين، يعني: تنـزه عن النقائص والعيوب، وقال: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] تنزه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    والبركة تدخل في الشيء فتجعل القليل كثيراً، والبركة تدخل الجسم فتجعل الضعيف قوياً، وتجعل الذليل عزيزاً، وتجعل البعيد قريباً، والبركة مادة إكسير الحياة، وهي مثل الحب، إذا وضعت في شيء نما وزاد بإذن الله وهي بركة من الله، والبركة إذا نزعت من الشيء لا ينفع كثيره فيصبح خبيثاً، ولا ينفع قويه فيصبح ضعيفاً، ولا ينفع قريبه فيصبح بعيداً، وتتقطع به الحبال.

    فالبركة من الواحد الأحد، ينـزل الغيث بلا بركة فيسيل ماءً لا ينتفع به، وتنـزل البركة في الماء القليل فيصبح مدراراً غزيراً وينتفع به.

    الهداية أعظم عطاء من الله

    فيقول: {وبارك لي فيما أعطيت} والعطاء من الله: عطاء معنوي، وعطاء حسي، وأعظمها عطاءً: الهداية، وعطاء الابن والزوجة، وعطاء المسكن واللباس.

    قال: {وبارك لي فيما أعطيت} فإذا لم يبارك الله عز وجل؛ لا ينفع مال ولا ولد ولا زوجة ولا مسكن، وإذا نزعت البركة أصبح العبد مطروداً عن باب الواحد الأحد، فعلى العبد أن يطلب من الله البركة، ولا يطلب الكثرة بلا بركة، فإنها لا تنفع ولا تجدي، فقد كان كثير من الفجرة والطغاة والخونة على مر التاريخ ولا زالوا؛ يملكون القصور، والدور والملايين والسيارات، ويلعبون بالشيكات، ومع ذلك نزع الله البركة من أموالهم، فما استفادوا منها لا في دنيا ولا آخرة، ولا رفعوا بها معلماً، ولا حاربوا بها أعداء الله، ولا نصروا بها الدين، ولا أنفقوها في سبل الخير، إنما أنفقوها في أغنية ماجنة، أو مطاردة صيد، أو لهو ولعب، أو خمر وسهر، فهذا من نزع البركة -والعياذ بالله- وربما تحمل أنت درهماً واحداً أو ريالاً واحداً، أجدى عند الله ممن يحمل الليلة مليوناً؛ لأنها نزعت منها البركة.

    1.   

    تقدير الله للخير والشر

    وأما قوله: (وقني شر ما قضيت) فالله عز وجل هو الذي كتب الخير والشر، والمانوية قالت: إله الخير النهار، وإله الشر الليل، والمانوية فرقة شمالية شرقية، كانت تسكن فيما يقارب وراء نهر سيحون وجيحون من حدود الصين إلى قرب الاتحاد السوفيتي.

    وهذه الفرقة ضالة كافرة، تعبد الليل والنهار، فالنهار والنور عندهم إله الخير، والظلمة إله الشر، فرد الله عليهم في أول سورة الأنعام فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] تقول المانوية: من قاتل في الليل لا ينتصر، وتوصي ملوكها: ألا تقاتل في الليل، وسيف الدولة الحمداني كان والياً في الشمال، قاتل في الليل فغلب الروم أربع عشرة مرة في الليل، فحياه المتنبي -شاعره- وقال:

    فكم لظلام الليل عندك من يد     يحدث أن المانوية تكذب

    يقول: كم أهدى لك الليل من نصر، وهذا يكذب ما تقول المانوية، فهي تقول: لا تنتصر، وأنت انتصرت أربع عشرة مرة.

    فرد الله عليهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى بأنه خلق الليل والنهار والظلمة والنور، والسماوات والأرض.

    حكم نسبة الشر إلى الله

    فهل ننسب الشر إلى الله! في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: {والخير بيديك، والشرك ليس إليك} وما أحسن هذا الكلام! الخير بيديك وكلتا يديه يمين سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهي ملأى سحاء في الليل والنهار لا يغيضها منذ خلق السماوات والأرض، قال صلى الله عليه وسلم: {أرأيتم ما أنفق الله منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض} وفي بعض الروايات: {إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر}.

    قال: {والشر ليس إليك} فالذي قدر الشر والخير هو الله، لكن لا ينسب الشر إلى الله؛ لأنه من تقديره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالنسبة إليه خير محض، فهو لا يكتب الشر، لكن قد يكون شراً بالنسبة للعبد، ولذلك انظر إلى تأدب الجن، لما أرادوا أن ينسبوا الشر قالوا: (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجـن:10] فما أحسن المبني للمجهول! قال أحد البلاغيين: لله دركم! حتى أنتم تدركون اللغة العربية.

    وقال سيد قطب في الظلال عند قوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً [الجـن:1]: عجباً! حتى الجن يتذوقون القرآن، حتى أنتم تعيشون مع هذه الأسرار البلاغية، ولذلك قال: قالت الجن لما جلسوا في المناصب والمقاعد يستمعون وينظرون إلى الشهب وهي تحرق المردة، قالوا: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجـن:10] تغير الكون، كنا نستمع الكلام فاحترقنا الآن، ولا ندري ما حدث في الكون، قال ابن عباس: اجتمع الجن في نصيبين، فقال شيخهم: انتشروا في الأرض فقد وقع الليلة شيء في الأرض، ما هو الذي وقع؟ هل هو اكتشاف القنبلة الذرية؟ أو بركان أو نزول أبولو على سطح القمر؟ أو انشقاق البحر؟ لا: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ [النبأ:1-2] إنه رجل أمي خرج من الصفا في مكة يقود البشرية إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

    فقالوا: أُريد، وهي من أجمل ما أتى! قال: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن:10] فهنا أتى بالفاعل وهناك جعل الفعل مبنياً للمجهول وحذف الفاعل.

    وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79] فقال: خلقني الله، ورزقني الله، ويطعمني الله، ويهديني الله، ويسقيني الله، قال: (وإذا مرضت) فالذي يمرض هو الله، ولكن ما قال: والذي أمرضني، فاستحيا من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80] قالوا: عليك السلام أيها الخليل كيف تأدبت بأدب الخلة!

    كذلك يقول أيوب عليه والسلام: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] ولم يقل مسستني بضر، ولم يقل: أنا مريض أو أمرضتني، بل قال: مسني الضر، ويقول: لا أدري من أين جاء هذا الضر -في ظاهر الخطاب- مع العلم أنه يدري أنه لا يمسه إلا الله عز وجل، وهذا من باب التأدب.

    الحكمة من تقدير الشر

    فقال: {وقني شر ما قضيت} قال أهل العلم من أهل السنة: قد يكون القضاء في حق العبد شر بالنسبة إليه، وأما بالنسبة لقضاء الله المطلق سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولقضائه الشرعي الأمري فهو خير كله، فتبارك الله رب العالمين.

    حتى يتساءل بعض الزنادقة، يقول: ما الفائدة من خلق الذباب والبعوض؟ وما الفائدة من خلق الشوك والطلح الذي لا ثمر فيه؟ وما الفائدة من خلق البحار المالحة، التي مثل بحيرة طبرية؟

    وأبو جعفر قال له طبيب وكان زنديقاً: إذا دخل عليك أحد العلماء، فحاول أن تبكته، وقل له: لماذا خلق الله الذباب؟

    فدخل ابن السماك الواعظ -واعظ المسلمين- على الخليفة، فجلس وجلس العلماء حول أبي جعفر، فساق الله ذباباً من الكبار، فوقع على أنف أبي جعفر المنصور، فوقع على أنف الخليفة وأحرجه أمام الناس، فقال بالذباب هكذا فطار، ثم رجع إلى قواعده سالماً على أنف أبي جعفر.

    وأبو جعفر هذا يذبح الملوك كذبح الشياه، قد ذبح أعمامه الأربعة، وذبح أبا مسلم الخراساني، وذبح هرثمة بن أعين، وكان يتصيدهم كصيد الغزلان، داهية من دهاة الدنيا، ومن النادر أن تجد في التاريخ مثله، فهو صنديد من أبناء ابن عباس، حكم الدنيا، وهو الذي بنى مدينة السلام وكان عالماً جهبذاً، يرتجل الخطبة، ولا يفكر في الموضوع إلا إذا جلس على المنبر.

    فأتى الذباب وأحرجه أمام الناس، فأخذ يضرب بيده اليسرى مرة وباليمنى مرة، فقال: يا بن السماك! لماذا خلق الله الذباب؟ قال ابن السماك: ليذل به أنوف الطغاة.

    وهذا من أحسن ما قيل! فلله الحكمة البالغة، وقد يكون من أسرار خلق الذباب أن يذل الله به أنوف الطغاة، فإن بعضهم تجده لا يستطيع أن ينظر إلى البشر، وكأنه من طينة أخرى، لا يلتفت إلى الناس ولا يتكلم معهم، وإذا جلس في المهرجان أو العرض العسكري، أتى الذباب وجلس على أنفه، يعني ضاقت الدنيا إلا على هذه القواعد والمطارات الجاهزة.

    1.   

    بيان معنى قوله: (إنك تقضي ولا يقضى عليك)

    قوله: (إنك تقضي ولا يقضى عليك) يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41] اسمع اللطافه، يقول: إذا حكم سُبحَانَهُ وَتَعَالى لا معقب لحكمه، لأن أهل الدول والنظم، يبقى التوقيع الأخير لأكبر مركز في الدولة، فإذا وقع عليه لا يجوز لأحد أن يوقع بعده، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41] يقول: فإذا وقع على قضية وأنهاها، فلا يأتي أحد من البشر سواء من الملوك أو الجبابرة، ولا من الأكاسرة والقياصرة، يوقع عليه بعده، وإن وقع عليه فالنار مثواه: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41].

    ولذلك سمى ابن القيم كتابه: إعلام الموقعين، ومعناها: الموقعين عن رب العالمين، فلا يوقع عن الله في الأرض إلا العلماء: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] فهم يوقعون عن الله الفتاوى، ولذلك فتيا أهل العلم توقيع عن الله.

    وقوله: (إنك تقضي ولا يقضى عليك) فلا يقضي على الله أحد: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] والناس لا يدرون! تجد الإنسان يسرح ويمرح وقضى الله عليه أن يموت بعد لحظة! تجده في سلطان وقضى الله عليه أن يُخلع بعد وقت، فلا يدري.

    قال ابن القيم عند قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] يُغني فقيراً ويجبر كسيراً، ويعافي مبتلى، ويشافي مريضاً، ويرد غائباً، ويميت حياً، ويخلع ويعزل هذا، ويولي ويملك هذا، ويغني هذا ويفقر هذا: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29].

    فالصحف تصعد وتنـزل، والملائكة تعمل، وسفراء الوحي واقفة، والسماء في أمر عجيب، والأرض في نبأ غريب، ومع ذلك لا يلهيه شأن عن شأن.

    أنا أمام الله فرد واحد، يدري بحياتي ومستقبلي ومعاشي من دقيقة وجليلة، وأنت وكل رجل منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة، ثم يخلقهم ويرزقهم ويعافيهم ويبتليهم ويحاسبهم، بل أعظم من ذلك:

    وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

    1.   

    حقيقة العزة

    وأما قوله: (إنه لا يذل من واليت) فيقول بعض العلماء: من انتسب إلى الله أعزه بلا عشيرة، ونصره بلا قوة، وأيده بلا تأييد أرضي، وهؤلاء يسمون: المنتسبون إلىالله، ويسمون: الربانيون، ويسمون: المحمديون، أو الأحمديون، أو المؤمنون أو أولياء الله.

    السلف والعزة

    وقال: {إنه لا يذل من واليت} فمن والى الله لا يذل أبداً، وقد تأتيه ضربات ومصائب لكن قالوا: لا يذل، وتأتيه كوارث قالوا: لا يذل وتأتيه حوادث، قالوا: لا يذل.

    قال أبو إسماعيل الهروي مؤلف منازل السائرين الذي يسمى شيخ الإسلام وشيخ خراسان قال: عرض عليه من الكرب ما لا يعلمه إلا الله، وأتت عليه من المشكلات ما تدلهم به الليالي السود، يقول: كنت إذا ضاقت الضوائق أضع خدي على التراب وأقول: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:6] فيكشف عني الله الغمة، قال وهو يتحدث عن نفسه: والله! لقد عرضت على ملك خراسان خمس مرات، يعرض علي السيف ويضع السيف بين أذني فأقول: يا كافي! فيكفيني الله.

    وخرج ابن تيمية من سجن الإسكندرية، فقالوا: الناس يريدون قتلك وتمزيقك، فنفخ في كفه وقال: والله كأنهم الذبان عندي:

    رمى بك الله جنبيها فحطمها     ولو رمى بك غير الله لم يصب

    تدبير معتصم بالله منتقم      لله مرتقب في الله مرتغب

    فهذا يقول: إنه لا يذل من واليت.

    أعداء الله لا يجدون العزة أبداً

    وقوله: {ولا يعز من عاديت}:

    أما من عادى الله فلا يعز أبداً، تقول لي: أناس يعادون الله مع أننا نراهم في عزة، ونراهم في صولة وصولجان وأبهة، ونراهم في مظهر عظيم، دندنة وهمهمة ومع ذلك هم أعداء لله، قال الحسن البصري مجيباً على هذا السؤال، وقد مر به ابن هبيرة أحد الأمراء وقد لبس حريراً وعنده بغال وموكب، قال: [[والله! إن ذل المعصية في قلوبهم ولو هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، أبى الله إلا أن يذل من عصاه]].

    فالجواب: قال أهل السنة: هؤلاء الذين يظهرون بالعزة وهم أعداء لله أو عصاة لله في قلوبهم انكسار وخوف لا يعلمه إلا الله، فقلوبهم مكسورة من داخل، فيها حقارة وشناعة مستترة:

    من تداجي يا بن الحسين أداجي     أوجهاً تستحق ركلاً ولطما

    قصة عطاء مع سليمان بن عبد الملك

    فمعنى: {لا يعز من عاديت} أنه لا يجد العزة أبداً، فالعزة محصورة لله ولرسوله وللمؤمنين، وهذه العزة يجدها العبيد والموالي في أبسط صور الحياة.

    عطاء بن أبي رباح مفتي مكة، كان مولى مفلفلاً مهلهلاً أعتق من امرأة، فأتى سليمان بن عبد الملك يريد أن يستفتيه قال لـسليمان: انتظر مع الناس حتى يأتي دورك، فقال سليمان لأبنائه: تعلموا العلم واتقوا الله، فوالله! ما أذلني أحد من الناس إلا هذا العبد هذا اليوم.

    لماذا؟ {إنه لا يعز من عاديت} ولماذا؟ {إنه لا يذل من واليت} وهذا أمر معلوم بالفطر والأخبار والواقع والتاريخ: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62].

    قال وزاد: {وصلى الله على النبي عليه الصلاة والسلام} ونحن نصلي عليه دائماً، فالدعاء لا بد أن تطعمه بالصلاة عليه، وهذه رواية يضعفها بعض العلماء ولكن: المعنى صحيح، فالصلاة تقدم في أول الدعاء وفي أوسطه وآخره، صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال الحاكم وابن حبان: في رواية الحسن: {علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود} والمعنى: في آخر ركعة إذا رفعت من السجود وقلت: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، حمداً طيباً مباركاً فيه، أن ترفع يديك ثم تبدأ بهذا الدعاء العطر، وإذا كان معك أناس وأنت تدعو بهم، فقل: اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وهو من أجمل الدعاء! ولا يصوغه إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يستطيع لهذه الجوامع من الكلم إلا هو، فإنه غذي بهدي النبوة صلى الله عليه وسلم وشرب رحيقها، وعاش في حديقتها، وابتنى دارها، فهو يقول: {أوتيت جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصاراً} أما حديث: {أنا أفصح من نطق بالضاد} فلا يصح: {بيد أني من قريش} لا يصلح، بل هو أفصح من تكلم بالضاد عليه الصلاة والسلام وأفصح الناس جميعاً.

    وفي هذا تتجلى أسرار البلاغة والعمق في كلامه عليه الصلاة والسلام، فإنك إذا قارنت كلامه بكلام غيره، بان لك الخلل والبون الشاسع، فانظر كيف حوى سعادة الدنيا والآخرة في هذه الكلمات! فبدأ بالهداية، ثم الولاية، ثم الرعاية، ثم الكفاية، ثم أتى صلى الله عليه وسلم بالعافية، ثم ذكر الأبدان، ثم الأموال، ثم ذكر المستقبل في الآخرة، ثم أمر الدنيا، ثم ختم عليه الصلاة والسلام بالصلاة عليه ليرتفع الدعاء.

    1.   

    أصناف المهتدين

    أما قوله: (اللهم اهدني في من هديت) فإن الله هدى أربعة أصناف من الناس لا خامس لهم، والذي لا يسلك مسلكهم فليس من الهداية في شيء: الأنبياء، والشهداء، والصديقون والصالحون.

    أما الأنبياء والرسل فهم قادة العالم، وهم الذين يسيرون سفينة الحياة، ويوصلون الخلق بالخالق، وهم الذين يعلِّمون أسرار الوحي للبشرية، وهؤلاء انتهى أمرهم وخاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لك أن تقول: اللهم اجعلني من الأنبياء أو الرسل، فإن هذا من التعدي في الدعاء.

    وأما الصديقون: فهم أناس كدرجة أبي بكر الصديق، أصبحت أنفاسهم لله، ودموعهم ودماؤهم وأموالهم لله، فليلهم ونهارهم لله، فهم لله، فبه يسمعون، وبه يبصرون، وبه يبطشون فهم كلهم: حركاتهم وسكناتهم لله:

    يطالب بالأوراد من كان غافلاً     فكيف بشهم كل أيامه ورد

    إن كان سركم ما قال حاسدنا     فما لجرح إذا أرضاكم ألم

    وقال آخر:

    متيم بالندى لو قال قائله     هب لي فديت كرى عينيك لم ينم

    وقال آخر في معالي الدنيا فكيف بمعالي الآخرة:

    أتاني المعالي وهو ضيف أحبه     فأطعمته لحمي وأسقيته دمي

    وهذا من الأولياء كما فعل أبو بكر الصديق، فإنه أطعم الإسلام لحمه، وسقى الإسلام دمه، وكان في كل لحظة مع الإسلام فالإسلام أبو بكر وأبو بكر هو الإسلام، فأصبح صديقاً، رجف جبل أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فقال: (اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد) فكان النبي هو صلى الله عليه وسلم، والصديق أبو بكر، والشهيد عمر وعثمان.

    وأما الشهداء فأناس أتوا إلى الله عز وجل بأرواحهم في أكفهم، فباعوها في سوق الربح، بأغلى الأثمان، فعوضهم الله الجنة، وجازاهم أنه يكلمهم كل جمعة في الجنة، وهم يجلسون إما على منابر من نور أو على كثبان المسك، فيخاطبهم مباشرة ويتعرض لأيامهم في الدنيا، فيذكرهم بأيامهم وأزواجهم وأبنائهم في الدنيا كل يوم جمعة، وهو يوم المزيد.

    وأما الصالحون فهم: المصلون، الصائمون، العاكفون على طاعة الواحد الأحد، أولياء الله الذين يحبون دينه وأولياءه وينصرونه ويغضبون له، ويغتاظون على محارمه، ويحبون أن ينتشر الإسلام، وأن ترتفع كلمة الله، أما غيرهم فخاسرون.

    وانقسم الناس أمام الهداية في قوله: (اهدنا فيمن هديت) إلى أربعة أقسام:

    الأول: قوم فعلوا المأمور وتركوا المحذور وهم أولياء الله.

    الثاني: قوم فعلوا المأمور والمحذور وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

    الثالث: قوم تركوا المأمور والمحذور وهم الصابئة والمجوس.

    الرابع: قوم تركوا المأمور وفعلوا المحذور وهم الزنادقة والملاحدة.

    هذا في مسألة: (اهدنا في من هديت).

    1.   

    كيفية زيادة الهداية

    وأما مسيرة اهدنا في من هديت، فهي تبدأ من نوح عليه الصلاة والسلام، بل قال أهل العلم: من آدم عليه السلام.

    والله عز وجل وصف نفسه أنه على صراط مستقيم، فقال: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56] فهو الذي يهدي ومنه الهداية: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] ولتعلم أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم في أمور التشريع: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] ثم قال له: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] قال أهل العلم: أي: تدل وترشد وتنصح، تقول الجنة من هنا والنار من هنا، الصلاة والمسجد هنا، والمصحف هنا، مع العلم أنك لا تهدي، أي: لا توجه القلوب، فالذي يوجه القلوب هو الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وهو الذي يرشدها ويدلها.

    ومن اللطائف أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً يصعد في درجات الكمال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.

    فأنت لا تفكر باليوم، فربما تكون الليلة ناقص الإيمان، وربما يكون إيمانك مزعزعاً، ربما تكون عندك شهوات وشبهات، ولكن انتظر يوم تسقي شجرة قلبك بماء الطاعة، كيف تأتي أكلها كل حين بإذن ربها، وانتظر مستقبلك بعد عشر سنوات أو مثلها، فـأبو بكر لما أسلم لم يكن مثله لما مات، يوم أسلم كان يعرف مجمل الدين، فلما مات كان صديقاً من الصديقين الكبار، وهكذا يبدأ الإيمان يزرع، ويسقى بماء التوبة، وسماع الدروس وحضور المحاضرات وحب الصالحين، ويسقى بماء الغضب لله عز وجل والوقوف مع (لا إله إلا الله) بماء الانتصار لـإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] بماء الغضب على العصاة والفجرة والمردة والفسقة الذين يعادون لا إله إلا الله والعلماء والصالحين والدعاة، فهذه إذا سقيتها آتت أكلها كل حين.

    مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح:29] قالوا: زرعوا لا إله إلا الله؛ فأتت بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فلما أخرجت شطأها واستوت: آزرت بالنوافل وحب الصالحين، وبالدعوة، وبالفقة في الدين، فلما آزرتها بالثمار، آتت بحلاوة لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو الموت في سبيل الله، فلما أتت الحلاوة ذاقوها، قال صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً).

    واختلفوا بين الذوق والحلاوة، قالوا: الحلاوة تأتي بثلاث وهي في أصل الثمرة، يقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) وقال عند مسلم من حديث العباس: (ذاق طعم الإيمان) فاختلف أهل السنة من الشراح هل يذوق الحلى قبل أن يذوق الوجد أم لا، والصحيح أن الحلى آخر شيء، وأن من بلغ منـزلة: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) وعسى أن يكون هناك محاضرة لشرح هذا الحديث الضخم العجيب: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواها، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه من حديث أنس.

    فالمقصود هنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ غاية الولاية لله عز وجل، وغاية المنـزلة، وفي قوله طلب الهداية وأنه سيد المهتدين، رداً على طوائف: كطائفة الصوفية الغلاة، الذين قالوا: إن الولي أعظم من النبي، وكذبوا -لعنهم الله-.

    وبعض الناس قالوا: الأئمة معصومون وهم أفضل من الأنبياء -عليهم غضب الله- بل الأنبياء أفضل عباد الله، فقد اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم وجعلهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى قدوة وصفوة للناس.

    هذه من منازل الهداية ومن منازل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وتحتاج: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] إلى كلمة ومحاضرة وشرح عن هذه الكلمة المباركة وعن الصراط وعن المستقيم ومن هم سالكوه ومن هو إمامه، وهل هناك سبل أخرى؟ وما صفات هذه السبل؟ وكيف يتجنب العبد هذه السبل: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153].

    (اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) وزاد بعض العلماء: (اللهم لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أعطيت) إلى غيره من الدعاء، ولكن وقف الحديث الحسن إلى هذا المعنى الحسن، وهي جمل باهرة في معالم التوحيد، وعلى العبد إذا أراد أن يوتر في الليل أن يستفتح وتره بهذه الكلمات بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يزيد ما شاء الله له من الكلام الطيب العجيب، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا للحسن أن يحبوه، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يملك دنيا ولا ديناراً ولا درهماً، وليس عنده توزيع المناصب، ولكن عنده توزيع الهدايا:

    المصلحون أصابع جمعت يداً     هي أنت بل أنت اليد البيضاء

    أتته فاطمة ابنته، أمُّ هذا الرجل الصحابي الذي معنا - أم الحسن - أتته في ظلام الليل فقالت: (يا رسول الله! عندك سبي -والسبي الخدم والجواري من بعض المعارك- فأعطني خادماً يخدمني، فردها إلى البيت ثم زارها وزار علياً -والحديث في الترمذي - قال: ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ قالا: بلى. قال: إذا أتيتما مضجعكما -يعني في النوم- فسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبران أربعاً وثلاثين فذلكما خير لكما من خادم) فانظر كيف وجههم إلى الذكر.

    وجاءه العباس يسأله مالاً وعمه العباس هو جد الدولة العباسية، جد ستة وثلاثين خليفة، ملكوا ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، يريد مالاً، قال: (يا عم! ألا تريد أن أحبوك؟ قال: بلى، قال: قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية).

    وعند الترمذي أن أعرابياً أتى عنده جمل وعليه عيبة، يريد أن يملأه تمراً وزبيباً ودقيقاً، فقال: (يا رسول الله! أريد سفراً؟ فزودني) ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام الذي فتح الدنيا لأتباعه، وفتح القصور والذهب والفضة، مات وهو لم يشبع من كسرة خبز، وما شبع من طعام بر ثلاث ليالٍ متتابعات، تقول عائشة: (والذي أخذ رسوله عليه الصلاة والسلام، ما شبع صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متتابعة من خبز بر، وإنه كان يمر بنا الهلال والهلالان لا يوقد في بيته صلى الله عليه وسلم نار -يعني ما يجدون شيئاً يطبخونه- قالوا: فما طعامكم؟ قالت: الأسوادن: التمر والماء) ومع ذلك مات في هذه الحالة.

    فأتى هذا الأعرابي فقال: (أريد سفراً؟ فزودني، قال: زودك الله التقوى -فترك طلب الزاد لما سمع هذا الكلام- وقال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت) وهذه من أجمل ما قيل! ومن يستطيع أن يصوغ هذه العبارات، فلم يحضر لها صلى الله عليه وسلم ولا أعد، ولكن: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:4-5].

    أيها الإخوة: هذه محاضرة (اللهم اهدنا فيمن هديت) ونسأل الله عز وجل لنا ولكم الهداية والتوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    هل تتكرر هذه المخيمات؟

    السؤال: في العام الماضي حجزنا مع مخيمات السبعان، ووجدنا راحة عجيبة في هذه المخيمات، لما فيها من توجيه، وما فيها من ثقافة ووعي، وما فيها من علم نافع وفقه وصحبة للصالحين، فهل تتكرر هذه المخيمات في هذه السنة، والحج فيها للمنطقة الجنوبية؟

    الجواب: الذي أعلمه أنها سوف تتكرر هذه المخيمات، وقد وجهت دعوة لبعض الدعاء: ووافقوا على مصاحبة هذه الرحلة، ووافق الشيخ سعيد بن مسفر، وأكون كذلك معه، وكذلك -إن شاء الله- الشيخ أحمد القطان، في هذه القافلة ولا أدري هل بدءوا الآن بالالتقاء بالناس الذين يريدون الحج، أم لا؟ وسوف تكون قافلة -إن شاء الله- تتوجه من أبها إلى مكة، وسوف يكون هناك برنامج ثقافي ودروس ووعظ، وعسى الله عز وجل أن ينفع بها، فهي مخيمات للسبعان، موجود مقرها في أبها، بجانب مسجد النمصاء، مسجد الشيخ سعيد بن مسفر.

    كتاب في التربية النبوية

    السؤال: تفتقر المكتبة الإسلامية العربية اليوم إلى الاهتمام بالجانب التربوي المستمد من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما هو تعليقكم على هذا؟ وهل هناك كتب في الساحة توصي بها طلاب العلم وشباب الإيمان؟

    الجواب: نعم أيها الإخوة: إن جانب التربية النبوية لم يكن عندنا فيه ما يغطي ذلك النقص الكبير الذي عاشه المسلمون، وعاشه طلاب العلم في الجامعات والمدارس، ولكن -الحمد لله- الآن ورد خير كثير، وفضل عميم، ومن أحسن ما رأيت وطالعت، بحكم أنه طلب مني أن أنظر في هذا الكتاب وأقدمه، وكذلك قدمه فضيلة الشيخ عبد الرحيم الطحان، وبعض الدعاة. كتاب: دروس تربوية نبوية، وهذا لأحد الأساتذة الدعاة من مدينة أبها، وهو الأستاذ صالح أبو عراد الشهري مدرس في الكلية المتوسطة، كلية المعلمين، وكتابه قد نزل الآن في المكتبات، وسوف تجدون فيه تربية الرسول وهديه صلى الله عليه وسلم.. التربية النبوية ودروس تربوية نبوية، هديه صلى الله عليه وسلم في كل دقيقة وجليلة، وأظن في الكتاب ما يقارب عشرين درساً، وهي ممتعة كل المتعة، وتغني عن كتب هؤلاء التي ليس فيها تربية، بل فيها هدم للتربية وهدم للسلوك وللعقل؛ لأنها تخالف الوحي.

    فالحمد لله الذي جعل منا من يكتب في هذه الموضوعات، ويستلهم رشده من الكتاب والسنة، ويسد هذا الجانب.

    حقيقة إيليا أبو ماضي وقصيدة للشيخ عائض

    السؤال: ما رأيك في الشاعر إيليا أبو ماضي؟

    الجواب: هذا شاعر نصراني من المسيحيين اللبنانيين، وله الخمائل والجداول ثلاثة دواوين، وله ترب وترب، وهذا الشاعر نصراني -كما قلت- منحرف، وله قصائد تعارض لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفيها تهكم بالشرع، وهو صاحب:

    جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!

    ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!

    وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!!

    كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!!

    ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!

    وهو صاحب البيت السائر المشهور، وهو في شعره قوة يقول:

    أحبابنا ما أجمل الدنيا بكم     لا تقبح الدنيا وفيها أنتم

    ومطلع القصيدة:

    لم تشتكي وتقول إنك معدم     والأرض ملكك والسما والأنجم

    وله قصيدة أخرى قال:

    قلت ابتسم ولئن جرعت العلقما

    على كل حال أغنانا الله عنه وعن شعره بما آتانا من شعراء الإسلام، ومن شعراء الوحي، وبالمناسبة أنا أتلو عليكم قصيدة هنا حتى يختم وكان ابن عباس يرى أن يختم المجالس بمثل هذه الملح، وقال العراقي:

    واستحسنوا الإنشاد في الأواخر

    يعني في أواخر المجلس أن ينشد فيه شيء من الشعر، وهذه القصيدة عنوانها: (محمد في فؤاد الغار) وهو الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الكلام هذه الليلة والمنهج الرباني:

    محمد في فؤاد الغار يرتجف     في كفه الدهر والتاريخ والصحف

    مزمل في رداء الطهر قد صعدت     أنفاسه في ربوع الكون تأتلف

    من الصفا من سماء البيت جلله     نور من الله لا صوف ولا خزف

    والكفر يا ويحه غضبان من أسف     لم يبقه الحقد في الدنيا ولا الأسف

    ولا حمته سيوف كلها كذب     في صولة الحق والإيمان تنقصف

    أتى الرسول إلينا والربى جثث     مطمورة وعليها يضحك القرف

    والظالم المارد المعتوه محترم     جماجم الجيل في أسيافه نطف

    نجوع نأكل موتانا وسهرتنا     أكل الضياع وليل أحمر دنف

    جباهنا قبله تحنو إلى حجر     وحفنة من لفيف التمر نعتلف

    أعرابُ! ويحكم ماذا يقيمكم     قومية ليس في آنافها أنف

    على موائد كسرى كسرت همم     من العروبة واندكت لنا كتف

    فأشرقت بسمات الوحي وانقشعت     تيجان من قتلوا الأحرار واعتسفوا

    وحررت من بلاد الحق مهجته     وضل ما نسج الباغون واقترفوا

    وعاد أعظم قد لفت عمامته     على الشريعة يحويها ويلتحف

    أنا الجزيرة في عيني عباقرة     الفجر والفتح والرضوان والشرف

    أنا الجزيرة في أعماقها رقدت     أشلاء أحمد تحوي نورها الغرف

    أنا الجزيرة بيت الله قبلتها     وفي حمى عرفات دهرنا يقف

    جبريل يروي لنا الآيات في حلل     من القداسات والأملاك قد دلفوا

    من السماوات تهمي كل غادية     على ديار بنوها بالعلا شغف

    سكان دار العلا رواد كعبتها     حجاب وجه الحيا والحق قد عرفوا

    من الحثالات طهرنا مرابعها     هزت مدافعنا الباغين فانصرفوا

    وغسلت أدمع الأبرار تربتها     الدر يبقى ويفنى الطين والخزف

    الساكبون دماء الحق ما ظمئت     روح ومن دمنا الموار تغترف

    والساجدون ونجم الليل يشهد ما      أضعنا فيه كمن غنوا ومن عزفوا

    وقاتلت معنا الأملاك في أحد تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا

    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا      إياك نعبد من سلسالها رشفوا

    أكفانهم بدماء البذل قد صبغت     الله أكبر كم في ساحها هتفوا

    أملاك ربي بماء المزن قد غسلوا     جثمان حنظلة والروح تختطف

    وكلم الله من أوس شهيدهم     من غير ترجمة زيحت له السجف

    العرش يهتز من هول ومن حزن     لـسعد إذ سُفراء الوحي قد وقفوا

    وسدرة المنتهى غريدة بسمت     لأمة الضاد تهمي عندها التحف

    لا اللوح ينسى ولا التاريخ يغفل عن     مسيرة النور تروي مجدها السقف

    سل المجرة هل نامت على حلم     أحلى لها يوم أعلى نجمها السلف

    وسل سهيلاً مع الزهراء هل نظرت     أبهى من الثلة الأخيار يوم صفوا

    كل البرايا على أصنامها عكفت     وقومنا عند بيت الله قد عكفوا

    جبلة العدل نيطت في تمائمنا     إذا تظاهر دجال ومحترف

    وهالة النور شعت بين أضلعنا     وغيرنا عن سناء النور قد ضعفوا

    ثوب من الهدي والفاروق ينسجه     فيه صلاح ومأمون ومنتصف

    هل أذن الفجر إلا في منائرنا     والشرق والغرب بالطغيان ملتحف

    ذابت عيون وأسماع وأفئدة     حباً لمن حبه في الغار مكتنف

    اقرأ فأنت أبو التعليم رائده     من بحر علمك كل الجيل يغترف

    إن لم تصغ منك أقلام معارفها     فالزور ديدنها والظلم والصلف

    تاريخنا أنت أمهرناك أنفسنا     نمضي على قبسات منك أو نقف

    على جماجمنا خُضْ كل ملحمة     أغلى الرءوس التي في الله تقتطف

    في كفك الشهم من حبل الهدى طرف     على الصراط وفي أرواحنا طرف

    فكن شهيداً على بيع النفوس فما     تحوي الضمائر منا فوق ما نصف

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، صلاةً وسلاماً تعرضها الآن عليه في الروضة، وتبلغه سلامنا الآن وأشواقناوتحياتنا جزاء ما قدم لهذه المسيرة، ولهذه الأمة والملة، جزاء ما رفع من هذه الرءوس التي كانت مخفوضة، وشرح من هذه الصدور التي كانت ضيقة، وبصر من هذه العيون التي كانت عمياً، وأسمع من هذه الآذان التي كانت صماً.

    أيها الإخوة: هذا الدرس -إن شاء الله- سوف يستمر مساء كل سبتٍ -ببركة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعونه- وهناك درس مساء كل جمعة سبق أن أعلن عنه في جامع الملك فهد، ولكن أطلب منكم هذه الجمعة التوقف، حتى ينسق مع مكتب الدعوة بـأبها.

    وأما هذا الدرس فسوف يستمر -إن شاء الله- حتى يأتي إعلان آخر عن درس مساء الجمعة، وسوف يكون في مادة التفسير بإذن الواحد الأحد، ويبدأ من أول سورة الفاتحة، فنسافر نحن وإياكم مع كتاب الله عز وجل، عله أن يكون نوراً لنا في القبور، ونوراً لنا يوم الحشر والنشور، وممضياً لنا على الصراط، ودافعاً لنا إلى الجنة بحول الواحد الأحد، أشكركم شكراً لا ينتهي، وأسأل الله أن يثيبكم على هذا الحضور، وأن يكرمكم بكرامة مدخرة عنده، وأن يكافئكم لحضوركم هنا، وترككم أعمالكم وأشغالكم وارتباطاتكم، ومشاغل الدنيا، وأعمالها وهمومها، وكلامها؛ لتجلسوا هنا في روضة تحفكم الملائكة، وتغشاكم السكينة، ويباهي الله بكم ملائكته الآن في السماوات العلى: {يا ملائكتي! انظروا عبادي أتوني يريدون ذكري وتسبيحي أشهدكم أني غفرت لهم}.

    فأسأل الله أن يتمم لكم هذا الأجر، ويكافئكم جزاء ما أتيتم، وغيركم أتى إلى البارات، ومجالس اللهو، والأندية الحمراء والضياع، والملاعب اللاهية، وإلى الوتر والعود، فأنتم خير فريق وأزكى عملاً وأصوب رأياً، وأسدد منهجاً وأعلى سنداً:

    هم القوم يروون المكارم عن أب     وجدٍ كريم سيد وابن سيد

    وهزتهم يوم الندى أريحيةٌ     كأن شربوا من طعم صهباء صرخد

    رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:193].

    اللهم من جلس في هذا المجلس يريد رضاك، وجنتك ورحمتك ويريد أن يتفقه في الدين، وأن يستمع الموعظة، فأثبه واشرح صدره ويسر أمره، واستره في الدنيا والآخرة، وارفع منـزلته، ومن جلس في هذا المجلس مستمعاً لا قاصداً وإنما رأى قوماً جلسوا فجلس فأدخله في كرامة هذا المجلس، فإنك قلت: {هم القوم لا يشقى بهم جليسهم} فلا تخرج من هذا المجلس شقياً ولا محروماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738873139

    عدد مرات الحفظ

    684559298