إسلام ويب

جنسية المسلمللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ربما ظن الإنسان أن العزة والرفعة بالأنساب والأحساب، لكن هذا في ديننا غير وارد، فالعزة فيه لا تكون إلا بالتقوى والطاعة.

    فالإسلام رفع بلالاً الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيباً الرومي، ولم ينظر إلى أنسباهم؛ وأذل ونكس أبا جهل وعقبة بن أبي معيط وأبو لهب، ولم يعتبر بأنسابهم؛ لأنهم كفروا وتجبروا على الله.

    والله أعز المسلمين بالإسلام مع أنهم كانوا في ضيق العيش وفقر شديد ونحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

    1.   

    قيمة العرب بالإسلام

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول.

    لك الحمد بالإيمان, ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت.

    في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك.

    أنت رب الطيبين، وأنت عضد الملتجئين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

    والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً وهادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الخير بإذنه وسراجاً منيراً.

    بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، هدى الله به الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية.

    فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وإنها لسانحة طيبة، وفرصة عظيمة، أن أرى هذه الوجوه الغالية، وإن كان من شكر، فإني أتوجه بالشكر الجزيل إلى الله الحي القيوم، الذي رفع رءوسنا وأنار قلوبنا بالإسلام، ثم أشكر أهل الفضل: (الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله).

    فأشكر قائد هذه القاعدة ومساعده، وأشكركم شكراً جماً على حرصكم على الخير، وعلى دعوة الإسلام، والرسالة الخالدة، ومجالس الذكر, وما أشبهكم بقول الأول يوم قال:

    هَيْنُون لَيْنُون أيسارٌ بني يَسَرٍِ     صِيْدٌ بَهاليل حَفَّاظون للجارِِ

    من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم     مثل النجوم التي يسري بها الساري

    وأنتم نجوم من نجوم الإسلام، إذا كانت مظلتكم (لا إله إلا الله)، وعقيدتكم تستضيء بـ(لا إله إلا الله)، ومسيرتكم ترفرف عليها (لا إله إلا الله)؛ فهنيئاً لكم.

    معشر المسلمين: نحن الأمة العربية قبل الإسلام لم يكن لنا تاريخ، ولو زعم القوميون وأهل التراب والوطنيون أن لنا تاريخاً فأين تاريخنا؟ بل تاريخنا مبدؤه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نظر الله إلى الأمة العربية فوجدها أمة ضائعة حقيرة، مسكينة متقاتلة، فرحمها من فوق سبع سماوات، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].

    وقد صحَّ عنه عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار أنه قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم جميعاً عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم بعث محمداً عليه الصلاة والسلام).

    إن البرية يوم مبعث أحمدا     نظر الإله لـها فبدل حالها

    بل كرم الإنسان حين اختار من     خير البرية نجمها وهلالها

    لبس المرقع وهو قائد أمة      جبت الكنوز فكسرت أغلالها

    لما رآها الله تمشي نحوه     لا تبتغي إلا رضاه سعى لها

    فأمدها مدداً وأعلى شأنـها     وأزال شانئها وأصلح بالها

    مَن الذي أصلح بال هذه الأمة، ورفع قيمتها وأتى بمجدها إلا الحي القيوم.

    إننا أمة نتعامل بالوحي، وأمة فيها قداسة، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    إذا فاقنا الآخَرون بالطائرات والصواريخ والصناعات والذرة، فقد فُقْناهم -والله- بـ(لا إله إلا الله).

    ديننا مستمد من الحي القيوم، ورسالتنا خالدة، عبرنا بها المحيطات، وسرنا بها على البحور.

    ولذلك أقف معكم، مع شاعر الباكستان محمد إقبال، وهو يأتي قبل أربعين سنة ليحج في مكة، وليطوف بالبيت العتيق، كان يسمع بـالجزيرة العربية، ويظن أنه إذا دخل مكة سوف يرى أبناء الصحابة، وأحفاد التابعين، أحفاد خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد، الذين فتحوا المعمورة بـ(لا إله إلا الله)، الذين نشروا السلام في بقاع الأرض.

    فأتى، ففوجئ بمجتمع غير ذاك المجتمع، مجتمع همه لقمة العيش، والقصر والسيارة والوظيفة والشهرة والمنصب، فبكى طويلاً وسجل مقطوعة شعرية رائعة اسمها: (تاجِكْ مكة) أي: أنا في مكة، يقول وهو يتحدث ويناجي الله وهو يطوف ويبكي:

    نحن الذين استيقظت بأذانهم      دنيا الخليقة من تهاويل الكرى

    ثم يقول:

    بمعابد الإفرنج كان أذاننا     قبل الكتائب يفتح الأمصارا

    لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها     سجداتنا والأرض تقذف نارا

    كنا جبالاً في الجبال وربما     صرنا على موج البحار بحارا

    ثم يعود فيقول:

    كنا نرى الأصنام من ذهب     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنزاً وصاغ الحلي والدينارا

    يقول: أين تاريخنا المشرق؟ أين أسلافنا الذين أقبلوا على الله عز وجل وجاهدوا لتكون كلمة الله هي العليا؟!

    ويتذكر محمد إقبال تاريخنا القديم، تاريخ محمود بن سبكتكين، السلطان العادل الكبير، الذي فتح ألف ولاية في المشرق، ودخل بستمائة ألف من الجيش، ولما أتى إلى الهند، رأى الأصنام من ذهب، فقال له ملك الهند: خذ هذه الأصنام واتركنا في ديارنا، قال: يا سبحان الله! يدعوني الله يوم القيامة: يا بائع الأصنام! لا. بل أريد أن أدعى يوم القيامة: يا مكسر الأصنام! والله لا أشتري بـ(لا إله إلا الله) ثمناً، ولو جمعت لي الدنيا وما فيها ذهباً وفضة. ثم أمر جيشه أن يهرعوا إلى الأصنام ليكسروها.

    1.   

    معالم الإقبال على الآخرة والإعراض عن الدنيا

    صحة الانتماء لدين الإسلام

    إن المسلم في بعض اللحظات والأيام قد ينسى انتماءه إلى الحي القيوم، وينسى انتماءه إلى الإسلام، وينسى جنسيته المسلمة، ويغتر ببعض المظاهر الخلابة التي تعرضها أمم الأرض الكافرة، ويا سبحان الله!

    أسألكم بالله، هل لنا شرف غير الإسلام؟وهل لنا انتماء غير الرسالة الخالدة؟ من نحن لولا الإسلام؟

    والله، ما كانت الأمم تنظر إلينا بعين الرضا ولا بعين الإعظام، وإنما تنظر إلينا كما تنظر إلى البدو رعاة الأغنام والإبل.

    عزة ربعي بن عامر بالإسلام

    يدخل قائد من قوادنا، بل جندي من جنودنا في قادسية (لا إله إلا الله) القادسية التي خاضها سعد بن أبي وقاص ضد رستم وكسرى أنو شروان.

    فيكتب رستم لـسعد بن أبي وقاص قبل المعركة بثلاثة أيام ويقول له: أرسل لي جندياً من جنودك أتحدث معه. ومقصود رستم أن يرى هذا الجندي ويرى انتماءه وجنسيته ويرى كلامه؛ لتكون مصداقية المعركة على هذه المفاوضات.

    فاختار سعد رضي الله عنه وأرضاه شاباً زاهداً عابداً ولياً من أولياء الله؛ لأن القلب إذا عمرته (لا إله إلا الله) تحركت الجوارح بمبدأ (لا إله إلا الله) والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع بها، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها}.

    فاختار سعد رضي الله عنه ربعي بن عامر، وقال: اذهب، وفاوض رستم.

    فماذا فعل ربعي بن عامر؟ هل غير من لباسه هيئته؟ لا. إن الفخر لك أن تكون مسلماً، وأن تكون في هيئتك ولباسك وسنتك، وفي المعالم التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض الناس قد يصيبه خجل وحيرة إذا سافر إلى بلاد أخرى أن ينتسب للإسلام، أو أن تظهر عليه معالم السنة، وقد يجد غضاضة، أما ربعي بن عامر فلم يغير من هيئته أبداً.

    أتى برمح في يده ملفوف في لفائف من قماش لأنه ما وجد غمداً له، وأتى بفرس معقور عنده، ودخل على رستم، فصف رستم قواده؛ ليرهب هذا الجندي لعله أن يختلط في الكلام، أو أن يحتار في الحديث، أو أن يضحك عليه القواد والوزراء.

    فجلس رستم وعليه التاج من الذهب، وحوله قواده ووزراؤه ومستشاروه، ودخل ربعي بن عامر يقود فرسه على بساط رستم، فيقول له الحارس: اربط الفرس خارج الخيمة، وكان في الصحراء، قال: والله! لأدخلن بفرسي، فإن شاء أن أدخل وإلا عدتُ، فإنه هو الذي دعاني وما طلبت مقابلته، فقال رستم: دعوه يدخل، فدخل وبيده الرمح، فلما رآه رستم ضحك وقهقه، وقال لـربعي بن عامر ومعهما الترجمان: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الرمح الـمُثلَّم، وبهذا الفرس المعقور، وبهذه الثياب الممزقة؟

    فماذا يقول له ربعي؟ اسمع للذي تربى على القرآن ودرس في مدرسة محمد رسول القرآن صلى الله عليه وسلم يقول: نعم. إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

    فاحتار رستم في هذا الجواب الذي كأنه صواعق.

    فقال لـربعي بعد أن حلف بإلهه: لا تغادر خيمتي حتى تحمل من تراب الخيمة على رأسك -إهانة له- فضحك ربعي بن عامر، وقال: هذا أول النصر إن شاء الله.

    وهذا يشير إلى أننا سوف نملك أرضكم وقصوركم ودياركم وأرضاً لم نطأها، فحمله شيئاً من التراب على صحفة وخرج به، فالتفت إليه الوزراء، وقالوا له: أسأت، إن هذا معناه أنهم سوف يملكون أرضنا، قالوا: ردوه إلينا، فذهبوا وراءه فلم يجدوه؛ لأنه قد وصل إلى جيش الإسلام.

    فلما رآه سعد أقبل، قال: ماذا على رأسك؟

    قال ربعي: تراب سلمنيه من أرضه.

    قال سعد: الله أكبر! إنا إذا دخلنا قرية قوم فساء صباح المنذرين، فكبر المسلمون.

    فقال رستم في رسالة إلى سعد: أنظرني يومين قبل المعركة، فأنظره سعد يومين، فلما حضرت صلاة الظهر، قال رستم: أخرجوني لأرى هؤلاء البدو كيف يصلون وكيف ينتظمون، فأخرجوه في صلاة الظهر، وكان عدد جيش رستم مائتي ألف، وجيش الإسلام اثنان وثلاثون ألفاً.

    انظر إلى البَون الشاسع بينهما؛ ولكن الله ذو القدرة الغالبة، ومن اعتمد على الله انتصر، فإنه الركن.

    فاشدد يديك بحبل الله معتصماً     فإنه الركن إن خانتك أركانُ

    فيأتي سعد يصلي بهم صلاة الظهر وهو القائد، فيكبر فيكبر بعده اثنان وثلاثون ألف مقاتل، ويركع فيركعون بعده، ويرفع فيرفعون بعده.

    فيأتي رستم يعض على أصابعه ويقول: علم محمد الكلاب الأدب. بل علم الأسود الأدب عليه الصلاة والسلام.

    ويأتي صباح نهار المعركة، فما يثبتون أمام (لا إله إلا الله) يزحف عليهم جيش الإسلام، فيتكسرون أمام الزحوف والكتائب.

    وبعد ثلاثة أيام يأخذ سعد رضي الله عنه الأرض بما فيها، كنوزاً وذهباً وفضة وجنوداً ومقاتلين وقصوراً ودوراً، ويدخل إيوان كسرى، إيوان العمالة والضلالة، فيبكي سعد ويقول: صدق الله حيث يقول: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29].

    نعم. كنا ننتصر على الناس، وكانت ترتفع رءوسنا يوم كان انتسابنا حقاً إلى الله، وإلى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك يقول الأول:

    ومما زادني شرفاً وفخراً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    هل هناك شرف أعظم من أن تنتسب إلى رسالة الإسلام؟ وهل هناك جنسية يمكن أن تفرض نفسك على العالم بها غير الإسلام؟

    فالإسلام الرسالة الخالدة.

    دخول علماء الكفار إلى الإسلام

    ووالله ثم والله! إن العبد يندهش حينما يجد أبناء الإسلام الذين ولدوا في أرض الإسلام، وتربوا على مبادئ الإسلام، يتخلون عن الإسلام، ويجد أهل الكفر لما بلغوا درجة تفجير الطاقة الذرية يعودون إلى الإسلام ويدخلون في دين الله زرافات ووحداناً.

    يقول كريسي موريسون العالم الأمريكي كما ينقل عنه سيد قطب: إنني احترت كيف أعيش؟! فعرفت الله فعشت، ويقول عنه في كتابه أمريكا التي رأيت: "إلى أين تسير البشرية إذا لم تعرف ربها؟".

    ويقول أليكسس في كتاب الإنسان ذلك المجهول الذي تُرجم إلى عشر لغات، يقول في هذا الكتاب: إن البشرية سوف تبقى حائرة حتى تتعرف على الله.

    وهذه هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه جاء يعرفنا على الواحد الأحد تبارك وتعالى، وليصل نسبنا بهذا الدين الخالد الذي إذا تركناه ضعنا والله، فإننا لا نباري الأمم بطاقة، ولا بسلاح، ولا بصناعة، ولا بمنتجات، سبقونا في الصناعة، والمنتجات، والمادة، يقول عز من قائل فيهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7]. أما الحياة فأجادوا فيها كل الإجادة، ولكن: بل ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66].

    فهم قد انسلخوا من المبادئ والقيم وانتهوا ثم عادوا يراجعون حسابهم، وأما عقلاؤهم فهم يريدون دخول الإسلام الآن.

    وفي القناة الثامنة التي يبثها التلفزيون الأمريكي مع أحمد ديدات، العالم الهندي، يقول عالم من علمائهم دايل كارنيجي: الآن عرفت أني مخطئ من خمسين سنة، والآن أهتدي وأعرف طريقي، ويقول في المقابلة الثانية: الآن أولد طفلاً مع الإسلام وأتربى في حجر الإسلام.

    علماؤهم وأهل طاقتهم، ومفكروهم عادوا الآن ينتسبون إلى الإسلام، وأبناؤنا وشبابنا إلا من رحم الله إذا سافروا عادوا كأنهم ولدوا هناك وتربوا ورضعوا هناك إلا من رحم الله.

    عزة عمر بدينه

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يدخل بيت المقدس، فيستعرض أمامه جيشاً قوامه أربعون ألفاً، وعلى رأسه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة، وهم يصفون الكتائب أمامه، فيدخل وهم ينتظرونه، ويخرج النصارى على أسطحة المنازل ينتظرون هذا الخليفة الذي دوَّخ الدنيا وهز المعمورة، وأصبح للأرض منه رجة، ينتظرونه، ينظرون ما الذي سوف يقدم عليه من موكب وكيف حرسه ولباسه وقوته وجيشه وجنوده ووزراؤه ومستشاروه، فينتظرون مذهولين؛ لأن عمر دوَّخ العالم، حتى يقول محمود غنيم:

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته     والزيت أدم له والكوخ مأواهُ

    البردة: فيها أربع عشرة رقعة.

    يهتز كسرى على كرسيه فرقاً     من خوفه وملوك الروم تخشاهُ

    يا من يرى عمر: يقول: تبصروا في عمر أين كان يسكن؟ في بيت من الطين مساحته ثلاثة أمتار في مترين، وغداؤه زيت في شعير.

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته     والزيت أدم له والكوخ مأواهُ

    يهتز كسرى على كرسيه فَرَقاً     من خوفه وملوك الروم تخشاه

    لماذا؟ لأن الله عز وجل أخذ على نفسه أن من خاف منه تبارك وتعالى خوَّف منه كل شيء، والذي يخاف من غيره؛ خوفه الله من كل شيء؛ ولذلك بعض الناس يخافون من هذه القوى، والكتل والهيئات، فيخوفه الله منها، ولو خافوا منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لخوَّف أولئك منهم، فهذا لزام منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    يقدم عمر فيأتي إلى بيت المقدس ليفتحه على ناقة، ومعه خادمه ميسرة، يركب عمر مسافة ما يقارب الثلث ساعة، فإذا تعب خادمه نزل وأركب الخادم وقاد هو الجمل، فلما أشرف على الناس والكتائب حول المسجد الأقصى، والأمراء قد وقفوا، والنصارى أطفالاً وشيوخاً وشباباً بأعلامهم على سطوح المنازل، قد عبئوها لقدوم الخليفة الذي دوَّخ الدنيا، فيقدم هذا الرجل الذي يقود الجمل؛ لأن نوبته أتت في قيادة الجمل وقت دخول بيت المقدس، فيقول الخادم: يا أمير المؤمنين! سوف أنزل لأننا وصلنا، قال عمر: أنوبتك أم نوبتي؟ قال: لا. نوبتي، قال: لا. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

    فانتسابنا إلى الحي القيوم منه العزة، فإنه الذي يعز ويهدي، ويوفق ويسدد.

    فقال النصارى: أهذا خادم أتى يبشر بقدوم أمير المؤمنين؟ فاحتار القائد عمرو بن العاص وأتى إلى عمر، وقال: فضحتنا يا أمير المؤمنين!

    قال عمر: ماذا؟ قال عمرو: أتيت على جمل وقد قامت الدنيا وقعدت لاستقبالك.

    قال عمر: يا عمرو! ثكلتك أمك، من كنا قبل الإسلام؟ أما كنا رعاة أغنام؟ قال عمرو: بلى. قال عمر: فإنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

    وبالفعل يحدث هذا، كلما حاول شخص أن يعتز بغير هذا الدين؛ مقته الله وأذله، وأخسأه وهزمه وفضحه أمام العالمين.

    فقدم عمر رضي الله عنه فلما قدم كبر القواد فاهتز المسجد بتكبيرهم، ثم قال عمر لـبلال يا بـبلال، أسألك بالله أن تسمعنا الأذان، لقد حانت صلاة الظهر.

    وبلال بعد أن أذن للرسول عليه الصلاة والسلام، وتوفي الرسول عليه الصلاة والسلام قام تلك الليلة ليؤذن، في أول ليلة بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله، تذكر الرسالة والرسول فبكى، وقطع الأذان، وحلف بالله لا يؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلما جاء عمر وحانت صلاة الظهر قال: يا بلال! أسألك بالله أن تؤذن لنا هذا اليوم يريد أن يذكره بالصوت الحبيب الشجي، الذي تألفه الأرواح والذي يسري عذباً في الآذان.

    فقام بلال يردد الصوت الخالد الذي فتحنا به المعمورة، يردد صوت السماء، الذي دوخنا به الدنيا، وسرنا به على المحيطات والأبحر، يقول: الله أكبر، الله أكبر فبكى عمر، وبكى المسلمون، وبكى النصارى.

    وكان الفتح: فتحها عمر بجمل واحد، لكن (لا إله إلا الله) تمكنت في قلب عمر.

    1.   

    الإسلام هو مصدر الفخر والاعتزاز

    يقول الله وهو يذكر الصحابة والرسول عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:44].

    يقول: هذا القرآن شرف لك، وشرف لقومك ولكل جيل يأتي بعدك إلى قيام الساعة. وسوف تسألون عن الرسالة الخالدة.

    ولذلك لا ينبغي أن ندس رءوسنا، ولا أن نخجل أمام العالم، بل نقول: (لا إله إلا الله) بشجاعة، ونقول: (لا إله إلا الله) بقوة ونعلن انتماءنا وانتسابنا وجنسيتنا أننا عباد لله.

    والذي يذهب لينتسب لغير نسبة الإسلام، سوف ينقطع نسبه يوم يجمع الله الأولين والآخرين.

    النسب لا ينفع يوم القيامة

    صحَّ في حديث قدسي من حديث أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، دعاهم بصوت يَسْمَعُه مَن بَعُدَ كما يَسْمَعُه مَن قَرُبَ، فيقول جل ذكره: يا أيها الناس! إني رفعت لكم أنساباً في الدنيا؛ فوضعتموها ورفعتم أنسابكم، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم}.

    فالله عز وجل وضع لنا نسباً نتناسب به في الحياة وهو: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] فرفضنا - إلا من رحم الله - هذا النسب، وقلنا: فلان بن فلان من أسرة آل فلان، وفلان بن فلان من أسرة آل فلان، فيوم القيامة يسقط الله هذه الأوسمة: صاحب السماحة، صاحب السعادة، صاحب الفضيلة.. ويَرْفَعُ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    فهذه النسبة حق على المسلم أن ينتسب بها، فإن بلالاً كان قبل الإسلام لا يُنْظَر إليه، وكان مِنْ سَقَطِ المتاع، لا يساوي عند الجاهليين الوثنيين فلساً واحداً، لا ينظرون إليه إلا كما ينظرون إلى الدابة التي تأكل وتشرب، فلما أتى الإسلام جعله صلى الله عليه وسلم مؤذن الإسلام.

    وقل لـبلال العزم من قلب صادق     أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً     به ترقى أبواب الجنان الثمانيا

    كان عمر! إذا سمع بلالاً يؤذن بكى، وقال: {أبو بكر سيدُنا وأعتق سيدَنا}.

    رحمك الله يا عمر - والله - لو كنت في الجاهلية ما قلت هذه الكلمة، كنت وأنت في الجاهلية وبلال في الجاهلية، لا تنظر له ولا تعادله بفلس واحد، فلما أسلمتَ وعرفتَ الله قلتَ: بلالاً سيدُك، فرفعك الله بهذا التواضع، فإن الله يرفع المتواضعين.

    مطلب كل مسلم رضا الله عنه

    ومن معالم الإقبال على الله عز وجل: أن يكون مطلبك العظيم ومطلبي ومطلب كل مسلم رضا الله تبارك وتعالى، وهذا هو مطلب الصحابة يوم التقوا مع كل كافر في كل معركة، في بدر، وأحد، والأحزاب، ويوم حنين، وتبوك، وفي اليرموك، والقادسية، وفي عين جالوت، وحطين.

    كان مطلبهم رضا الله تبارك وتعالى عنهم؛ فرفع الله درجاتهم، وعظم أجورهم عنده تبارك وتعالى.

    يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، كما في السيرة لـابن هشام، وغيره: [[لما التقينا في أحد مع المشركين ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تبدأ المعركة قال لي أحد الصحابة]] وهذا الشباب اسمه: عبد الله بن جحش القرشي، شاب باسل، وبطل من أبطال الإسلام، لا يعرف إلا صيام النهار وقيام الليل، تربى على القرآن: [[... قال لي: يا سعد بن أبي وقاص، أتريد أن ندعو قبل المعركة؟ قلت: نعم. فداك أبي وأمي، قال: تعال ندعو الله قبل المعركة، قال: فذهبنا وراء الصخرات، فرفع يديه هو قبلي، قال: اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم إنك تعلم أني ما خرجت إلا ابتغاء مرضاتك، اللهم إني أسألك مسألة واحدة: أن تنصر رسولك صلى الله عليه وسلم، وأن تلاقي بيني وبين كافر شديد حرجُه، قويٌّ بأسُه، فيقتلني فيك -ما قال: أقتله، قال: يقتلني أنا فيك- ثم يبقر بطني، ويجدع أنفي، ويفقأ عينَيَّ، ويقطع أذنَيَّ، فإذا أتيتك يوم القيامة، تقول: يا عبد الله، لم صُنِعَ بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب، قال سعد بن أبي وقاص: فوالله الذي لا إله إلا هو ما انتهت المعركة إلا وقد رأيتُه قد قُتل، وقد بُقِرت بطنُه، وجُدِع أنفُه، وفُقئت عيناه، وقُطعت أذناه، فقلت: أسأل الله أن يلبي له ما سأل]] ولذلك يقول محمد إقبال في قصيدته (شكوى وجواب) شكوى وفيها يتحدث عن الشهداء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:

    من غيرنا هدم التماثيل التي     كانت تقدسها خرافات الورى

    حتى هوت صور المعابد سجداً     لجلال من خلق الوجود وصورا

    ومن الألى دكوا بعزم أكفهم      باب المدينة يوم غزوة خيبرا

    أم من رمى نار المجوس فأطفئت     وأبان وجه الصبح أبيض نيرا

    ومن الذي باع الحياة رخيصة     ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

    إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111] لا والله، لا أوفى ولا أصدق من الله، ولا أقوى للحق من الله تبارك وتعالى.

    صور من اعتزاز الصحابة بالإسلام

    ولذلك يأتي بطل آخر اسمه: أنس بن النضر قبل معركة أحد، وقد انهزم المسلمون في أول المعركة، فيقول: [[اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء -أي المشركين- وأعتذر إليك مِن فرار هؤلاء -أي المسلمين-]] ثم أخذ درعه فخلعه من على جنبيه، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يضحك للعبد إذا لقي العدو حاسراً، أي ضحكاً يليق بجلاله تبارك وتعالى، إذا لقي العبدُ العدوَّ وليس عليه درع.

    فيقول أحد إخوانه: يا أنس بن النضر! لا تخاطر بنفسك.

    قال: [[إليك عني يا سعد بن معاذ! - والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] قال أنس بن مالك: [[فوالله لقد قُتِل، فوجدنا فيه أكثر من ثمانين ضربة، ووالله ما عرفَتْه إلا أخته ببنان أصابعه]]. فيا سبحان الله! أي أمة تلك الأمة؟!

    وأي جيل ذاك الجيل؟!

    وأي شباب أولئك الشباب؟!

    وأي جيش ذاك الجيش؟!

    إنهم تربية الله الخالدة وفطرته النيرة، والقداسة التي أنزلها الله على الناس.

    إنها الأمة الخالدة الموحدة التي فتحت الدنيا بـ(لا إله إلا الله) وأنقذت الإنسانية بـ(لا إله إلا الله) وعبرت على متون الماء بـ(لا إله إلا الله).

    ويأتي عبد الله بن عمرو الأنصاري فيصلي في الليل قبل معركة أحد، فيرى في المنام أنه قتل شهيداً، فيقول: الحمد لله، ويصلي مرة أخرى، فيرى أنه قتل شهيداً فيحمد الله، ثم يُوقِظُ ابنَه وبناتِه، ويقول: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

    قالوا: وماذا حدث؟

    قال: رأيت مرتين في منامي أن المعركة قد قامت وأني أول من قُتِل في المعركة.

    فقالوا: لا عليك.

    قال: هكذا أقول.

    فأتى في الصباح، فماذا فعل بعد صلاة الفجر؟ انظر إلى الأمنية، والهمة العالية، أتى إلى الماء فاغتسل، وتحنط، ولبس أكفانه، وخرج صادقاً مريداً لوجه الله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].. فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] خرج صادقاً، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة: {من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه}.

    فيخرج هذا المجاهد، وتبدأ المعركة فيكون أول مقتول.

    ويقول عليه الصلاة والسلام لـجابر: {يا جابر، أتدري ماذا فعل الله بأبيك؟

    قال: قلتُ: لا والله يا رسول الله!

    قال: والذي نفسي بيده لقد جمعه هو وشهداء أحد، فكلمهم كفاحاً بلا ترجمان - أي: مباشرة - فقال: يا عبادي! تَمَنَّوا علَيَّ، قالوا: نتمنى أن تعيدنا في الدنيا لنُقْتَل فيك ثانيةً -لما رأوا من أجر الشهادة- قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يُرْجَعون، فتَمَنَّوا، قالوا: نتمنى أن ترضى عنا، فإنا قد رضينا عنك، قال: فإني قد أحللتُ عليكم رضواني، لا أسخط عليكم أبداً} ثم قال عليه الصلاة والسلام: {فأخذ الله أرواحهم فجعلها في حواصل طير خُضْر، تَرِدُ الجنة فتأكل من أشجارها، وتشرب من مياهها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها} قال ابن كثير: سند هذا الحديث حسن، وهو كلام حسن.

    فيا سبحان الله! أي هِمَمٍ كانت؟! وأي نفوس عاشت؟! عاشت لله، وقامت له، وانتصرت له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وليس على الله بعزيز أن يعيد من أمثال هؤلاء، فإن أمة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم كالمطر، لا يُدرَى الخير في أوله أو في آخره.

    وأنتم يا أبناء الإسلام! ويا أحفاد خالد، وسعد! يا أحفاد من رفعوا (لا إله إلا الله) في كل صِقْع! يا أحفاد من دخلوا أسبانيا بـ(لا إله إلا الله) فدخلت الأمم لما رأت العدل والسلام، ويا أحفاد من سار إلى نهر السند والجانج وغيرها من أنهار العالم بـ(لا إله إلا الله)! فدخل الناس في دين الله زرافات ووحداناً، تمسكوا بدينكم يعزكم وينصركم على عدوكم.

    ليس بعزيز على الله أن تعاد أمجادنا

    ليس على الله بعزيز أن يعيد من أمثال أسلافنا أمة تعبد الله، وتوحده، وتعيش وتموت له، فوالله الذي لا إله إلا هو، إن الذي يعيش لغير الله لا يوجد أحقر منه في الناس، فهو لا يساوي فلساً واحداً، وأن حقارته قد أجمع عليها العقلاء، ففرق بين أن تعيش وأن تحيا لله، وأن تحيا لشهواتك ولهواك.

    يقول ابن تيمية رحمه الله: "المؤمن يولد مرتين، والكافر يموت مرتين... "، فأما ميلادك الأول: فيوم ولدتك أمك، يوم سقط رأسك على هذه الأرض: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3].

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    يوم ولدتك أمك ولدتك وأنت تبكي؛ كأنك أتيت من السعة إلى الضيق، وكأنك تبكي من هذه الحياة الدنيا، فيقول القائل: فاعمل لنفسك، أنك إذا أتيت عند سكرات الموت، أن يقلب الله الحال فتضحك وأنت في السكرات ويبكي أهلك من حولك.

    ولذلك يقول ابن تيمية: "المؤمن يولد مرتين، والكافر يموت مرتين: فميلادك الأول: يوم أتت بك أمُّك، وميلادك الثاني: يوم ولدت في الإسلام، ويوم اهتديت بهدى القرآن... "؛ لأن الشقاء كل الشقاء أن ينصرف القلب عن القرآن، أو أن ينصرف عن ذكر الله، أو أن ينصرف عن بيوت الله تبارك وتعالى، "... والكافر يموت مرتين: مرةًَ يوم أمات الله قلبه، وطبع على قلبه... "، فلا يهتدي، ولا يرى النور، ولا يرى طريق الهداية، "... ومرةً يوم يموت؛ فيعذبه الله عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين ".

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: " من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله، الذي أرسل به محمداً صلى الله عليه وسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

    1.   

    العالم بحاجة إلى الهداية

    يا أيها الإخوة الأبرار! يا أيها الأمجاد الأخيار! إن العالم يحتاج منا أن نُهدي له (لا إله إلا الله).

    يقول كريسي موريسون في مؤتمر العلماء، وقد حضر مؤتمراً لعلماء المسلمين، وكريسي موريسون هذا عالم جيولوجي أمريكي، من جامعة إنديانا يقول: أهدينا لكم الطائرة، والثلاجة، والصاروخ، وكل متع الحياة، وما أهديتم لنا الإيمان.

    إن البشرية التي تنتظر الإيمان، وتتطلب (لا إله إلا الله)؛ وقفت حائرة، فكيف نأتي الآن إليها وهي قد وقفت حائرة؟ ثم ننسلخ -إلا من رحم الله- عن ديننا ومبادئنا، وننسى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهم يعترفون أنفسهم أنه ما سكن العالم أعظم ولا أشرف ولا أنبل ولا أكرم منه، واللجنة العالمية التي عقدت في فرنسا، وقررت مائة عظيم في العالم، أتدرون من هو أول عظيم في هذه اللجنة؟ لقد جعلوا العظيم الأول: محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويقول مفكرهم الذي كان يرأس هذه الجلسة: إنني نظرت في سير العظماء، فلم أجد إنساناً يشرب فنجان القهوة ويحل مشاكل العالم إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، ونسي أن القهوة لم توجد في عهده صلى الله عليه وسلم.

    والحق ما شهدت به الأعداء.

    ووالله لو كان رسول الهدى صلى الله عليه وسلم في غير هذه الأمة لمجدوه، ولكتبوا كلماته في الشوارع، وفي مفاتح الطرق، وعلى محافل الناس، وفي الميادين، كما فعلوا بـنابليون الذي قتل الأرواح البريئة، والذي حطم المنازل الهادئة الآمنة، والذي خَرَّب العالم، وسعى بالفساد في المعمورة، لكن محمداً عليه الصلاة والسلام أتى بالإسلام، والهدى والنور والإشراق.

    إذاً: إقبال الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الآخرة كان رضاً بما عند الله عز وجل، والذي لا ترضيه جنة عرضها السماوات والأرض فماذا ترضيه؟!

    1.   

    حقيقة الدنيا

    إن الله عز وجل جعل نعيم المسلم في الآخرة؛ لأن الستين سنة لا تُمَكِّنه من التمتع بالنعيم، ولا تُمَكِّنه من التمتع بالهدوء، والدنيا ما نظر الله إليها منذ خلقها؛ احتقاراً لها، فكيف تجعلها أنت مصيرك وهدفك ومستقبلك؟ يقول جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس:7-8].

    إن الذي يعيش لهذه الستين سنة ويجعل هدفه في الحياة منـزلاً، أو زوجة أو سيارة أو شهرة أو منصباً أو أي متعة من متع الحياة؛ إنسان لا همة له ولا مستقبل ولا عزيمة ولا نور ولا إشراق في صدره؛ لأنه باع حياته بأخراه، ونعوذ بالله من الخسارة.

    والله أرادك للآخرة، فلماذا تريد نفسك الدنيا؟

    يقول بعض الصالحين: "دنيا إذا صحَّ بدنُك فيها خفتَ من السقم، وإذا اغتنيتَ فيها خفتَ من العدم، وإذا اجتمع أبناؤك عندك خفتَ عليهم من التلف، وإذا ارتحتَ خفتَ من الهم، فأين الراحة فيها؟!".

    طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تريدها     سِلْماً من الأوباش والأكدار؟

    ويقول أبو الفتح البستي في منظومته الشهيرة، وهو يعظ العالم الإسلامي:

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته     أتعبتَ نفسك فيما فيه خسرانُ

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ

    يا ساعياً لخراب الدار مجتهداً     بالله هل لخراب الدار عُمرانُ

    أين من سكنوا الدنيا وعمروها

    أين الذين ملكوا العالم؟ أين الخلفاء؟

    إنك إذا قرأت مثلاً البداية والنهاية لـابن كثير، أو تاريخ ابن جرير الطبري أو الكامل في التاريخ لـابن الأثير، أو المنتظم لـابن الجوزي، ستقرأ في ساعة واحدة ثلاثة قرون. أي ثلاثمائة سنة. تقرأ ستة وثلاثين خليفة تولوا في العالم وماتوا. فما كأنهم جمعوا وتهنئوا، وما كأنهم قاموا بمهرجانات، وما كأنهم رفعوا الدور وبنوا القصور!! أين ذهبوا؟ إنهم مُرْتَهَنون بأعمالهم في قبورهم.

    ولذلك يقول ابن الجوزي: "يصيب المسلم ذهول يوم يرى بعض الفجرة نسي الله وموعوده فقتل الألوف المؤلفة من البشرية، وسعى في الأرض خراباً، ونسي لقاء الله".

    يقول الذهبي: إن أبا مسلم الخرساني قَتَل مليوناً.

    يقول ابن الجوزي: "الله أكبر! أما عَلِم هذا أنه سوف يُوضَع على عينيه القطن في القبر".

    بل نور الدين محمود زنكي، الشهيد الكبير، السلطان الذي جمع ووحد المسلمين على (لا إله إلا الله) وهو كُرْدِيٌّ وليس عربياً، فلا يظن إنسانٌ أن الإسلام لا يُنْصَر إلا على أيدي العرب، ولا يظن أننا لا نعترف بالأجناس، وأن هناك جنساً غير جنس، فنحن نكفر بالعنصرية العالمية، فإنها صنيعة للصهيونية، وما أتى بها إلا الصهاينة واليهود، فنحن نكفر بالتمايز العنصري الذي أتى به أنذال وقبحاء العالم، الذين انتهكوا حرمة الشعوب وقتلوا الإنسان، وهم يقولون: إنهم هم أهل حقوق الإنسان. بل هم القتلة والمجرمون حتى يلقون الله تبارك وتعالى.

    فـنور الدين محمود زنكي رأى تفتت العالم الإسلامي، فهاجر بالأكراد، ودخل دمشق، وجمع الأمة على (لا إله إلا الله).

    في أحد الأيام عمل مهرجاناً كبيراً، حضره جيشه الذي قوامه ما يقارب: مائتي ألف، وصفَّ جنوده وحرسه وقواده وأمراءه حوله، فلما اكتمل المهرجان دخل عليه أحد علماء الإسلام اسمه: ابن الواسطي، فوقف أمام السلطان وبيده عصا، وقال: "يا أيها السلطان! اسمع مني كلمات".

    قال: "تفضل، قل ما شئتَ"، قال:

    مَثِّل لنفسك أيها المغرورُ     يوم القيامة والسماء تمورُ

    إن قيل: نور الدين جاء مُسَلِّماً     فاحذر بأن تأتي وما لك نورُ

    حَرَّمْتَ كاسات المدام تعففاً     وعليك كاسات الحرام تدورُ

    هذا بلا ذنب يخاف لهوله     كيف الذي مرت عليه دهورُ

    يقول: يوم القيامة يشيب رأس الطفل من الهول، فكيف الذي عاش ستين سنة في الجرائم.

    فبكى السلطان حتى سقط مغشياً عليه.

    قال ابن كثير: "رحمة الله على تلك العظام، فإنه هو الذي فتح قلاع الإسلام، وجمع كلمة المسلمين على (لا إله إلا الله)".

    فالشاهد أننا نطلب من أنفسنا ألا نرضى بالحياة ثمناً لأنفسنا، والله خلقك سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لتكون عبداً له، فلا تكن عبداً لغيره.

    ولا يظن أحد من الناس أن الشرك معناه عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؛ فإن هناك صوراً أخرى للأصنام:

    هناك من يعبد الدرهم والدينار.

    وهناك من يعبد المنصب؛ تسترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ولاؤه وعداؤه لمنصبه.

    وهناك مَن يعبد الكافر، نعوذ بالله من ذلك. ذكر بعض المفكرين المسلمين أن من المسلمين من يعبد الكفار ولا يشعر.

    فهو يتولاهم من دون الله ورسوله والمسلمين؟ والله يقول: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55].

    ويقول عليه الصلاة والسلام: {تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الخَمِيْصَة، تَعِسَ عبدُ الخَمِيْلَة، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيْكَ فلا انْتَقَشَ}.

    فالإقبال عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعلى الدار الآخرة، معناه: أن نتجرد، وأن يكون عملنا لوجهه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، خالصاً له، وصدقاً في سبيله، نرجو الثواب منه تبارك وتعالى.

    حال الصحابة مع الدنيا

    يقول أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وأنتم تعرفون أبا الحسن، فهو صاحب الرايات البيضاء في الإسلام، وصاحب المواقف المشهورة، والأيام الخالدة التي لا تُنْسى أبد الدهر، الزاهد الذي أعرض عن الدنيا، والذي يقول وهو يترنم في بيت مال المسلمين، وقد أنفق بيت مال المسلمين وما أبقى درهماً ولا ديناراً ولا حبة ولا ثوباً ولا زبيبة، يقول:

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت بانيها

    فإن بناها بخير طاب مسكنه     وإن بناها بشر خاب بانيها

    أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الموت نبنيها

    فاعمل لدار غداً رضوانُ خازنها     الجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك تربتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    يقول وهو يتكلم عن يقينه وعن الإيمان الذي في صدره: [[والله الذي لا إله إلا هو، لو كشف الله لي الغطاء فرأيت الجنة والنار؛ ما زاد على ما في قلبي من الإيمان مثقال ذرة]]. فهذا يقينٌ وإيمانٌ واعتقادٌ في الحي القيوم.

    والشاهد من قصته: أنه يقول في صحيح البخاري في كتاب الرقاق: [[ارتحلت الآخرة مقبلة، وارتحلت الدنيا مدبرة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].

    ثم يأتي الإمام البخاري بجمال أسلوبه وبقلمه السيال بحديث عجيب في تقشف الصحابة، الذين عاشوا في بيوت الطين؛ ولكن كانوا منائر للهدى.

    ربَّى صلى الله عليه وسلم قواد وعلماء العالم، ومفكري وشعراء العالم، وأدباء وعباد العالم، في مسجد من طين، طوله مائة ذراع.

    ربَّى فيه ابن عباس وخالد بن الوليد وأبيَّ بن كعب وسعد بن أبي وقاص وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وحسان بن ثابت وابن رواحة، وغيرَهم وغيرهم. خرجوا من هذا المسجد إشعاعاً في العالم، ورسل خير للبشرية.

    هذا المسجد تربى فيه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حتى يقول أحد المفكرين والأدباء في الإسلام في مدحه صلى الله عليه وسلم:

    كفاك عن كل قصر شاهق عمِدٍ     بيت من الطين أو كهف من العلمِ

    تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً     نصب الخيام التي من أروع الخيمِ

    إذا كرام الورى صفوا موائدهم     على شهي من الأكْلات والأدم

    صففتَ مائدة للروح مطعمها     عذْبٌ من الوحي أو عذْبٌ من الكلمِ

    فالرسول عليه الصلاة والسلام انطلق بالإنسان من هذا.

    فلذلك يأتي البخاري بقصة عن أبي هريرة. يقول البخاري - والله أكبر! كم لهذا الكتاب من أثر في قلب كل مسلم، سأل سائل ابن تيمية في المجلد العاشر من فتاويه: "أي كتاب بعد كتاب الله تدلني عليه؟" قال شيخ الإسلام المجدد المجاهد الكبير العبقري الجهبذ: "لا أعلم بعد كتاب الله كتاباً أحسن ولا أنفع من صحيح البخاري ".

    يقول البخاري: " باب تقشف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا عمر بن ذر قال: حدثنا مجاهد أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: {آللهِ الذي لا إله إلا هو لقد كانت تمر بي الأيام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجد ما أملأ به بطني، وقد كنت أُصْرَع بين المنبر وبيتي، فيأتي عليَّ الناس وما بي صرع وما بي جنون ولكن الجوع، آللهِ الذي لا إله إلا هو إني كنتُ آتي بالحجر فأجعله على بطني، فأربط عليه رباطاً من شدة الجوع، ومرت بي ليلة من الليالي فاشتد بي الجوع وقد صليت المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الناس في المسجد خرجت عند باب المسجد...} يتعرض للضيافة، علَّ أحد الناس يفتح الله عليه فيدعوه للعشاء، قال: {فمرَّ بي أبو بكر، فسألته عن آية من القرآن، والله ما سألته من أجل الآية؛ ولكن من أجل الطعام، فأخبرني عن الآية، ثم مضى وتركني، ثم مر بي عمر بن الخطاب فسألته عن آية، والله ما سألته عن الآية من أجل الآية؛ لكن ليطعمني، فمر وتركني، ثم رأيتُ أبا القاسم بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم فلما رآني قبل أن أكلمه تبسم، وأخذ بيده الطاهرة فشبك بها في يدي، ثم أخذني إلى بيته...} عرف عليه الصلاة والسلام أنه يريد الطعام.

    محاسنه هُيُولا كل حُسْن     ومغناطيسُ أفئدة القلوب

    فذهب به إلى البيت، وقال: {... فأجلسني، فقال لأهله: أعندكم شيء من طعام؟...} وأهله وراء الستار، رسول البشرية، أكرم الخلق على الله، الذي جعله الله شفيعاً للناس يوم يجمع الله الأولين والآخِرين، ما يجد إلا شيئاً من لبن، فقال لزوجته: {... أعندكم شيء من طعام؟ قالت: لا -والله- إلا شيء من لبن، أهداه لنا بنو فلان، قال: يا أبا هريرة! اذهب إلى أهل الصُّفَّة...}.

    وأهل الصُّفَّة: قوم فقراء في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام قراء، مجاهدون متعبدون، أما ليلهم فصلاة ودعاء وبكاء حتى الصباح، وأما نهارهم فنصف منه يحتطبون ويبيعون للمعيشة، والنصف الآخر لتعلم القرآن والحديث في المسجد.

    قال: {فذهبت إليهم وبي من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، وقلت في الطريق: يا سبحان الله! ذهبتُ معه إلى البيت لأتناول هذه المِذْقة من اللبن، فأرسلني إلى أهل الصُّفَّة! وأين يأتي هذا القليل من اللبن على أهل الصُّفَّة جميعاً!...} ثم يقول: {... ولكن ما مِن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدّ، فدعوتُهم، فأتوا ورائي، فاستأذنتُ فأذن لي صلى الله عليه وسلم فدخلوا، فأخذوا أماكنهم في المجلس حتى جلسوا عن بكرة أبيهم، فقال عليه الصلاة والسلام وهو يتبسَّم:...}.

    فهو يعرف جوع أبي هريرة.

    قال: {... يا أبا هريرة! قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال: خذ هذا اللبن ودُر على الناس، قال: فأخذته وأعطيه الأول فيشرب، ثم أناول الثاني فيشرب، والثالث حتى انتهيت إليه صلى الله عليه وسلم، فالتفت إليَّ قبل أن يشرب وقال: بقيتُ أنا وأنتَ يا أبا هريرة! قلتُ: صدقت يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، قال: اشرب، فشربتُ، قال: اشرب، فشربتُ، قال: اشرب، قلتُ: والله يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ما أجد له مسلكاً...}: أي: شربتُ حتى امتلأتُ.

    ولذلك أبو دلامة، أحد المتفكهين في تاريخ الإسلام، دخل على هارون الرشيد وهارون الرشيد كان يجمع الأدباء والسُّمَّار والشعراء في مجلسه بعد صلاة العشاء، فالفكاهي المزَّاح أبو دلامة دخل عليه، فقال له هارون الرشيد: "يا أبا دلامة! سمعنا أنك تطلب الحديث النبوي، وأنك تحفظ بعض الأحاديث. هل حفظت شيئاً؟ قال: نسيتُ كل الأحاديث، وما حفظت إلا ثلاثة أحاديث، قال: وما هي؟ قال: قولهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلوى والعسل، والحديث الآخر: قوله صلى الله عليه وسلم: {إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدأوا بالعَشاء قبل العِشاء} وقول أبي هريرة في حديثه: {شربتُ اللبن حتى ما وجدتُ له مسلكاً} قال: أما تحفظ إلا أحاديث الطعام؟! أتحفظ من أحاديث الآخرة شيئاً؟ قال: أحفظ حديثاً، قال: وما هو؟ قال: حدثنا فلان بن فلان عن فلان بن فلان عن فلان بن فلان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن حفظ خصلتين دخل الجنة، قال: وما هما الخصلتان؟ قال: نسيتُ واحدة، ونسي عكرمة الثانية!"

    فـأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: {... يا رسول الله! والله ما أجد للبن مسلكاً، فأخذ صلى الله عليه وسلم الكوب، فسمَّى، قال أبو هريرة: فنظرتُ إلى اللبن، فوالله ما كأنه نقص منه شيءٌ،} وذلك لبركته صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد من القصة: أنه لا عبرة بالتراث، بل هو ابتلاء، وأن الذي يأكل حتى يموت حبطاً، فليس ذلك لدرجته عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    تموت الأُسْد في الغابات جوعاً     ولحم الضأن تأكله الكلابُ

    ولذلك تجد بعض أعداء الله عز وجل مرفه في الدنيا لا يجوع ولا يهتم، لا يظمأ ولا يتعب، كل أموره ميسرة؛ لكن على حساب أجره عند الله، قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    فمن كان يريد الله فأكبر معالم إقباله: أن يخلص عمله لله، والذي ينبغي أن يكون من أعظم الأهداف تحقيقاً في الأربع والعشرين الساعة: الصلوات الخمس.

    يقول ابن تيمية وقد شكا له رجل النفاق والشبهات والشهوات في صدره: "أوصيك بعد تقوى الله بإصلاح الصلوات الخمس ظاهراً وباطناً، وأن تخشع فيها، وأن تكثر من الالتجاء والدعاء إلى الله عز وجل، فسوف يرزقك الله الصدق والقبول".

    وأوصي نفسي وإياكم بالصلوات الخمس: أن نصْدُق فيها؛ فإنها المدرسة الروحية العالية، والقداسة والطهر، وهي العهد والميثاق الذي أخذه الله علينا، والذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، ويوم نصْدُق مع الله في الصلوات الخمس ونجدد بيعتنا مع الله في كل صلاة يرزقنا الله القبول، ويرزقنا الله الصدق والاطمئنان، ويأخذنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بأيدينا إليه صراطاً مستقيماً.

    1.   

    المسلمون بين الشبهات

    يا معاشر المسلمين! إننا ابتلينا بمعسكرين:

    المعسكر الشرقي الشيوعي: صاحب الشبهات.

    والمعسكر الغربي الرأسمالي: صاحب الشهوات.

    لينين وماركس، ومن اصطفَّ في مسارهم، واعتقد اعتقادهم من أهل الإلحاد حاربوا العالم الإسلامي بالشبهات، أوبالشك والإلحاد والريبة، حتى أغْوَوا كثيراً من شباب الإسلام وصدوهم عن منهج الله.

    فالنعرات التي تسمعونها بين الفَيْنة والفَيْنة على مركب الحداثة، أو الأدب الحداثي، أو تحرير المرأة أتت من لينين وماركس، وبثوها في العالم؛ فابتلينا بهذا المرض الخطير، فما هو علاجه؟

    وابتلينا من المعسكر الرأسمالي الغربي الأمريكي والأوروبي بالشهوات: بالمرأة الفتانة، وبالمجلة الخليعة، وبالأغنية الماجنة، وبكأس الخمر، وبالضياع.

    فأولئك يحاربوننا بالشك والريبة.

    وهؤلاء يحاربوننا بالشهوات والأطماع.

    فما هو مخرجنا؟

    الحل أمام الشبهات: أن نصْدُق مع الله عز وجل، وأن نكثر من الأعمال الصالحة، وأن نأتي إلى القرآن الكريم فنتدبره تماماً، ونقرأه كما يريده الله عز وجل، ونقف مع آياته طويلاً.

    وأيضاً: بالدعاء والتبتل، وصدق الالتجاء إلى الحي القيوم، فهو الذي ينقذنا أمام الإلحاد والزندقة، والشك والريبة والنفاق.

    وأما الشهوات: فحلنا وموقفنا أمامها: الزهد وتقوى الله والمراقبة والمحاسبة والصبر.

    ولذلك كان الأستاذ سيد قطب عندما سافر إلى أمريكا إنساناً عادياً، عنده الناس سواسية، فلما سافر إلى ولاية كلورادو في أمريكا، وعاش في مدينة دينفر وهو يطلب رسالة في العلوم، قال: "فرأيتُ المجتمع مجتمع الغابة، رأيتُ الضياع، رأيتُ الإنسان وهو يعيش كالحيوان، أجاد في طعامه وشرابه، وأجاد في مسكنه، وأجاد في تنقله؛ ولكنه أخفق في عالم الروح".

    فقطع بعثته الدراسية، وعاد إلى القاهرة، وأول ما تناول القرآن، فبكى طويلاً، وعاش مع القرآن خمساً وعشرين سنة.

    يقول في أول كتابه الظلال: "عشتُ مع القرآن، والعيش مع القرآن حياة ترفع العمر وتباركه وتزكيه".

    فهل لنا أن نعود إلى القرآن، وهل لنا أن نعود إلى المساجد، وقد عدنا -والحمد لله- وعاد الكثير، وهل لنا أن نصدق اللجوء مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    فيا أيتها الأمة التي صاغها الله على سمعٍ وبصرٍ! وأراد لها أن تكون منقذة للعالم، وجعل عنوان موكبها النور والسجود, وجعلها خيِّرة أينما حلًّتْ وارتحلَتْ.

    أدعوكم ونفسي إلى الله الحي القيوم، إلى التوبة الصادقة، والمعاملة الحسنة؛ فإنه -والله- لا يمكن أن نصدق مع مرءوسينا، ولا مع مسئولينا ورعاتنا إذا لم نصدق مع الله، ومن خان الله وضيعه فهو لما سوى الله أضيع.

    قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[مَن حفِظ الصلاة فهو لما سواها أحفظ، وقد حفظه الله، ومَن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وقد ضيعه الله]].

    أسأل الله أن يحفظني وإياكم بحفظه، وأن يتولانا بولايته، وأن يرعانا ويهدينا ويسددنا، ويأخذ بأيدينا.

    وإنها لفرصة من فرص العمر أن نعيش مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

    نسينا في ودادك كل غالٍ     فأنت اليوم أغلى ما لَدَينا

    نُلامُ على محبتكم ويكفي     لنا شرفاً نلام وما علَينا

    ولم نلقاكمُ لكن شوقاً     يذكرنا فكيف إذا التقَينا

    تسلى الناس بالدنيا وإنَّا     لعَمْرُ الله بعدَك ما سلَينا

    فأسأله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من ذهب ليجاهد بدون إذن والديه

    السؤال: ما رأيك في من يذهب للجهاد في بلاد أفغانستان تاركاً وراءه أهله وأولاده ووالدَيه، وهم غير راضين عنه، وهم أحق بالجهاد عليه؟

    الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    صاحبُ السؤال -مِمَّا عرض في سؤاله- كأنه يجيب نفسه بنفسه.

    والحقيقة: الجهاد الأفغاني جهاد إسلامي يفخر به كل مسلم، ونسأل الله عز وجل أن يمكنهم تحت راية لا إله إلا الله وأن ينصرهم على أعدائهم.

    ومسألة الذهاب إلى أرض أفغانستان مسألة طالما تُكُلِّمَ فيها في مناسبات، وتَكَلَّمَ عنها أهل العلم والمفكرون والدعاة كلاماً طويلاً لا يخفى على كثير من الناس.

    أما بالنسبة لمن يذهب هناك: فإن مما ظهر من كلام أهل العلم وفتاويهم: أن الجهاد في أفغانستان فرض عين، ولا بد من إذن الوالدين إذا أراد الذهاب إلى هناك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث قال لمن سأله: {أحيٌّ والداك، أو أحدهما؟} فإن أجابه بنعم، قال: {ففيهما فجاهد} وقال لليمني لما سأله: {أحيٌّ والداك؟ قال: أمي حية، قال: فالزم رجلها، فإن الجنة عند رجلها} رواه: النسائي.

    فإذا عُلِمَ هذا، فإنه لا بد من إذن الوالدين، وهذا الذي دلت عليه النصوص.

    والعجيب: أن بعض المفسرين قالوا: أهل الأعراف الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ [الأعراف:46] قالوا: هم قوم أسكنهم الله في جبل بين الجنة والنار كجبال الدنيا؛ وهم قوم قُتِلوا في سبيل الله، وما استأذنوا آباءهم وأمهاتهم. فهم تحت رحمة الله عز وجل.

    فلا بد من إذن الوالدين، ومما ظهر من فتاوى أهل العلم، أن الجهاد هناك فرض عين، ومَن عنده عائلة وأطفال وليس لهم عائل إلا هو، فلا بد من البقاء معهم؛ إلا أن يداهم البلد عدو، أو يكون هناك أمر أخطر من الحادث الذي لا يَجِدْ معه إلا هذا المجاهد، أو لا يجد نفسه إلا في مقام المضطر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {كفى بالمرء إثماً أن يضيع مَن يقوت} وفي رواية: {... مَن يعول} وهو حديث صحيح.

    فالذي عنده أطفال وزوجة وبنات، وليس لهم عائل بعد الله إلا هو، إذا ذهب إلى الجهاد، ورزقه الله الشهادة، مَن يُرَبِّ هؤلاء الأطفال؟ ومَن يقِف مع هؤلاء البنات؟ ومَن يَحْمِ أعراضهن وأعراض بيته، ويقف معهن ويقوتهن؟ وهذا من الإسلام. قال تعالى: بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14]. وهذا ما يحضرني في هذه العُجالة عن هذا الجهاد.

    وأدعوكم إلى كثرة الدعاء للمجاهدين، وبذل المال فهم بحاجة إليه، وهم وقفوا في ثغرة طالما كانت مفتوحة حتى وقفوا فيها، فهم يستجدون من الله النصر صباح مساء. نسأل الله أن ينصرنا وإياهم إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

    حكم صلاة الجماعة وحكم المتخلف عن صلاة الصبح

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في من يتخلفون عن صلاة الجماعة وهم يسمعون الأذان وبيوتهم قريبة من المساجد؟ وهل المتخلف دائماً عن صلاة الصبح من المنافقين؟ أفيدونا أثابكم الله.

    الجواب: صلاة الجماعة على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ واجبة، وابن تيمية يشترطها شرطاً في صحة الصلاة؛ لأدلة دلت من الكتاب والسنة، كقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] وقوله: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء:102] وقول الرسول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: {لقد هممت بالصلاة أن تقام، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار}, ولما سأله الأعمى: {هل تجد لي رخصة؟ قال: أتسمع حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم. قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة} وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث عند الدارقطني: {من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر}.

    ومن تخلف عن الصلاة بلا عذر فهو منافق، لا شك في نفاقه، يقول جل ذكره عن المنافقين وهم يأتون المسجد ويصلون: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: [[لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل، يُهادَى به بين الرجلين حتى يُقام في الصف]] أي: مِن المرض، ثم ذكر الحديث.

    فما كان الصحابة يعرفون المتخلف إلا منافقاً.

    ويقول ابن عمر: [[كان الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا رأوه تخلف شَكُّوا في إيمانه]].

    فصلاة الجماعة واجبة.

    ومن تخلف عن صلاة الفجر وأخذها عادة بلا عذر من غَلَبَة نومٍ أو من مرض، فهذا دليل على نفاقه، نسأل الله العافية.

    وعند الترمذي، بسند فيه نظر، يقول عليه الصلاة والسلام: {من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان}

    فنحن شهداء الله في أرضه، والله عز وجل يقول: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] والرسول عليه الصلاة والسلام مُر عليه بجنازتين، فأثنَوا على جنازةٍِ خيراً، فقال: {وجَبَتْ لها الجنة، وأثنَوا على الأخرى شراً، فقال: وجَبَتْ لها النار، ثم قال: أنتم شهداء الله في أرضه}.

    مشاهد في أمريكا

    السؤال: فضيلة الشيخ! سمعنا أنك ذهبت إلى أمريكا من أجل الدعوة، فهل لك أن تعطيَنا بعض المشاهد التي رأيتها، لعله يكون لنا فيها عظة وعبرة، وشكراً لك؟

    الجواب: هذا مؤتمر للدعاة المسلمين وللشباب المسلم، حضره ما يقارب أربعة آلاف شاب مسلم، فمن السعوديين ما يقارب الألف أو زيادة، وكان في أوكلاهوما في شمال أمريكا، وحضره الكثير من علماء الإسلام، ما يقارب خمسين عالماً، ووجدنا هناك نماذج تبشر بالخير من شباب الإسلام، خرجوا من هنا وهم عاديون، يظنون أن الإسلام صلاة وذهاب إلى البيت وعودة، ولكن ذهبوا إلى هناك، فرأوا المجتمع -مجتمع جهنم، مجتمع النار، مجتمع الضياع- فعادوا إلى الحي القيوم، والتجئوا إلى الله لما رأوا علماء ومفكري الأمريكان يدخلون في دين الله، فعاد الواحد منهم داعية.

    وأذكر أن كثيراً من الشباب الأمريكان الذين حضروا الحفل، وتكلموا فيه، وتُرْجِمَ كلامُهم يشعرون بسعادة ما بعدها سعادة، وكأنهم دخلوا الجنة، وقالوا: إننا نشعر كأننا خرجنا من النار ودخلنا إلى الجنة.

    والمرئيات التي يجدها المسلم عجباً من العجاب:

    أولها: يشعر المسلم بالمفاصلة مع الكافر: فإنني شعرت - والله الذي لا إله إلا هو - أن التراب الذي نمشي عليه ونحن نعبر ولاياتهم، ما كأنه كالتراب الذي في بلادنا، والشجر الذي نراه ما كأنه بالشجر الذي هنا، والماء الذي نشربه ما كأنه بالماء الذي هنا؛ لأن الله عز وجل يؤانس بين المسلم وبين ما يخلقه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأرض الكافر يجعل بينها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وبين المسلم نفرة، حتى يقول عليه الصلاة والسلام لما رأى جبل أحد: {أحد جبل يحبنا ونحبه} قال: سيد قطب عن هذا الحديث: يا سبحان الله! حتى المؤمن يحب الجبال وتحبه الجبال. والشجر يحب المؤمن والمؤمن يحب الشجر.

    فلما رأينا المجتمع الضائع، وذاك التعرِّي، وذاك السُّخْف، وجدنا أُناساً يهرعون دائماً مشغولين في أفكارهم، كالآلة ذهاباً وإياباً، لا يطَّلِعون إلى عالم الغيب، ولا يعملون للآخرة، فهم مجتمع ضائع، ولذلك كانت لي منظومة قصيدة اسمها: أمريكا التي رأيتُ منها:

    يا أمة كتب الإله لها صحائف من خلودْ

    واختارها فجراً جديداً بعد ليل لا يعودْ

    وحمى عفاف حيائها من كل كفار عنودْ

    هو صاغها من فطرة عنوان موكبها السجودْ

    ***

    ما زرت أمريكا فليـ     ست في الورى أهل المزار

    بل جئت أنظر كيف ند      خل بالكتائب والشعار

    لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغارْ

    وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرارْ

    ***

    ورأيت أمريكا التي صاغوا لها أعلى وسامْ

    ما أرضهم أرض رأيتُ ولا غمامهمُ غمامْ

    ورأيتُ وقتي في ديا     رهمُ كألفي ألف عامْ

    إلى آخر هذه المنظومة.

    إنما هي أحاديث طويلة طويلة، فبشرى للمؤمن يوم يجد شباب الإسلام، وشباب هذه البلاد التي هي مهبط الوحي من السماء، وأرض القبلة، والتي تنزل فيها القرآن، يوم يرفعون لا إله إلا الله هناك، في الجامعات، والبعثات العسكرية، من أهل التخصصات الخاصة، والدعاة والمفكرين، يوم يجدهم يرفعون الرأس، ويوم يسمع الأذان وهو يتردد في الولايات، وفي الأماكن والمدن، يرتفع رأسه؛ ولكنه يستاء يوم يجد هؤلاء الذين ما عرفوا الله، فقد عرفوا كل شيء إلا الله، فقد أُعْمِيَتْ قلوبُهم، وطُبِعَ عليها، وللحديث مجالات ومجالات.

    حكم حلق اللحى وإسبال الثياب وسماع الغناء

    السؤال: أشهد الله أنني أحبك في الله، وأسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يثبتك ويزيدك علماً أولاً: بين لنا حكم حلق اللحية. ثانياً: حكم إسبال الثياب. ثالثاً: حكم سماع الغناء؟

    الجواب: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه.

    أما هذه المسائل التي عرضتَ لها: وهي اللحية، والغناء، وإسبال الثياب، فما أظنك تجهل، ولا الإخوة الذين حضروا يجهلون هذه الأحكام.

    ونحن لا ينقصنا الإفتاء، فالفتوى موجودة، ونور على الدرب نسمعه صباح مساء، بل بعض الناس يسمع في الكلمة الواحدة أو في المسألة الواحدة عشرين عالماً، لكن القناعة القلبية والإيمان واليقين ينبغي أن يتمكن في القلب لنسمع، فـإِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ [فاطر:22].. وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23]. فسماع القلب غير سماع الأذُن.

    ولا ينقصنا علم ولا فهم، لسنا نعبد العلم، فإن العلم عُبِد من دون الله. فـالعلمانية أتى بها أتاتورك في تركيا فعُبِدت من دون الله.

    اللحية: حلقها حرام. وفي عشرة أحاديث أو أكثر للنبي صلى الله عليه وسلم فيها نَهْيٌ وتحريمٌ لحلقها.

    والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {خالفوا المجوس، وفِّروا اللحى، وجزُّوا الشوارب} {أرخوا اللحى} {أعفوا اللحى، وقصوا الشوارب} وفي غيرها من الألفاظ الكثيرة.

    والغناء: محرم، كتاباً وسنةً.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً [لقمان:6] قال ابن مسعود: [[أقسم بالله قسماً إنه الغناء]].

    وقال ابن مسعود، وقد رفع هذا الكلام بعضُ المحدِّثين إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال: [[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل من المطر]].

    وفي صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف} واستحلال المعازف إنما هو بعد التحريم.

    قال أهل العلم: يدخل في المعازف: الناي والطبل والدف والمزمار والموسيقى بأنواعها، فهي محرمة، ومن استمع إليها في الدنيا حرمه الله سماع غناء الجنة، ففي مسند أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن في الجنة جوارٍ ينشدن للمؤمنين ويقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا} قال ابن القيم وهو يتحدث عن هذا، وغناء أهل الجنة في منظومته:

    قال ابن عباس ويرسل ربنا     ريحاً تهز ذوائب الأغصانِ

    فتثير أصواتاً تَلَذُّ لمسمع الـ     إنسان كالنغمات بالأوزانِ

    يا خيبة الآذان لا تتعوضي     بلذاذة الأوتار والعيدانِ

    ومن استمع إلى الغناء صُبَّ في أذنيه الآنـُـك، وهو الرصاص المذاب يوم القيامة، نعوذ بالله من ذلك.

    قال ابن القيم: "الغناء بريد الزنا ".

    وهذا كلام من عالم بالنفس محقَّق؛ فإن أهل التجربة وأهل علم النفس قالوا: للصوت تأثير في حركات العبد ومزاولاته.

    وما ارتُكِبَتِ الجريمة والفاحشة إلا بعد سماع أصوات العشقِ والوَلَهِ، والمحبةِ والغرامِ، وحبيبي وحبيبتي فترددت، ثم وقع الناس في الزنا والعياذ بالله.

    وأتينا إلى الناس بعد ذلك لنخرجهم من السجون بعد أن فُتح لهم مجال الغناء والعُهْر وسماع هذا الفُحْش؟ لا.

    إن العلاج يبدأ أولاً بالحمية، ثم بعد ذلك نقول للناس: هذا طريق الهداية. لا أن نستخرج الناس بعد أن يُحْبَسوا في المخدرات، والفاحشة، والمخالفات، والمعاصي، وهذا الذي نشكو حالنا فيه إلى الله.

    حكم قصر الصلاة في الرحلات

    السؤال: يخرج بعض الناس للرحلات أيام الخميس والجمعة، فهل يجوز لهم الجمع والقصر، علماً أن المسافة أكثر من ثمانين كيلو متر، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: إذا سافر العبد المسلم سواءً في رحلة أو نزهة أو في سفرِ طاعةٍ حَجَّاً كان أو عمرة أو زيارة المسجد الحرام والمسجد النبوي أو جهاداً فله أن يقصر. إذا كان هناك مسافة للقصر وهي ما تعارف عليه بأنها مسافة قصر.

    أما الكيلومترات والأميال فلا عبرة بها؛ لكن ما سمي في اللغة سفراً فيَقْصُر، سواءً في رحلة أو في غيرها، فإذا خرجت إلى مكانٍ نُزْهةً بأهلك فلك أن تجمع وتَقْصُر إذا كانت مسافة قصر.

    حكم إضاعة الوقت في غير ذكر الله

    السؤال: نرجو من فضيلتكم بيان حكم السمر على اللهو ولعب الورق، وترك صلاة الفجر مع الجماعة، وما حكم إضاعة الوقت في غير ذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟ والسلام عليكم.

    الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله، هذه -كما تعرفون - منكرات عظيمة، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى استخلف هذا العبد ليكون عبداً له، وقتُه محسوب عليه، يسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن عمره وسمعه وبصره وعن كل قوة زوده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بها، ففي صحيح مسلم قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: {لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع منها:... وعن عمره فيما أبلاه}. ويقول جل ذكره: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    فلعب الورق إن لم يكن على قمار، ومال، ولا على مخاطرة؛ فمكروه إذا لم يكن في وقت صلاة، أو شَغَل عن ذكر، أو قراءة قرآن.

    وإن شغل عن ذكر، أو قراءة قرآن، أو صلاة فهو محرم، وإن صاحبه مخاطرة، أو مال، أو شيء من الرهان فهو محرم أشد التحريم.

    ومن فاتته صلاة الفجر من أجل هذه الأمور فقد ارتكب أمراً محرماً، وقد فعل فعلاً شنيعاً، وأظن أن صلاته -والله أعلم- لا تقع له قضاءً؛ لأنه أخرجها عن وقتها بلا سبب، وسهر دائماً وأخذها عادة، فأخرجها عن وقتها، فالله أعلم بحاله، ونسأل الله أن يتوب علينا وعلى مَن هذه حالُه؛ فإن من يستخدم ليله في اللهو واللعب، ونهاره في الضياع فلا ندري ما مصيره؛ ولكن الله طالبنا بأن نحسن العمل ليحسن لنا الخاتمة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    فما أطالَ الليلُ عمراً وما      قصَّرَ في الأعمار طولُ السهر

    حكم كشف الخادمة على من تعمل عنده

    السؤال: ما هو الرأي الشرعي فيما يتعلق بالخادمات؟ وهل يحق لمن هي عنده الكشف عليها، كأحد محارمها؟ وهل يجوز لها العمرة أو الحج برفقة مستخدمها؟ وهل يجوز له أن يسمح لها أن تخرج إلى الشوارع متكشفة لفتنة الشباب؟

    الجواب: إذا استُقْدِمَتْ خادمة لأجل ضرورة أو لخدمة في البيت بشروط فلا بأس بذلك، وقال بعض أهل العلم: لا بد أن تكون مسلمة، والتعامل يكون مع المسلمين، فتكون متحجبة في مكان خاص، لا تتكشف على الرجل في البيت، فلا يراها ولا تراه، فإنها أجنبية وهو أجنبي عنها، ولا يصح له بحال أن ينظر إليها، وليست الخدمة سبباً شرعياً يوجب أن يكشف عليها أو أن تكشف عليه، بل تخدم في بيته مع زوجته وبناته، ولا تكشف على أولاده ولا يكشفون عليها، وإن أخل بهذا الشرط فالخادمات محرمات.

    وكذلك الخُدَّام من الرجال، حرام أن يكشفوا على نسائه وبناته، فإن أخل بهذا الشرط فقد ارتكب منكراً عظيماً وفاحشةً وجرماً.

    وأما الذهاب بها إلى الحج بلا مَحْرَم: فلا يجوز؛ لأنه ليس مَحْرَماً لها، بل عليها أن تحضر لها مَحْرَماً يستصحبها، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام - قال: {لا يحق لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسافة ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرَم}. وفي رواية في الصحيح: {... يوماً وليلة...}. وهذا يشمل كل مسلمة، فلا يحق لها إلا مع ذي مَحْرَم من أهلها، أو من قَرابتها.

    حكم ذهاب الخادمة للحج والعمرة مع العائلة التي تخدمها

    السؤال: ما رأيكم إذا كانت زوجته معه وأطفاله، وأراد أن يحج بها؟

    الجواب: بعض أهل العلم استثنى في هذه المسألة وقال: إن كانت للضرورة فمع أهله وأمه -مثلاً- وأخته وزوجته، بشرط ألا تكشف عليه؛ لكني لا أرى فتح هذا الباب؛ لأنه سوف يكون في السفر أمور، وسوف يُفْتَح الباب للناس على هذا الأمر، وفيه ضرورة، بل تحضر هي ولياً لها أو قريباً لها مَحْرَماً.

    حكم خروج الخادمة إلى الشارع متكشفة

    السؤال: وخروجها - أطال الله عمرك - إلى الشارع متكشفة لفتنة الشباب؟

    الجواب: هذا بإجماع العلماء لا يجوز، فإنه أفتى نفسه؛ لأنها تفتن الشباب؛ فمُحَرَّمٌ أن تتشكف في بيته عند أبنائه، فكيف إذا خرجت في الشارع!

    والخادمة ليس لها حكم خاص، فإنها تأخذ حكم المرأة، فعليها أن تستتر بستر الله، ولا تتكشف، وإن فعلت ذلك فقد ارتكبت إثماً، وارتكب مَن أتى بها إثماً، وكان داعياً إلى الإثمين: إثمها في نفسها يوم أركبها الإثم، وإثمه هو يوم فعل هذا الأمر العظيم.

    حكم من عمل عملاً لغير الله

    السؤال: ما رأي شيخنا الكريم في من تعلم العلم لغير الله، ولم يقصد بعلمه ولا بأكله ولا بشربه ولا بنومه إلا غير الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟

    الجواب: نسأل الله العافية والسلامة، العلم شيءٌ، وما ذكر من الأكل، والشرب، والنوم شيءٌ آخر، فيه تفصيل:

    أما مَن تعلَّم لغير وجه الله فنسأل الله أن يتداركنا وإياه برحمته، وأن يتوب علينا وعليه؛ فإن بعض الناس أول ما يبدأ في طريق العلم يبدأ لغير وجه الله، ثم يحوِّل الله نيته إلى الخير، يقول سفيان الثوري: " تعلمنا العلم لغير الله، فأبى الله إلا أن يكون له". وذُكِر عن الشافعي أنه يقول: " تعلمنا العلم للدنيا، فأبى الله إلا أن يكون له".

    فبعض الناس يبدأ أولاً بطلب العلم للرياء والسمعة والظهور، والمنصب والشهادة، ثم يفيض الله عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بمنه وكرمه مع الدعاء والتعوذ من الشيطان، ومع كثرة النوافل، فيفتح الله عليه، ويتوب عليه، فيعود، ويخلص نيته لوجه الله.

    والتعلم لغير وجه الله عز وجل حرام: ومن تعلم لغير الله لا يجد عَرْفَ الجنة، وإن عرفها ليوجد من مسافة أربعين عاماً أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وأما الأكل والشرب والمنام فهذه من الأمور المباحة، وأنت مأجور إذا صرفتها لطاعة الله، فإذا نوَيْت بنومك أن تستعين به على طاعة الله تحولت العادة عبادة، قال معاذ رضي الله وأرضاه: [[والله إني لأحتسب نَوْمَتي كما أحتسب قومتي]].

    فمن احتسب أكله كان مأجوراً؛ أما من أكل على غير نية، فليس بمأجور وليس بمأزور؛ إنما هي مباحات، إذا أكل بدون نية ما أظنه يحصل على أجر، ولكنه لا يحصل له إثم ولا ذنب ولا خطيئة إن شاء الله.

    حكم التكشف على بنات العمات والأخوال والخالات

    السؤال: هل لبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات أن تكشف على صاحب الدار؟

    الجواب: بنات الأعمام أو بنات العمّات أو بنات الأخوال كلهن أجنبيات، فهن لسن كأخته أو أمه أو بنته.

    حكم تطويل الخطبة

    السؤال: خطيب الجمعة طوَّل في الخطبة، فقام المسلمون وشتموا الخطيب، وانصرفت هذه المجموعة محتجين بطول الخطبة، فما حكم هذا؟

    الجواب: كان الأحسن لهم أن تكون المظاهرة على الخطيب بعد الصلاة؛ لأنه قد يكون خطب بهم ثلاث ساعات أو ما يقاربها، كما يفعل بعض الحمقى من الخطباء؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتصاد في الموعظة والمراعاة، وقال كما في صحيح مسلم عن عمار بن ياسر: {إن قِصَر خطبة الرجل وطول صلاته مئنة من فقهه} أي: علامة لفقهه؛ ولكن لا إفراط ولا تفريط.

    بعض الناس قد يرتقي المنبر، فيتكلم خمس دقائق، ثم ينهي الخطبة، وماذا سمع المسلمون في الخمس الدقائق؟ والمجتمع يمر بالمشاكل: بالمخدرات، وبالزنا والعُهْر، وتكشف المرأة، والربا وتسيب الشباب، فهذه المشكلات لا بد أن يعرضها فيحررها، ويؤصِّلها، فيأتي بالأدواء والأعراض وبالعلاج، حتى يستفيد الناس، في نصف ساعة - مثلاً - وفيما يقارب، هذه الحدود ولا يطيل.

    أما أن يأتي على المنبر فيأتي بسيرة الأولين والآخِرين، ويتحدث عن الأسعار والأمطار والأخبار، وعن كل ما هب ودب، فهذا ليس من حقوقه؛ لأن في الناس من هو مريض وشيخ كبير وطفل صغير، وفي الناس من هو مضطر، وفي الناس من عنده ضيوف بعد الصلاة، ومن عنده مواعيد وأسفار، فلا يحق له في الإسلام أن يفعل ذلك.

    ولكن الأحسن للمصلين والواجب ألا يقوموا بهذا؛ لكن يقوم أحدهم فيتكلم معه ويقول: طوَّلْتَ بارك الله فيك اختصر، وانزل؛ ليذكره فهذا، هذا من حقوق المصلي أن يتكلم مع الإمام، ولا يتكلم المصلون مع بعضهم، فإن للإمام أن يكلم الناس، ولهم أن يكلموه على المنبر؛ لكن ليس للمصلين أن يتكلموا بعضهم مع بعض.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737376513

    عدد مرات الحفظ

    684510216