إسلام ويب

تحريم التمييز العنصريللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كثر في هذه الأيام التحدث عن القومية العربية التي تعتبر دعوة عنصرية، ولكن دين الإسلام يحرم هذا التمييز العنصري، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً على أبي ذر عندما قال لبلال: يا بن السوداء.

    وقال له النبي صلى الله عليه وسلم (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) وهذا يدل على عظمة هذا الدين وإلى عدله وسماحته.

    1.   

    المجاهدون الأفغان

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً ومنيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وسلم ما تضوع مسك وفاح، وما غرد حمام وصاح، وما شدا طير وناح، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الصائمين المصلين المجاهدين وسلم تسليماً كثيراً.

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحي الله من حيانا.

    إن السلام وإن أهداه مرسله     وزاده رونقاً منه وتحسينا

    لم يبلغ العشر من قول يبلغـه     أذن الأحبة أفواه المحبينا

    آخيتمونا على حب الإله ومـا     كان الحطام شريكاً في تآخينا

    ولقد أحسنتم يوم قرأتم في صلاتكم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] أنا أريد أن أتحدث عن المجاهدين الأفغان، فوافقني الإمام في قراءة هذه الآية وسبق لي البارحة أن تحدثت قبل الدرس عنهم؛ لأن العالم يقف مشدوهاً، شاخص الأبصار، وينظر إلى السجدات الإيمانية، وينظر إلى البطولات الإسلامية، ينظر إلى أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

    في فتية من بني الأفغان ما تركت     كراتهم للعدى صوتاً ولا صيتاً

    قوم إذا قابلوا كانوا ملائكة     حسناً وإذا قاتلوا كانوا عفاريتا

    نعم إنه الإيمان، وإنه الإيمان الخالص، الذي يقول لأصحابه، قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، أتت روسيا الملحدة الكافرة الزنديقة تحارب الله من فوق سبع سموات، فخرج المتوضئون المصلون الصائمون المجاهدون يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174] يذبحون الروس على الطريقة الإسلامية، وهذا جائز عند الناس أن يذبح الكافر على الطريقة الإسلامية، ومن قال لك: إن ذبحه حرام؟!

    بل يجوز بالإجماع، بإجماع المجاهدين الأفغان، وفر الروسي وهو يجر ذيل الهزيمة والخيبة واللعنة: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16] واقترب فتح كابل فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا، بل كنا قوماً ظالمين.

    أيها الإخوة! أيها الأبرار! أيها الصالحون! إن النصر يطلب من فوق سبع سموات: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160].

    وقد جربنا مع إسرائيل أكثر من ثلاثين سنة، لكننا ما أخذنا النصر من فوق سبع سموات، طلبنا النصر من جنيف، فما أتى نصر، وطلبناه من هيئة الأمم المتحدة، فما أتى نصر، وطلبناه من مجلس الأمن، فما أتى نصر.

    أما المجاهدون فقال لهم الناس: تعالوا إلى مجلس الأمن، قالوا: كفرنا بـمجلس الأمن وآمنا بالله وحده، قالوا: تعالوا إلى جنيف، قالوا: كفرنا بـجنيف وآمنا بالله وحده، تعالوا إلى هيئة الأمم المتحدة الظالمة المشاغبة، قالوا: كفرنا بـهيئة الأمم المتحدة، وآمنا بالله وحده، فانسحب أعداؤهم.

    فروا على نغم البازوك في غسق     فقهقت بالكلاشنكوف نيران

    يسعى فيعثر في سروال خيبتـه     في أذنه من رصاص الحق خرسان

    والآن تشرف طلعات الإيمان، ويشرف العلم، وتشرف طلعات خالد بن الوليد، وسعد وصلاح الدين.

    من تلق منهم تقل لاقيت سيدهـم     مثل النجوم التي يسري بها الساري

    وإذا نزل القرآن والحديث والسنة والإسلام في الساحة، لم يـبق مارد ولاجبار ولا عاتية ولا طاغية أبداً، بل ينصر الله من يشاء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    هذه مقدمة، وحديثنا الليلة.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث إلى النساء

    طلب مني بعض الأخوة، أن نعود بشيء من العود إلى درس البارحة؛ لأنه يهم النساء، يهم بنات حواء، ويهم حفيدات أسماء وزينب، هو حديث عن النساء، ولكنني لا أذكره كله؛ لأن المكرر مغرر، والنفس مولعة بمعاداة المعاد، وإعادة الحديث على الرجال أثقل من حمل الصخور من الجبال، لكنني أعود بشيء من الإيجاز بقالب آخر، يقول البخاري رحمه الله رحمةً واسعة: باب كفران العشير وكفر دون كفر، حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: مارأيت منك خيراً قط) وهذه رواية ابن عباس والبخاري يقول في الباب نفسه عن أبي سعيد الخدري، أي: أنه ورد عن هذا وورد عن ذاك، وهذا الحديث يحمل الرقم السابع والعشرين، وقد سبق شرحه في مكة الليلة البارحة، لكن أعود بإيجاز، خرج صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس صلاة العيد فلما لبس لباس الجمال ووقف أمام المصلين يحيى القلوب. كما قال شوقي:

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له     وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

    فلما انتهى من الرجال، قال لـبلال: (انصرف بنا إلى النساء، لنحدث النساء) إنه رسول الرجال والنساء، إنه داعية الرجل والمرأة، إنه الذي أحيا الجيل عليه صلاة الله وسلامه، فاتكأ على كتف بلال بيده الشريفة، وكان النساء يخرجن إلى المصلى في صحيح البخاري من حديث أم عطية: (أمر صلى الله عليه وسلم النساء أن يخرجن وأن تعتزل الحيض المصلى) فالمرأة لها أن تحضر الدروس الإسلامية والمحاضرات، محتشمة متحجبةً عاقلةً حافظةً للغيب بما حفظ الله.

    لتسمع كلمات النور والهداية، لتسمع كلمات الإيمان، وتتأثر؛ لأن جلوس المرأة في بيتها، ثم لا تصلها دعوة ولا نور ولا إيمان ولا قال الله ولا قال رسوله صلى الله عليه وسلم، ليس بصحيح، والمرأة نصف المجتمع أو أكثر، فمن هذا الدرس نأخذ أن الرسول عليه الصلاة والسلام تحدث إلي النساء وتكلم في النساء، وخاطب النساء، أتى إليهن، فوقف عليهن صلى الله عليه وسلم، فكان أول ما تكلم به بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله أن قال وهذا في حديث أبي سعيد: (تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة -عاقلة رشيدة جريئة شجاعة- وقالت: ولم؟ -لم يا رسول الله نحن أكثر أهل النار؟- قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) ثم بين عليه الصلاة والسلام السبب.

    1.   

    ما يستفاد من حديثه صلى الله عليه وسلم للنساء

    وفي هذه الأحاديث حديث أبي سعيد، وحديث ابن عباس دروس للنساء، ألقيها موجزةً لأدخل درس هذه الليلة، درس جدة.

    الدرس الأول للنساء: أن عليهن أن يتقين الله عز وجل وأن يكثرن من الصدقة، والسبب في مخاطبتهن بالصدقة؛ لأنهن كثيرات الغفلة، وكثيرات السهو وكثيرات السب والشتم، وجحدان المعروف، ونكران الجميل، فعليهن أن يكثرن من الاستغفار والصدقة، أن تبذل إحداهن من حليها من قميصها من دراهمها، من مالها من جاهها لمن يستحق ذلك والله يأجرها.

    الإسلام يهتم بالمرأة

    الدرس الثاني: اهتمام الإسلام بالمرأة، وما افترس مجتمعنا ولا ضاعت قيمنا ولا ضاع شبابنا؛ إلا يوم ضاعت المرأة، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {ما تركت بعدي أضر على الرجال من النساء} ويوم خرجت المرأة متبرجةً سافرةً، تحضر الولائم الداعرة، المغضبة لله عز وجل؛ حينها انطلقت العيون، وحينها ذهبت القلوب وشردت الأرواح.

    واجب على المرأة أن تطلب العلم الشرعي

    الدرس الثالث: أن على المرأة أن تجتهد في طلب العلم الشرعي، وأن تسأل عن أمور دينها، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سألته النساء في حياته، وقد سلف معنا نماذج من ذلك، لا أكرر هذا، بالإمكان أن يجدن الشريط أو شريط أحد الإخوة الدعاة، فإن في ذلك بياناً، فلا تستحي المرأة من الحق أن تسأل عالماً أو داعيةًَ، أو تستفسر حتى تعبد الله على بصيرة، في أمورها في طهرها في حيضها، في صلاتها في صيامها، وهذه هي المرأة المسلمة.

    وكذب من يقول: أن الإسلام لم يهتم بالمرأة، كذب أعداء الله، والله ما عرف حق المرأة إلا الإسلام، والله ما أقام للمرأة حقاً إلا الإسلام، ومن أعظم حقوق المرأة، أن تكون درةً وجوهرةً في بيتها، محميةً محجبةً محروسةً، ولكن دعاة الباطل يريدون الفاحشة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    يقول شاعرهم الماجن المتهتك الداعر:

    مزقيه مزقيـه
    يعني الحجاب.

    ويقول الآخر: المرأة في بلادنا ما زالت متخلفة!

    متخلفة يا عدو الله يوم تحافظ على صلواتها الخمس؟! ومتخلفة يا عميل الشيوعية يوم سجدت لله، وطهرت قلبها وأحصنت فرجها، وحفظت بيتها وربت أبناءها؟! لقد أخطأت كل الخطأ،بل هي متقدمة حرة جوهرة مصونة، فاستحي من الله تبارك وتعالى.

    1.   

    الحديث الأول عن تحريم التمييز العنصري وشرحه

    وأعود إلى هذه الأحاديث التي معنا هذه الليلة، الحديث الثامن والعشرون: عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: (ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي صلى الله عليه وسلم: أعيرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن كلفتموهم فأعينوهم) هذا الحديث في البخاري من رواية أبي ذر، وهو الذي معنا.

    وعنوانه تحريم التمييز العنصري، عنوان هذا الحديث تحريم التمييز العنصري، يقول أبو ذر: (ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي صلى الله عليه وسلم: أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    السؤال: من هو الرجل الذي سابه أبو ذر؟

    ثم كيف يكون في أبي ذر جاهلية وهو من خواص الصحابة والمقدمين في الصحابة ومن الزهاد والمجاهدين والعباد؟

    ثم نبذة عن أبي ذر وحياته، ثم مسائل عن موقف الإسلام من التمييز العنصري، والطبقات واختلا ف الدماء والألوان والصور.

    أولاً سياق القصة في غير البخاري:

    اجتمع خالد بن الوليد في مجلس عسكري رهيب، مع كبار الصحابة، يريد غزوة من الغزوات، ولما انعقد المجلس تكلم الناس -أنا لا أعرفكم بـخالد بن الوليد أنتم كلكم تعرفون خالداً، هو قائد وهو رئيس المجلس والجلسة- فلما دار الأمر والرأي، تكلم أبو ذر بكلمة، فعارضه بلال بن رباح، داعية السماء مؤذن الإسلام، الذي أذن في أذن المدينة، فانسلخ الشرك من أخمص قدميها إلى مشاش رأسها، فاستفاقت على أذان جديد ملأ آذانها أذان بلال.

    قم يا بلال أعد نشيدك في الورى     للعالمين وسجل الإنذارا

    ودع التماثيل التي صورت     جذذاً ومزق عبدها الخوارا

    وقل لـبلال العزم من قلب صادق     أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً     به ترق أبواب الجنان الثمانيا

    بلال جاء من الحبشة يريد النور والهداية، وأبو طالب وأبو لهب لم يهتديا لكن بلالاً عرف الحق واليوم الآخر وعرف طريقه إلى الجنة، فعارض أبا ذر في رأيه، فغضب أبو ذر، وكان في أبي ذر رضي عنه حدة وسرعة غضب، وهذا فيه دليل على أن الأولياء قد يكون فيهم حدة وغضب، وقد يكون الولي بخيلاً، وقد يكون جباناً، ولكن لا يكون كذاباً.

    فلما عارضه، قال أبو ذر: حتى أنت يا بن السوداء؟! وهذه كلمة غير صحيحة، بل كلمة خاطئة، هذه كلمة لا تصدر في مجتمع مسلم رباه الرسول عليه الصلاة والسلام، لون بلال أدخله الجنة، لكن ليس للونه بل لعقيدته ولمبدئه دخل الجنة، وأين لون أبي طالب وأبي لهب وأبي جهل، أما دخلوا وهم بيض مصاقيع النار!، ما نفعهم لونهم عند الله.

    وفي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) أيقال في المجتمع المسلم الذي رباه صلى الله عليه وسلم (يا بن السوداء)؟!

    وقال بلسان الحال أنت يا أبا بكر، أنت يا أبا بكر القرشي، أخ لـبلال الحبشي، وأنت يا عمر الكعبي أخ لـسلمان الفارسي، أنت يا علي بن أبي طالب الهاشمي أخ لـصهيب الرومي.

    هذا هو الإسلام: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].

    توقف المجلس على غضض وانسل الناس من أمكنتهم وقام بلال سريعاً إلى من يطرح القضية؟!

    هذه قضية الساعة لا بد أن تدرس، ذهب إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام، وشكا إليه أبا ذر وقال: قال كذا وكذا يا رسول الله، فغضب عليه الصلاة والسلام وتغير وجهه وتحير من هذه الكلمة، واستدعى أبا ذر ليحاكمه.

    إن هذه الكلمة تعارض رسالته صلى الله عليه وسلم، تعارض الإسلام، إنها تعارض كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ أما هذه الدعوة، فدعوة التمييز نابليون وهتلر وأتاتورك وغاندي، أعداء البشر، وأذناب العمالة، أحفاد الشيوعية.

    النبي صلى الله عليه وسلم يغضب من أبي ذر

    أما محمد عليه الصلاة والسلام، فأتى بمبدأ الولي حبيب لله ولوكان بعيداً مبعداً خادماً، وعدو الله بغيض مبعد ولو كان سيد قريشٍ، فاستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم أبا ذر، فدخل فسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام، في بعض الروايات قال أبو ذر: لا أدري هل رد علي أم لا من الغضب؟

    بلغ الغضب به صلى الله عليه وسلم منتهاه، ثم التفت إلى أبي ذر فقال له: أعيرته بأمه؟

    أعيرته بأمه؟

    إنك امرؤ فيك جاهلية، قال: يا رسول الله! -وأتى بها ابن حجر في الفتح - أعلى كبر سني يا رسول الله؟!

    يقول: أنا جاهل وأنا كبير السن، أصبحت شيخاً كبيراً أبيض اللحية، أصبح جاهلاً، يظن الجهل من صغر السن قال: نعم إخوانكم خولكم؛ ثم ساق صلى الله عليه وسلم الحديث، وفي هذا قضايا:-

    الجاهلية تطلق على عدة معانٍ

    إطلاقه صلى الله عليه وسلم لفظ الجاهلية على أبي ذر، معناه أنت امرؤ ما زالت فيك شعبة من شعب الجاهلية الوثنية، التي كانت قبل الإسلام وقبل لا إله إلا الله، قبل أن تأتي الدعوة الخالدة، والجاهلية أطلقت في القرآن في عدة مواضع: فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [الفتح:26] فهي الانتصار للباطل، والحمية على الباطل تسمى جاهلية.

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] فالخروج على الحدود وعلى أحكام الله جاهلية.

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] فمن ابتغى حكماً غير حكم الله، فهو جاهلي، والمجتمع الذي يبتغي حكماً غير حكم الله مجتمع جاهلي، وأحد الكتبة المشكورين المأجورين ألف كتاباً بعنوان (جاهلية القرن العشرين) فالمجتمع الذي يريد حكماً غير حكم الله جاهلي، والإنسان الذي فيه شيء من أوضار الجاهلية والوثنية فيه شعبة من شعب الجاهلية، والمرأة التي تتبرج وتخرج على الحجاب تعيش في فترة جاهلية، وهي جاهلية أيضاً.

    هذا قوله صلى الله عليه وسلم: {إنك امرؤ فيك جاهلية} لماذا قال له صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية؟

    لأنه سبه بشيء لا ينبغي أن يسب به، ترك مكارم بلال، ترك أن بلالاً استجاب للإسلام، ونسي أنه سجد لله، وأنه مؤذن الإسلام، نسي أنه مجاهد، وأتى بأشياء ليس فيها عيب، أتعيب الإنسان بلونه؟!

    أأنت الذي خلق أم الله؟!

    لونه لا يزيد فيه ولا ينقص، نحن لا نعترف بالألوان، واختلاف الألوان، واختلاف الدماء، ودعاة القومية قاتلهم الله أنى يؤفكون، يقولون: الدم العربي، اللسان العربي، العنصر العربي، وهذه دعوة أتاتورك، يوم جعلها تركية، قاحلة قبيحة.

    ودعوة غاندي يوم جعلها هندية، فنحن نقول: إسلامية.

    دعها سماوية تجري على قـدر     لا تفسدنها برأي منك منكوس

    ساداتنا وقاداتنا بلال بن رباح وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وخباب بن الأرت مولى من الموالي، وهؤلاء نجوم الإسلام وأمثالهم وأضرابهم كثير، ولكن قبل أن أنفذ إلى شيء من التمييز العنصري وبعض مسائله، من هو أبو ذر؟

    وهذا قد تكرر معنا، ولكن أذكره للفائدة؛ ولأن المعاني التربوية أكثر فائدة من كثير من المسائل الفرعية.

    نبذة عن أبي ذر رضي الله عنه

    أبو ذر أحد السابقين إلى الإسلام، وهو حبيب لرسولنا صلى الله عليه وسلم عرف الله وعرف الطريق إلى الله، والتمس النور.

    هو من قبيلة غفار، وقبيلة غفار بعيدة في الصحراء، كان بعيداً ولكن قربه الله حتى دخل إلى الحرم وإلى الرسول عليه الصلاة والسلام والله إذا أراد أن يقرب البعيد قربه، وإذا أردت أن يبعد القريب أبعده، أبو طالب عند الحجر الأسود، وأبو لهب عند زمزم، وأبو جهل عند الحطيم، لكن لم تدمغ أدمغتهم لتفهم لا إله إلا الله.

    وأما أبو ذر فسمع لا إله إلا الله، كان يرعى إبله في الصحراء، من غفار يقول عليه الصلاة والسلام: {غفار غفر الله لها، أسلم سالمها الله} وسبب الدعوة أبو ذر، أسلم على يديه ثلثا قبائل غفار، وكلهم في ميزان حسناته يوم يتقبل الله عنه أحسن ما عمل ويتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

    قصة إسلام أبي ذر

    سمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام أطل في طلعته البهية في مكة، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] واستقبلت الدنيا دعوته وسمعت المعمورة رسالته، فقال لأخيه أنيس: اذهب إلى هذا الرجل إلى مكة وأعطني خبره، تعال بخبره، فذهب أخوه، ولكن استعجل في ذهابه، ركب ناقته ووصل إلى الحرم، فأخذ الأنباء ما تثبت لقي مثل أبي لهب وأبي جهل وأمثالهم، عصابات الإفساد والإجرام، فسألهم من هذا الذي يدعي النبوة؟

    قالوا: ساحر شاعر كاهن، وهكذا عدوك إذا وصل الخبر إليه، فحذار حذار، سوف ينزل عليك من الشائعات ما الله به عليم، فعاد إلى أخيه، فقال: وصلت مكة فسألت الناس، فقالوا: شاعر ساحر كاهن، قال: من سألت؟

    قال: سألت أهل مكة، قال: ما شفيتني، المثل العام يقول: ما قضى لي حاجة مثل نفسي، أنا آتيك بالخبر، وأنا أصل إلى الخبر إن شاء الله في مستقره، قال: عليك بالغنم والأهل احفظهما.

    ركب جمله قال: وأخذت قربة -أي إداوة صغيرة- فعبأتها ماءً ثم جلست على بعيري حتى قدمت الحرم، وأول من صادف علي بن أبي طالب، من ترعرع على لا إله إلا الله، غرس في قلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:25] فقال لـعلي: من هذا الرجل وما عرف أنه ابن عم الذي بعث.

    قال: هو نبي حقاً، من أين أنت؟ قال: من غفار، قال: أتريد أن تراه؟ قال: نعم، قال: انزل معي، فإذا رأيتني أصلح نعلي، فاعرف أنه الرجل الذي يحاذيني؛ لأن كفار قريش حول الرسول عليه الصلاة والسلام حظروا الاتصال به صلى الله عليه وسلم، وكانوا على أنقابمكة وعلى مداخل مكة، إذا رأوا العربي حذروه، وقالوا له: احذر أن يضلك هذا الساحر، أو الشاعر، أو الكاهن.

    في صحيح مسلم أن الطفيل بن عمرو الدوسي الزهراني قال: قدمت مكة، لأرى وأسمع الرسول عليه الصلاة والسلام قال: فوالله ما زال بي كفار مكة حتى شككوني في نفسي وقالوا: لا تسمع منه إنه ساحر يسحر، إنه كاهن يتكهن عليك، قال: حتى أخذت القطن فوضعته في أذني سبحان الله! لكن لا إله إلا الله أقوى من القطن، ولا إله إلا الله تفجر طبقات القطن، وتدخل إلى القلوب من وراء القطن، قال: فوضعت القطن في أذني لئلا أسمع شيئاً، ولكن الله أراد أن يهديه، قال: فجلست في طرف الحرم، فرأيت الرسول صلى الله عليه وسلم بعيداً، قال: فاقتربت رويداً ثم قلت لنفسي: يا عجباً لي، أنا شاعر من شعراء العرب -وهو شاعر- وخطيب أعرف فصاحة الكلام من هزله! فكيف لا أسمع؟! فإن أعجبني وإلا تركت، وأراد الله أن يهديه، فنزع القطن، هذا أول مشروع الهداية، هذا قص الشريط إيذاناً بافتتاح لا إله إلا الله في قلبه، فاقترب منه فسلم عليه، قال: عم صباحاً يا أخا العرب، قال: أبدلني الله بتحية خير من تحيتك السلام عليكم ورحمة الله

    نظرة فابتسامة فسلام     فكلام فموعد فلقاء

    لا بأس بتكرير الكلام- فجلس عنده، فقال للرسول صلى الله عليه وسلم أسمعني مما تقول: فأسمعه مقطعاً من الآيات، قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.

    فأتى علي بن أبي طالب فقال لـأبي ذر: إنني إذا نزلت الحرم فسوف أتظاهر بأنني أصلح نعلي، فإذا رأيتني أخصف النعل فتقدم إليه، فهو الرجل الذي يليني. فنزل معه واقترب من الرسول عليه الصلاة والسلام ووقف علي بن أبي طالب يصلح نعله ويخصف نعله، فتقدم أبو ذر فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان منظره يميزه بين العالم، وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر.

    لو لم تكن فيه آيات مبينة     لكان منظره ينبيك بالخبر

    فتقدم إليه وقال: عِم صباحاً يا أخا العرب، هذه تحية الجاهلية، يقول امرؤ القيس في قصيدته الرائعة، المشرقة، ومع أنها جاهلية وثنية، لكنها جميلة السبك يقول:-

    ألا عِمْ صباحاً أيها الطلل البالي     وهل يعمن من كان في العُصُر الخالي

    وهل يعمن إلا سعيد منعـم     قليل الهموم لا يبيت بأوجال

    فقرأ عليه الصلاة والسلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ثم قام فوقف على الصفاء، فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فاقترب منه الجاهليون فضربوه بالحجارة، حتى أغمي عليه، فأتى كالثوب الأحمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: اصبر فإنك لن تستطيع أن تجهر بدعوتك الآن، فإذا سمعت أني خرجت فتعال؛ فعاد رضي الله عنه بعد أن تعلم الصلاة داعية يحمل إيماناً، وديناً، ولو كان فينا اليوم أفراد مثل أبي ذر لصلح الحال بإذن الله.

    وصل إلى قبيلته فجمعها كلها، جمع القبيلة أمامه في البادية، قال: دمي من دمكم حرام، هدمي من هدمكم حرام، وقال لزوجته: ابتعدي ولأبيه ولإخوانه، حتى تؤمنوا بالله وأن محمداً رسول الله، فآمن ما يقارب الثلثين من قبيلته، وسمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام هاجر إلى المدينة، فأخذ المسلمين في قوافل غفار، واتجه إلى المدينة، ثم لما دخل إلى المدينة ظنوه جيشاً غازياً للمدينة، فخرج لاستقباله، وعانقه صلى الله عليه وسلم وقربه، فكان من أحب الناس، وأقربهم إلى أبي ذر.

    قال: عِم صباحاً يا أخا العرب، فقال عليه الصلاة والسلام: {أبدلني الله بتحية خير من تحيتك، قل السلام عليكم ورحمة الله، قال: السلام عليك ورحمة الله، فرد الرسول صلى الله عليه وسلم السلام عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ممن أنت؟ قال: من غفار، فتبسم عليه الصلاة والسلام ورفع طرفه إلى السماء} تبسم؛ لأن غفاراً كانت قبيلة تسرق الحجاج، مهمتها فقط قطع القوافل، فكيف يهتدي هذا وهو من غفار.

    وفي حديث له شواهد أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك، فتخلف أبو ذر براحتله، فأخذ ما عليها من متاع وترك الراحلة، فقال عليه الصلاة والسلام: {أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يلحق بنا؟ وأراد الله به خيراً، ورآه صلى الله عليه وسلم من بعيد، فقال: كن أبا ذر، كن أبا ذر، وأشرف بطلعته البهية، فإذا هو أبو ذر، قال:{رحمك الله يا أبا ذر! تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك} وعاد مع الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه قال له صلى الله عليه وسلم: {إذا بلغ البناء سلعاً} وهذا عند الذهبي بسند جيد:{إذا بلغ البناء سلعاً -وهو جبل بـالمدينة - فاخرج من المدينة} يريد أن يبقى صافياً قوي الإيمان، حار التوحيد، ما يشوبه شيء من الدنيا، فلما بلغ البناء جبل سلع، خرج من مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الربذة، بغنمه وخيمته.

    لا طفوني هددتهم هددونــي     بالمنايا لا طفت حتى أُحَسَّا

    أركبوني نزلت أركب عزمـي     أنزلوني ركبت في الحق نفسا

    أطرد الموت مقدمـاً فيولـي     والمنايا أجتاحها وهي نعسى

    خرج إلى الصحراء.

    أبو ذر يطلب الإمارة من رسول الله

    ومن ضمن مواقفه مع الرسول عليه الصلاة والسلام أنه رأى الرسول عليه الصلاة والسلام يولي الناس الإمارة، فأتى قال: وليت فلاناً وفلاناً، فولني قال: إنك امرؤ ضعيف، وفي لفظ صحيح: {والله يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي، إنك امرؤ ضعيف، إنها أمانة ,وإنها خزي وندامة يوم القيامة} فترك الإمارة، فالرسول عليه الصلاة والسلام عرف أنه ضعيف قالوا: شديد العجلة، وكثير الغضب، والإمارة منصب يحتاج إلى رجل واسع الصدر، وهذا لا يقلل من الأولياء؛ لأن بعض الناس يتصور أن ولي الله يشترط فيه أن يكون ذكياً من الدرجة الأولى، طبيباً مهندساً مفتياً عالماً، وقد يجهل الولي كثيراً من الأمور، وقد لا يعرف الولي أمور الدنيا، ولذلك الذهبي لما ترجم لـابن الريوندي هذا الملحد الزنديق الفيلسوف الشاعر، يقول كان ذكياً ولكن لم يكن مؤمناً، ما كان متقياً لله، قال: فلعن الله الذكاء بلا إيمان، وحيا الله البلادة بالتقوى، فلا يظن متصور أنه يشترط في أولياء الله أن يكونوا في درجة ممتازة من الذكاء.

    أما بلال بن رباح فأسلم قديماً مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وتبعه في أيامه ولياليه، وكان مؤذنه دائماً وأبداً، وكان يحبه صلى الله عليه وسلم، وكان صوته ينساب إلى القلوب بصوت الإيمان، وحرارة الإيمان في الأذان، ولذلك جعله صلى الله عليه وسلم مؤذنه الخاص، بل وفي صحيح مسلم لكن باختصار أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {دخلت الجنة البارحة، فرأيت دف نعليك في الجنة يا بلال! ماذا كنت تفعل؟ قال: يا رسول الله! والله ما توضأت في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، إلا صليت ركعتين} فهذه من أعماله الصالحة رضي الله عنه وأرضاه وهو من أهل الجنة إن شاء الله، تخلف بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، وطلب منه أبو بكر أن يؤذن للمسلمين فأبى، وطلب منه عمر فأبى، فلما فتح عمر رضي الله عنه بيت المقدس قال لـبلال: سألتك بالله أن تؤذن، فقام يؤذن فبكى الناس، لما تذكروا ذاك الصوت وتلك الذكريات، وتلك الأيام الخالدة.

    1.   

    ما يستنبط من حديث أبي ذر

    العبد يذنب ولو كان من أولياء الله

    وفي حديث أبي ذر فوائد:

    منها: أن العبد، قد يخطئ ويذنب وعليه بالاستغفار وقد يساب العباد ولو كان من الصحابة.

    قال: فعيرته بأمه، فقال عليه الصلاة والسلام: { أعيرته بأمه؟} فيه الإنكار منه صلى الله عليه وسلم والنهي عن التعيير بالآباء والأمهات، والنهي عن سب الآباء والأمهات، وفي ذلك أحاديث وزواجر، جمع السيوطي كثيراً منها في باب من لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ منها حديث: {لعن الله من لعن والديه} وحديث: {لا تسبوا أمهاتكم} إلى غيرها من الأحاديث التي صحت عنه صلى الله عليه وسلم، وفيه أن المسلم مهما بلغ في الولاية، فقد يكون فيه بعض المعصية.

    الجاهلية والسفه قد تطرأان على كبير السن

    فقال فيه: {إن فيك جاهلية، قال: على كبر سني} فيه أن الكبر والصغر أمر نسبي، فلا يظن الكبير إذا شابت لحيته، أنه سوف يكون عاقلاً فلا يصيبه شيء من السفه ولا الجاهلية والخطأ.

    وما الحداثة من حلم بمانعة     قد يوجد الحلم في الشبان والشيب

    فالحلم والسعة والإدراك والعلم والفطنة قد تأتي للصغار أو للكبار؛ ولذلك كان كثير من الصحابة يحملون الفتيا ويقودون الجيش والجهاد وعمر الواحد ما يقارب السابعة عشرة من عمره.

    فلا يظن ذلك؛ لأنه ورد عن بعض العلماء أنه يقول: أنه لا يتصدر الإنسان إلا في الأربعين، سبحان الله! أهل الحداثة وأهل العمالة، يتصدرون في العشرين وفي الخامسة عشرة، ويبقى أهل الدعوة وأهل الإسلام حتى يبلغوا الأربعين، إذا بلغوا الأربعين أخذوا أكفانهم يستعدون للموت، وماذا يريدون؟!

    فقد انتهى الأمر، لكن على الإنسان من يوم يدرك أن يبذل ما يستطيع للإسلام، وما عليه مما يوجه له أعداء الإسلام.

    الجاهلية أنواع

    وفيه أن الجاهلية أنواع وأضراب، كما ذكر البخاري، في كتابه: صحيح البخاري في الباب، فإنه يستحق كذلك عنوانه أن يقول: جاهلية دون جاهلية، الكافر جاهلي، والمنافق جاهلي، والإنسان الذي لم يتعلم يسمى جاهل، والمؤمن الذي فيه شعبة من الجهل، يقال له: فيك جاهلية؛ كما أطلقها صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن تعيير الناس بأشخاصهم أو بألوانهم أو دمائهم، فمن فعل ذلك، فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أن الإسلام لا يعترف بالدماء ولا يعترف بتعدد الألوان، ولا يعترف كذلك بالقوميات والشعوبيات؛ لأنها ما وجدت إلا يوم وجد الكفر بهذا الدين والتمرد على هذا الدين.

    إن كيد مطرف الإخاء فإننا     نغدو ونسري في إخاء تالد

    أو يختلف ماء الوصال فماؤنـا     عذب تحدر من غمامٍ واحد

    أو يفترق نسب يؤلـف بيننـا     دين أقمناه مقام الوالد

    1.   

    الحديث الثاني: (القاتل والمقتول في النار)

    الحديث الثاني: هو الحديث التاسع والعشرون، عن أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)

    أصل حديث "القاتل والمقتول في النار"

    أصل الحديث في صحيح البخاري وله قصة، وذلك أن الأحنف بن قيس ذهب لينصر علي بن أبي طالب في معركة الجمل، معركة الجمل وقيل معركة صفين، فكان للأحنف كلام مع أبي بكرة، الأحنف بن قيس، هو حليم العرب سيد بني تميم، ذهب لينصر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه في الجمل، فلقيه أبو بكرة قال: أين تذهب؟

    قال أذهب مع عائشة في الجمل، قال: عد فإني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة} فعاد، فلما أتت صفين بين علي ومعاوية، ذهب فلقيه أبو بكرة مرة ثانية قال: أين تذهب؟

    قال: أنصر ابن أبي طالب ابن عم الرسول عليه الصلاة والسلام، قال:عد فإني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، الحديث} والأحنف بن قيس هو سيد بني تميم وحليم بني تميم، كان أشل -والأشل الذي رجله أو يده متعطلة عند العرب- وكان أحنى محدودباً، نحيفاً هزيلاً، في منظره كراهة وبشاعة، ولكنه ملئ عقلاً وإيماناً، وقلباً سديداً، وكان من أفصح الناس وأدهى الناس وأحلم الناس.

    ما كان يغضب، أتى سفيه من الناس قال له بعض بني تميم: ما رأيك نعطيك مالاً كثيراً وتذهب وتضرب الأحنف بن قيس على وجهه؟

    هذه في الأدب، يريدون أن يمتحنوا الأحنف بن قيس، ما كان يغضب كالبحر صدره، وكنيته أبو بحر، فأعطوا هذا السفيه كثيراً من المال وذهب فاقترب من الأحنف ثم ضربه على وجهه، قال الأحنف: كم أعطاك بنو تميم مالاً؟

    قال أعطوني كذا وكذا، قال: تضرب من؟

    قال: يقولون: اضرب سيد بني تميم، قال وهل أنا سيد بني تميم؟ قال: يقولون ذلك، قال الأحنف بن قيس: هو ذاك، عن رجل هو جارية بن قدامة من أغلظ الناس وأشرس الناس وأفتك الناس، فذهب إليه فاقترب من جارية هذا فلطمه على وجهه، فقام جارية فضرب الرجل حتى أغمي عليه واستفاق بعد ساعة يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، هذا الأحنف بن قيس قيل له: ممن أخذت الحلم؟ أي: من علمك الحلم؟ من هو شيخك في الحلم؟ قال: علمني الحلم قيس بن عاصم المنقري، وهذا سيد بني تميم قبل الأحنف، وهو من السبعة الذين وفدوا على الرسول عليه الصلاة والسلام، وهناك حديث عنه أنه قال: يا رسول الله! أوصني، رق عظمي ودنا أجلي فأوصني، قال: {يا قيس! إن لكل حسنة ثواباً ولكل سيئة عقاباً، يا قيس! إن مع القوة ضعفاً، وإن مع المال قلة -أو مع الكثرة قلة- وإن بعد الحياة موتاً، يا قيس! إن معك رفيقاً يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، هو عملك} فبكى قيس بن عاصم، وهو الذي يقول فيه الشاعر:-

    عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

    تحية من ألبسته منك نعمةً     إذا زار عن شحط بلادك سلما

    وما كان قيس موته موت واحد     ولكنه بنيان قوم تهدما

    لما مات عبد الملك بن مروان، شيعه أبناؤه الأربعة الوليد وسليمان ويزيد وهشام، فلما وصلوا المقبرة دفنوه فقال هشام بن عبد الملك:-

    وما كان قيس موته موت واحدٍ     ولكنه بنيان قوم تهدما

    وولي العهد الوليد غضب من هذه الكلمة، لأن معناه: مات عبد الملك وعلى الدنيا السلام، وما أصبح وراءه رجال.

    وما كان قيس موته موت واحد     ولكنه بنيان قوم تهدما

    فنظر إليه الوليد فقال: كذبت لعنك الله! لأنه عرض به، وهذا من التكالب على الدنيا، وعلى حطام الدنيا.

    حلم قيس بن عاصم

    الشاهد أن الأحنف بن قيس، يقول: أخذت الحلم عن قيس بن عاصم.

    كنا جلوساً عنده، فلما كان محتبياً بحبوته -الحبوة كالكيس وكاللفافة والقماش يلفه العربي على ركبتيه- قال: فاحتبينا في مجلسه وكان سيد بني تميم معه عشرة ألف سيف، إذا قال: الله أكبر، قالوا: الله أكبر.

    لا يسألون أخاهم حين يندبهم     في النائبات على ما قال برهانا

    دخلت الجارية وقالت: ابنك قتله ابن أخيك، قال: غسلوه وكفنوه؛ فإذا كفنتموه فأخبروني، فقال: والله ماحل حبوته ولا تزحزح من مكانه، فغسلوا ولده وكفنوه فقام فصلى عليه، ثم قال: ادفنوه، وأرسلوا لفلانة التي قتل ابنها بمائة ناقة، فإنها امرأة غريبة.

    فهل بعد هذا الحلم حلمٌ؟! اكتسب الأحنف بن قيس حلمه من قيس بن عاصم المنقري رضي الله عنهم جيمعاً، فـالأحنف مخضرم وقيس صحابي، والكل عند الله من المقبولين إن شاء الله، ذهب الأحنف يريد لقاء الجيوش، مع علي بن أبي طالب فأخذ سيفه، فلقيه أبو بكرة نفيع بن الحارث من أهل الطائف، قال أهل العلم: كُني أبو بكرة بهذه الكنية لأحد سببين،إما لأنه نزل من الطائف على بكرة -ناقة- فقال صلى الله عليه وسلم: على ماذا نزلت؟ قال: على بكرة، قال: فأنت أبو بكرة وقيل: على البكرة هذه العجلة أنزل عفشه ومتاعه فسمي بها، وكلا الرأيين ليس بينهما بون، فقد يكون حصل له هذا أو هذا، ويقول الرواة: إن أبا بكرة هذا صام حتى أصبح جلداً على عظم من العبادة، ويقولون من رآه يراه كأنه سهمٌ من كثرة عبادته واتصاله بالله تبارك وتعالى.

    عقيدة أهل السنة والجماعة فيما حدث بين علي ومعاوية

    لقي أبو بكرة الأحنف بن قيس قال: أين تذهب؟

    قال: أذهب لأنصر هذا الرجل -وهو علي بن أبي طالب - وكان يقاتل معاوية، ومعتقد أهل السنة والجماعة في الحروب التي وقعت بين الصحابة، كالتي وقعت بين علي ومعاوية: أن نترضى عن الجميع، وأن نعتذر للجميع, وألا نخوض فيما شجر بينهم كما قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    هذا معتقد أهل السنة، ونعتقد أن علي بن أبي طالب هو المصيب، وأنه اجتهد فأصاب فله أجران وأن معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وأن فئة معاوية، فئة باغية كما سماها صلى الله عليه وسلم في الحديث: فقال لـعمار: {تقتلك الفئة الباغية} يعني فئة معاوية ومن معه؟

    رضي الله عن الجميع.

    قيل لـعامر الشعبي: سبحان الله! يأتي علي بن أبي طالب بجيش كثيف، ومعاوية بجيش كثيف وهم صحابة، ثم لا يفر بعضهم من بعض!!! فماذا أجاب؟

    قال: أهل الجنة التقوا فاستحا بعضهم من بعض، ونسأل الله أن يكونوا ممن قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134].

    فخرج الأحنف فلقيه أبو بكرة، قال: إلى أين؟

    قال: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار}.

    أولاً: ما هي فائدة التعريف هنا وتسمية السيف وهذه الصفة؟

    فهل يشترط أن يكون اللقاء بالسيف، إذا التقى المسلم والمسلم بالمسدسات أو بالخناجر أو بالسكاكين أو بالرشاشات، هل يدخل عليهم التثريب، أم يشترط أن يكون اللقاء بالسيف؟ والجواب أنه لا يشترط أن يكون اللقاء بالسيف؛ لأن هذا قيد أغلبي كقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ [ النساء:23] ولأن هذا شيء غالب، فلو التقوا بغير السيفين لكانت المذمة واردة والإثم وارداً، ويكون الاثنان في النار نسأل الله العافية { إذا التقى المسلمان بسيفيهما} لإرادة القتال، أما إذا كان مع هذا سيف ليسلم عليه فلا نقول: هما في النار فهذه ظاهرية بحتة؛ وهناك من أقوال الظاهرية ما يضحك اللبيب، منهم من يقول: من يفعل أكثر من الذرة، فما عليه شيء؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8] وضحكوا على بعض الظاهرية، قالوا: يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الوالدين: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] فمن ضرب والديه هل يشمله التأنيب؟ لأن الضرب لم يذكر في الآية وهو من قياس الأولى عند الجمهور، ولكن يلزم الظاهرية أن يقولوا: لا يلزمه شيء إذا ضرب والديه، لكن لا يقل لهما: أف.

    {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار} إذا أراد مقاتلته، وإهدار دمه، فالقاتل والمقتول في النار لماذا؟ لأن دم المسلم معصوم ولقوله صلى الله عليه وسلم: {ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة} ففي غير هذه الثلاث يكون دم المسلم معصوماًُ، فيقول صلى الله عليه وسلم: {في النار} ما معنى كلمة النار؟ هل يدخل النار خالداً مخلداً أم لا؟

    إن استحل قتل المسلم، ورأى أن الله لم يحرم قتل المسلم، ورأى أنه يحل له قتل المسلم، فهو خالد مخلد في النار.

    وإذا قاتله ويعرف التحريم، فهو من أهل الكبائر، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر، أنهم قد يدخلوا النار، ولكنهم لا يخلدون فيها، ولا يخرجون من الإسلام، ويسمون فسقة، لكن لا يزول عنهم اسم الإسلام، والله أعلم.

    وفيه كذلك أن المسلم إذا كان حريصاً على قتل صاحبه ثم قتله الآخر فهو معه في النار، وأن النية والجزم على العمل، ومزاولة الأسباب، تدخل بصاحبها مداخل أهل الأعمال الذين عملوا بهذا العمل.

    {إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول في النار} يعني من الاثنين، هذا حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه، وليس فيه قضايا طويلة ولذلك، لم يطل أهل العلم الكلام عليه.

    1.   

    الحديث الثالث: (الظلم هو الشرك)

    الحديث الثلاثون: حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( لما أنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] قال الصحابة: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس بذلك، أما سمعتم الله يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]) لما نزل قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] الأمن في الآخرة، والأمن في الدنيا، فالأمن في الدنيا من الغواية ومن الضلالة ومن الخطأ ومن الانحراف، والأمن في الآخرة من الجحيم ومن النار ومن العذاب، والله المستعان.

    وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]: أي سالكون طريق الهداية، ناجون بإذن الله موفقون، لكن ما معنى الظلم؟

    ظن الصحابة رضوان الله عليهم، أن معنى قوله سبحانه ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: لم يذنبوا ولم يخطئوا ولم ينموا ولم يغتابوا الناس ولم يكذبوا، فقالوا: يا رسول الله! من يطيق هذا؟ كلنا ظلمة معنى كلامهم، في سند الإمام أحمد بسند صحيح أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى لما أنزل قوله تبارك وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123] قال أبو بكر: يا رسول الله! هذا الحديث في أول مسند أبي بكر: (يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق، فكيف العمل بعد هذه الآية؟ لأن ظاهرها إذا عملنا أي سوء نحاسب به، كلما فعلنا خطيئة نحاسب بها ونجزى بها- فقال عليه الصلاة والسلام: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تهتم؟ ألست تغتم؟ ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ قال: بلى، فقال: هذا من الكفارات، لا يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا حزن ولا وصب ولا مرض، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).

    فمقصود الآية: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] أي: بشرك: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام:82] فالحمد الله الذي جعل الظلم هنا شركاً، فلو جعله معصية وخطأً، كنا وقعنا كلنا في هذا الظلم، وما كان لنا مخرج، والرسول عليه الصلاة والسلام هنا فسر القرآن بالقرآن، قال: ( إنه ليس كما تظنون، أما سمعتم الله يقول: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان:13]) فسمى الله الشرك ظلماً، وهذا يقصد به صلى الله عليه وسلم وصية لقمان: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:12-13] فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس بذلك، إنما هو الشرك، أما سمعتم الله يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]) في الحديث دروس.

    ما يستنبط من حديث ابن مسعود

    أولها: إن الله لا يغفر الشرك للمشرك: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء:48] وفي الصحيحين وفي المسانيد والسنن عن معاذ {أنه كان رديف الرسول عليه الصلاة والسلام، فسأله عن حق الله على عباده فقال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سأله ماحق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً}

    والمسألة الثانية: أن الظلم درجات، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] يرى ابن تيمية، ويرى ابن القيم أن الأصناف الثلاثة يدخلون الجنة، والجمهور يرون أن السابقين بالخيرات والمقتصدين في الجنة، والظالمين في النار، ونحن من الظالمين لأنفسنا، فنسأل الله أن يكون التفسير على ما قال ابن تيمية لندخل معهم، من هم السابقون والمقتصدون والظالمون؟

    السابق بالخيرات: من أتى بالفرائض والنوافل، وترك الكبائر والصغائر والمكروهات.

    والمقتصد: من أتى بالفرائض ولكن ماتزود بالمستحبات، ومن ترك الكبائر، لكن ربما أتى بالصغائر.

    والظالم لنفسه: من يترك بعض الفرائض ويأتي ببعض الكبائر.

    والصحيح أن الثلاثة كلهم من المسلمين؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر:33] فأعاد الضمير على الثلاثة الأصناف، قيل لـعائشة وسألها الأسود بن يزيد: -وأتى بذلك ابن القيم في كتاب طريق الهجرتين - من هم السابقون والمقتصدون والظالمون؟

    قالت: السابقون هم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ومن سار معهم.

    قال: زالمقتصدون؟ قالت: من تبعهم بإحسان، قال: والظالمون؟ قالت: أنا وأنت. هذه عائشة قائمة الليل صائمة النهار؛ فكيف بنا؟

    ذهب الذين يعاش في أكنافهم     وبقيت في خلف كجلد الأجرب

    لكن نحن برحمة الواحد الأحد، قال رجل للحسن البصري: ذهب القوم من السلف على الخيول وبقينا نحن نركب الحمير، أي في العمل الصالح، في الزهد وفي العبادة، قال الحسن: والله لتلحقن بالقوم ولو كنت على حمر معقرة إذا كنت على الطريق.

    إذا كنت على طريق السنة لحقت بالقوم كقول الأول:

    يا تقياً والتقى جلبابه

    وذكياً حسنت آدابه

    قم وصاحب من هم أصحابه

    لا تقل قد ذهبت أربابه     كل من سار على الدرب وصل

    قال أنس: يقول صلى الله عليه وسلم: {يحشر المرء مع من أحب ونحن نحب أبا بكر وعمر ولو لم نعمل بعمليهما} أو كما قال، ونحن نشهد الله أننا نحبهم فيه، فنسأل الله أن يدخلنا بالحب، أما العمل فلا عمل، قال ابن مسعود: {لما أنزل الله قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] قال الصحابة رضي الله عنهم أينا لم يظلم نفسه؟}.

    والقضية الثالثة في هذا الحديث: أن العصمة لا تكون إلا للأنبياء، وأن من قال: من الصوفية أن الولي يكون معصوماً، فقد كذب على الله، بل إن الولي يخطئ ويذنب، ويسيء ويعصي الله ولا يكون معصوماً، وهم قالوا: الولي كلامه كالوحي لا يخطئ، ولا يذنب ولا يسئ وهو محفوظ من بين يديه ومن خلف ظهره، وقد افتروا على الله، وخالفوا النصوص، بل الولي قد يكون مذنباً ولكن يغفر الله له، باستغفاره وتوبته وعمله الصالح.

    ومنها: تواضع الصحابة، فاعترفوا بالذنوب.

    ومنها: أن العلماء قد يخفى عليهم بعض المسائل، وأكبر الصحابة خفي عليهم هذا اللفظ، ففسره عليه الصلاة والسلام.

    ومنها أن القرآن يفسر بعضه ببعض، وهي طريقة أهل السنة كما فعل ابن كثير، فإنه فسر القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، والقرآن بلغة العرب وبكلام التابعين وتابعيهم بإحسان.

    فقال: صلى الله عليه وسلم {ليس ذلكم} وفيه الأخذ بالظاهر، من النصوص مالم يرد به ظاهر، فإن الصحابة أخذوا بالظاهر فما أنكر صلى الله عليه وسلم عليهم، وإنما أرشدهم إلى المعنى الخاص للآية فقال: { ليس بذالكم، وإنما الظلم هو الشرك، أما سمعتم الله يقول: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان:13]}.

    وفي الحديث -بالاستنباط- أن الذنوب يغفرها الله، وقد دلت الأحاديث والآيات على ذلك، وفي الصحيح ليس في صحيح البخاري ولا مسلم لكن عند الترمذي بسند صحيح، قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بشيء شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة} ومن المكفرات التي تكفر الخطأ التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعوات المؤمنين، وسكرات الموت، والصعقة في القبر، وما يلقاه المسلم في العرصات يوم القيامة، وشفاعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ورحمة أرحم الراحمين.

    فمن لم تدركه واحدة من هذه العشر فليبك على نفسه،

    إذا كان هذا الدمع يجري صبابة     على غير سلمى فهو دمع مضيع

    إذا لم تدرك العبد إحدى هذه العشر، فليبكِ على نفسه من الآن، فعليه أن يتشبث برحمة الله، ثم بواحدة من هذه العشر، ومن حسبها وجمعها جميعاً فهو الفائز بإذن الله تبارك وتعالى، ولا يهلك على الله إلا من شرد عن الله شرود الجمل الشارد على أهله، وقد أتى بذلك حديث صححه بعض أهل العلم، وصاحب الجامع وغيره.

    1.   

    نصوص الأحاديث التي تم شرحها

    هذه الأحاديث الثلاثة أعود إلى ذكرها باختصار؛ وهي: حديث أبي ذر، حديث أبي بكرة، حديث ابن مسعود.

    حديث أبي ذر

    حديث أبي بكرة

    الحديث التاسع والعشرون: حديث الأحنف بن قيس قال: ذهبت أنصر هذا الرجل علي بن أبي طالب، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تذهب؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: عد فإني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار}.

    حديث ابن مسعود

    حديث ابن مسعود {لما أنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] قال الصحابة: يا رسول الله! أينا لم يظلم نفسه؟

    قال: ليس ذلكم إنما هو الشرك، أما سمعتم قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]} وفي بعض الروايات الصحيحة كما قال العبد الصالح -أي: لقمان: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    هذه الأحاديث التي معنا في هذه الليلة المباركة.

    شفاعة الولي الصالح العامل بالكتاب والسنة: من معتقد أهل السنة أن الأولياء الصالحين يشفعهم الله عز وجل كما أتت بذلك الأحاديث، رجل صالح كـأبي بكر، كـعمر، كـعثمان، كـعلي، كالأئمة الكبار يشفعهم الله عز وجل، هذا الولي الذي يعمل بالكتاب والسنة، ويخاف من الله وهو مسدد في أعماله وأقواله، يشفع بإذن الله في المذنبين يوم القيامة بقدرة الله.

    1.   

    الأسئلة

    معنى كلمة بياك

    السؤال: سمعتك تقول وأنت تحيي: حياك الله وبياك، فما معنى كلمة بياك وجزاك الله خيراً؟

    الجواب: حياك الله وبياك، كلمة بياك مصدر وهي تستخدم عند العرب تقول: أنزلته مبوأً، وبوأته مكاناً، وبياك أي أنزلك مكاناً مكرماً من التوسعة ومن الإحفاف والإلطاف، فحياك أي مرحباً بك بالتحايا، وبياك بوأ لك مكاناً وأنزلك في مكان واسع فسيح، هذا ما أعرفه في هذه الكلمة.

    قصيدة في مدح عبد رب الرسول سياف

    السؤال: أرجو إنشادنا القصيدة التي قلتها في الشيخ عبد رب الرسول سياف؟

    الجواب: أنا أنشد بعض الأبيات منها وهي اسمها (المدوية):

    سياف في ناظريك النصر يبتسم     وفي محياك نور الحق مرتسم

    وفيك ثورة إسلام مقدسـة      بها جراح بني الإسلام تلتئم

    حطمت بالدين أصناماً محجلة     وصافحت كفك العلياء وهي دم

    ثأرت لله والـدين الحنيــف فلم      يقم لثأرك طاغوت ولا صنم

    على جبينك من سعد توقـده     وخالد في رؤى عينيك يقتحم

    حلق إذا شئت فالأرواح طائرة     فعن يمينك من عاهدت كلهم

    وصغ من المهج البيضاء ملحمة     يظل يقرؤها التاريخ والأمم

    موتاً على صهوات البيد يعشقه     أهل البسالة في عليائهم شمم

    إلى أن قلت:-

    الذاكرون ونار الحرب موقـدة     والسابحون ونار الهول تضطرم

    أكفانهم نسجوها من دمائهـم     على مطارفها النصر الذي رسموا

    كأنما أنت كررت الأولى ذهبوا     هذا صلاح و محمود و معتصم

    صلاح الدين الأيوبي ومحمود بن سبكتكين والمعتصم

    ثم منها:-

    ماتوا ولكنهم أحياء في غـرف     من الجنان وذابوا لا فقد سلموا

    إلى أن قلت:-

    يكبرون فتهتز الربى فرقاً     ويهتفون فيسعى النصر نحوهمُ

    يا رب أنت ولي المسلمين ومن     سواك من هذه الأصنام ينتقمُ

    أنزل على جندك الأسمى ملائكةً     وراء جبريل روح القدس ينتظم.

    انحراف كثير من الشباب بعد الالتزام

    السؤال: كان لنا إخوة في الله، وكانوا ملتزمين بأمور الدين، والآن تركوا الالتزام شيئاً فشيئاً، حتى وصل بهم الأمر إلى ترك الصلاة مطلقاً؟

    الجواب: نسأل الله ألا يضلنا بعد أن هدانا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، كيف نتكلم معهم، أولاً: يا أيها الإخوة الأبرار اسئلوا الله الثبات دائماً، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يحولها كيف يشاء، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: {يا مصرف القلوب،صرف قلوبنا إلى طاعتك، ويا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، الأمر الثاني: هؤلاء الذين فعلوا ذلك لأحد سببين:

    إما أن تكون دعوتهم ضعيفة، الذين دعوهم وأخذوهم من الباطل إلى الحق كانوا دعاةً، لكن فيهم ضعف، يمكن أنهم استنقذوهم من المعاصي ولكن ما ربوهم تربيةً روحيةً جادةً، بقراءة قرآنٍ، وكثرة نوافلٍ، وكثرة دعاءٍ، وخشيةٍ، وصلة بالواحد الأحد؛ لأن بعض الناس في مدارسهم التربوية إذا استنقذ الشباب، قد يضعف في هذه التربية، قد يربيه على كلام فكري، على عمومات في الإسلام، على شيء من الإنشاء، ومن الأفكار الطيبة، لكن ما أعطاه حرارة الإيمان وروح الإيمان.

    السبب الثاني: أن يكون هذا الداعية رجلاً ضعيف الشخصية، وهذا المدعو قوياً، فاستسلم له في مرة من المرات، ثم رجع إلى شخصيته، وساعده أهل الباطل وجلساء الشر، فجذبوه إليهم جذباً، فوصيتي للدعاة والذين يعملون في حقل الشباب، أن يهتموا بالنوافل للشباب وبعلم السلف قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يقودوا الشباب إلى كثرة النوافل وكثرة الذكر وكثرة الدعاء، ثم يلازموا الشاب ويفصلوه عن الجلسات السيئة، وعن جلساء السوء حينها يهتدي بإذن الله، وعلينا أن ندعو لضال المسلمين أن يهديه الله سواء السبيل.

    الله تواب رحيم

    السؤال: اقترفت من المعاصي ما لا يعلمه إلا الله، وأنا أحب الخير، لكن نفسي لا تطاوعني، وكنت أسمع بعض المشايخ، يقولون: هناك من الناس من يستهزئون بربهم، فمثلاً يطيعون الله في رمضان، ويعصونه في غير رمضان، وهل إذا تاب توبةً نصوحةً يقبل الله عز وجل؟

    الجواب: أولاً: اعلم أن التوبة مفتوحة حتى تطلع الشمس من مغربها قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] وقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]

    سبحان من يعفو ونهفو دائمـاً     ولم يزل مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يخطي ولا يمنعـه     جلاله من العطا لذي الخطا

    من أحسن الظن بذي العـرش جنى     حلو الجنى الشائك من شوك السفا

    لا بد أن ينصرنا كما زوى     جوداً وأن يمطرنا كما ذوى

    فنتعلق بحبل الله أن يغفر لنا ولكم، وأن يهدينا وإياكم وأن يتوب علينا وعليكم توبة نصوحاً.

    أقل الوتر ركعة واحدة

    السؤال: الوتر، ما هو أقله؟

    الجواب: أقله ركعة، وأكثره لا حد له، وإذا فاتك في الليل فاقضه من النهار شفعاً، ولو أن بعض أهل العلم يقول: يقضي وتراً لحديث: {من فاته الوتر، فليصله متى ذكره} حديث صحيح.

    ودليل من قال يصليه شفاعاً حديث عائشة عند مسلم: {كان صلى الله عليه وسلم إذا فاته الوتر من الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة} فمن كان وتره إحدى عشرة ركعة، فليصل اثنتا عشرة ركعة، تكون شفعاً في النهار؛ لأن وتر النهار صلاة المغرب، فأنت إذا كان وترك ثلاثاً، فصلِّ أربعاً، وإن كان وترك خمساً فصلِ ستاً، وهكذا؛ وبعد أذان الصبح لا تصل إلا ركعتي الفجر، وأما الوتر فتصليه بعد طلوع الشمس.

    الوصية بتقوى الله

    السؤال: أريد موعظة شافية وكافية؟

    الجواب: ما ورد من الكلام فهو موعظة إن شاء الله، ولكن كأن الأخ يريد أن نبدأ من جديد في محاضرة، وأنا أقول: أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل.

    فرق بين الدعوة وبين الفتوى

    السؤال: هل يستطيع الأخ الذي لم يقذف في قلبه طلب العلم، ولكنه يملك موهبة الدعوة؛ لأنه إنسان اجتماعي، فهل يستطيع: أن يدعو إلى الله وهو جاهل، وهو يقول هذا، وحجته أنه يقول: إننا لو كنا جميعاً طلبة علم، لما دعونا إلى الله؟

    الجواب: أولاً: أما الدعوة فهي على القدر المستطاع؛ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، قال صلى الله عليه وسلم: {بلغوا عني ولو آية} وأما الفتيا فشيء آخر لا بد من العلم الراسخ فيها، فأنت كداعية عليك أن تدعو بما عندك ولو لم يكن عندك إلا الفاتحة.

    ذكروا عن أحد الصالحين وهو لغوي ونحوي كبير، مات فرئي في المنام كما يقول الخطيب البغدادي، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي، قالوا: بماذا؟

    قال: أما النحو فما نفعنا بشيءٍ، ولكن علّمت عجائز في قريتي سورة الفاتحة، فنفعني الله بهذا، فهل أحد منا في المسجد يحفظ الفاتحة فيعلمها عجائز نيسابور، أو عجائز مدغشقر، ليدخل بها الجنة، على هذا المستوى لا يعذر أحد عن الدعوة.

    الخلاف بين علي ومعاوية

    السؤال: هل نستطيع أن نقول: إن علي بن أبي طالب ومعاوية، ينطبق عليهم ا لحديث الذي ذكرته وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما

    الجواب: لا والله، هم معذورون مأجورون مشكورون، عندهم تأويل، فـعلي رضي الله عنه يرى أنه إمام مبايع، وأنه خليفة راشد ينبغي أن يطاع وهؤلاء بغاة، ويرى معاوية أن ابن عمه مقتولٌ، وعثمان قتل مظلوماً وقد قال الله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً [الإسراء:33] فلـعلي أجران لأنه اجتهد فأصاب، ومعاوية اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، وهؤلاء يدخلون في قوله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    من الخرافات المنتشرة

    السؤال: قضية سلفت في البارحة وهي قضية تيس من التيوس، قيد إلى الإعدام وحكم عليه أمس بالإعدام، وقد ذبح على الطريقة الإسلامية، هذا التيس كان فتنة للناس، وربما سمعتم خبره، في جدة ومكة، أُتيَ به يحلب، خنثى مشكل، ويشربون من لبنه، عرض سؤال البارحة يقول: هل هذه كرامة؟

    وما هو معتقد أهل السنة والجماعة في هذا التيس؟

    الجواب: معتقد أهل السنة والجماعة في هذا أن التيس هو ابن عنز، وأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يشفي ولا يرفع ديناً ولا يكشف غماً ولا كرباً، إنما يشفي ويكفي الله الواحد الأحد، قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] وأنا قلت للإخوة بالأمس لا يسمع بنا الأجانب فيضحكون علينا، خاصة ونحن جيران بيت الله العتيق، خرافات وخزعبلات، تمائم وتولة، ماكفانا التعلق وتقديس المشايخ، وعبادة المشايخ من دون الله، حتى نعبد التيوس والثيران والحمير، هذا أمر مفزع، أمة أتت بالتوحيد وبرفع لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، تأتي بكرامة التيوس.

    وقلت إن ابن تيمية ذكر ضابطين للكرامة:

    أولها: أن يكون صاحب الكرامة على الكتاب والسنة، يعمل بعلمه، أما أن يأتي فاسق زنديق ويقول: لي كرامة، فلا يقبل منه ذلك؛ فإن ابن عربي والحلاج الصوفي، أتى بأمور مذهلة وبأمور خارقة للعادة، لكن ليس ذلك بكرامة.

    الضابط الثاني: أن تكون هذه الكرامة لرفع راية لا إله إلا الله، ولنصرة دين الله، فهذه كرامة، أما هذه الخزعبلات فإنها شركيات؛ ويبتلي الله بها من يشاء: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] وجزى الله هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة خير الجزاء، فقد قادت التيس آسفاً نادماً خاسئاً حقيراً، وذبحته بسكين العدالة، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.