إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. تفسير سورة الأنعام
  5. سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الأنعام [27-30]

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الأنعام [27-30]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يصور القرآن الكريم مشهداً من مشاهد يوم القيامة بالنسبة للكافرين، وهو مشهد عرضهم على النار، إذ يتمنون عنده الرجوع إلى الدنيا للتصديق بالآيات وقد شاهدوا ما كفروا به وكذبوا، ويخبر الله تعالى في آياته الكريمات أنه قد علم منهم فساد قلوبهم، حيث لو قدر لهم الرجعة لوقعوا فيما عملوه في الدنيا، ويذكر تعالى مشهداً آخر من أهوال يوم القيامة في بيان أحوال الكافرين وهو عرضهم على الله ربهم وتقريرهم بالحق الذي أنكروه ليردوا بعد ذلك موارد العذاب ولا يهلك على الله إلا هالك.

    1.   

    أهمية نصرة المبادئ والعقائد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد:

    فقد انتهينا إلى قول الله جل وعلا: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:26]، وحررنا أن للعلماء رحمة الله تعالى عليهم قولين في الآية، فاختار جمهور العلماء -ومنهم ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى- أن الآية أشبه بما سبقها، وأن الحديث ما زال موصولاً بالآية التي قبله، وهي قول الله جل وعلا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [الأنعام:25]، وقلنا: إن سفيان الثوري نقل بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المقصود بهذا الحديث أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وحررنا حينها نصرة أبي طالب للنبي عليه الصلاة والسلام، وانتهينا إلى أن الآية تدل على أن ثمة فريقاً من الناس ينتصرون لمبادئهم وإن كانت غير صحيحة.

    يفدون رأيك في الحياة مجاهداً إن الحياة عقيدة وجهاد

    فأما نصرة الإنسان لمبادئه فهي حق لا مرية فيه، ويجب على العقلاء والفضلاء أن يتحلوا به، ولكن تبقى القضية في المعتقد الذي يعتقده الإنسان ويستحق أن يدافع عنه، وقد عرف التاريخ على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمم أقواماً ضربوا أمثلة لا تُصدق في نصرتهم لمذاهبهم حتى وإن كانت باطلة، كنصرة الخوارج لمذهبهم وموتهم في سبيل ذلك، حتى إنه كان أحدهم يعقل خيله قبل الحرب ويأتي ويحارب ويقول وهو على غير هدى: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84]، كما أن أبا جهل -وهو عدو الله المعروف- لما صعد عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه على صدره لم يستعطفه ولم يستدر رحمته، وقال قولته الشهيرة: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم. هذا على مستوى الأفراد.

    وأما على مستوى الأمم فإن أبناء الأمة اليابانية في العصر الحديث عُرفوا بانتصارهم لمذهبهم لما وقعت الحرب بين روسيا واليابان قديماً قبل أن تُضرب اليابان بالقنابل، أي: قبل ضرب ناجازاكي وقبل هيروشيما حيث أظهر اليابانيون إخلاصاً شديداً لمبدئهم والتفافاً حول ملكهم الذي كان يسمى الميكاد ، وكانوا يعظمون الوطن، وكان حافظ الشاعر المصري رحمه الله تعالى يشكوا من أن العرب لم يكن فيهم ألفة ولا اجتماع ولا نصرة لقضاياهم، حيث يقول:

    لا تلم كفي إذا السيف نبا صح مني العزم والدهر أبى

    أمة قد فت في ساعدها بغضها الأهل وحب الغرباء

    والشعراء يحكون أشياء لها واقع فعلي في الجملة، ولكن ليس لها واقع تفصيلي.

    فالمقصود أن حافظاً أراد أن يبلغ الرسالة للعرب أن اليابانيين ينتصرون لمذاهبهم، فَتَوَّهم أن هناك فتاة يابانية تعيش في مصر، وأنه تعلق بها، وأنه فتن بها، وفجأة يقول:

    حملت لي ذات يوم نبأ لا رعاك الله يا ذاك النبا

    يعني: جاءته فزعة تريد أن تترك أرض مصر فسألها، فأخبرته بأن الروس يريدون أن يحاربوا اليابان، وأنه يستحيل أن تبقى في مصر والروس يحاربون اليابان، فهي تقول:

    نذبح الدب ونفري جلده أيظن الدب أن لا يُغلبا

    والدب رمز للأمة الروسية كما أن التنين رمز لليابان، والنسر رمز لألمانيا، والأسد رمز لإنجلترا، والذي يعنينا هو قضية ولاء هذه المرأة لوطنها، تقول:

    هكذا الميكاد قد علمنا أن نرى الأوطان أماً وأباً

    ونخلص من هذا كله أن قول الله جل وعلا: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [الأنعام:26] إن كان المقصود به أبو طالب يصبح دالاً على أن أبا طالب كان يحمي مذاهبه واعتقاداته، ولهذا كان يحمل وصية عبد المطلب في أن يحفظ هذا اليتيم، والحق أن أبا طالب حفظ النبي صلى الله عليه وسلم حفظاً شديداً مبالغاً فيه، فنصر النبي صلى الله عليه وسلم نصرة عظيمة رغم أنه كافر، حيث جلس ثلاث سنين في شعب بني هاشم يذوق الجوع هو وأبناؤه وهو على كفر لا يرجو بهذا جنة، ولكنه ينتصر لمبدأ، وهو نصرة ابن عمه اليتيم، والعاقل يستفيد من مثل هذه التقاليد الاجتماعية كما استفاد النبي صلى الله عليه وسلم من نصرة عمه أبي طالب له، فيستفيد من كل الأعراف والتقاليد والموروثات الموجودة في حياته، وكذلك التقاليد العالمية أو الأعراف السياسية، فيستطيع أن يوظفها لمصلحة إذا كان يملك مسكة من عقل، أما من غلب عليه حماسه وجهله فلم ينظر إلى الأمور إلا بنظرة ضيقة، أو كان يقرأ عبارة أو متناً في ورقة تقويم أو في كتاب ثم بعد ذلك أراد أن يطبقها من غير أن يستصحب ما حولها فإنه سيقع في حرج عظيم، وسيأتي إن شاء الله في قوله الله جل وعلا: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35] قضية أهمية معرفة سنن الله الكونية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار...)

    نعود فنقول: قال الله: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:26] ثم قال الله: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].

    (لو) تحتاج إلى فعل وإلى جواب شرط، ولكن الله جل وعلا هنا لم يذكر الجواب، حيث قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]، فحذف الله تعالى الجواب مبالغة في تعظيمه، يعني ولو ترى لرأيت أمراً عظيماً شنيعاً يحل بهم.

    فقوله تعالى: وَلَوْ تَرَى [الأنعام:27] أي: بعين البصر إِذْ وُقِفُوا [الأنعام:27] أي: حبسوا عَلَى النَّارِ [الأنعام:27] أي أهل الإشراك فَقَالُوا [الأنعام:27] حينما يرون النار يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] والسؤال هنا: هل قالوا ذلك عن اعتقاد وتوبة وخلوص نية أم لا؟

    لقد اتفق العلماء على أنهم لم يقولوه عن توبة وخلوص نية واعتقاد، بدليل أن الله جاء بـ(بل) بعدها، و(بل) للإضراب، والإضراب هو الانتقال، فقال الله بعدها: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:28] أي الشيء الذي أنكروه وكفروا به -وهو النار- ظهر لهم عياناً.

    بيان معنى قوله تعالى (ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه)

    ثم قال الله بعد ذلك: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28] أي: كاذبون في دعواهم أنهم لو ردوا فلن يشركوا، حيث قالوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] والله يقول: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، ومن هنا تعلم أنه لا يهلك على الله إلا هالك، ومعنى ذلك أن الله لا يعذب إلا من كان راضياً بكفره معانداً لربه فرحاً بما هو عليه، قال الله: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106] وهذا يجعلك لا تحمل في قلبك كثيراً من اللوم والعتب على من أخطأ من علماء المسلمين؛ لأن هذا العالم عندما أخطأ كان يعتقد ويظن أنه على صواب، قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات:

    وواجب عند اختلاف الفهم إحساننا الظن بأهل العلم

    قال الله جل وعلا: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:28] فانقطعت (قبل) عن الإضافة، ولذلك بنيت على الضم، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28] أي: في دعواهم أنهم لو ردوا لما أشركوا.

    وقد جرت عادة العلماء ببيان أمر متعلق بهذه الآية، وهو أن الله جل وعلا يعلم ما قد كان، وما هو كائن، وما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، ومن الآيات التي استدل بها العلماء على صحة هذا القول هذه الآية؛ لأن الله قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28] وقد علمنا كما أعلمنا الله أنهم لن يردوا ولن يعودوا إلى الدنيا مرة أخرى، ولكن الله يقول لو ردوا سيحصل كذا وكذا وسيحدث كذا وكذا، وهذا لا يقدر على القول به إلا الله؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا هو جل ذكره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا...)

    ثم قال تعالى: وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الأنعام:29] وهذا تأكيد منهم على النظرة التي ينظرون بها إلى الدنيا، أي أنه لا بعث ولا نشور بعدها، فلما غلب على ظنهم أنه لا بعث ولا نشور بعدها لم يرقبوا بعد ذلك أن يُظهروا ويجهروا بعداوتهم لنبينا صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام:29]، والله جل وعلا قد ساق الأدلة على أنه جل وعلا قادر على أن يحيي الموتى في مواطن كثيرة من كتابه.

    1.   

    قطوف لغوية

    يقول تعالى: بَلْ بَدَا لَهُمْ [الأنعام:28] (بدا) هنا بمعنى: (ظهر) مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:28] قلنا: إن (قبل) بنيت على الضم لانقطاعها عن الإضافة، فالظروف مثل (قبل) و(بعد) إذا أُضيفت تظهر عليها الحركة، كقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ [النور:58]، فإن لم تضف بنيت على الضم.

    وقوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا [الأنعام:28] اللام في (لعادوا) واقعة في جواب لو، وهنا أظهر جواب (لو)، بخلاف الآية التي سبقت وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام:27] فلم يأت بالجواب، فهنا أظهره تأكيداً، وهناك حذفه للمبالغة في الأمر الشنيع والعظيم الذي وقعوا فيه.

    وقوله تعالى: وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الأنعام:29] (إن) هنا نافية بمعنى (ما) يعني: ما هي إلا حياتنا الدنيا، وتأتي مثلها في الرسم الإملائي (إن) الشرطية، ويظهر الفرق بينهما من سياق الكلام، مثل قول الله جل وعلا: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة:118] فهذه شرطية، أما (إن) هنا فواضح من سياق الكلام أنها نافية.

    وقوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا [الأنعام:27] (ليت) للتمني، وتقابلها لعل، ولكن لعل تستخدمها العرب في الذي يغلب على الظن أنه يقع، أما ليت ففي الذي يغلب على الظن أنه لا يقع، قال قائلهم:

    ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب

    وقد تقرر عقلاً ونقلاً وشرعاً أن الشباب لا يعود.

    و(لعل) للترجي، و(لعل) على كثرة ذكرها في القرآن وردت في موضع واحد في القرآن بمعنى (كأن)، قال الله جل وعلا: وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء:129] أي: كأنكم تخلدون، إذ لم يقل أحد من الأمم الذين كانوا يتخذون البنيان الفاره: إن هذا من أسباب بقائهم، فلم يقل بهذا أحد، ولكن المعنى أنه كلما أفرط الإنسان في المسكن وبالغ فيه فكأنه يبني بنيان من يظن أنه يخلد، فـ(لعل) في القرآن على بابها في الترجي إلا في موضع واحد، وهو قول الله جل وعلا: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء:129]، فإنها بمعنى (كأن).

    1.   

    بيان المراد بـ(الآية)

    قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] والآيات تُطلق على القرآن، وتطلق على المعجزات، والله جل وعلا سمى في كتابه ما أفاءه على الرسل من معجزات آيات، كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً، والآية تأتي بمعنى العبرة، كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات:26]، وفي آية أخرى أخبر بأنها آية، أي: عبرة للناس، وتأتي بمعنى المعجزة، فقول: (معجزات الرسل) اصطلاح ذكره أهل التاريخ والسير والمحدثين بعد عصر النبوة، أما في القرآن فلا يطلق على الآية لفظ المعجزة، بل تسمى آية، قال الله تعالى: فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ [النمل:12] أي في تسع معجزات إلى فرعون وقومه، وقال تعالى: فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى [النازعات:20] أي المعجزة الكبرى، فلغة القرآن لا تستخدم كلمة (معجزة)، بل تستخدم كلمة (آية).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم...)

    قال تعالى: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام:28-30]، فوصلوا إلى مرحلة الصدق، فلما تبين لهم أن الكذب لا يُجدي لجئوا إلى الصدق، حيث يقول تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ [الأنعام:30] أي: الله جل وعلا أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام:30].

    وهنا نحرر أن لقاء الله جل وعلا حق لا مرية فيه، والله سائل كل نفس عما صنعت، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) وذكرها، وأهل الإشراك يقفون بين يدي ربهم، فيقرر الله جل وعلا ما كانوا يصنعونه في الدنيا، كما جاء في الآية أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام:30] ولا يكون الجواب لهم رحمة، بل يقول الله تعالى: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام:30]، فيحرر من هذا معنى عظيم، وهو أن التوحيد أعظم المنجيات، وأن من مات على التوحيد محال خلوده في النار، ومن مات على الشرك حال دخوله الجنة، فلا ينبغي للمؤمن أن يُقدم على توحيد الله شيئاً كائناً ما كان؛ لأن أي عمل سيُحبط إن لم يكن مصحوباً بتوحيد الله جل وعلا، كما أن كل عمل لا ينفع إذا كان مقروناً بالشرك بالله، قال الله في حق أوليائه الصالحين من عباده المتقين ورسله: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] لكن كلمة التوحيد ليست متناً يُحفظ فقط، ولا شيئاً تتطاول به على الناس وترقى منبراً فتقوله، بل يجب أن يقر في قلبك أن الله جل وعلا عظيم لا رب غيره ولا إله سواه، وأنك لا يجوز لك أن تضع جبهتك لأحد غيره جل وعلا، وحين تضع جبهتك له تذكر أنك تضعها بفضل منه ورحمة، وأن الذي هداك لأن تسجد له هو الذي ترجوه أن يقبل منك هذا السجود، وكلما رأيت شيئاً في الدنيا عظيماً فتذكر أن عظمة الله أعظم، وكلما رأيت في الكون شيئاً ناقصاً دلك ذلك على كمال ربك تبارك وتعالى، واستصحاب هذا الأمر في حياة الإنسان غدواً ورواحاً، ذهاباً ومجيئاً يزيد من رقة قلبه، ويزيده علماً بربه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (أحق الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه) والإنسان لا يدري أي ساعة يكون فيها مقبولاً عند الله، فكلما انقلب على جنبه أو ركب دابته، أو مكث منفرداً بنفسه يُردد هذه الكلمة، ويحاول أن تكون ممزوجة بالإخلاص يواطئ فيها قلبه لسانه، حتى يكون ذلك مقبولاً عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة) قال أبو ذر : وإن زنا وإن سرق؟! فقال: (وإن زنا وإن سرق)؛ لأن (لا إله إلا الله) كلمة جليلة عظيمة كريمة على الله، وكل الذي ذكره الله جل وعلا من آيات سلفت، وما سيأتي من آيات في هذا المقام في سورة الأنعام خاصة، كل ذلك ورد في قضية أن هؤلاء القوم ضُربت عليهم الذلة، وسينالون ما سينالون في الآخرة بسبب أنهم أشركوا مع الله آلهة أخرى، وقد قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى [الأنعام:19] فأمر الله نبيه أن يقول: قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:19]، فيجب استصحاب الكفر بالطاغوت، وألا يقع في القلب -ولو مثقال ذرة- أن الله جل وعلا معه شريك أو له ند، وينجم عن هذا ويلزم منه استصحاب أن الله جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه، وهذه نفحات إيمانية يضعها الله جل وعلا في قلب من يشاء من عباده، ثم إن مضى إنسان في مسيره وفي حياته وفي مقابلته للناس غدواً ورواحاً فسيأتيه من الأحداث والوقائع والصنائع ما يُختبر فيه توحيده لربه تبارك وتعالى، فسيشفى من مرض، فهل سيشكر الله أم يظن أن هذا عائد لنجابة الطبيب؟ وسيُحرم من خير، فهل سيلجأ إلى ربه لعلمه أنه لا يقدر على إعطائه إلا الله؟ وسيرى نعمة من الله على غيره، فهل سيحسدهم ظناً أن هؤلاء الناس نالوها بقوتهم فينازعهم فيها، أم يعلم أن هناك رباً لا رب غيره ولا إله سواه يُعطي ويمنع فيغبط الناس ويلجأ إلى ربه يسأله من خيري الدنيا والآخرة؟ وسيرى ملوكاً يتوفون، ويرى دولاً تتهدم، ويرى قبور في أسفاره فيتدبر، ويعلم أن هناك رباً عظيماً جليلاً لا يحول ولا يزول، وفي ذات الوقت أنعام سيقع بعين بصيرته على أقوام أوتوا حظاً كبيراً من متاع الدنيا، فيقر في قلبه أن الله جل وعلا أخبر أن ذلك إلى فناء، وأن منتهاه إلى زوال، وأنه مهما عظم وجل في العينين فإن ما عند الله جل وعلا خير وأعظم، قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45] فالله جل وعلا يخاطب الناس في واقعهم، ثم يقول: الْمَالُ وَالْبَنُونَ [الكهف:46] ولم يقل الله: ذلك كذب وافتراء، بل قال: زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]، وهذا حق لا يماري فيه أحد، ولكن الله لما أوجد عباده لعبادته قال: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46] .

    هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وأعان العلي الكبير على قوله، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.