مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

969584

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8190

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6225

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

3062

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2637

(...)
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1554

محمد المنجد
7

أذان بصوت- الشيخ ياسر ..

1553

ياسر الدوسري
8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1540

9

قراءة متن الشاطبية

1520

مشاري راشد العفاسي
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1494

تحت هذا العنوان سرد الشيخ أكثر من عشرين موضوعاً تنبثق كلها من كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، فذكر من أبواب الجنة، وعرَّج على آداب الاستئذان، وعلى أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم.

مروراً بمواضيع: الحياء، وعلامات الساعة، والربا، والعبودية، والفقر، والشريعة البيضاء.

وهي تمثل واحة رائعة غناء من الأخلاق، والمواعظ، والفقه، والفكر، والعقائد.

وقد ختم كلامه بالحديث عن البيعة (البيعة علىالولاء والبراء، ثم البيعة على الإسلام).

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

أيها الإخوة الفضلاء!

كنتُ قد أردتُ أن أترجم لبعض علماء الأمة؛ ولكن رأيتُ أن العيش مع متون الحديث ومع كلامه - عليه الصلاة والسلام - أفيد.

وسوف يكون هناك - إن شاء الله - دروس عن تراجم العلماء وسير الصالحين.

وهذا الكتاب الذي بين يديَّ سوف يكون سلسلة - إن شاء الله - مستمرة في رمضان وغير رمضان، لطلبة العلم والأخيار والدعاة من أمثالكم.

وهذا الكتاب يحمل عنوان: (دستور الصحوة الإسلامية)؛ لأنك تحتاج إلى علم شرعي صحيح، على منهج أهل السنة الجماعة في العقائد والأصول والأخلاق والسير والسلوك.

فأول درس نبدأ فيه: هو من كلام محمد عليه الصلاة والسلام وهذا هو مجموع الأحاديث الصحيحة التي وردت عنه صلى الله عليه وسلم.

وسوف ترون في هذه الأحاديث أموراً، منها:

الأمر الأول: صحتها: فلا يكون فيها حديث ضعيف أبداً.

الأمر الثاني: أني أذكر الصحابي والمخرج، ودرجة الحديث.

الأمر الثالث: المسائل المهمة في الحديث.

الأمر الرابع: أنه لا يتقيد بباب ولا بكتاب؛ إذ سوف يأتي الحديث مرة في العقيدة، ومرة في السلوك، ومرة في العبادة، ومرة في الأخلاق؛ ليكون أسعد وأروح، والله الموفق.

 الكلام عن أبواب الجنة

يقول عليه الصلاة والسلام: {آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أُمِرْتُ ألا أفتح لأحد قبلك} حديث صحيح، رواه الإمام أحمد ومسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه.

في الحديث مسائل:

أولاً: قوله صلى الله عليه وسلم: {آتي باب الجنة} معناه: في يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين، فيفصل بينهم في القضاء، يأتي صلى الله عليه وسلم في ذاك اليوم، وذلك من عقيدة أهل السنة.

ثانياً: وفيه: أن أول من يدخل الجنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: وفي الحديث: أن للجنة أبواباً، وقد صح عند البخاري وغيره: أن للجنة أبواباً ثمانية، وأبواب النار سبعة، نسأل الله أن يدخلنا من أبواب الجنة.

وكما في الحديث الصحيح: {بين المصراعين -من مصاريع الجنة- كما بين صنعاء وأَيْلَةصنعاء عاصمة اليمن , وأَيْلَةهي بيت المقدس - وإنه ليأتي عليه يوم وهو كَضِيْضٌ من الزحام}.

وتساءل العلماء: هل هناك أبواب داخلية في الجنة غير الأبواب العامة الكبرى.

والصحيح: أن هناك أبواباً داخل ملك العبد في الجنة.

قوله صلى الله عليه وسلم: { آتي باب الجنة} قلتُ: أول داخل الجنة هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أنه متأخر في البعثة؛ ولكن الله شرفه، فجعله أول من يدخل، ثم يدخل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على مراتبهم.

وتساءل الإمام ابن القيم في الجمع بين قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] وبين قوله صلى الله عليه وسلم: {لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله؛ إلا برحمة الله}.

فالجواب الصحيح باختصار: أن دخول الجنة أولياً لا يحصل بالعمل، وإنما هو برحمة أرحم الراحمين، ومن لا تدركه رحمة الله لا يدخل الجنة، وأما النـزول في منازل الدرجات في الجنة فبالأعمال، وهذا على قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72].

ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن أبواب الجنة: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73] ويقول في أبواب النار: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:71] زاد الواو في أبواب الجنة؛ لأنها هيئت فتحاً قبل أن يصلوا إليها، وهذا من تكريم الله لأهل الجنة، ففتحت الأبواب قبل أن يصلوا إلى الجنة، وأهان أهل النار، فتركهم ينتظرون عند الباب، فلا تفتح حتى يصلوان، وهذا من الإهانة. ولله المثل الأعلى، يقولون: الكريم يفتح أبوابه للضيافة من قبل أن يأتي الضيف، واللئيم لا يفتح الباب حتى يُطْرَق عليه طرقاً مخيفاً مزعجاً. ولله المثل الأعلى.

فأبواب الجنة من ذي قبل مفتوحة، وهذه يسمونها: الواو التي تزيد المعنى، فإنهم يقولون: الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، مثل قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا [فاطر:37] الأصل في العربية: وهم يصرخون فيها، فزاد يَصْطَرِخُونَ من باب زيادة المبنى لزيادة المعنى. وكقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ [يوسف:23] والعربية تقول في التخفيف: وأغلقت الأبواب؛ لكن زيادة في المعنى.

وأنا لا أقصد من هذه الدروس الأحكام؛ لكن أن تكون مساراً إن شاء الله للصحوة الإسلامية المباركة في المعتقد، وفي العبادة، والسلوك، والأخلاق، والعمل، والدعوة؛ حتى يكون الإنسان على بينة وعلى ضوابط من الكتاب والسنة.

والله الموفق.

 هل الجنة والنار مخلوقتان الآن؟

قال عليه الصلاة والسلام: { آتي باب الجنة فأستفتح} هنا مسألتان لـأهل السنة:

المسألة الأولى: هل الجنة موجودة الآن أم لا؟:-

والصحيح عندهم: أنها موجودة ومخلوقة، وخالف في ذلك المعتزلة، فقالوا: تُخْلَقُ فيما بعد، وقد كذبوا على الله، بل هي موجودة الآن.

قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي:

والنار والجنة حقٌ وهما      موجودتان، لا فناءَ لهما

المسألة الثانية: هل تفنى الجنة والنار؟:

والصحيح: أن الجنة والنار لا تفنيان.

والنار والجنة حقٌ وهما      موجودتان لا فناءََ لهما

وقال بفنائها بعض المعتزلة، كـالعَلاَّف وأبي إسحاق النَظَّام وغيرهما، ورد عليهم أهل السنة.

والصحيح: أن أهل الجنة خالدون في الجنة، فلا موت، وأهل النار خالدون في النار، فلا موت، والله المستعان!

 آداب الاستئذان

ثم يقول عليه الصلاة والسلام: {فأستفتح، فيقول الخازن: مَنْ أنتَ؟...}

قال أهل العلم: فيه إشارة إلى أدب الاستئذان في الإسلام، وهو أنك إذا طرقت الباب، أن يسأل صاحب البيت: مَنْ؟ وهذا من الحكمة، فإن على الناس أن يتقيدوا بهذه الآداب النبوية التربوية التي هي من أحسن ما يكون.

وقد أُشِيرَ لكم في بعض الدروس والمحاضرات: أن هناك سلسلة من الآداب النبوية التربوية، وقد وصلت هذه المجموعة إلى أبها هذه الليلة لمن أراد أن يستفيد من آدابه عليه الصلاة والسلام.

كان عليه الصلاة والسلام إذا استأذن فسُئِل يقول: {أنا فلان} وطلب من الصحابة أن يـخبر الإنسانُ باسمه.

واستأذن عليه أبو ذر، قال: (مَنْ؟) قال: أبو ذر.

وطرق جبريل السماء -في الحديث الصحيح- {قال أهل السماء: مَنْ؟ قال: جبريل، قالوا: مَن معك؟ قال: محمد، قالوا: مرحباً بك وبمن معك}.

واستأذن جابر - كما في صحيح البخاري - {: فطـرق باب الـمصطفى عليه الصلاة والسلام قال: مَن؟ قال: أنا، ففتح صلى الله عليه وسلم الباب، وقال: أنا أنا!! كأنه كرهها}؛ لأن فيها إيهام، لا بد أن تخبر باسمك، هذا من أدب الاستئذان.

{... فيقول الخازن: مَنْ أنتَ؟ فأقول: محمد...} وهذا هو الأصل: أن يخبر باسمه، قال أهل العلم: ولو أخبر بكنيته لصح، ولو أخبر باسمه لصح، ولو أخبر بلقبه لصح، الشرط أن يكن مشهوراً عند الناس فيُعْرف به.

 أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم

قال: {... فأقول: محمد...} أسماؤه عليه الصلاة والسلام في السنة خمسة، صح بها الحديث، اسمه: (محمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر، والماحي) العاقبٌ: أي الذي يحشر الله الناس على عقبه، والماحي: أي الذي محى الله به ما قبله، والحاشر: أي الذي يحشر الله الناس على قدمه عليه الصلاة والسلام.

قال حسان:

وشق له من اسمه ليُجِلَّه     فذي العرش محمودٌ وهذا محمدُ

يقول: الله شق لمحمد من اسمه؛ لأن الله محمود سبحانه.

وقال صلى الله عليه وسلم: {أما ترون كيف يصرف الله عني سب المشركين، إنهم يسبون مُذَمَّمَاً، وأنا محمد} -يسمونه: (مُذَمَّم) ويسبونه- محمد، وأحمد، وهو أبو القاسم عليه الصلاة والسلام، والذي سماه محمداً عند أهل السيرة أنه عبد المطلب جده عليه الصلاة والسلام.

فيقول: {بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك} وفيه مسألة:

الله يقول: وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73] دليلٌ على أنها مفتوحة قبل أن يأتي الناس.

وهنا يقول: {آتي أبواب الجنة فأستفتح} وأستفتح: فعل للتدرج، يعني: أطلب أن يُفْتَح لي؛ ولكن لم يفتح له عليه الصلاة والسلام في هذا، فكيف نجمع بين القولين؟ بين هذا وبين ذاك؟

الجواب: أن يقال: يأتي عليه الصلاة والسلام قبل أن تُفْتَح، فيستفْتِح، فتُفْتَح، فيأتي الناس وقد فُتِح لهم.

وَرَدَ عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ( آخِر ما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) حديث صحيح، رواه ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري.

وفي هذا الحديث مسائل:

أولاً: ما هو الحياء؟

الحياء الصحيح: ما صدك عن المحارم، وهذا حياء واجب.

وما صَدَّكَ عن المكروهات فهو حياء مستحب، وبعضهم يوجبه.

أما الذي يصدك عن طلب العلم وعن الأمور النافعة، والتحصيل، والسؤال الذي فيه النفع، فليس بحياء، لكنه خجل، وهو حياء مذموم.

ولذلك يقول مجاهد في صحيح البخاري، موقوفاً عليه: [[لا يطلب العلم مستحٍ ولا مستكبر]].

ومَرَّ عليه الصلاة والسلام على رجل من الأنصار - كما في صحيح البخاري - وهو يَعِظُ أخاه في الحياء، قال: (دَعْهُ، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير).

ثانياً: الحياء خير كله:

وخاصة إذا كان في شرف الأمور، يَصُدُّ عن خوارم المروءة والمعاصي.

وصح عنه - عليه الصلاة والسلام - عند الترمذي أنه قال: (البَذاء، والبيان شُعْبَتان من النفاق، والعَيُّ والحياء شعبتان من الإيمان) وقد شرح هذا الحديث ابن رجب في كتاب مستقل.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( آخِر ما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى) أي: آخر ما حُفِظ من كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وميراثهم هذه الجملة: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ) وفي هذه العبارة معنيان لـأهل السنة:

المعنى الأول: يقول: ( إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ): أي: إذا خلعت جلباب الحياء؛ فلك أن تفعل ما شئت من المعاصي وخوارم المروءة، بمعنى: إذا لم تستحِ من الناس ولا من الله قبل الناس؛ فاصنع ما بدا لك فقد ذهب الحياء عنك.

والمعنى الثاني: يقول: ( إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ) أي: إذا كان هذا الأمر لا يدعو إلى الحياء منه فاصنعه؛ فإنه مباح لك. أي: إذا كان هذا الأمر ما عليك حرجٌ منه، ولا تستحي أن تصنعه، وليس عليك لائم ولا حرج من الناس ولا عَتَب فافعله.

والمعنى الأول هو الصحيح.

قال الشافعي:

فلا والله ما في العيش خيرٌ     ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ

إذا لم تخشَ عاقبة الليالي     ولم تستحي فاصنع ما تشاءُ

وقيل لـسهل: ما هو الحياء؟ قال: أن تستحي من الرقيب.

وقال بعضهم: أن تجعل بينك وبين الله رقيباً، وهي درجة الإحسان التي وصفها - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

وقد بلغ ببعض الصالحين أنه ما كان يتعرى وحده حياءً من الله.

وعند أحمد في (المسند) بسند صحيح: أن معاوية بن حَيْدَة قال:( يا رسول الله! إذا كان أحدنا وحده، هل يكشف عن عورته؟ قال: الله أحق أن يُسْتَحْيَا منه).

وصح عند الترمذي عن ابن مسعود: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (يا أيها الناس! استحيوا من الله حق الحياء؛ فإن حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ومن تذكر البِلى ترك زينة الحياة الدنيا).

والحياء خير كله، وقد رد عمران بن حصين على عبد الله بن سلام، أو كعب الأحبار لما عارضه في ذلك، وقال: [[إني قرأت في التوراة أنَّ مِنْه جُبْناً وأنَّ مِنْه خيراً]] قال: [[أحدثك عن الرسول عليه الصلاة والسلام وتحدثني عن صحفك؟]] (الحياء خيرٌ كله).

والمعنى: الحياء المطلوب النافع، أما الخَجَل والخَوَر والجُبْن، فهذا ليس من الحياء، بل هو يصد عن طلب العلم وعن المسألة لأهل العلم، والاستفادة.

قوله -عليه الصلاة والسلام-: (آخِر ما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ): ما معنى النبوة الأولى؟ النبوة الأولى: هي ما قبل نبوته عليه الصلاة والسلام فإن قبله أنبياء، وكان يُوْرِد صلى الله عليه وسلم بعض الكلمات منهم، وكان يأخذ بعض الآداب من شرائعهم.

قال عليه الصلاة والسلام: (آخِر مَن يُحْشَرُ: راعيانِ مِن مُزَيْـنَة، يريدان المدينة ينعقان بغنمهما؛ فيجدانها وحوشاً، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خَرَّا على وجوههما) حديث صحيح، رواه الحاكم عن أبي هريرة.

ولعلكم تلحظون أن الحديث الأول: في أبواب الجنة، والثاني: في الحياء، والثالث: في علامات الساعة.

وأنا أقول: سوف تكون الحلقات من كتاب دستور الصحوة الإسلامية على هذا المنوال، مرة في الفرائض، ومرة في النكاح، ومرة في الصلاة، ومرة في الرضاع، ومرة في التوحيد؛ ليكون كالروضة. مرة زهرةً، ومرة وردةً، لئلا يَمَلَّ السامع.

 آخر من يحشر

أما قوله صلى الله عليه وسلم: {آخِر مَن يُحْشَرْ: راعيان مِن مُزَيْنة} فمعنى الحشر هنا: إلى الله، قيل: لقيام الساعة، وقيل: الحشر هو من المشرق إلى المغرب؛ فإن من علامات الساعة الكبرى: نار تحشر الناس من المشرق، تَهُبُّ مِن عَدَن، فتحشر الناس وتجمعهم.

والحشر: هو الاجتماع، حشرتُ الناسَ: أي جمعتهم، محشورون: مجموعون، يوم الحشر: يوم الجمع.

قال عليه الصلاة والسلام: {آخِر مَن يُحْشَرْ -أي: آخِر مَن يُدْفَعْ من الناس- راعيانِِ مِن مُزَيْـنَة} وهي قبيلة من قبائل العرب، ومنها: زهير بن أبي سُلْمَى، وغيره من الشعراء، وهي قبيلة ذكرها صلى الله عليه وسلم بالخير، وهي ما بين المدينة ونجد.

{ يريدان المدينة ينعقان بغنمهما؛ فيجدانها وحوشاً}: يجدان المدينة وحوشاً، وقد انتهى الناس، وماتوا في المدن والقرى قبل قيام الساعة، وهبَّت عليهم ريح باردة، فأفناهم الله، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62].

 أهمية الإيمان بيوم القيامة

إن يوم القيامة هو المدرسة الكبرى التي تهذب أخلاق الناس، والتي تردهم إلى الله عز وجل، والتي تجعلهم عباداً صالحين.

هذه القضية الكبرى هي الفارق بيننا وبين العلمانية والشيوعية والماسونية واليهودية، وهي الخيط الرفيع، وهي الفيصل بيننا وبين المذاهب الترابية الأرضية والقومية التي ينادونها بشعارات، هذه هي الفارق بيننا وبين كل من يدعي الأرض والتراب والوطن.

نحن نعمل للآخرة، غيباً وشهادة، حياة وموتاً، نتصل مع الله، وإلاَّ فحياتنا هذه قليلة قليلة، والله يجمع بين الحبيب وأحبابه في جنة عرضها السماوات والأرض، وهذه مقررة في الكتاب والسنة: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21].

والقرآن والسنة فيها الكثير من الحديث عن يوم القيامة والنشور، والجنة، والنار؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مُتَوَقِّعٌ أنه سوف يُطْغَى على الجيل ويُظَلَّل بوسائل وبأُطْرُوحات وبدعوات وبغزوٍ فكري.

العلمانية الآن هي السائدة في الساحة، وهي تبث أدواتها بزخرفة من الإعلام، وبكلام يعجب الناظرين، ومقصوده الإلحاد، لا الدين.

ولذلك لا يكتبون في كتبهم عن اليوم الآخر، ولا في خطبهم، وكلماتهم، يقولون: الحياة، ويقولون: تطور وازدهار؛ لكن إذا أعَدْتَهم إلى اليوم الآخر، فلا.

وكذلك لا يذكرون الولاء والبراء؛ ولذلك يقولون: إن من العنصرية أن تقول: أنا مسلم، وهذا نصراني، وتحاربون النصرانية واليهودية.

العالم كله الآن -يقولون عنه-: مدينة واحدة، ولم تعد هناك حروب، وانتهى عصر التخلف، وأصبحنا في عصر ننهي التمييز العنصري حتى في الأديان.

نقول: نحن نحارب التمييز العنصري؛ لكن الدين يبقى ولاء وبراء وحباً وبغضاً، ولذلك يأتون بشعارات الوحدوية بين العالم، وهذه كلمة ماسونية، ويقولون: ما ينبغي أن تدعوا للتفرقة بين البشر: هذا يهودي، وهذا نصراني، لا، لا يصلُح لا دين، ولا لغة، ولا جِنْس؛ إنما إنسانية.

وفي الساحة توجد كتب الوحدة الإنسانية، والوحدة التراثية، ووحدة بني آدم، والفوارق الطبيعية، ويؤسسون اجتماعاتهم على هذا، فيُلْغون قضية الدين، فيقولون: إن قضية الدين قضية فردية؛ حتى يقول أكرم البستاني في مذكراته: "الدين للأفراد فقط، فاللبناني إذا كان مسيحياً يجوز له، واليهودي إذا سكن في اليمن له ذلك، والشيوعي إذا كان في الجزيرة له ذلك، ومن أراد أن يصلي فليصلِّ، وصُمْ رمضانَ لنفسك، أما أن تأتي وتدخل الحياة والدين في شعور الناس ومعتقداتهم وأخلاقهم فهذا خطأ"، وهذا هو الإلحاد بعينه.

لكن تربية الصحوة على اليوم الآخر والإيمان والقيامة هو المطلوب، ولذلك كان لزاماً علينا - وأنا أمامي عشرات الدعاة - أن نعيد الشباب للكتاب والسنة، العلم الصحيح، بلا مذكرات وبلا أطروحات تخالف الكتاب والسنة.

قال عليه الصلاة والسلام: {ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشاً} تصبح المدينة خاوية، وانتهى كل من عليها: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27]. الأطروحات، الهيئات، الكيانات، الزخارف، القصور، الدنيا، كل ذلك يذهب، ويبقى الواحد الأحد، وهذا الذي تفرد به الله، لا إله إلا الله.

سمعتُ شريطاً قبل أسبوع للشيخ عبد المجيد الزنداني وفيه كلمة جيدة، يقابله شيوعي من شيوعي العرب، فيقول له: يا فلان، نحن إذا متنا حاسبنا الله الذي لا يموت وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] وأنت فإنك تخاف من إلهك، وقد مات إلهك استالين ولينين وماركس، أصبحوا تراباً ورماداً، أما ربنا فهو الله الباقي، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:27] كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].

ثم يقول: {حتى إذا بلغا ثنية الوداع خَرَّا على وجوههما} انظر إلى هذا المشهد، لا إله إلا الله، لا يستطيعون دخول المدينة فتأتي الساعة فجأة، فيجمع الله الأولين والآخرين، ويقوم الفجرة من قبورهم، ويقولون -كما في القرآن الكريم-: يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام:31] يا حسرتنا على الساعات الغالية! يا حسرتنا على الأيام والليالي! يا حسرتنا على الدقائق التي صرفناها! يا حسرتنا على القصور والبساتين والمتاع والمناصب! يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام:31].

فيقول: {فيجدانها وحوشاً؛ حتى إذا بلغا ثنية الوداع} وثنية الوداع في المدينة، يقولون: يقابل مكة، وقيل: يقابل تبوك.

أشرفَ من ثنية الوداع المصطفى عليه الصلاة والسلام، قيل: يوم الهجرة، وقيل: يوم عاد من تبوك، فخرج له أطفال المدينة فقد كان أباً، وأخاً، وحميماً، وكان قريباً من القلوب، وكان يحبه الناس كل الناس، عطف الله عليه القلوب، ولم يخلق الله أروع ولا أنبل منه، كان يربي ببسمته الأجيال والأطفال.

فلما أقبل عليه الصلاة والسلام خرج أطفال وجواري، وبنات المدينة، في طرف السِّكَّة يستقبلون البدر، ويقولون:

طلع البدر علينا     من ثنيات الوداعِ

وجب الشكر علينا     ما دعا لله داعِ

أيها المبعوث فينا     جئت بالأمر المطاعِ

جئتَ شرَّفتَ المدينة مرحباً يا خير داعِ

هذه أبيات رائعة، جميلة جداً، يُحَيَّا بها محرر العالم، فقد كانت الأمة عبيداً قبل أن يُبْعَث، وكانت ضائعة ضالة، فلما بُعِث أتى بهذا الوحي فحرر الأمة حتى جعلها أمة إسلامية تملك الدنيا -عليه الصلاة والسلام-.

 قيام الساعة كلمح البصر

قال: {خَرَّا على وجوههما} في هذا الحديث دروس، منها:

الأول: أن الساعة تأتي فجأة: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:63] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب:63]

فائدة: إذا قال الله في القـرآن: وَمَا أَدْرَاكَ فسـوف يُخْبِرُه بعدُ، وإذا قال: وَمَا يُدْرِيْكَ فلن يخبره.

فإذا قال: وَمَا أَدْرَاكَ: فسوف يـخبره، مثل: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-3] فأخبره بقوله: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ [القارعة:4].

وإذا قال: وَمَا يُدْرِيْكَ: فلن يخبره، مثل: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب:63].

قال جبريل: {يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل} يقول: أنا وأنت سواء، أنا لا أدري، وأنت لا تدري، تسألني وأنا لا أدري؟! لا يدري بها إلا الله، فقد استأثر بعلمها، ولم يخبر مَلَكَاً ولا نبياً ولا رسولاً ولا إنساناً ولم يُؤْتَ أحدٌ علمها حتى يُبْعَث الناسُ مباشرة.

فنحن ننتظرها، ونسأل الله ألا يجعل أجورنا ذاهبة في الدنيا، ولا يجعل متاعنا ما قَدَّم لنا هنا، بل يجعل راحتنا وأنسنا هنا وهناك: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء:101-102].

أيها الإخوة، هذه الحلقة الأولى من سلسلة: دستور الصحوة الإسلامية، أسير معكم في رحلة ممتعة مع محمد عليه الصلاة والسلام يتكلم لنا في شئون الحياة، والإيمان، والمعتقد، والتوحيد، ويتكلم لنا في الطهارة، والصلاة، والحج، ويتكلم لنا في البيت الإسلامي، مع الطفل، والزوجة، والأخت، ويتكلم لنا في الاقتصاد والسياسة، ويتكلم معنا في كل باب، علَّنا أن نفهم وأن نعي.

اللهم انفعنا بما نسمع، اللهم انفعنا بما نقرأ، اللهم انفعنا بما نتعلم، اللهم اجعلنا من هذا الموكب الكريم، الذي يقوده محمد عليه الصلاة والسلام.

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثاني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

المقصود من هذا الكتاب: تربيةُ الجيل على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ورَدُّ الناس إلى المصدَرَين العظيمين، مصدَرَي التلقي، وهو العلم الصحيح الموروث عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم.

فإن العلم صراحة: هو علم الكتاب والسنة، وما سوى هذين العِلْمَين: إما أن يكون شرحاً لهما، أو أن يكون تذييلاً عليهما، وإن كان معارضاً لهما، فهو علم باطل فاسد لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة.

قال عليه الصلاة والسلام: (آخر من يدخل الجنة: رجل يمشي على الصراط، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتصفعه النار مرة، فإذا جاوزها التَفَتَ إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منكِ، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فتُرفَع له شجرة، فيقول: أيْ ربِّ! أُدْنُنِي من هذه الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله: يا بن آدم، لعلِّي إن أعطَيْتُكَها سألتَني غيرَها، فيقول: لا، يا رب! ويعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة أخرى، هي أحسن من الأولى، فيقول: أيْ ربِّ! أُدْنُنِي من هذه؛ لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا بن آدم! ألم تعاهدني ألا تسألَني غيرَها؟! ويقول: لعلِّي إن أدنيتُك منها تسألني غيرها، فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، هي أحسن من الأَوْلَيَيْن، فيقول: أيْ ربِّ! أُدْنُنِي من هذه؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا بن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟! قال: بلى، يا ربِّ! أُدْنُنِي من هذه، لا أسألك غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أيْ ربِّ، أدخلنيها، فيقول: يا بن آدم! ما يُعْرِيْنِي منك؟...) ومعنى يعريني منك: أي: أَيُّ شيءٍ يرضيك؟ ويقطع السؤال بيني وبينك، (... أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أيْ ربِّ! أتستهزئ مني، وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر) رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن مسعود، وهو حديث صحيح.

وفيه مسائل:

أولها: أن دخول الجنة على درجات.

ثانيها: أن الناس يتفاضلون في دخول الجنة بحسب أعمالهم.

ثالثها: أن لدخول الجنة أولاً، وآخِراً. فلا يدخلون مرة واحدة؛ وإنَّما أولٌ وآخِرٌ، وأولُ مَن يدخـل الـجنة محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام وآخر من يدخل الجنة: هذا الرجل.

رابعها: أن عصاة الموحدين يُعَذَّبُون، خلافاً للمرجئة الذين لا يفاضلون بالإيمان.

خامسها: أن الخوارج قالوا بتخليد أهل الكبائر في النار، وقد كذبوا على الله، بل لا يُخَلَّد الموحِّد في النار، وقد يخرج بعد أن يبقى مدة في النار.

سادسها: أن الله عز وجل يخاطب الناس يوم القيامة كفاحاً، بلا ترجمان، ويتكلم معهم.

سابعها: عِظَمُ ما أعطى الله عز وجل لأقل المؤمنين في الجنة؛ فإنه ثبت من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن (أدناهم منـزلة من يملك مثل ملك الدنيا خمس مرات) وقيل: (عشر مرات).

أَقَلُّهُم مُلْكاً من الدنيا مَلَكْ     وعشرةٌ أمثالها من دون شكْ

لكنَّما موطن سوطٍ فيها     خير من الدنيا وما عليها

قلت لكم آنفاً: إن الدستور الذي بين يدَيَّ يحمل أحاديث العقائد، والآداب، والأخلاق، والسلوك، بينما أنت تسمع حديثاً في الفرائض، إذا به ينتقل بك إلى اليوم الآخر، ثم يعرج على الجهاد، ثم يصلك بالتربية، ثم يعود بك إلى الأحكام، فأنت بين روضة وأخرى.

يقول عليه الصلاة والسلام: (آكل الربا، ومُوْكِلُه، وكاتبه، وشاهداه إذا علموا ذلك، والواشِمَة، والموشومةُ للحُسْن، ولاوِي الصدقة، والمرتد أعرابياً بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة) رواه النسائي وابن خزيمة والحاكم عن ابن مسعود، وهو حديث صحيح.

معنى المفردات:

(آكل الربا): الذي يتناوله أكلاً مباشرة، أو لُبساً، أو استخداماً، أو سكنىً، أو مركوباً، أو يمتهنه في تجارة.

(ومُوْكِلُه): الذي يُوْكِلُه غيره: كالصراف، والبائع، وحامل العقود، والكاتب عليها، والشاهد، وصاحب الإرشيف، والحارس، والفراش.

(وكاتبه): الذي يكتب العقود، ويوقع على المُسَيَّرات والشركات والحوالات.

(وشاهداه): اللذان يشهدان على العقد، إذا علموا ذلك؛ لأن الجاهل معذور.

(والواشِمَة): هي التي تَشِمُ نفسَها بحبر أو ما يشابهه، وتغرزه في جسمها أو في وجهها، وهي التي تَشِمُ غيرها أيضاً.

(والمَوْشُومة): التي تطلبه من غيرها، أو تطلب غيرَها أن يَشِمَها، وهو غرز الحبر أو المداد أو نحوهما في الخدود، وتَرَوْنَ كثيراً من النساء يفعلن ذلك؛ للحسن، بقصد الجمال.

(ولاوِي الصدقة): أي: مانع الزكاة والمماطل والمؤخر لها إذا حلَّت عليه، مثل أن يطلبه الإمام أن يدفع الزكاة، فيماطل، ويقول: بعد غد، ويطلبه ثانيةً، فيقول: بعد شهر، بعد شهرين، فيماطله.

(والمرتد أعرابياً بعد الهجرة): كيف؟ أي: أنه في عهده عليه الصلاة والسلام كان إذا هاجر الرجل من مكة إلى المدينة انتهى، لا يرجع، فإذا ارتد إلى الأعرابية والصحراء وترك الهجرة، فإنه هو المقصود.

(ملعونون على لسان محمد يوم القيامة): اللعن-نعوذ بالله منه- الطرد والإبعاد من رحمة الله، وقد لعن صلى الله عليه وسلم أصنافاً.

وشاهدُنا هنا: أول الحديث.

وقد صح عند مسلم من حديث جابر أنه قال: (لعن الله آكل الربا، ومُوْكِلَه، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء).

وعند الحاكم وابن ماجة بسند صحيح، يقول عليه الصلاة والسلام: (الربا ثلاثة وسبعون باباً، أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عِرض المسلم).

ويقول عليه الصلاة والسلام: (آكُلُ كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً كأساً) رواه هَنَّاد في كتاب الزهد، عن عمرو بن مرة مُرْسَلاً، وهو صحيح.

والمعنى: مرت امرأة بالرسول عليه الصلاة والسلام، فرأته يأكل وهو على التراب، وهو أشرف مَن خَلَقَ الله، لم يخلق الله في الناس أشرف منه صلى الله عليه وسلم، فرأته يأكل على التراب، وكانوا يقولون: إذا أكل -أحياناً- يجلس على رُكْبَتَيه كهيئة المصلي في التشهد. وهذه المرأة التي مرت: مشركة متكبرة، قالت للناس على الرسول عليه الصلاة والسلام: انظروا إليه، يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فَرَدَّ عليها، وقال: (آكُلُ كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده! لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً كأساً).

الدنيا سهلة، وليس منزلة الإنسان عند الله بما يعطيه من الدنيا، أفجر الفجرة قد يعطيه الله عز وجل الملايين المُمَلْيَنَة والقصور والدور والدنيا والذهب والفضة؛ ولكن لا يساوي عند الله جناح بعوضة، وتجد المؤمن التقي البار لا يجد كسرة خبز في اليوم؛ وأحياناً ينام على الرصيف؛ لأن الموازين ليست بالدنيا.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (جناح بعوضة) الجناح: هو طرف هذه البعوضة (النامِسَة) بمعنى: أن الله عز وجل لا يضرب للدنيا وزناً كوزن جناح البعوضة هذه التي ترونها إذا طارت به. فالدنيا سهلة عند الله عز وجل.

وفي حديث صحيح: (إن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب) فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والله ينظر إلى القلوب، فيرى من يستحق هذه الرسالة والإيمان والقرآن فيمنحه الدين، ويرى أن بعض الناس لا يستحق الإيمان والصلاح، فلا يمنحه الإيمان: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23].

ولما كان الإيمان غالياً، أعطاه الله بعض الناس من الفقراء والموالي، وحرمه بعض الأشراف من كفار مكة، ولذلك مات بعض الكفار كافراً، وقُتِلوا في بدر ودخلوا النار، أما الإيمان فعزيز، من أعطاه الله الإيمان فقد أحبه، ومن أدخل الإيمان بيته فقد أحبه.

وقوله: (ما سقى منها كافراً كأساً) مع العلم أن الكفار قد يتمتعون من الدنيا أكثر مِمَّا يتمتع المؤمن: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

يقول عليه الصلاة والسلام: إنه عبدٌ لله، ولما أطراه ومدحه عامر بن صعصعة أحد وفود العرب، قال الرسول: (يا أيها الناس! قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله).

وقد ذكر الله له العبودية في مقام التشريف، وهي:

ذكره في الإسراء، فقال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1].

وذكره في مقام الدعوة، فقال: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن:19].

وذكره في مقام الإنزال، فقال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1].

لا تدعُنِي إلا بـ(يا عبدها)      فإنه أشرف أسمائي

فأشرف أسمائه: العبودية لله، ومن لا يكون عبداً لله، كان عبداً لشيطانه وشهواته وغروره.

وقال عليه الصلاة والسلام: (آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نفسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صَبَّاً، حتى لا يزيغَ قلبَ أحدِكم إذا أزاغَهُ إلا هي، وايْمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء) رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء، وسنده حسن.

معاني المفردات:

( آلْفَقْرَ تخافون؟) معناه: هل تخشون الفقر من بعدي؟! وهذا الاستفهام للإنكار، أي: لا تخشوا الفقر؛ فإنه لا يُخْشَى منه، ولا تموت الأمة بالفقر، بل الذي قَتَل الناس هو الغنى، والذي دمَّر كثيراً من البيوت هو المال والثراء.

( والذي نفسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صَبَّاً) أي: لَتَكْـثُرَنَّ عليكم الأموال كثرة هائلة، وقد حدث هذا، حتى أصبح الغنى أمراً عجيباً.

ثم يقول: ( لا يزيغَ قلبَ أحدِكم إذا أزاغَهُ) أي: لا يَمِيْلُه، كما قال تعالى: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران:8] والزَّوَغان: الميل، ولا يُمِيْلُ القلوبَ إلا الدنيا، ولذلك نسبة الانحراف في الأثرياء أكثر منها في الفقراء؛ وإلاَّ فعلى مستوى الأفراد قد يأتي الثري أتقى لله، وأصلح من الفقير، وهذا أمر مُشاهَد.

( وايْمُ الله) وهذا قسم، كان يقسم به عليه الصلاة والسلام وهو مثل: تالله، وبالله، ووالله.

( لقد تركتكم على مثل البيضاء) أي أن الشريعة والسنة مثل البيضاء، قيل: البيضاء هي الطريق الواضحة، وقيل: البيضاء الليلة المقمرة، وقيل: البيضاء: هي المسلك الذي لا عوج فيه. وكل المعاني صحيحة.

( ليلها ونهارها سواء) تَرَكَنا عليه الصلاة والسلام على محجة واضحة، لا لَبْس فيها، وهي ظاهرة للعَيان، وشريعة كاملة، ولذلك قبل سنوات كان في الناس عدم تَمَيُّز، يعيش الناس في العالم في ثلاث معسكرات:

معسكر إلحاد.

ومعسكر إيمان صريح صحيح.

ومعسكر وسط، فهم قوم تأتيهم شُبَهٌ وخطراتٌ؛ لكنه وسط، قد يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون، ولكنهم لم يتميزوا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

ولكن في هذه الصحوة، والعودة إلى الله أصبح اليوم هناك تَمَيُّزٌ، حتى على مستوى العالم، لا تجد العالم الآن إلا يناشد التميز، حتى البلشفي الروسي الملحد أصبح يتميز، إما أن يدخل في دين، وإما أن يتجرد عن دين. وهذا معلوم لديكم، كَمَنْ يقرأ كتاب الانفتاح المترجم والموجود لـجرباتشوف، الذي أصبح قبل سنتين نصرانياً مسيحياً، أي أنه تَدَيَّن، وأصبحت وُلايَتا أذربيجان وأوزبكان، والولايات الجنوبية في شمال أفغانستان أصبحت تنشد الإسلام. رُفِعَ (لا إله إلا الله) على المآذن، إمَّا دينُ إسلامٍ، وإما تبروء خالص، أما هذا الوسط، فإنه قليل في الناس، وهذا حتى في واقعنا اليوم، إما قوم أقبلوا على الهداية، وأقبلوا على الرب سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وعلى المسجد، وإما قوم ينحرفون تماماً، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة وفي أمثالها ولها بحث آخر، وسوف يكون هناك -إن شاء الله- محاضرة عن مسألة (الشيوعية: أصولها ونتائجها) وعن: (أدوار العلمانية) بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى بعد شهر أو ما يقارب ذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم: ( آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نفسي بيده! لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صَبَّاً) كان الصحابة في الغالب فقراء؛ فإذا أتت غنيمة اجتمعوا عند الرسول عليه الصلاة والسلام فحذَّرهم، وأخبرهم أن الفقر لا يُخْافُ منه، بل يُخَافُ من الغنى، حتى يقول ابن عوف رضي الله عنه وأرضاه: [[ابتُلِينا بالضراء؛ فصبرنا، وابتُلِينا بالسراء؛ فلم نصبر]] أي: ابتُلِينا بالفقر؛ فصبرنا، فلما ابتُلِينا بالغنى ما صبرنا، ويقول أحد السلف: [[كنا فقراء متآخين، فلما تغانينا واغتنينا حمل بعضُنا السيف على بعض]].

مَرَّ قيسُ بن زهير - وهو شيخ من مشايخ القبائل في الجاهلية - بقومه؛ فوجدهم فقراء، قال: الحمد لله، قالوا: ما لك؟ قال: يتعاونون ويتساعدون، ثم مَرَّ بعد سنة، وإذا هم أغنياء، عندهم خيل وبقر وإبل، فغضب، قالوا: ما لك؟ قال:يتقاتلون، وما مَرَّ على كلامه أشهر إلا وقد وقعت مقتلة بينهم.

فالغنى له أسباب وتأثيرات، منها: الحسد، والضغينة، والبغضاء، والتناحر، وترك الطاعة عند كثير من الناس؛ لأنهم يشتغلون بأموالهم من دون الله عز وجل.

قال عليه الصلاة والسلام: (آمُرُكم بأربع، وأنهاكم عن أربع. آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا خُمُس ما غنمتم. وأنهاكم عن الدُّبَّاء، والنقِير، والحَنْتَم، والمُزَفَّت، احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم) رواه البخاري ومسلم وأبو داوُد والترمذي والنسائي عن ابن عباس، وهو حديث صحيح.

سبب الحديث:

وفَدَ قوم من عبدُ قيس من الأحساء، وهذه من أعظم الوفود عند العرب، وفَدوا عليه - عليه الصلاة والسلام - من الأحساء وكانت تسمى البحرين، فإذا أطلقت البحرين في الحديث، فالمقصود بها الأحساء لا البحرين هذه التي عاصمتها المنامة. فوصلوا إليه - عليه الصلاة والسلام - وفيهم أشج عبد القيس، فلَبِس أشجٌّ هذا وهو أحدهم لباساً طيباً، وتطيَّب، فقال له عليه الصلاة والسلام: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْمَ، والأناة قال: أَتَخَلَّقْتُ بهما يا رسول الله؟ أم اللهُ جَبَلَنِي عليهما؟ قال: الله جَبَلَك عليهما. قال: الحمد لله الذي جَبَلَني على خُلُقَين، أو صِفَتَين، يحبهما الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: مَن القوم؟ قالوا: عبد قيس. قال: مرحباً بالقوم، غير خزايا ولا ندامى): خزايا: جمع خَزْيان، وندامى: جمع ندمان، يقول: لا تخزون في الدنيا ولا تندمون في الآخرة.

معاني المفردات:

قالوا: مُرْنا بأمر.

قال: (آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع) اسمع الجمال والأسلوب، واسمع الكلمات الحية التي أحيت شعوباً وأجيالاً.

قال: (آمركم بالإيمانُ بالله وحده) هذا يسمى لَفّ ونَشْر عند أهل البلاغة، لا يستطيع اللَّفِّ والنَّشْر إلا محمد عليه الصلاة والسلام يلُفُّ العبارة ويجملها، ويقول: (أوتيتُ جوامع الكَلِم) اخْتُصِر لي الكلام اختصاراً وأوتيتُ فواتحه وخواتمه، فهو أفصح من نطق بالضاد، الآن يلُفُّ، ويقول: (آمركم بالإيمان بالله وحده) هذا لَف ونشر.

( أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده؟) ويسمي هذا أهلُ الصحافة: الموجز والتفصيل، فإذا قرأ مذيع الأخبار قال: كان هذا هو الموجز، وإليكم تفصيل الأنباء، وأهلُ العربية من السلف يقولون: اللَّف والنشر، فالرسول صلى الله عليه وسلم يلُف، ويقول: هذا هو الموجز، وإليكم التفصيل.

قال: (أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان) ولم يذكر الحج، لماذا؟ قيل: لأن الوفد أتى قبل أن يُفْرض الحجُ من السماء.

( وأن تؤدوا خُمُس ما غنمتم) من المغانم، تؤدوها لبيت المال.

(وأنهاكم عن الدُّبَّاء) الدُّبَّاء: القَرْع، إذا جُوِّفَ القَرْعُ، وأُخِذَ ما بداخله، فقد كانوا يأخذون أسطُل القَرْع، وبيوت القَرْع، وآنية القَرْع، فيجعلون فيها زبيباً وشعيراً وبراً فتتحول إلى خمر وتتخمَّر فيها.

(والنَّقِير) كانوا ينْقُرون عضو الشجرة فيجعلون فيها الخمر.

( والحَنْتَم) وكذلك الحَنْتَم، قالوا: القارّ، أو الزِّفْت، يصبغونه فيصبح أدوات فخار.

(والمُزَفَّت) يطلونه بالقارّ، ولكن الصحيح عند الإمام أحمد وغيره من المحدثين أن هذا منسوخ بقوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم: (اشربوا في كل شيء، ولا تشربوا مسكراً). فلك أن تشرب في هذه دون أن تشرب مسكراً، فإن المسكر محرم.

قال: (احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم).

وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

والله الموفق.

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثالث:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

هذا هو الدرس الثالث من كتاب (دستور الصحوة الإسلامية).

ويُقْصَد من هذه الدروس: تعميق التربية النبوية، وترسيخ تعاليم الإسلام في قلوب الناشئة؛ ليكون العلم الموروث عن معلم الخير عليه الصلاة والسلام هو العلم المطلوب والمرغوب فيه، ولينشأ جيل الإسلام على كتاب الله عز وجل وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الكتاب كله صحيح، أحاديثه صحيحة، ما بين أحاديث في العقائد، وأحاديث في الأحكام، وأحاديث في التربية والأخلاق والسلوك.

وهو لم يُرتَّب على باب، بل هو منثور كالروضة، مرة وأنت تعيش في عقيدة، ثم تنتقل إلى خلق، ثم تعود إلى سلوك، وهكذا.

من هذه الأحاديث: قوله عليه الصلاة والسلام: (آمركم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث: آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن ولاه الله أمركم. وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) هذا الحديث بهذا اللفظ رواه أبو نُعيم في الحلية، وسنده صحيح.

وشرط ما يتلى في هذا الكتاب أن تكون أحاديثه صحيحة كلها ليس فيها ضعيف أبداً, ولا موضوع، بل هي صحيحة إن شاء الله.

 معاني المفردات

أما قوله صلى الله عليه وسلم: {آمركم بثلاث} فالأمر إذا أُطْلِقَ يقتضي الوجوب.

{وأنهاكم عن ثلاث} النهي إذا أُطْلِقَ يقتضي التحريم. والتحليل والتحريم ليس إلا للشارع الحكيم، ليس لأحد من الناس: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116] فليس لأحد أن يحلل أو يحرم ألا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

والله يقول في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

 فضل التوحيد والنهي عن الشرك

ثم قال صلى الله عليه وسلم: { آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} هذه كلمة التوحيد، وهذه ملخص رسالته عليه الصلاة والسلام فقد جاء بهذه الكلمة، ودعا لتوحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فمقرر في الفِطَر، ما أنكر الصانع في الظاهر إلا فرعون، وإلاَّ فإن الكفار يشهدون أن الذي خلق السماوات هو الله، والذي خلق الأرض هو الله، والذي أبدع هو الله؛ لكنهم يدعون معه إلهاً آخر، فكل نبي أتى معه بدعوة توحيد الألوهية: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:32] والتوحيد ثلاثة أقسام:

الأول: توحيد ربوبية.

الثاني: توحيد ألوهية.

الثالث: أسماء وصفات.

فالربوبية: مقرر، وجاء به صلى الله عليه وسلم.

والألوهية: أنكره الكفار، وهو عمدة رسالته صلى الله عليه وسلم.

والأسماء والصفات: أتى به عليه الصلاة والسلام على أكمل وجه، وليس هذا محل بحثها؛ ولكن المبحث: {آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} إذ قال الله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] وفي الصحيحين: أن معاذاً كان رديف الرسول عليه الصلاة والسلام فقال له عليه الصلاة والسلام: {يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟} قال: الله ورسوله أعلم، قال: أتدري ما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً}.

 أهمية وحدة المسلمين على كتاب الله

ثم قال عليه الصلاة والسلام: { وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} حبل الله قيل: الرسالة، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام وقيل: (لا إله إلا الله) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].

وحبل الله يشمل الجميع، فهو: الإسلام، والدين، والرسول عليه الصلاة والسلام والقرآن.

وقوله: {وأن تعتصموا} الاعتصام: الالتجاء والتمسك.

{ ولا تفرقوا} التفرق مذموم، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].

 السماع والطاعة لولاة الأمر

ثم قال عليه الصلاة والسلام: {وتسمعوا وتطيعوا لمن ولاهم الله أمركم} في هذا ضوابط، منها:

أن يكون هذا المولَّى طائعاً لله، غير معلن للكفر؛ فإنه واجب على المسلم أن يسمع ويطيع ما لم يرَ كفراً بواحاً، عنده فيه من الله برهان.

ومعتقد أهل السنة والجماعة: أنه يُصَلَّى وراء أئمة الجور، ويُجاهَد معهم، ما لم يُرَ كفرٌ بواحٌ عند الرَّعِيَّة فيه من الله برهان. هذا هو الصحيح.

وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من أتاكم وأمركم جميعٌ، يريد أن يفرق كلمتكم فاضربوه بالسيف كائناً من كان.

وقال صلى الله عليه وسلم: {من فارق الجماعة فمات، مات ميتةً جاهلية}.

والجماعةُ إذا كان لهم إمام، ففارقه أحدٌ وخرج بدون مكفِّر لهذا الإمام، فقد أثم وابتدع في دين الله.

 القيل والقال

ثم قال عليه الصلاة والسلام: {وأنهاكم عن قيل وقال} قال العلماء: معنى { قيل وقال} كثرة نقل الكلام، والمسائل التي لا فائدة فيها، مثل: قال فلان ورَدَّ عليه فلان، ونقل أقوال الناس، والتشاغل بأحاديثهم، وما يبثه الناس، والدعايات، ونشر الشائعات في الناس. هذا هو قيل وقال.

وقيل: هي الغِيبة، مثل: قال فلان في فلان، وقال فلان في فلان.

وقيل: هي النميمة، مثل: قال فيك فلان، ثم ينتقل إلى الآخر: وقال فيك فلان.

 كثرة السؤال

{وكثرة السؤال}: قال الإمام مالك: "كثرة السؤال عن المعضلات" وهي أن يأتي أحدٌ إلى طلبة العلم والعلماء فيسألهم عن المعضلات؛ ليعجزهم فقط، دون إرادة الفائدة، فهذا يعتبر من هذا القبيل، وهو آثم، ويدل على فساد قلبه، حيث يأتي إلى العالم، ويحبك له سؤالاً صعباً، ومسألة صعبة؛ ليعجز هذا العالم، فهذا منهي عنه.

وقيل: كثرة السؤال: هو الذي يسأل أموال الناس تعففاً، وعنده مال وعنده ما يغنيه؛ لكنه يسأل، فهو شَحَّاذٌ دائماً، أغناه الله؛ ولكن فيه حب المسألة، وكما في الصحيح: {يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعَة لحم} ويعذبه الله بأن يتساقط وجهه يوم القيامة، ويبقى العظم؛ لأنه سأل الناس تكثراً، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فلْيَسْتَقِلّ أو لِيَسْتَكْثِر}.

وقيل: كثرة السؤال في عهده عليه الصلاة والسلام قبل أن يُنَزَّل الوحي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101].

 إضاعة المال

ثم قال عليه الصلاة والسلام: {وإضاعة المال} إضاعة المال منهي عنه، قالوا: إضاعته في المعاصي، كمن يُضَـيِّعُه في الأغاني، أو في شراء أدوات الغناء، أو الدخان، أو المخدرات والخمر، أو في استئجار محلات للمعصية، كما يُشْهد اليوم في بلاد كثيرة وأماكن كثيرة، كصوالين الحلاقة التي يُزاوَل فيها امتهانُ سنةِ الرسول صلى الله عليه وسلم في اللحى، أو استئجار المحلات التي يباع فيها اللباس المحرم للنساء القصير منه والشفاف، أو استئجار المحلات على الفيديوهات، وعلى الأشرطة الغنائية، كلها تدخل في {وإضاعة المال}.

وإضاعتُه: الإسرافُ في إنفاقه، كالتكثير في الملابس، والمطاعم، والمشارب، والبيوت، وهذا من إضاعة المال؛ فإنا أُمِرنا بحفظ المال؛ لنتقرب به إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

هذا الحديث رواه: أبو نعيم في الحلية بسند صحيح، عن أبي هريرة.

وقال عليه الصلاة والسلام: (آمِروا النساء في أنفسهن، فإن الثيِّب تُعْرِب عن نفسها، وإذْنُ البِكْر صِماتُها).

ننتقل من هذه الآداب إلى مسألة النكاح وباب النكاح.

(آمِروا النساء في أنفسهن، فإن الثيِّب تُعْرِب عن نفسها، وإذْنُ البِكْر صِماتُها). رواه الطبراني والبيهقي عن العرس بن عميرة وهو حديث صحيح.

معنى الحديث:

يعني - عليه الصلاة والسلام -: فَوِّضُوا الثيِّب، فإن الثيِّب إذا أرادت الزواج أو إذا رضيَت الرجل المتقدم أو الخاطب فهي تتكلم بنفسها.

(آمِروا النساء) معناه: فوِّضُوا النساء واجعلوا أمرَ النساء إليهن، أي: شاوروا النساء في هذه المسألة.

ويظهر أن الثيِّب تُعْرِب عن نفسها؛ لأنها ليست كالبكر في الحياء ولا في الخجل، فهي تتكلم بلسانها إن أرادت أو رفضت.

(وإذْنُ البِكْر صِماتُها) إذا سكتت البكر فهذا إذن ورضى، وهو يكفي، ولا يُطلَب منها الكلام؛ لكن إذا اعترضت فلا يجوز لوالدها ولا لقريبها ووليها أن يجبرها؛ أما إذا سكتت جاز النكاح وسرى وأصبح صحيحاً.

 نكاح اليتيمة

وقال عليه الصلاة والسلام: {آمروا اليتيمة في نفسها، وإذنُها صِماتها} حديث صحيح، رواه الطبراني عن أبي موسى.

ومعنى (اليتيمة): البِكْر، فإذنُها إذا صمتت وسكتت فهو إذنها، وجاز النكاح، وأما إذا اعترضت فقد تعطَّل نكاحها.

وقال عليه الصلاة والسلام: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس.

ومعنى (آية الإيمان) علامة الإيمان، أي: أن علامة إيمان المسلم، وعلامة حبه لله عز وجل، وحبه لرسول الله عليه الصلاة والسلام حب الأنصار.

الأنصار: اسم شرعي سماهم الله عز وجل وإلاَّ فهم قبيلتان مشهورتان من الأَزْد، أتتا من اليمن، اسمهما: الأوس، والخزرج. سمى الله القبيلتين الأنصار؛ لأنهم نصروا الرسول عليه الصلاة والسلام.

فآية إيمان المؤمن أن يحبهم، ومن أبغضهم فقد نافق، ولا يبغضهم إلا منافق عدو لله عز وجل ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.

والأنصار: كل من ناصر الرسول صلى الله عليه وسلم وبالأخص: الأوس والخزرج، أو من ناصره في المدينة يوم انتقل بعد الهجرة.

(وآية النفاق -أي: علامة النفاق- بغض الأنصار) والأنصار لا يبغضهم إلا منافق، ولا يحبهم إلا مؤمن، ونشهد الله على مـحبتهم في الله عز وجل من أجل أنهم ناصروا الرسول - عليه الصلاة والسلام - ورفعوا دين الله، واستشهدوا في المعارك، يقال: قتل من الأنصار (80%) في المعارك، وأكثر من يُقتل في المعارك إذا التقى المسلمون مع الكفار هم الأنصار.

يقول حسان:

فنحكم بالقوافي مَن هجانا     ونضرب حين تختلط الدماءُ

إلى آخر ما قال، وهو أنصاري، والأنصار منهم العلماء والشهداء والعباد والزهاد والشعراء رضي الله عنهم وجزاهم خير الجزاء بما قدموا للإسلام.

صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (جزى الله الأنصار عني خيراً، سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة).

وقال عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) متفق عليه، رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة، وهو صحيح.

معنى الحديث:

(آية المنافق) أي: علامة المنافق، والمقصود به النفاق العملي؛ لأن النفاق عند المسلمين قسمان:

نفاق اعتقادي.

نفاق عملي.

المنافق نفاقاً اعتقادياً: خالدٌ في الدرك الأسفل من النار، وهو الذي -مثلاً- يكفر بالرسالة، أو يكفر بالرسول عليه الصلاة والسلام أو يستهزئ بشيء أتى به صلى الله عليه وسلم أو يستهزئ بآيات القرآن؛ فهذا منافق نفاقاً اعتقادياً.

أما المنافق نفاقاً عملياً: فقد يكون مسلماً، لكن فيه شُعَبٌ من النفاق، مثل: إذا حدَّث كذب، لكن يجوز للإنسان أن يكذب في ثلاث حالات فقط:

المرأة على زوجها، والزوج على امرأته في أمور الحب والعشرة.

يجوز للإنسان أن يكذب في الصلح بين الشخصين الاثنين.

ويجوز للإنسان المسلم أن يكذب في الحرب مع الكفار؛ لأن الحرب خُدعة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا وعد أخلف) أي: إذا ضرب ميعاداً بينه وبين الناس أخلف في الميعاد، وهذه من علامة المنافق، وعَدَ عليه الصلاة والسلام رجلاً، فانتظره ثلاثة أيام، فلم يأتِ الرجل، ثم تذكر الرجل، فأتى، فقال عليه الصلاة والسلام: (لقد شققت عليَّ) ثلاثة أيام ينتظره في المكان.

( وإذا أؤتمن خان) أي: إذا حمَّلتَه أمانة خانها، وهي علامة النفاق، قال سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].

فمن كان فيه خَصلة من هذه كان فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها، ومن كان فيه ثلاث خصال اجتمعت فيه خصال النفاق، وقد يكون مسلماً مع هذا النفاق، والنفاق يتجزأ، وقد يوجد شخص منافق بخصلة، ومنافق بخصلتين، ومنافق بثلاث خصال، إلى آخرها.

قال عليه الصلاة والسلام: (ائت حرثك أنَّى شئتَ، وأطعمها إذا طعمتَ، واكسُها إذا اكتسيتَ، ولا تقبِّح الوجه، ولا تضرب) رواه: أبو داوُد عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، بسند حسن.

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

معنى (أنَّى شئتَ) أي: مُقابِلَة ومُدابِرَة، أما الدُّبُر فمحرم، وملعون من فعل ذلك.

ومعنى (وأطعمها إذا طعمتَ) أي: من طعامك، فالنفقة واجبة على الزوج، وكذلك الكسوة، بمقابل ما استمتع منها.

وقوله: (ولا تقبِّح الوجه، ولا تضرب) يقال: قبَّح الوجه أي: لا تدعو لها بالقُبْح في الوجه. وقيل: لا تضرب الوجه. وليجتنب الإنسان الوجه؛ فإنه محرم ضربُه، ومن فعل ذلك فقد تعدى وظلم؛ لكن إذا نَشَزَت فيضرب ضرباً غير مبرح في غير الوجه.

قال عليه الصلاة والسلام: (ائتَدِموا بالزيت، وادَّهِنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة) رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي في الشُّعَب عن ابن عمر، وسنده حسن.

(ائتَدِموا بالزيت) أي: اجعلوا الزيت إداماً، والزيت -كما تعرفون- يخرج من شجرة مباركة، وهو زيت الزيتون؛ فإنه مبارك، وهو يُذهب مرض البرص والبَهَق، وفيه تليين للأعضاء، وفيه قوة وحرارة، وصفها ابن القيم وغيره من أهل الطب.

(ائتَدمِوا بالزيت): أي: اجعلوه إداماً لخبزكم ولطعامكم.

(وادَّهِنوا به) أي: دَهْن الرأس والوجه، والرسول صلى الله عليه وسلم هو طبيب البشرية: طبيبها في القلوب، وطبيبها في الأجسام صلى الله عليه وسلم.

( فإنه يخرج من شجرة مباركة) شجرة الزيتون، وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ [المؤمنون:20] وهو الزيت.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ائتوا الدعوة إذا دُعِيْتُم) رواه مسلم، وسنده صحيح - كما ترون - عن ابن عمر.

معنى (ائتوا الدعوة إذا دُعِيْتُم) على الوجوب في الزواج، من دُعِي إلى زواج فواجب عليه أن يحضر؛ لكن بشرط ألا يكون في الزواج منكر، مثل: أن يكون في الزواج غناء، أو يُدارُ فيه خمر، أو اختلاطٌ بين الرجال والنساء، أو فيه استهزاء بالكتاب والسنة فلا يَحْضُر.

أما إذا خلا من المنكرات: فواجب عليك، إذا دعاك صاحب الزواج أن تحضر؛ فإن دعوة الزواج واجبة.

أما غيرها؛ كدعوة وليمة، أو غيرها من الولائم، فإنها على الاستحباب؛ لكن من حق المسلم عليك إذا دعاك أن تجيبه، وتجيب دعوته؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في (الصحيح): (حق المسلم على المسلم خمس...) وذَكَر منها: (... وإذا دعاك فأجبه)؛ لأن في هذا ترقيق للقلوب، وفيه صلة، ومودة، وتعاون بين المسلمين.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ائذنوا للنساء أن يصلين بالليل في المسجد) رواه الطيالسي وأبو داوُد عن ابن عمر، وسنده صحيح.

شرح الحديث:

قال: (بالليل) لأنه مظنة ألا يؤذن للنساء، ولأنه مظنة الفتنة والاختلاط، وهذا الأمر على الاستحباب والندب؛ لأنه ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه ما أوجب صلاة الجماعة للنساء، وقال: (وصلاتها في بيتها خير لها) لكن لو طلبَتِ المرأة من زوجها بدون فتنة، وقد عرف أنها لا تتعرض للفتن؛ فله أن يأذن لها لتصلي في المسجد، بشرط ألا يكون هناك فتنة، فإذا صلت في المسجد كانت محتجبة عن الرجال في مكان خاص، دون أن تتطيب، ودون أن تأتي مع أجنبي، كسائق أجنبي يخلو بها، فإن هذا محرم، بل تأتي مع ولِيٍّ لها؛ لتسمع القرآن، والمحاضرات، والدروس.

قال عليه الصلاة والسلام: (ائذنوا للنساء أن يصلين بالليل في المسجد) جاء عند مسلم في صحيحه: لما قال ابن عمر هذا الحديث، قال ابنه بلال: " والله لا نأذن لهنَّ، يتخذن المسجد دَخَلاً أو دَغَلاً "، قال ابن عمر: [[أُحَدِّثُك عن الرسول عليه الصلاة والسلام وتعارضه؟! والله لا أكلمك حتى أموت]] فما كلمه حتى مات، هَجَرَه؛ لأنه عارض الحديث.

وقال عليه الصلاة والسلام: (أبى الله أن يجعل لِقاتِلِ المؤمن توبة) حديث صحيح، رواه الطبراني والضياء في المختارة عن أنس، وسنده صحيح.

قوله: (أبى اللهُ) أي: منع اللهُ صاحبَ القتل من التوبة.

ومعناه عند أهل السنة: أنه قد يُحْرَم القاتلُ فعل التوبة، لا أن يَحْرِمَه الله إذا تاب التوبة. لا، ليس هذا؛ فلو تاب وصدق مع الله جعل الله له توبة؛ فإن رجلاً من بني إسرائيل قتل مائة نفس، فتاب الله عليه؛ لكن من قتل نفساً عسر الله عليه أمور التوبة، حتى أنه لا يتوب إلا بكل مشقة.

وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل امرئ مسلم لَكَبَّهُم الله على وجوههم في النار).

وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لَزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئ مسلم).

ومعنى (لِقاتِِلِ المؤمن) أي المعصوم دمُه، ففي الصحيحين: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني...) وهو الثيب الذي يزني فإنه يُرْجم... (... والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) فهؤلاء الثلاثة يُقْتَلون، أما غيرهم فدماؤهم معصومة من المسلمين.

قال عليه الصلاة والسلام: (أبى اللهُ وأبى المؤمنون يُخْتَلَفَ عليك يا أبا بكر) رواه الإمام أحمد عن عائشة، وسنده صحيح.

معنى الحديث:

(أبى اللهُ) أي: قدَّر اللهُ.

(وأبى المؤمنون) أي: رفض المؤمنون.

(أن يُخْتَلَفَ عليك يا أبا بكر) أي: كتب اللهُ عز وجل ألا تختلف عليك الأمة يا أبا بكر، في أن تجعلك للناس إماماً في الصلاة. ومنها: جُعِل خليفةً بعد الرسول عليه الصلاة والسلام.

فلم يختلف الصحابةُ لما قُدِّم أبو بكر الصديق في الصلاة، لم يختلفوا، وهذا قضاء من الله وقدر، فأبى الله والمؤمنون أن يختلف الناس على أبي بكر، بل كلهم أجمعوا على إمامته في الصلاة، فلما مات -عليه الصلاة والسلام- جعلوه خليفة من بعده، حتى قال له بعض الصحابة: [[رضيَك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟]]. فكان هو الخليفة الذي لم يُخْتَلف عليه، بل أُجْمِع على قبوله -رضي الله عنه وأرضاه- وهذا هو معنى الحديث.

وقال عليه الصلاة والسلام: (أبايعك على أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة، وتنصح لكل مسلم، وتبرأ من الشرك) رواه الإمام أحمد والنسائي عن جرير بن عبد الله البَجَلي، وسنده صحيح.

في الحديث قضايا:

بايع - صلى الله عليه وسلم - الصحابة أو المسلمين بيعات عدة:

منها: البيعة على الإسلام.

ومنها: البيعة على الهجرة.

ومنها: البيعة على الجهاد.

ومنها: البيعة على الموت، في حديث البراء تحت الشجرة.

ومنها: البيعة على ألا يسألوا أحداً من الناس.

وقد بايع سبعة: عوف بن مالك، ومن معه؛ فهي بيعات كثيرة.

وقوله هنا: (أبايعك على أن تعبد الله) هذه أكبر بيعة بايعها رسول الهدى -عليه الصلاة والسلام-.

( لا تشرك به شيئاً) هذه هي التخلية، يقولون: جمع في الحديث بين التَّحْلِيَة والتَّخْلِيَة، أي: يتخلى من الشرك ويعبد الله، فإن الذي لا يتخلى من الأضداد والأنداد، أو يوالي الكفار علىحساب المؤمنين، أو لا يتبرأ منهم، أو لا يرى أن دينهم باطل، أو أنهم منحرفون، أو يشايعهم، أو يوادهم، أو يقدمهم على المسلمين، أو يحبهم أكثر من المسلمين، أو يعاونهم في حروبهم ضد المسلمين؛ فليس بمسلم؛ لأن مفهوم الولاء والبراء عند أهل السنة والجماعة: أن تتبرأ من عدو الله، وأن توالي حبيب الله، وعند أبي داود بسند صحيح: (من أحب لله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله؛ فقد استكمل الإيمان).

قال: ( وتقيم الصلاة المكتوبة) هي التي بُوْيِع عليها، وهي الخمس الصلوات، وما زاد فنافلة.

(وتؤتي الزكاة) أي: المفروضة، أما الصدقة فنافلة.

( وتنصح لكل مسلم) قيل: إنه خصه بالنصيحة لكل مسلم؛ لأن جريراً سيد بجيلة، سيد قومه، فأمره أن ينصح لكل مسلم، و(الدين النصيحة) فكان ناصحاً حتى مات، وكان يقسم على المنبر في الكوفة: " أني لكم ناصح"، وكان إذا بايع الرجل في سلعة أو في تجارة خَيَّره بين الثمن وبين السلعة، وأخذ بهذا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خصه بهذا الأمر.

( وتبرأ من الشرك) ثم عاد عليه الصلاة والسلام الكلام عن البراء من الشرك، ومن الأضداد والأنداد والهيئات التي تعلن كفرها وإلحادها، أن يبرأ من جميعها.

 نظرية الولاء والبراء في الواقع

نظرية الولاء والبراء في الساحة ليست واضحة، حتى أنهم يقولون إن الذي يدعو إلى الحروب أو يدعو إلى التفرقة بين المسلم والنصراني متخلف ورجعي، ودَعُوْنا من القرون المظلمة التي مرت، أصل الإنسانية سواء، والناس كلهم في اتحاد وتعايش سلمي، ودَعُوْنا من التفرقة العنصرية. وقد أنشئوا عصبة الأمم ثم انهارت، ثم هيئة الأمم، وحقوق الإنسان التي تجمع حقوق الإنسان المسلم واليهودي والنصراني، لأنهم -عندهم- كلهم سواء.

نقول: التفرقة العنصرية ليست في الإسلام؛ لكن الديانة موجودة في الإسلام، لا يتساوى مسلم وغيره، ولذلك من خطط العلمانية ألا تبرأ من الشرك، وتبدأ العلمانية بـأتاتورك، وتنتهي بأصنام أهلك الله الكثير منهم.

 أسس العلمانية

وهي تقوم على ثلاثة أسس:

أولاً: لا دين: أول مبادئ العلمانية: لا دين في العالم، أتاتورك أزال اليهودية والنصرانية والإسلام في تركيا.

ثانياً: الناس سواسية: والإسلام يقول: المسلمون سواسية؛ لكنهم يقولون: الناس سواسية.

ثالثاً: السعي بالعلم: ومعنى ذلك: أنه طاغوت يُعبـد من دون الله عز وجل، والعلم إذا عُبد من دون الله أصبح طاغوتـاً وكفراً، ولذلك ذكر الله العلم في القرآن وقال: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ [الروم:56] لأن علماً بلا إيمان زنـذقة وكفر، وإلاَّ فقد وصلوا في العلم الكثير، قال سبحانه: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] فعلم بلا إيمان كفر وزندقة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: {وتبرأ من الشرك} أي: من الشرك بأنواعه الموجودة؛ لأن أطروحات الساحة يأتي منها الكثير.

فمن أطروحات العلمانية في الساحة، وهي التي أتكلم عنها؛ لكثرتها ولغزوها، أنها تعارض توبة من تاب، وتقول: لم يكن مذنباً؛ لأنه (لا دين) عندهم؛ ولذلك يغضبون إذا تاب المغنون، ويقولون: كيف يتوبون؟! كأنهم كانوا مجرمين، وإذا قلتَ لهم في شيء من الدين، قالوا: الصلاة لك، ولك أن تصلي لكن دَعِ الناسَ أحراراً، لا تأمر ولا تنهى، ما علاقتك بالناس؟ أنتَ عِشْ مسالماً، ولا تتدخل في الناس.

ومنها كذلك: أنهم يرون أن الدعوات التصحيحية لا أثر لها، ولذلك إذا ذكرتَ لهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية الصحيحة، قالوا: هذه تناسب العوام، وهي في القبور، وقد انتهت، وإذا ذكرتَ لهم مسائل المعتقدات، قالوا: لا، هذه قد عفا عليها الزمن، وما لله لله، وما لقيصر لقيصر، إلى غير ذلك من أخبارهم وأعلامهم.

يقول عليه الصلاة والسلام: (أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفَّى منكم؛ فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فأُخِذَ به في الدنيا؛ فهو كفارة وطهور، ومن ستره الله؛ فذلك إلى الله عز وجل إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له) متفق عليه، ورواه: أحمد والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت، وسنده صحيح.

وفيه مسائل:

البيعة على الإسلام التي بايعها الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه.

وقوله (ولا تسرقوا) النهي عن كبائر الذنوب، ومنها: السرقة.

والخوارج يكفرون بكبائر الذنوب، وأهل السنة يقولون: من ارتكب كبيرة فهو فاسق بكبيرته لا زال مسلماً، فشارب الخمر مسلم، وكذلك السارق، والزاني؛ لكنه خرج من دائرة الإيمان وأصبح فاسقاً، فيسمى فاسقاً عند المسلمين، ويسمى عند الخوارج كافراً.

والخوارج يخلِّدونه في النار خالداً مخلداً لا يخرج منها، وأهل السنة يقولون: قد يدخل النار ويعذب، ثم يخرجه الله؛ لأنه موحد، وهو تحت رحمة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. هذه من مسائل الخوارج.

قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تقتلوا أولادكم) لأن العرب قبل الإسلام كانوا يقتلون الأولاد خشية أن يطعموا معهم: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] وكان أبو بكر يقرأ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] قُتِلْتِ: أي: يسألها الله.

وأول من وأد جارية في العرب هو: قيس بن عاصم المُنْقَرِي سيد العرب، وأحلمهم وأكرمهم قبل الإسلام.

وأول من أحيا الجواري، ومنعهن من القتل أبو الفرزدق أو جدُّه.

ومنا الذي منع الوائدات وأحـ     ـيا الوئيد فلم توءد

وقوله: (ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) قيل: الزنا، وقيل: هي أن تحمل المرأة من غير زوجها.

وقوله: (ولا تعصوني في معروف) أي بشرط: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لكن الطاعة في المعروف، فمن أمرك بمعروف فأطعه، ومن أمرك بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذه قاعدة.

(فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فأُخِذ به في الدنيا، فهو كفارة وطهور) والحدود كفارات على الصحيح من أُخِذ وتاب وجلد في خمر، أو قُطِع في سرقة ثم تاب كانت كفارة له، لا يكرر الله عليه العقوبة، أما من لم يتب وأُخِذ عليه الحد، فلا يزال العقاب ينتظره، وإن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.

(ومن ستره الله، فهو إلى الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) والدرس المهم هنا -أيها الإخوة الأبرار- أن على المسلم إذا ألَمَّ بذنب أن يستغفر الله، ويتوب، وأن يستر نفسه؛ فإن الله يغفر إلاَّ للمجاهرين بالخطايا، والمجاهرون هم الذين يبيتون يسترهم الله فيخرج أحدهم في الصباح يقول: فعلتُ كذا وكذا البارحة، فيفضحه الله في الدنيا ولا يغفر له في الآخرة (كل أمتي معافىً إلاَّ المجاهرون) الذين يجاهرون بالذنوب والخطايا. فلنتب ولنستغفر، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] اللهم تب علينا يا رب العالمين.

نسخة نصية للطباعة , دستور الصحوة الإسلامية للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2699598975
عدد مرات الحفظ
682441815

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009