إسلام ويب

قصة الإنسان الأولللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • آدم عليه السلام هو أبو البشر, ومنه خلقت حواء ليسكن إليها.. ولكن أين خلقا؟ وما هي قصتهما؟

    ولماذا أخرجهما الله من الجنة؟

    وما هو دور إبليس في هذه القصة؟

    كل هذا وغيره ما ستعفرونه في هذه المادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ...)

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وحجة الله على الناس أجمعين، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد:

    ما زلنا نواصل المسيرة في تفسير كتاب الله عز وجل، ومعنا الليلة قصة أبينا آدم، قصة الخلق الأول، وسجود الملائكة له، وقصة الخطيئة.

    يقول تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] فهنا قضايا هائلة، وأحداث عالمية عاشها آدم عليه السلام وسمعها الأنبياء والرسل والملأ الأعلى.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ [البقرة:34] أي: كلفنا وأمرنا وتعبدنا الملائكة أن يسجدوا لآدم، وفي هذه الكلمة قضايا:

    حكم السجود لغير الله

    ما هو هذا السـجود الذي يريده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من الملائكة؟ وهل يجوز صرف السجود لغير الله؟

    وفي الحديث الصحيح: {أن معاذاً أتى من الشام، فقال: يا رسول الله! رأيت العجم يسجدون لملوكهم، وأنت أولى أن نسجد لك، فقال عليه الصلاة والسلام: لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها, لعظم حقه عليها، ولكن لا يكون إلا لله} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وهي سجدة التشريف، فيوم تضع جبينك في الأرض على التراب يرفعك الله درجات.

    ففي صحيح مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة}.

    وفي صحيح مسلم أيضاً، عن ربيعة بن كعب وضبط ابن مالك الأسلمي قال: {قلت: يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود}.

    فكلما سجدت لله رفعك، وكلما سجدت تحررت من العبادة لغير الله، من عبادة الوظائف والطواغيت والمناصب والدراهم والدنانير.

    فهل هذا السجود الذي أمر الله به الملائكة هو السجود على الأرض مثلما نسجد في الصلاة؟

    لأهل العلم قولان:

    القول الأول: معنـاه الانحناء والخضوع, أي: يدهده رأسه ويخضع.

    والقول الثاني: أن يسجد في الأرض, ويكون السجود لله ولكن تكريماً لآدم وإجابة لأمر الله تبارك وتعالى.

    والرأي الثاني هو الصحيح.

    وكان في شرع من قبلنا السجود للإكرام، قال تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [يوسف: 100] أما في شريعتنا فلا يسجد إلا لله ولا يسجد لعظيم مهما كان، ولا يُنحنى له فإن الانحناء محرم، وقد كان هذا موجوداً في الدولة العباسية، فإن من يقرأ تفسير ابن كثير وابن جرير والكامل لـابن الأثير، يجد قال: فدخل الوزير فقبل الأرض بين يدي الخليفة، ودخل الشاعر فقبل الأرض بين يدي الوزير.

    وهذا كله أمر محرم, ليس في شرعنا الانحناء ولا الخضوع إلا لله الواحد الأحد.

    وهنا قضايا أثارها ابن تيمية وابن القيم، وغيرهما:

    هل الملائكة أفضل أم بنو آدم

    هل الملائكة أفضل أم بنو آدم أفضل؟

    قال بعضهم: الملائكة أفضل لأنهم أقرب إلى الله، ولأن الله رفع أمكنتهم، ولم يجعل لهم شهوات، فإنهم عقول بلا شهوات، وابن آدم شهوة وعقل، والحيوان شهوة بلا عقل.

    ومنها: أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وكل من في السماء من الملائكة سجود إلى قيام الساعة:

    ففي سماء راكعون، وسماء يسبحون، وسماء يحفون بالعرش، وهناك ملائكة لهم اختصاصات عجيبة مجالها في موضوع الحديث عن الملائكة.

    واستدلوا بأدلة منها:

    "أنهم يستغفرون لمن في الأرض" والفاضل يستغفر للمفضول، وليس العكس.

    وقال قوم: بل بنو آدم أفضل -يعني الصالحين- لأنهم ركبت فيهم الشهوة وصارعوها، يعني الصالحين، أما الكفرة فلا يوازون بالحمير، أو الخنازير، أو الكلاب، فإنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.

    والصحيح كما يقول ابن تيمية: العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات, أما في الدنيا فالملائكة أفضل لأنهم أقرب إلى الله، ولأنهم لا يذنبون أو يخطئون ولا يعصون الله، وأما في الآخرة، إذا قرّب الله بني آدم وأدخلهم الجنة - نسأل الله من فضله - أصبحوا أفضل من الملائكة.

    وهذا الكلام عجيب:

    بالله لفظك هذا سال من عسل      أم قد صببت على أفواهنا العسلا

    وهذه المضايق لا يستطيع لها إلا ابن تيمية.

    كيفية خلق آدم

    أولاً: خلق الله آدم من طين لازب، من حمأ مسنون، وقيل: من فخار، والطين اللازب هو الطين اللزج كالغراء، فلما خلقه الله تركه أربعين يوماً طيناً, تدخل الرياح من فمه وتخرج من دبره، وانظر إلى الخلق الضعيف، فهذه أصل النشأة، فالناس جميعاً من هذا الطين، ثم انظر إلى المتكبرين المتجبرين الذين لا ينظرون بعين البصيرة، وينظرون بعين البصر، يتيهون تيهاناً ويهيجون هيجاناً، وكأنهم ليسوا من ذاك الأصل.

    وقد مر أحد وزراء بني أمية, وهو وزير متكبر متجبر, عنده بغلات وخيول وسيوف، وعنده حشم, مر والحسن البصري جالس، فقام له الناس إلا الحسن البصري، فالتفت الوزير وقال: أما عرفتني؟! قال الحسن البصري: لما عرفتك لم أقم، قال: من أنا؟ قال: أنت الذي خرج من مخرج البول مرتين -هذا وزير متجبر وهذا عالم- وأنت تحمل العذرة، وأصلك تعاد إلى جيفة قذرة، وأتيت من نطفة مذرة، فسكت كأنما أغشي على وجهه النار.

    ودخل المهدي العباسي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فقام الناس له جميعاً لأن حرسه يمتدون من آبار علي إلى الباب، وكان الخليفة هو أبو هارون الرشيد، فقام الناس في المسجد -طلبة العلم والعلماء والعامة- إلا ابن أبي ذئب المحدث الكبير لم يقم، بل ظل جالساً فسلم على الحضور ثم التفت إلى ابن أبي ذئب، وقال: مالك لا تقوم لنا وقد قام لنا الناس؟ قال: أردت أن أقوم لك، فتذكرت قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] فادخرت هذا القيام لذاك اليوم, قال: كفى لقد قامت كل شعرة من رأسي.

    حكى ابن كثير: عن طاوس بن كيسان المحدث تلميذ ابن عباس , قال: دخلت الحرم، فطفت ثم صليت ركعتين عند المقام ثم جلست أنتظر وأنظر في الناس.

    فهو يتفكر في هذه الخليقة، وهي عبرة من العبر.

    وسيد قطب يقول في الظلال: انظر إلى المطارات إذا كنت في انتظار أو في مغادرة, وانظر إلى الصالات والمستشفيات, واختلاف الصور والأبدان، اللمحات والنظرات كل واحد عالم مستقل في نفسه، هموم وأحزان وأفكار, شقي وسعيد، فقير وغني, سالم من الهموم، ومتورط في المدلهمات, فسبحان الباري!

    ومع ذلك الله يراقب حركة كل واحد من الناس، كل يوم هو في شأن، لا تفعل من حركة ولا سكنة ولا خطوة إلا والله معك، كل العالم.. يموت هذا بعلم من الله، ويولد هذا بعلم من الله، ويمرض هذا بعلمه، ويشفى هذا بعلمه.

    قال: فجلس طاوس يتلفت في الكعبة وإذا به يرى جلبة السلاح والحراب والرماح، فالتفت فإذا هو الحجاج بن يوسف، وهذا الحجاج بن يوسف الموت الأحمر، سفاك قتل مائة ألف بسيفه, رأى في المنام: أن القيامة قامت وأن الرحمن على عرشه بارز، وقد حاسبه الله فقتله بكل مسلم مرة، إلا سعيد بن جبير فقتله به سبعين مرة.

    قال: فالتفت فإذا جلبة السلاح، قال: فسكنت مكاني، وإذا بأعرابي مسلم مؤمن بالله، يطوف بالكعبة فلما انتهى من الطواف أتى ليصلي ركعتين فنشبت حربة في ثيابه، فارتفعت ووقعت على الحجاج، فأمسكه الحجاج بيده، وقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل اليمن، قال: كيف تركت أخي؟ قال: من أخوك؟ قال: محمد بن يوسف قال: تركته سميناً بطيناً، قال: ما سألتك عن صحته وسمنته وبطنته بل سألتك عن عدله؟ قال: تركته غشوماً ظلوماً، قال: أما تدري أنه أخي؟ قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟!

    قال طاوس: والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت.

    وهكذا تكون أجوبة من عرف الله، وعرف أن الخلق ما هم إلا ذرة.

    وقال ابن عبد الهادي في الدرر البهية: دخل ابن تيمية الإسكندرية، وهم يريدون سجنه، فأخرجوه من سجنه يريدون نقله إلى سجن آخر، لماذا يسجن؟ لتثبت لا إله إلا الله في الأرض، فهو يرد على المبتدعة والملاحدة والزنادقة والمعتزلة والجهمية والأشاعرة، فقال له أحد المبتدعة: والله، إن كل هؤلاء يطالبون بدمك ويريدون قتلك الآن، قال ابن تيمية: أتخوفني بالناس؟ ثم نفخ في كفه وقال: والله كأنهم ذباب.

    فلما خلق الله آدم تركه أربعين يوماً، فكان يمر به الشيطان فينظر إليه وهو طين، فينفخ فيه فيجلجل نفخه فيه فعرف أنه ضعيف لا يتمالك، قال الله عز وجل: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28].. وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً [الإسراء:11].. إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] فهذه طبيعة الإنسان إلا إذا رتبها ونقاها وسيرها بالكتاب والسنة، فإنها تصلح بإذن الله.

    فعرف أنه ضعيف ولذلك يستولي الشيطان عليه فيضعفه، فلما نفخ الله فيه الروح من روحه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا شرفٌ أحياه الله، فقال للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] لماذا؟

    أولاً: ليمتحنهم للطاعة هل يطيعونه أم لا؟

    ثانياً: ليرى من هم العصاة؟

    ثالثاً: ليري الجميع فضل آدم عليه السلام.

    فقاموا فسجدوا جميعاً إلا إبليس لأنه متكبر، فلماذا تكبر؟

    قال ابن عباس: [[كان إبليس أعلم الملائكة]] لكن لم ينفعه علمه، بل زها وتجبر وافتخر, وقال في بعض الروايات التي أوردها ابن كثير وغيره: [[كان إبليس ملك السماء الدنيا]] فقال الله: (اسْجُدُوا) فأتى يعترض، يقول -انظر إلى الخبيث اللعين، عليه لعنة الله -يقول لرب العزة الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] أأسجد وأنا أشرف؟! عنصري من نار وعنصره من طين، والنار أشرف من الطين، فكيف تجعل النار تسجد للطين؟!

    وهذه الكلمة هي بداية الخذلان واللعنة، وهذا الاعتراض سببه الكبر: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى [البقرة:34] أي: امتنع، ولم يكتف بقوله: أبى, بل قال: واستكبر.

    ولذلك أركان الكفر ثلاثة:-

    الأول: الحسـد.

    الثاني: الكبـر.

    الثالث: الكـذب.

    فمن كان فيه كبر فقد أخذ ثلث الكفر وما عليه إلا الباقي، والكبر نميمة إبليس نعوذ بالله.

    ومن علامات المتكبر: أنه لا يستفيد من غيره ولا يرى الفضل لغيره، ولا ينقاد للحق إذا عرفه، ويعرف بلفظه، فالمتكبر يسعل وليس به سعال، ويتنحنح وليس به نحنحة، ويطرق رأسه ليرى عظمته وليس عنده فكر ولاشيء.

    قالت العرب عنه: "أحمق الناس المتكبر".

    ولذلك أحمق الطيور الطاوس، لأنه متكبر عندهم، فهذا من الحمق.

    ولذلك ذكروا لبعض الحمقى من السلاطين والكبار ما الله به عليم، سلطان من السلاطين كان وزيراً في خراسان عزل من منصبه فذهب إلى قرية من القرى ففرشوا له ملاحفهم وعمائمهم في الطريق لأنه أجزل إليهم بمال وهو في الوزارة، فالتفت إلى الناس وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون.

    ومرّ وزير من الوزراء العباسيين على الجسر -جسر بغداد - فوقف قبل الجسر, قالوا: مالك؟ قال: والله إني أخشى ألا يحمل الجسر شرفي وأن ينكسر بي في النهر.

    وذكروا عن الحجاج بن أرطأة أحد المحدثين رحمه الله وهو ضعيف، روى له أحمد وأهل السنن لكن كان فيه تيه وزهو، وقد ذكر الذهبي له قصصاً منها: أنه دخل مجلساً فجلس في طرف الناس, قالوا له: اجلس في صدر الناس، قال: حيث ما جلست فأنا صدر.

    وهذه من علامات الكبر التي أخذت من أصل ذاك العنصر أو أخذت بالاقتباس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ)

    إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].

    قال المفسرون في قوله: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] حيث أنه لم يكن كافراً بأن معنى الآية: سيكون في علم الله كافراً: وقيل: مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] لما سوف يصيرون - وهو الرأي الصحيح -.

    فلما قال هذا القول ماذا فعل الله قبل أن يحرمه ويرجمه، وقبل أن يلعنه ويطرده؟ لا يزال هذا الشيطان مع آدم يلاحقه.

    العجيب أن هذا القرآن على صغر حجمه أتى بالقضايا الكبرى والصغرى في العالم، وأنشأ العلميات ونوع النفسيات وبين القواعد الكلية والآداب والسلوك.

    آياته كلما طال المدى جدد      يزينهن جلال العتق والقدم

    وبعد ما ننتهي من هذا سوف تأتي حرب النسف والإبادة على بني إسرائيل بعد آيات, ولننظر ماذا يقول الله في إسرائيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ )

    وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35].

    فسجد الملائكة وأراد الله إكرام آدم فأسكنه جنة الخلد، وبعض العلماء كما أورد ابن القيم وغيره اختلفوا هل هي جنة في الأرض أم جنة الخلد؟ والصحيح أنها جنة الخلد.

    كيفية خلق حواء

    وكان آدم عليه السلام لوحده، أبونا وأبو الجميع لم يكن معه أحد، فاستوحش، وجلس فارغاً والتفت يريد أن يجلس مع أحد لكن لم يجد، فالملائكة لهم جنس خاص والجن جنس خاص، يقول أبو عبد الله بن عتبة في الأشكال والأقران والأحباب:

    تخذني خليلاً أو تخذ لك صاحباً      خليلاً فإني مبتغ صاحباً مثلي

    عزيز منالي لا ينال مودتي      من الناس إلا مسلم كامل العقل

    ولا يلبث الأخدان أن يتفرقوا      إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل

    فلا تأت بالطير مع الحمام أو الدجاج مع الحمام، أو تجعل البقر مع الغنم فهذا لا يصلح, فهذه فصائل ولا بد أن كل فصيلة -من حكمة الله- تكون مع فصيلتها.

    فلما استوحش آدم عليه السلام نوّمه الله -كما يقول أهل التفسير- نومة، وأخذ من ضلعه الأيسر حواء.

    فما أضعفنا! وما أهزلنا! وما أقلنا! وما أحوجنا إلى رحمة الله، إنسان هذا خلقه وهذه أمه، وهذا هو الخلق: طين لازب، ماء وطين، ويأخذ من الضلع الأيسر قطعة لحم ويخلق منها امرأة، ثم يأتي الإنسان، ويظن أنه واحد العالم وفريد العصر وأن الناس ليسوا بشيء, فيرتكب الكبائر ويأتي بكل ما عنى وخطر له، وينسى ذاك المنشأ.

    فلما خلق الله حواء التفت آدم إليها بعد أن استيقظ فرآها بجانبه، فعرف أنها زوجته فسكن إليها: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] سكن وارتاح.

    ولماذا سميت حواء؟

    قالوا: لأنها من الحياة، والله أعلم.

    المنع من الأكل من الشجرة

    ثم قال الله لهما: اسكنا في الجنة وتمتعا فيها, هذه قصورها وأنهارها وثمارها، وكلا مما لذ وطاب، لكن هذه الشجرة لا تأكلا منها، لماذا؟ إنه امتحان وابتلاء من الله، ليرى عبوديتهما، وصدقهما, وليرى إيمانهما.

    ما هذه الشجرة؟

    اختلف أهل العلم إلى أقوال: قيل السنبلة: البر: الحنطة تسمى الحنطة والبر والقمح وكلها أسماء لهذه السنبلة.

    وقيل الكرم: العنب، وقيل: التين وهذا غير مهم كما قال ابن جرير؛ لأن الله لم يحدد لها اسماً بعينها, ولم يسمها لنا, ولم يأت بها قرآن ولا سنة فلماذا نتكلف؟

    وأحب شيء إلى الإنسان ما منع منه, فإذا أدخلته غرفة مكيفة مفروشة, وعنده ما لذ وطاب من الطعام والشراب ثم قلت له: احذر! لا تخرج من هذه الغرفة وإن خرجت عاقبناك عقاباً أليماً، فيأتي فيتقهقر فيقول: منعني من الخروج, وحبسني في هذا المكان, حسبنا الله عليه! لكن اتركه, ولا تقل له: لا تخرج, بل قل: خذ راحتك وأنت مرتاح، فإنه سيأخذ راحته ولن يفكر في شيء, قال علي بن أبي طالب: [[لو منع الناس من فت البعر لفتوه]].

    فأحب شيء إلى الإنسان ما منع منه, ولو منع الناس من فت البعر لفتوه، لو أتى حديث: "لا تفتوا البعر" سيقول الناس: لماذا؟ إن فيه سراً فلنجرب.

    ولذلك الخمر التي تذهب العقل واللب وتفسد الأسر وتسبب التناحر بين الأقارب، وتقتل بها أمك وزوجتك, وترتكب بها الطامات، ومع ذلك يسافر لها بعض الذين لا يرجون لله وقاراً، ولا يخافون لله هيبة ولا رقابة إلى بلادها، بل بعض الناس بلغ الثمانين من عمره وهو يعاقر الخمر ويشربها, وقد ذهب لبه وعقله وإرادته. وكذا الزنا، والنظر إلى المحرمات والغناء وأمثالها، وهذه هي التكاليف.

    ولو كانت المسألة بلا منع ولا حذر, لم يكن هناك ابتلاء ولكان الناس في الجنة، وما عرف الطيب من الخبيث والمؤمن من الكافر.

    فلما منعه الله أتى إبليس يوسوس له، فهذه هي العداوة.

    خلاف العلماء في كيفية دخول إبليس إلى الجنة

    والسؤال: كيف دخل معه إبليس الجنة؟

    اتفقنا أنهم كانوا في السماء وخلق الله آدم في السماء، ثم أسجد له الملائكة ورفض إبليس, والآن جعل الله عز وجل آدم وحواء في الجنة, وإبليس في منأى, فلما حذرهم الله من الشجرة أتى إبليس يوسوس.. فأين وسوس؟

    لأهل العلم ثلاثة آراء:

    الأول: قالوا: دخل مطروداً محروماً، لكنه دخل يوسوس ولا تنعم, مطرود من رحمة الله لكن جعله الله يذهب، لأنه سأل أن يمهله ليحتنكن ذريته إلا قليلاً وينظره إلى يوم الدين فأنظره الله، فهو يدخل بلا حجاب ويدخل بلا حرس ويدخل عليك وأنت في السيارة والطائرة وهو معك يجري منك مجرى الدم.

    الثاني: قالوا: أخذته الحية، حية سارقة مارقة ابتلعت إبليس ثم دخلت الجنة.

    والثالث: قالوا: وسوس من بعيد لكن بواسطة الرادار والذبذبات الهوائية ووصلت الوسوسة.

    والذي يرجح هو الرأي الأول أنه دخل مطروداً محروماً لكن أتى يوسوس.

    ثم انظر إلى الخبيث قال: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20] فصدقه آدم, والآن: الإنسان يصدق إبليس ولو كان مؤمناً، فهو يأتيك. فيقول: جارك لم يتكلم عليك بتلك الكلمة إلا لقصد في نفسه، قال: ما هو مقصده؟ قال: امتهانك واحتقارك وازدراؤك قال: صدقت ويذهب بسيفه وخنجره ويقاتل جاره.

    وإذا غض شخص طرفه في السوق قال: أنت ما نظرت إلى السحر الحلال، ولو نظرت إلى الجمال نظرة واحدة حتى ترد نفسك بنظرة واحدة، فينظر النظرة فيكون هلاكه فيها.

    والغناء: يسمع الأغنية الماجنة ويقول: الغناء حلال, والعلماء الذين قالوا بتحريمه ليس لهم دليل ثابت، اسمع وتمتع قليلاً وأنت ما ارتكبت شيئاً، هل هو شرب خمر أو زنا؟! استمعت أغنية، ويسمع الذي يقول: "هل رأى الحب سكارى مثلنا" فيسكر ثم يزني ثم يرتكب الفواحش ثم يتدهده على وجهه في النار.

    فوسوس له، فآدم عليه السلام من حكمة الله -وكل شيء بقضاء وقدر- استمع لإبليس فأكل من الشجرة وأكلت حواء، فلما أكلا سقط اللباس الذي يواري عوراتهما, وهو عليهما من لباس الجنة وحسنها وحليها وبهائها, تناثرت في الأرض، لا إله إلا الله ما أزراه من موقف! هذا موقف المسكنة والذنب والخطيئة.

    يقولون: يوسف عليه السلام لما هم بالمرأة وهمت به سمع هاتفاً يهتف ويقول: يا يوسف! لا تزن فإن من زنى كالطائر الذي عليه ريش نتف ريشه، وهذه مغبة المعصية.

    انظر! كيف سلب الحياء والجمال والحلي وكل نعمة، وأصبح في موقف هو وحواء عراة، فأخذا من أوراق الشجر، عليهما السلام يخفيان عوراتهما من الناظرين إن كانوا ملائكة أو غيرهم، فأتاهما الخطاب مباشرة: اهْبِطَا [طه:123].

    العصاة لا يجاورون الواحد الأحد، وهذه أعظم أمنية منينا بها, يقول ابن القيم:

    ولكننا سبي العدو فهل ترى      نعود إلى أوطاننا ونسلم

    يقول: نحن سبينا من الجنة, سبانا إبليس وأنزلنا في الأرض, فمتى نعود إلى أوطاننا؟! نحن أهل الأوطان والأنهار والقصور:

    يا راقداً يرنو بعيني راقد      ومشاهداً للأمر غير مشاهد

    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي      نزل النعيم وفوز خلد واحد

    ونسيت أن الله أهبط آدماً      من جنة المأوى بذنبٍ واحد

    فكيف بنا نحن الذين أتينا بعشرات الذنوب؟!

    قال: اهْبِطَا [طه:123] هذه الكلمة مأساة في تاريخ البشر، وهو الذي ارتكبها عليه السلام، وهي من قضاء الله وقدره فله الحمد أولاً وآخراً، وله الشكر ظاهراً وباطناً، ونسأله أن يعيدنا إلى تلك المنازل فإننا قد اشتقنا لها.

    فحي على جنات عدن فإنها      منازلك الأولى وفيها المخيم

    ولكننا سبي العدو فهل ترى      نعود إلى أوطاننا ونسلم

    وانظر إلى الهبوط من العلو فأين وقعا؟ وقعا في أرض يابسة قاحلة, قال أهل العلم "عن ابن عباس: أما آدم فهبط في الهند وبيده غصن شجرة -وهذا خلق الله وإبداع الله في الكون، والله لن يتعرف الإنسان على الإنسان ولا على الكون ولا على آدم ولا على الحياة حتى يتعرف على هذا القرآن وهذا مذهل- هبط وبيده شجرة بـالهند، وهبطت حواء بـجدة بالفتح أو بالضم أو بالكسر.

    سلام الله أرفعه إليكم      بأشواقي وحبي والمودة

    وأرفع من ربى أبها سلاماً      لأهل الفضل من سكان جدة

    قال السدي: هبط آدم على الصفا، وهبطت حواء على المروة، ولا يهمنا سواء هنا أو هنا.

    فالمقصود: أن الله أهبطهما إلى الأرض.

    أما آدم فأهبط بغصن شجرة فنزل هذا الغصن، فنبت بـالهند فقالوا: "كل بخور وكل طيب يأتي فهو من آثار ذاك العود":

    تضوع مسكاً بطن نعمان إن مشت      به زينب في نسوة عطرات

    ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه      من المسك كافوراً وأعواده رندا

    وما ذاك إلا أن هنداً عشية      تمشت وجرّت في جوانبه بردا

    فهذا من آثار عود (قطعة عود) كل الآثار التي ترد في العالم تغيرت بالماء والطين، فبقيت هذه الأطياب التي تباع في العالم من ذاك الغصن الصغير، فكيف بأطياب الجنة.

    والآن يباع الرطل في بعض الأماكن النوع الغالي منه بسبعين وبثمانين ألفاً، وربما يزيد زيادات, وهناك طيب لا يستطيع شراءه إلا الملوك، وأما الطيب الذي يباع هنا بستين وثلاثين وعشرين، فهذا حطب عرعر وطلح، وهذا يمكن أن يكون من السودة والقرعى، ليس من الطيب المذكور المشهور، لكن ذاك على الرائحة والبركة والعافية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى : ( وَكُلا مِنْهَا رَغَداً )

    وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35] اسكن: لفظ فيه حبابة, ولم يقل: اجلس أو اقعد، لأن اسكن فيه من اليقين والطمأنينة والفرح والبشر ما الله به عليم: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً [البقرة:35] والرغد هنا ليس إلا في الجنة وقد يطلق مجازاً في الدنيا يقال: عيش رغيد، لكن -والله- إذا سمعت من يقول: أنا في عيش رغيد مستمر فلا تصدقه، هل سمعتم أن أحداً استمر عشر سنوات في سعادة ما اهتم.. ما اغتم.. ما حزن.. وما قلق..؟ لا والله.

    هشام بن عبد الملك قال لوزرائه: تعالوا نحصر الأيام التي أتاني فيها السرور منذ توليت الخلافة، فحسبها فوجدها ثلاثة عشر يوماً، تصفَّى من الزلازل والنكود والفتن والمحن، استقر حاله، قال لوزرائه: لا جرم - لا ريب ولا شك - لأخلون غداً في بستاني وعلي الحراسة ولا يأتيني خبر, لأسعد من الصباح إلى المساء، قالوا: فخرج في بستان له في روضة دمشق وقال للحرس: لا تستقبلوا رسولاً موفداً ولا تأذنوا لأحد, ودعوني في هذا البستان يوماً كاملاً.

    وهذا هشام كان من الخلفاء الذين ذهبوا إلى الله، فجلس في هذا المكان من الصباح فلما قرب الظهر وإذا هو بسهم فيه دم وقع بجانبه فرفع السهم فوجده طار من اثنين تقاتلا من خارج البستان وأتى إليه السهم، قال: ولا يوم واحد نسلم من المشاكل.

    ولذلك لا تصدق، فهذه الدنيا حزن وهم، ولو قال الإنسان: أنا في سعادة، فربما هو مرتاح مع أهله, لكنه يموت ابنه ويمرض، وترسب ابنته وتُصدم سيارته، وتأتيه دواهي، ويأتيه جاره فيضربه بالفأس في رأسه.

    يقولون: الثوب الخلق تهب الرياح من هنا فتمزقه، فإذا رقعت من هنا انشق من هنا فهذه الدنيا:

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها      إلا التي كان قبل الموت بانيها

    فإن بناها بخير طاب مسكنـه      وإن بناها بشر خاب بانيها

    يقول أبو الفتح البستي أحد العلماء:

    يا عامراً لخراب الدار مجتهداً     بالله هل لخراب الدار عمران

    يقول: الله أذن بخرابها وأنت تعمر.

    فتجد الآن الشيخ الكبير عمره ثمانون سنة يمشي على العصا يزور قصره الذي يعمره وقد أخذ قرضاً من البنك ويعمر وينظر في القصر ويقول: "اجعل المجلس في هذا المكان، واجعل لنا حوشاً نتفرج فيه، تتفرج وعمرك ثمانون؟! بينك وبين القبر خمسة عشر سنتيمتراً، لكن العقول لا تذهب لذلك, يقول صلى الله عليه وسلم: (يشيب ابن آدم ويشب ومعه خصلتان: طول الأمل وحب الحياة) فترى الكبير متمسكاً بالدراهم أكثر من الشاب، إذا جاء يحاسب في البقالة أو في المطعم يعد الدراهم ثلاث مرات، ويستخير الله ويخاف أن يلصق الريال بالريال والعشرة بالعشرة، أما الشاب فيخرج الفلوس من هنا ومن هنا.. لكن الإنسان هكذا طبيعته ولا يعرف حقيقة الدنيا إلا من عرف الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك يتعجب كثيرا ويأتون الآن ويكررون على الناس وقالوا: يقول كسرة غرسها لنا آباؤنا فأكلنا وغرسنا لأبنائنا فيأكلون، وهذا ليس في الصحيحين ولا عند البخاري ولا عند مسلم، بل الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]].

    ويقول أبو الفتح:

    يا عامراً لخراب الدار مجتهداً      بالله هل لخراب الدار عمران

    ويا حريصاً على الأموال تجمعها      أقصر فإن سرور المال أحزان

    والله، سلبوا من قصورهم وأنزلوا في قبورهم، كانت الجيوش أمامهم ميمنة وميسرة.

    هارون الرشيد من منا لا يسمع بـهارون الرشيد ? العجوز في نيسابور تسمع بـهارون الرشيد أتته سكرات الموت فقال: أخرجوني أرى الجيش فأخرج - جيشه تسعون ألفاً, جيش جاهز للطوارئ- قال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.

    الوليد بن عبد الملك بنى قصوراً في دمشق لا يعلمها إلا الله, وهو الذي وسع المسجد النبوي، ووسع المسجد الأقصى وأتى بالمشاريع الهائلة، وبنى قصوراً وحدائق، هذا النهر يضرب في هذا النهر، فلما أتته سكرات الموت لبط وجهه في الأرض وضرب وجهه وقال: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:27-28] لكنهم لا يستفيقون إلا عند سكرات الموت.

    عبد الملك بن مروان على ما فيه يوم حضرته سكرات الموت وسمع غسالاً بجانب القصر، قال: يا ليتني كنت غسالاً! ياليت أمي لم تلدني! قال سعيد بن المسيب: لما سمع هذه الكلمة: الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم, لماذا؟ لأن سعيداً عرف الطريق إلى الله وتهيأ للمنازل.

    وهذا ميمون بن مهران - أحد الصالحين- حفر له قبراً في قعر بيته -في حوشه- فإذا أراد أن ينام توضأ ونزل في القبر وقرأ في القرآن، وخرج من القبر وقال: يا ميمون! قد عدت إلى الدنيا فاعمل صالحاً.

    وَكُلا مِنْهَا رَغَداً [البقرة:35] الرغد: لا يكون إلا في الجنة، رغد.. لا هم.. لا حزن ولا تفكر في شيء, لا يبولون ولا يتغوطون رشحهم المسك، قلوبهم على قلب امرئ واحد، خلا من كل حقد وحسد وبغضاء، لا يخافون موتاً ولا جوعاً ولا هرماً، ولا يصيبهم سوء أبداً: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35] فقربا الشجرة فظلما أنفسهما ونزلا إلى الأرض وتلقى آدم كلمات من الله، ولكن قبلها آية نتلوها ثم نستمع إلى الكلمات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ...)

    فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36].

    خسارة للشيطان ونعوذ بالله من الشيطان، والحروز من الشيطان كثيرة:

    أولها: أن تكون دائماً على طهارة، فالوضوء حصن حصين.

    ثانيها: الأذكار، وخاصة آية الكرسي فهي تحرق الشياطين.

    ثالثها: المعوذتان, وقل هو الله أحد.

    رابعها: تهليل مائة تهليلة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وفي صحيح البخاري قال: (من قالها في يوم مائة مرة كتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل بعمله أو زاد عليه).

    خامسها: ومن الحروز من الشيطان: أن تتبع أمر الرحمن: غض البصر.. حفظ الأذن.. حفظ اليد والفرج، فهذه من الحروز.

    سادسها: بعض الآيات في القرآن وهي كثيرة أوردها أهل العلم، لكن من اهتدى هداه الله وسدده.

    سابعها: ومن الحروز أنك إذا غضبت ألا تتكلم؛ ليزيل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عنك وسوسة الشيطان.

    والشيطان من الجن، وبعضهم يقول: من الملائكة, لكن قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50] هذا الشيطان.

    فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ [البقرة:36] والشياطين على أحجام صغير وكبير, وعلى مستويات, فإذا كان الإنسان أخبلاً فيُرسل له شيطان من الدرجة الثالثة، وإذا كان الإنسان من أقوى الناس في دينه يرسل له شيطان أقوى، والمؤمن شيطانه ضعيف جداً، يقول: أنهكه وأضناه كالجمل الطريح -الضعيف- لأنه كلما حاول الشيطان أن يبني من ذنوب هذا العبد، قال: أستغفر الله, وتاب إلى الله, وعاد إليه وهدم المبنى، يجره معه فإذا أراد أن يدخله بيته قطع الحبال وفر، فهو دائماً معه في صراع، ومن المؤمنين من لا يستطيع لهم إبليس أبداً، حاول وحاول فترك.

    أما بعض الناس فيأخذهم يميناً وشمالاً.

    ورسولنا عليه الصلاة والسلام يقول: (لكل منكم قرين وكل به -يعني من الشياطين- قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا لكن الله قد أعانني عليه فأسلم).

    فأعانه الله على شيطانه فأعلن الإسلام فلا يأمره إلا بخير.

    أما نحن فالقرين معنا دائماً لكن نتحفظ منه بالآيات والأحاديث.

    يقول ابن عباس: [[الشيطان جاثم على قلب ابن آدم يأتي كالحية فإذا سكت وغفل الإنسان وسوس، وإذا ذكر الله خنس وسكت، وهو يجري من الإنسان مجرى الدم]].

    فأخرجهما من النعيم المقيم وقرة العين إلى الدنيا.

    وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36] والعداوة بين الناس قضاء كوني قدري من الواحد الأحد، ولكن تزول العداوة بالإيمان، والله عز وجل يقول: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود:118].

    ولكل شيء آفة من ضده      حتى الحديد سطا عليه المبرد

    فالحديد هو الحديد لكن سلط الله عليه المبرد، فكل شيء له عدو, فتجد الشاة تسرح لا تخاف من الحمار أو الجمل، لكن لو رأت الذئب انتهت وترست مكانها، ولا تخطو خطوة لأنه عدوها. والحمار له عدو وهو الضبع، والثعبان للإنسان، وهذه المواشي للأسود ولغيرها وهي فصائل، يقول أهل العلم: من العداء الذي جعله الله في الأرض: العداء الذي جعله بين الأجناس، ولذلك تجد بعض الحيوانات تتوافق وبعضها تتعادى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ [الأعراف:24].

    فالله جعل هذين العدوين لهذا الأمر، والناس كذلك بينهم عداء.

    أنواع العداوة في الدنيا

    والعداء بين الناس على قسمين:

    قسم بحق، وهو عداء أهل الباطل مع أهل الحق، لا أقصد أنه حق لهم لكنها عداوة للحق، فحق أن يعادى أهل الباطل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251].

    فلا يأت أحد ويقول: لا تغتابوا إسرائيل في المجالس, وإذا قيل له: قاتل الروس، قال: لا أقاتل الناس, أحب الرحمة للناس وللبشر، فهذا مذنب مخطئ غلط غلطاً بيناً، بل يحمل السلاح ويجاهد فهو مأجور، لكن على أعقاب المسلمين تجده متهتكاً فارساً.

    دخل رجل على محمد بن واسع فاغتاب مسلماً قال: مهلاً.. قاتلت الروم؟ قال: لا. قال: يسلم منك الروم ولا يسلم منك المسلمون.

    وأما العداء في الباطل: فعداء المؤمنين بعضهم لبعض، وهذا يحصل؛ لكن على المؤمن أن يصلح وأن يكظم الغيظ وأن يحسن: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

    وعلي رضي الله عنه في معركة الجمل لما رأى طلحة مقتولاً مسح التراب وقبله وقال: [[يعز عليَّ -يا أبا محمد - أن أراك مجندلاً على التراب، لكن أسأل الله أن أكون أنا وإياك ممن قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47]]].

    فلا بد من شيء بين المؤمنين, حتى بين الدعاة والعلماء تجد من به غل لكن ينـزعه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يوم القيامة فيتكلمون وهم أصفياء إخوان أصدقاء أحباء, وهذا لا يكون إلا في الجنة، وفي الدنيا لا بد أن يسود الإخاء.

    يقول أبو تمام في مسألة الدين والإسلام:

    إن كيد مطرف الإخاء فإننا      نغدو ونسري في إخاء تالد

    أو يختلف ماء الغمام فماؤنا      عذب تحدر من غمام واحد

    أو يفترق نسب يؤلف بيننا     دين أقمناه مقام الوالد

    فنسبنا نسب الدين.

    حقيقة المتاع في الحياة الدنيا

    بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36] تستقرون في الأرض وتتمتعون إلى زمن قليل، ووالله، إنه لزمن قصير، وإنه عيش بسيط سهل وإنما هو كلمح العين.

    عاش نوح عليه السلام ألف سنة فلما أتته سكرات الموت قالوا له: كيف وجدت الحياة؟ قال: وجدت الحياة كأنها بيت له بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا.

    وقال علي وهو يبكي في ظلام الليل: [[يا دنيا يا دنية! طلقتك ثلاثاً, عمرك قصير, وسفرك طويل، وزادك حقير، آه من قلة الزاد, وبعد السفر، ولقاء الموت]].

    فكل الدنيا ليست إلا لمحة، قال: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:112-116].

    وهذا المعتصم الخليفة العباسي عسكري وفارس من الدرجة الأولى, وهو الذي حطم الروم في عمورية بتسعين ألفاً:

    تسعون ألفاً كأساد الشرى نضجت      جلودهم قبل نضج التين والعنب

    أتته سكرات الموت في الأربعين فنزل من على سريره وقال: أموت اليوم؟ قالوا: تموت اليوم، ثبت شرعاً أنه يموت، وأجمع العلماء على أنه يموت، قال: والله، لو كنت أعلم أني أموت ما فعلت ما فعلت من الذنوب والخطايا.

    يقول الإلبيري وهو يوصي ابنه:

    أبا بكر دعوتك لو أجبتا     إلى ما فيه حظك لو عقلتا

    وقد قالها في مطلع قصيدة هي من أحسن القصائد, وأنا أقول: لو كان شيئاً ويوجب غير الكتاب والسنة على الناس لوجب على طلبة العلم والأخيار أن يحفظوا هذا القصيدة الزهدية, وهو يقول في أولها:

    تفت فؤادك الأيام فتا     وتنحت جسمك الساعات نحتا

    فهو يوصي ابنه, وكان ابنه مسرفاً على نفسه في الشباب لا يحفظ الوقت, يجلس مع كل جليس, والحياة عنده أكل وشرب ولبس وغناء ومجون فقال له هذا في قصيدة مبكية, قالوا: إن ابنه لما قرأ القصيدة بكى وتاب:

    تفت فؤادك الأيام فتا     وتنحت جسمك الساعات نحتا

    وتدعوك المنون دعاء صدق     ألا يا صاح أنت أريد أنتا

    إلى أن يقول:

    ولا تقل الصبا فيه مجال      وفكّر كم صبي قد دفنتا

    إلى أن يقول:

    إذا ما لم يفدك العلم نفعاًً      فليتك ثم ليتك ما علمتا

    وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ      فليتك ثم ليتك ما فهمتا

    فناد إذا سجدت له اعترافاً      بما ناداه ذو النون بن متى

    وأكثر ذكره في الأرض دأباً      لتذكر في السماء إذا ذكرتا

    ويقول في آخرها:

    وقد أردفتها ستاً حساناً      وكانت قبل ذا مائة وستا

    مائة واثنا عشر بيتاً من أحسن ما قيل في الحكم والمواعظ!

    وحفظها الملوك وتهادوها في الأقطار، وطنَّت بها الأمصار، وعمرت بها القصور والدور، واتعظ بها كثير من الناس وهي لـأبي إسحاق الألبيري.

    وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36] فالأرض متاع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أو إلى حين الموت: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:19-21].

    فحين تقبض روحك -ولا عليك من العالم أن يتأخر بعدك أو يتقدم- قامت قيامتك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ... )

    فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37].

    لك الحمد ولك الشكر ولك الثناء الحسن، أذنب آدم وأنزل وأهبط فأخبره الله بكلمات يقولوها ليتوب عليه، قال آدم: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16] وقال هو وحواء: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    فمد يديه عليه السلام وقال: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] فتاب الله عليه، فمن فعل مثل أبيه بالذنب فليفعل مثله بالتوبة: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37] وقيل: إن الكلمات: (لا إله إلا الله الحكيم العليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض رب العرش الكريم).

    وقيل: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو). وكلها تدخل في الاستغفار, إنما علمه الله كلمات فأنقذه الله بها, فهذه هي التوبة، فنحن المخطئون والمذنبون ونحن -والله- أهل الخطايا والذنوب، وليس لنا حل إلا التوبة النصوح.

    وقد صح عند الترمذي من حديثه صلى الله عليه وسلم مرفوعاً: (يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).

    إن كان لا يرجوك إلا محسن      فبمن يلوذ ويستجير المجرم

    مالي إليك وسيلة إلا الرجا      وجميل عفوك ثم أني مسلم

    سبحان من يعفو ونهفو دائماً     ولم يزل مهما هفا العبد عفا

    فانظر ما أكثر المعاصي زنا، وربا، وقطيعة رحم وعقوق والدين، وضياع أوقات، وتفلت عن أمر الله, وترك للصلوات، والرزق يأتينا من كل مكان! لا تنقطع عنا الفاكهة أبداً والخضروات صيفاً ولا شتاءً والماء البارد, والأمن والاستقرار, والسكينة والمشاريع الحية، والخطأ مع ذلك متواصل:

    يعطي الذي يخطي ولا يمنعه      جلاله عن العطا لذي الخطا

    فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37] فقالها آدم وقالتها حواء فغفر الله لهما، وتاب عليهما إنه هو التواب الرحيم، وما أحسن هذه الكلمات!

    النصرانية تقتل الإنسان إذا أذنب، قالت: خزيت وبعدت ليس لك توبة.

    واليهودية كانت التوبة عندهم قتل أنفسهم، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54].

    والإسلام يقول لك: إذا أذنبت توضأ وصلّ ركعتين واستغفر الله من الذنب وتب توبة نصوحاً.

    في مسند أحمد بسند صحيح عن أبي بكر، قال علي بن أبي طالب: (كان الرجل إذا حدثني عن الرسول عليه الصلاة والسلام حديثاً استحلفته, فإن حلف صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر -ما استحلفه- قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له ذلك الذنب).

    فما أيسر الإسلام وما أسهله! وما أوسع باب الله! عطاؤه ممنوح, ونواله يغدو ويروح، وبابه مفتوح، ولذلك أرهقتنا الذنوب لأننا لم نعرف طريق التوبة:

    فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37].. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].. قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    (يا عبادي! إنكم تذنبون في الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً ...)

    قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38].

    قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً [البقرة:38] من الجنة, قيل: يهبط آدم وحواء ومعهما الحية والشيطان.

    فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [البقرة:38] الهدى: دين الله الذي يبعث به رسله، فكل الرسل أتوا بالهدى، وكل له شريعة وهم يتفقون أنهم أتوا بالإسلام.

    والفرق بين الخوف والحزن.

    الخوف: على أمر مستقبل، فتخاف من أمر يأتيك.

    والحزن: على أمر قد فات.

    فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] فهذا كقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:123-124].

    قال ابن عباس: [[كتب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى على نفسه أن من اتبع هذا القرآن فأحل حلاله وحرم حرامه، ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة]]

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] معه دراهم ودنانير ودور وقصور، ولكن عليه الضنك واللعنة والغضب: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    يا إخوتي في الله! هذا درس للإنسان بأنه لا ينجيه إلا شرع الكتاب والسنة، ولا يمكن أن يكون ناجياً أو فائزاً أو مفلحاً إلا إذا جعل ورده الكتاب والسنة، وأنا أدعو إخوتي طلبة العلم والأخيار أن يكون لهم حزب كل يوم من الكتاب, وحزب من السنة, ولا يقدموا آراء البشر ولا مشاربهم أو أفكارهم، فإذا فعلوا ذلك وقدموه على الكتاب والسنة فهو أول الخزي والضلال.

    قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [البقرة:38] وقد أتى والله! والله لقد أسمعت دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام راعي الغنم في الصحراء، وسمعت بدعوته العجائز في حجورهن وخدورهن، ونفذ إلى العاتق من النساء والعذراء من دعوته ما وصل علماء الصحابة في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم, والله لقد سارت دعوته مسير الشمس والليل والنهار, فما هو عذرنا إذا قلنا: لم يأتنا ولم يبين وما وضحت الطريق؟! لقد وضحت كل الوضوح, وقد بُينت كل البيان: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70].

    فمن هو الحي: أهو الذي يأكل ويشرب، ويشجع ويزمر ويغني، ويلعب البلوت ويضيع الليالي والأيام, وهو يسمى حياً مجازاً، حياة الثور والشاة، فهو يأكل ويشرب لأنه حي، ولكن قلبه ليس بحي.

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] لا سواء.

    فالحياة هي حياة الإيمان وحياة القرآن، والذكر، والاتصال بالله، حفظ الوقت، وطلب العلم، حياة طلب مجالس الخير, واستماع كلام الخير هذه فهي الحياة، أما غيرها فهي حياة الخواجات، كيف ينعم الإنسان؟! كيف يهدأ باله وهو ليس مستقيماً وليس الله راضياً عنه؟ عنده قصور ودور، عنده سيارات ومناصب، لكن الله غضبان عليه من فوق سبع سماوات، كيف يهدأ؟! كيف يرتاح؟! ينتهي بعد أيام ويرتحل إلى الله: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    فأتى صلى الله عليه وسلم يخرج الناس من الظلمات إلى النور فمن أطاعه اهتدى ومن عصاه تردى.

    1.   

    الأسئلة

    الفائدة من خلق الحشرات

    السؤال: ما الفائدة من خلق الله للحشرات والزواحف الضارة للبشرية؟

    الجواب: أولاً: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى له الأمور الظاهرة والباطنة, سواء عرفناها أو لم نعرفها, وبعض أهل العلم يستنبط حكماً، وبعضهم لا يستطيع, فنكل العلم إلى الباري لأن عقولنا قاصرة, كيف يعترض المخلوق على خلق الخالق وهو مخلوق بنفسه؟

    والآن في هذا العالم الذي أنت تعيش فيه, إذا انتهى هذا الغطاء الغازي ثم انتهى العالم، ماذا بعده؟ تقول فضاء, فماذا بعد الفضاء؟ ما هو الجواب؟ هذه محيرة العقول:

    حارة الأفكار في قدرة من      قد برانا ربنا عز وجل

    فهذه تحير الأفهام ولا تدرك حكمتها.

    مكان لقاء آدم وحواء.. وقبراهما

    السؤال الثاني: لم جعل الله آدم في الهند وحواء في جدة وأين التقيا بعد ذلك؟ ومن مات منهم قبل الآخر؟ وأين؟ وقد قيل: إن قبر آدم في الطائف، وهذا قول الشيباني؟

    الجواب: أما أين التقيا؟ فقد قال بعض أهل العلم أنهما التقيا في عرفة، فسميت عرفة، وهذا قول للتابعين في التفسير.

    أما من مات منهما أولاً؟ فلا أدري

    وقبر آدم ذكر أنه في الطائف وفي غيرها, ولا يتوقف على ذلك كبير علم، وليست من مسائل التكليف.

    كيف يتكاثر الشياطين ؟

    السؤال: المعروف أن الشيطان الذي جاء ذكره مع آدم واحد ولم يسجد له, فمن أين أتى هؤلاء الشياطين الذين مع كل واحد منا, أم أن الشيطان متزوج؟

    الجواب: أما زواجه فما حضرنا وما دعانا وما سمعنا، قيل لـعامر الشعبي: هل الشيطان متزوج؟ قال: ذاك عرس ما حضرته، فلا أدري عنه, ويمكن أن يكونوا تناسلوا بالتزويج ولا يكون إلا هذا.

    وهنا مسألة طامة غامة وهي مسألة هل يتزوج الإنس من الجن؟

    وهذه لم يتكلم فيها السلف ولا القرون المفضلة ولا أتت في الكتاب ولا في السنة، ومن يتكلم في مثل هذه المسائل ولو كان من كان فهو متكلف يتكلف، حتى ذكروا أن واحداً يقول: يتمنى (جانة) يتزوج منها لكي يكثر الشياطين في الدنيا.

    فهذه من المسائل التي لا فائدة منها.

    أما قوله: مع كل واحد منا شيطان فنعم, نعوذ بالله من الشياطين.

    أما كيف وجدوا؟ فهكذا وجدوا, خلقهم الله عز وجل وتناسلوا, فيهم كبار وصغار.

    قصيدة الألبيري

    السؤال: أين توجد قصيدة أبي إسحاق الإلبيري؟

    الجواب: توجد في كتاب: القصائد الإسلامية المفيدة وقد توجد في بعض الأشرطة إذا سألتم أهل التسجيلات الإسلامية يدلوكم على ذلك.

    مكان سكن الشياطين, وكيفية صورتهم

    السؤال: ما هو الشيطان؟ وكم عددهم؟ وأين يسكنون؟ وكيف صورتهم؟ وهل يموتون؟

    الجواب: الشيطان: هو من الجن وهو الذي يغوي، وقد ذكرنا في الفاتحة اسم الشيطان.

    كم عددهم: ما أحصيناهم.

    يسـكنون: في الأرض وتحت الأرض، وهم يتصورن بصور, وقد يأتون بصورة الثعالب والحيات والثعابين والقطط، ولهم تصرف في أهل القلوب الضعيفة التي والت الشيطان والمعاصي، وهم يأتون في المذابح والقاذورات والحمام كما ذكر صلى الله عليه وسلم.

    ويُطردون بالطهارة والأذكار الشرعية، وقد رآهم كثير من الناس في أشخاصهم.

    وقد ذكروا عن عمر: أنه رأى عفريتاً منهم فصارعه عمر فصرعه ثلاث مرات، قال عمر: [[أأنت من أقواهم؟ قال: لقد علمت الجن أني من أقواهم]] فـعمر صرعه فما كانت الشياطين تسلك فج عمر ولا طريقه، بل كانت تأتي من طريق آخر.

    وقد تأتي في صورة الحيات وهي كثيرة وتدخل في البيوت, والحيات جان وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن على من وجد حية أو ثعباناً في بيته ألا يقتله حتى يؤذنه ثلاثاً: يقول للحية أو الثعبان في البيت: أحرج عليك أن تخرج من بيتي، أحرج عليك أن تخرج من بيتي، أحرج عليك أن تخرج من بيتي، فإن خرج فبها ونعمت وإلا فاقتله، فيجعل الله لك سلطاناً عليه.

    أما إن قتلته قبل أن تحرج عليه فإنه لا يؤمن أن ينتقم منك أو من أبنائك أو يؤذيك أو تؤذيك قرابته لأن لهم قرابات.

    وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: {دخل رجل من الأنصار من معركة أحد إلى بيته فرأى حية فتناولها بالرمح فقتلها فعاد الباقي عليه فقتلوه, فأُخبر صلى الله عليه وسلم فقال للصحابة: أما أخبرتكم ألا تؤذوها؟} أو كما يقول عليه الصلاة والسلام.

    والشياطين يضرون وفيهم فسقة وكفرة، ومسلمون: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ [الجن:14] وهم يتلبسون ببني آدم ولاشك في ذلك، وقد دلت الأحاديث والآيات على ذلك: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275].

    وقد عالج صلى الله عليه وسلم منهم فنعوذ بالله منهم، لكن من يعوِّد أبناءه على قراءة آية الكرسي والمعوذات والفاتحة ويعلمهم الأذكار لا يمسونه أبداً، لكن الذين يعلمونهم أغنيات كوكب الشرق، وهذه الأغاني يدخلون إلى المخ.

    هل يُسْلِم الشياطين؟

    السؤال: الشيطان الذي مع الرسول صلى الله عليه وسلم أسلم، فهل تسلم الشياطين؟ وهل يقبل إسلامهم؟

    الجواب: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [الجن:14] فمنهم المسلمون, فالله أعان رسوله على شيطانه فأسلم ولا يأمره إلا بخير.

    إبليس ليس بملك

    السؤال: هل كان إبليس من الملائكة أم ماذا؟

    الجواب: الصحيح أنه لم يكن من الملائكة وإنما كان من الجن كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50].

    سبب وسوسة الشيطان لأبينا آدم

    السؤال: لو لم يوسوس الشيطان لآدم وحواء في الجنة فهل كانا الآن في الجنة ونحن معهم, فما هو تعليقكم؟

    الجواب: نعم. لكن حكمة الله اقتضت هذا والحمد لله نزل وكان في ذلك خير، فقد وجد الأنبياء والرسل والشهداء والعلماء، والأخيار والصائمون, والعباد والقائمون والمتصدقون, وسوف يأتي أن للجنة أبواباً ثمانية ما بين المصراعين كما بين بصرى وأيلة , وقيل: كما بين صنعاء وأيلة - بيت المقدس في فلسطين - فهو كما بين صنعاء اليمن وأيلة , يقول عليه الصلاة والسلام: {والذي نفسي بيده! ليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام} وهي ثمانية أبواب.

    نسأل الله أن نكون ممن نزاحم على ذاك الباب: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران:191-192].

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.