إسلام ويب

سلسلة القطوف الدانية أحاديث نبويةللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة تجد الكلام على فضله صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، فهو سيد ولد آدم ولا فخر، وهو الشافع والمشفع. وهناك شفاعات خاصة به صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، كالشفاعة العظمى في الموقف، وشفاعته لعمه أبي طالب وغيرها. وإثبات الشفاعة هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد أنكر بعض أهل البدع كالخوارج والمعتزلة، وتعلقوا بما هو أوهى من بيوت العنكبوت.

    1.   

    التعليق على حديث: (أنا سيد ولد آدم ...)

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد تناولنا بعض الآيات القرآنية، وبينا ما فيها من الأحكام والآداب والمعاني السامية التي يكون فيها الصلاح في الدارين، وفي هذه المادة سنعرض شيئاً من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكلامه جامع للخير فما من خير إلا وبين مناره وسبله، وما من شر إلا وأوصد أبوابه وسبله، وقد كان صلى الله عليه وسلم فصيح المنطق، سلسل الأسلوب، رائع الحكمة، قوي الحجة، بليغ التأثير في النفوس، يحس المرء لكلامه حلاوة، ويستشعر اللذة الفنية التي تهز النفوس، وتثير الأحاسيس، وتأخذ بمجامع القلوب.

    فإذا تكلم خشعت القلوب من جلال العظة، وإذا خطب انقطعت الشبه لبلاغة الحجة، وامتلأت النفوس اقتناعاً بحقيقة كلامه، ورضاً برأيه، وامتثالاً لأمره، ويكفينا في هذا قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4].

    صلى عليك الله يا علم الهدى واستبشرت بقدومك الأيام

    هتفت لك الأرواح من أشواقها وازينت بحديثك الأقلام

    وسنختار جملة من الأحاديث ويعلق عليها ضيفنا بأسلوبه الماتع، نسأل الله عز وجل أن يسدده.

    الشيخ: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأحكم كل شيء صنعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا إله غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    ذكر فيما مضى أن هارون الرشيد صحب معه في إحدى رحلاته إلى بلاد فارس محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة ، وصحب معه الكسائي رحمة الله تعالى عليهما، وقدر لهما أن يموتا في يوم واحد في رنبويه، فدفنهما الرشيد، ولما دفنهما قال: دفنت اليوم في رنبويه، ثم سكت ولم أكمل، وقلت: إنني سأقول ما بعد هذه العبارة في آخر المقام، ولا أدري هل قلت: إن شاء الله أم لم أقل، فإن كنت لم أتمكن من الإجابة وانشغلت بغيرها فأقول: قال هارون -رحمة الله تعالى عليه-: دفنت اليوم الفقه والنحو في رنبويه. يقصد: أن الفقه كله كتبه إمامه آنذاك محمد بن الحسن، ويقصد أن الكسائي -رحمة الله تعالى عليه- كان إمام النحاة في عصره.

    المقدم: نعود إلى موضوعنا الأصلي مبتدئين بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)، وهو في صحيح مسلم، وهذا الحديث معدود في مناقبه صلى الله عليه وسلم.

    نبدأ يا شيخ صالح مع أول عبارة وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، فنبين المراد في لغة العرب بكلمة السيد، وأيضاً الحكمة من إضافتها إلى يوم القيامة.

    الشيخ: لقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الله جل وعلا عطايا ومزايا في الدنيا والآخرة، فتارة يذكر ما من الله به عليه في الدنيا، وتارة ما من الله عليه به في الآخرة، وتارة يذكرهما سوياً، فهنا يتكلم صلى الله عليه وسلم عما أكرمه الله به في الآخرة، فقال عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم).

    والسيد في اللغة: هو الذي يفزع إليه في الشدائد، وهو أمر تعرفه العرب، ذلك أن الناس لابد لهم من رءوس، فإذا اضطربت كلمتهم، واقتحمتهم لجج، وفجأتهم كوارث، وحلت بهم الدواهي لجأوا إلى سادتهم، وعرف عند العرب في الجاهلية وفي الإسلام وفي كل الأمم سادة، فمثلاً: في الإسلام كان الأحنف بن قيس سيد بني تميم، وعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: (قوموا لسيدكم) أي: لـسعد بن معاذ ، وسأل الأنصار يوماً: (من سيدكم؟ قالوا: جد بن قيس ، على بخل فيه).

    وكلمة السيد تحكمها الأعراف والتقاليد، وحاجة الناس في كل عصر ومصر، فالسيد هو الذي يفزع إليه في الشدائد.

    وأما لماذا أضافها النبي صلى الله عليه وسلم وقيدها بقوله: يوم القيامة؛ لأن السيادة في الدنيا هناك من نازعه عليها صلى الله عليه وسلم ولو ادعاءً، كرؤساء أهل الإشراك وأئمة الكفر، وأهل الثراء في زمانه، فكلهم كان ينظر إليه أنه سيد، لكن يوم القيامة فهو عليه الصلاة والسلام أول من يؤذن له، وهو أول من يتكلم، ولواء الحمد في يده، فلهذا قال صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم).

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم) هذا تعميم؛ لأن الناس كلهم أولاد آدم، وكلمة: أولاد يدخل فيها الذكور ذكور والإناث، ويدخل فيها كل أحد، حتى آدم نفسه، ودخول آدم عليه السلام جاء في أحاديث أخر، وكذا دخول إبراهيم عليه السلام جاء في أحاديث أخر مفصلة، فهو صلى الله عليه وسلم سيد الناس في الدنيا والآخرة، لكنه قيد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة، فيوم القيامة أفادت أن ذلك اليوم لا أحد ينازعه في السيادة صلوات الله وسلامه عليه.

    معنى: (ولا فخر) في حديث: (أنا سيد ولد آدم ...) وسبب وروده

    المقدم: في بعض الروايات: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، والبعض قد يتساءل عن معنى العبارة الأخيرة: (ولا فخر).

    الشيخ: كلمة: (ولا فخر) من حيث المعنى معناها: ولا أقول ذلك مباهاة، ولا ادعاء؛ لأن الفخر يكون بالجاه، أو المال، أو بالأشياء المنفكة عن الإنسان، وهي من حيث الصناعة النحوية حال مؤكدة.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا فخر) قد يظهر فيه عند البعض إشكال، وهو أن الناس يقولون: لا يحسن بالمرء أن يتحدث عن نفسه، فكيف يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه؟

    وأجاب العلماء -رحمهم الله- عن ذلك فقالوا: إنه حق له أن يقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) ويتحدث عن نفسه لسببين:

    السبب الأول: أن الله أمره أن يتحدث بنعمة الله عليه، فقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا فخر) أي: أن هذه المزية والكرامة خصني الله بها، فأنا أحدثكم بها لأن الله أمرني -وأنا ممتثل لربي- أن أتحدث بنعم الله علي، فقال له ربه سبحانه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، وهو عليه الصلاة والسلام يمتثل أمر الله، ويخبر عن نعمة عظيمة أخبره الله بها، وفضله بها على غيره، وهو أنه سيد ولد آدم يوم القيامة.

    وأما السبب الثاني: فإن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أمته بهذا حتى تتعبد الأمة ربه بتوقيره صلى الله عليه وسلم، وتعرف مقامه عند ربه، فتعلم هذا وتؤمن به، وتحفظ له مقامه ومكانته صلوات الله وسلامه عليه.

    فهذان السببان هما اللذان قال العلماء: إنه من أجلهما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد ولد آدم.

    وأما ما بعدها فهو تبيين له.

    1.   

    الأسئلة

    أهمية التواضع لأهل العلم والفضل خصوصاً

    السؤال: حبذا لو أشرتم -حفظكم الله ورعاكم- إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تواضع رغم ما آتاه الله جل جلاله من المكانة العليا التي لا ينالها أحد من خلق الله، ثم هو مع ذلك كان على قدر عال جداً من التواضع، وعدم الترفع على الناس، وخفض الجناح لعامة المسلمين، ولضعفائهم وأيتامهم وأطفالهم، مع أنه أعلى الناس ذكراً، وأجلهم قدراً صلوات الله وسلامه عليه، سيما ونحن نعاني في أزمنتنا هذه من أقوام -وهم قلة بحمد الله- ما إن يتبوأ أحدهم مكاناً شرعياً بين الناس حتى يحيط به الحجاب ويصعب على الناس لقاؤه، وكأن الله عز وجل قد وكل به صلاح الناس وهدايتهم.

    الجواب: نريد أن نوجه رسالة إلى الناس سيما لمن تصدر في المقام الأول بعلم أو جاه أو مال، أو أنه أعطي من عند الله قبولاً: أن الله جل وعلا يبتلي عباده الذين يعطيهم عطاياه كيف يتعاملون معها، فإذا كانوا ينظرون إلى أن النعمة بسببهم وبجهدهم؛ فترفعوا عن عباد الله، فهؤلاء يضعهم الله، وقد يسلبهم النعمة، وأما إذا تيقنوا أن النعمة من عند الله، فلم يرتفعوا على عباده خوفاً من أن يسلبهم الله النعمة، فهؤلاء يرفعهم الله، ويديم عليهم نعمه.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الذروة من الكمال البشري، ومن كمال بشريته عليه الصلاة والسلام أنه يسهل الوصول إليه، وأنه عليه الصلاة والسلام قريب من الناس، متواضع لكل أحد، فيقول: (إنما عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، وكان متواضعاً حتى في جلسته عليه الصلاة والسلام في الطعام، فلما رآه الأعرابي تغير حاله من جلسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه عليه الصلاة والسلام يريد أن يشير أن هذا هو ما يقتضيه مقام العبودية لله جل وعلا.

    والإنسان إذا كانت تنبعث عظمته من نفسه فلا حاجة له في أن يترفع عن الناس؛ لأنه لا يحتاج إلى أن تلقى عليه الأضواء، ويجعل بينه وبين الناس حجاباً، إلا ما كان يخاف عليه أمنياً كما يحدث للأمراء والسلاطين والمسئولين، فهذه قضية حماية أمنية لا علاقة لها بالموضوع، لكن الذي يعنينا هم العلماء في المقام الأول، فيجب عليهم أن يخرجوا للعامة، وأن يقابلوا الناس ما استطاعوا.

    فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا

    فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا

    فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا؟

    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة حسنة لأمته في كل خير، ومن أعظم ذلك قربه صلى الله عليه وسلم من سائر الناس، ولاشك أنه يفترض على الناس شيء معين، لكن ينبغي لمن تصدر أن يتحمل، وأن يسعى قدر الإمكان إلى التواصل، وكلنا يقع منا التقصير، لكن هناك أمور التقصير فيها مقبول، وثمة أمور التقصير فيها من العالم غير مقبول.

    معنى حديث: (خذوا القرآن عن أربعة ...)

    السؤال: ماذا يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا القرآن عن أربعة)؟ وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من كان قارئاً فليقرأ على قراءة ابن أم عبد

    الجواب: هذا لا يعني الحصر، لكن هؤلاء أئمة القراء، وهم سالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود الذي هو ابن أم عبد وأبي بن كعب، رضي الله عنهم.

    فهؤلاء هم الذين حث النبي صلى الله عليه وسلم على الأخذ عنهم، فـابن مسعود وسالم مهاجران، وأبي ومعاذ أنصاريان، لكن لا يفهم منه الحصر.

    لكن من أعظمهم قراءة عبد الله بن مسعود ؛ لأنه كان يأخذ القرآن رطباً من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال: (أخذت ثلاثين سورة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهو من السابقين الأولين من المهاجرين رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في أول دعوته، ومنها أنه كان معه في غار في منى، فأخذ عنه في ذلك الغار سورة المرسلات، فقد نزلت هناك؛ لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان قارئاً فليقرأ على ابن أم عبد)؛ لأنه لابد للناس من قدوة، لكن ليس ذلك محصوراً فيهم، وأبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه من أعلى الصحابة في مسألة القراءة.

    حكم حكاية التأثر بوفاة الوالدة أكثر من الوالد ونحوه

    السؤال: هل من العقوق أن يقول الإنسان: تأثرت بوفاة أمي أكثر من أبي؟ أو يقول: تأثرت بوفاة شيخي الأول أكثر من شيخي الثاني؟ وهل هذا من العقوق أم هو من التأثر الذي من الصعوبة أن يكتمه الإنسان؟

    الجواب: أن هذا ليس فيه عقوق؛ لأنه إخبار بما وقع، لكن يتجنب أن يقولها عند قوم تجرحهم هذه الكلمة، فلا يقولها مثلاً عند أبناء شيخه الذي تأثر به أقل من الآخر، وأما الكلمة في عمومها فلا حرج فيها.

    حكم الحديث عن النفس عند التقدم للتوظيف ونحوه

    السؤال: في المقابلات الشخصية قد يتكلم الإنسان عن نفسه، فهل يعاب هذا أم لا؟

    الجواب: ليس عليك حرج في ذلك؛ لأنه داخل في قول الله تعالى على لسان نبيه يوسف: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، ويؤيده من الآثار -إضافة إلى القرآن- أن عثمان رضي الله عنه لما أكثر عليه الخوارج قال: أشهدكم الله ألم تعلموا أنني حفرت بئر رومة، وأنني جهزت جيش العسرة؟ وأخذ يعدد مناقبه رضي الله عنه وأرضاه للحاجة، فالمقابلات الشخصية هي مجرد كشف اللثام وإماطته عن شخصيتك، فمن حقك أن تبين حالك؛ للمصلحة.

    الاختلاف في السابعة من السور المئين

    السؤال: سمعت في محاضرة لك أن سورة يونس اختلف المفسرون في إلحاقها بالسبع المثاني أو الطوال، وبينت السبب أن الأنفال والتوبة إذا جمعت فيونس لها موضع، وإذا فصلت فلها موضع، مع أن المائدة والتوبة أكثر من مائة، فكيف نوفق بهذا القول؟

    الجواب: اتفق العلماء على أن هناك سوراً مئين، وهي السبع المئين، أو السبع الطوال، فاتفقوا على البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، فهذه الست متفق عليها، واختلفوا في السابعة: فذهب فريق إلى أنها التوبة والأنفال مجتمعه، والسائل ذكر المائدة وهذا وهم منه؛ لأن المائدة متفق عليها، وأما السابعة فقال فريق: إنها التوبة مع الأنفال مجتمعة، وقال آخرون: إنها سورة يونس، وكل له أدلته للترجيح.

    كيفية التشبع من علم التفسير

    السؤال: كيف أشبع رغبتي من تفسير القرآن الكريم من حيث الكتب المراجع أو المصادر، علماً أني أحاول التشبع قدر المستطاع بالإنترنت وغيره، ولكن أحس أنه لا يشفي الغليل؟

    الجواب: اقرأ في كتب التفسير نفسها كثيراً، فخذ أمهات كتب التفسير واقرأ فيها، فهذه طريقة، فاقرأ مثلاً: تفسير الحافظ ابن كثير، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، وتفسير الكريم المنان للسعدي، وهذه الثلاثة كمثال، ثم إذا كنت بلغت شأواً فارتق إلى تفسير التحرير والتنوير، وإن كان فيه شيء من الصعوبة، وهو لـابن عاشور رحمه الله، ويصاحب ذلك الاطلاع على طرائق المفسرين، يعني: يقرأ شيئاً في علوم القرآن، فينظر في كتاب التفسير والمفسرون للذهبي المعاصر رحمة الله عليه الذي قتله الخوارج في مصر مؤخراً، وكان وزير الأوقاف المصري، فكتاب التفسير والمفسرون كتاب فيه جلاء واضح، وفيه سيرة علم التفسير في تاريخ الأمة.

    ويقرأ الإنسان هذا الكتاب بعد أن يقرأ كثيراً من كتب التفسير التي تمارس التفسير العملي.

    معنى حديث: (تموتون كما تنامون)

    السؤال: ما صحة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تموتون كما تنامون، وتبعثون كما تستيقظون)؟ وهل هذا يتناقض مع كلام بعض الكتاب والمؤلفين أن الموت فيه صعوبة وشدة ونزع وضرب بالسيوف وما شابه ذلك؟

    الجواب: لا أعلم الآن درجته، لكن المقصود به من جانب الله، يعني: أن الأمور بالنسبة لله جل وعلا أمرها يسير.

    سبب عدم بدء سورة التوبة بالبسملة

    السؤال: لماذا لم تبدأ سورة التوبة بالبسملة؟

    الجواب: اختلف العلماء فيها: فمنهم من قال: إنه كان ينظر إلى أن سورة التوبة وسورة الأنفال كالسورة الواحدة، وهذا قول طائفة من العلماء.

    ومنهم من قال: إنها بدأت بالسيف، وذكر السيف هنا لا يتناسب مع بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن صدرها: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:1]، وهذا أرجح الأقوال، وقد عدد الأقوال الشنقيطي رحمة الله عليه في تفسيره فليراجع، وهي أربعة أقوال، وكأنه مال إلى هذا الرأي، وهي أن سورة براءة مصدرة بالسيف؛ لذلك لم تصدر ببسم الله الرحمن الرحيم، والسيف رمز للشدة، بخلاف البسملة المتضمنة للرحمة، فلا يناسب الجمع بينهما.

    بيان ما بعثت له الرسل

    السؤال: كيف الجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وبين قول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وغيرها من الآيات التي تبين أن الأنبياء والرسل إنما أرسلوا للدعوة للتوحيد وليعبد الله وحده؟

    الجواب: ليس هناك تعارض؛ لأن من أعظم مكارم الأخلاق توحيد الله، فما بعث به النبيون عليهم الصلاة والسلام إنما هو عبادة الله واجتناب الطاغوت، وهذا من أعظم ما يجعل الإنسان ذا خلق كريم؛ لأن المشرك لا يقال له: ذا خلق كريم إلا مخصوص، فيقال: كريم، ويقال: سخي، ونحو ذلك، لكن ما يقال: إنه ذو خلق كريم، لذلك قال الله جل وعلا في وصف نبيه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، وأعظم خلق تحلى به النبي صلى الله عليه وسلم هو توحيده لربه.

    لكن عندما نقول: إن الله ذكر أنه بعث الأنبياء لاجتناب الطاغوت عبادته وحده، فهذا خاص، لكن حديث: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) عام، وأول ما يندرج فيه عبادة الله جل وعلا وحده.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وأول ما ينشق عنه القبر)

    أما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأول من ينشق عنه القبر) فسنقف معه لنبين وجه الأفضلية فيه، وحكم الأبنية التي على القبور في بعض البلدان؛ لذكر القبر في هذه العبارة، ولخطر هذه القضية.

    فنقول: بعث الناس من القبور أصلاً هو لذاته شيء عظيم، قال تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:4-6]، وقد قال الله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:51-52].

    وقال سعيد بن جبير رحمة الله عليه معلقاً: حتى أهل الكفر إذا بعثوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ولك الحمد. فيسبحون الله ويحمدونه في وقت لا ينفعهم ذلك، فهذا شأن عظيم، فيكون خصيصة ومنقبة لمن يكون أول من ينشق عنه القبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يكرمه الله بأن يكون أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة.

    وأما قضية البناء على القبور الذي هو مشاهد في كثير من الدول عفا الله عن الجميع، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر-: (نهى أن يبنى على القبر وأن يجصص، وأن يقعد عليه)، فهذا نهي منه صلى الله عليه وسلم، والأصل في القبور أنها مساكن الآخرة، والقاسم بن محمد بن أبي بكرعائشة خالته- قال لها يوماً يناديها -ليس بالخالة وإنما بالأم؛ لأنها أم المؤمنين-: يا أماه! أريني قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. وقبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه عندها في الحجرة.

    قال: فكشفت عائشة عن ثلاثة قبور ليست بمشرفة ولا لاطئة، ما معنى: لا مشرفة ولا لاطئة؟

    معنى: (لا مشرفة) أي: غير مرتفعة، أو غير ظاهرة، ومعنى: (لا لا طئة) أي: غير مستوية بالأرض، فالقبر إما أن يسنم وإما أن يسطح، فكلاهما وارد، لكن يكون الارتفاع قيد شبر أو قريباً منه؛ ليعرف أنه قبر، وغير ذلك نهى الشرع عنه؛ لأن أهل القبور بحاجة إلى أن يدعا لهم.

    وأما إذا عظم القبر فقد خرج عن كونه مسكناً من مساكن الآخرة، فالإنسان إذا أتاه يذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة)، ويتأمل كيف يأتي التذكير بالآخرة في مكان يأتي الإنسان فيه وعليه المصابيح، وهو مرتفع، وعليه أيضاً الأقمشة والستائر، والكتابات، وبعضها لها حجاب وهكذا، فيتنافي هذا تماماً مع كونه قبراً، بل تصيبك هيبة ورعب عند زيارته وكأنك داخل على رجل حي، أو كأنك داخل على مكتب رجل عظيم، فهذا ينتفي معه الوضع الشرعي.

    ولذلك ينبغي للإنسان أن يعلم أن أهل القبور يتفاوتون تفاوتاً عظيماً وهم في بطن الأرض، ويتفقون في ظاهرها، أي: أن ظاهر القبور واحد لكن داخلها الله أعلم به، والذين يريدون أن يكرموا أمراءهم أو رؤساءهم أو حكامهم أو علماءهم أو من يحبونهم إنما يكرمونهم حقاً إذا دفنوهم وفق مقتضى الشرع والسنة.

    فهذا بقيع الغرقد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دفن فيه خيار الناس، فكل قبورهم على هيئة واحدة، وقد حدث في أزمنة فشا فيها الجهل أن وضعت عليها قباب ومساجد ما أنزل الله بها من سلطان، ثم أزيلت -ولله الحمد- في عهد هذه الدولة المباركة.

    ونحن مثلاً نجد -وليس هذا تزكية لبلادنا- في مقبرة العود قبر الملك عبد العزيز رحمه الله، وقبر الملك فيصل ، وقبر الملك سعود ، وقبر الملك خالد ، وقبر الملك فهد ، وهي قبور مثلها مثل أي قبر آخر، وفي مقبرة العدل في مكة قبر الشيخين الجليلين ابن باز رحمة الله تعالى عليه، وابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه، وقد كانا مالئي الدنيا علماً في زمانهما، وقبراهما اليوم كقبور سائر من دفن في مقبرة العدل، وهذا هو العدل والحق الذي جاء به الشرع.

    يقول الشيخ محمد عبد القادر الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه، وهو نزيل المدينة المنورة، وقد توفي عام (1418هـ)، يقول: دخلت المقبرة -مقبرة العود- مع الشيخ ابن باز وهم يدفنون ميتاً الظاهر أنه من معاريف الشيخ أو من قرابته، يقول: ونحن عائدون مر الشيخ على قبر فوقف فأخذ يدعو ويستغفر كثيراً لصاحب القبر، يقول الشيخ محمد عبد القادر الشنقيطي رحمه الله: فسألت الشيخ ابن باز : قبر من هذا؟ قال: هذا قبر الملك سعود رحمة الله تعالى عليه، ومعلوم أن حكام هذه البلاد -ولله الحمد- من أعظم من يجل العلماء، لكن أنا أدركت كثيراً من المشايخ كانوا يثنون ثناءً عاطراً على الملك سعود رحمه الله، فقد كانت من أظهر مناقبه حبه للعلماء والعلم.

    فالشيخ عبد العزيز ما يبصر لكنه ذو بصيرة عظيمة، فهو يعرف القبر من باب أنه يسأل عنه، أو أن القائد الذي يسوقه يعرف رغبة الشيخ في أنه يعرف قبر الملك سعود ، أو أنه في طريقه وقف عنده، لكن الشيخ محمد عبد القادر رحمه الله لم يعرف أن هذا قبر الملك سعود فليس عليه علامة ظاهرة، وليس عليه شيء يميزه عن قبر غيره، فلذلك سأل: قبر من هذا؟ وهذا هو الأصل في قبور المسلمين.

    الجواب عن مسألة وجود قبر الرسول في المسجد النبوي

    المقدم: ما دام قد ورد ذكر المدينة فالبعض لا سيما من يأتي من خارج البلاد قد يشكل عليه وجود قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، فكيف نجيب على هذا؟

    الجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في قبره ولم يدفن في المسجد، فالحجرة موجودة قبل أن يموت صلى الله عليه وسلم، فالصحابة امتثلوا أمره في قوله: (إن الأنبياء يقبرون حيث يموتون)، فقبر صلى الله عليه وسلم في بيته، فالجدار والحجرة مبنية قبل موته صلى الله عليه وسلم.

    فالقبر كان خارج المسجد، فـالوليد بن عبد الملك عندما وسع التوسعة الشرقية أدخل الحجرة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، والآن -ولله الحمد- التوسعة الجديدة لم تتجاوز الحجرة إلى ما بعدها، أي: أن التوسعة جاءت من جهة الشرق من شال الحجرة فما فوق، ولم تأت من جهة الحجرة من جهة الشرق؛ لأنه لو توسعنا لوجدنا أن القبر سيصبح داخل المسجد، وقد احتاط ولاة أمر هذه البلاد في هذا الأمر ولله الحمد.

    ذكر الشفاعات الخاصة به صلى الله عليه وسلم

    المقدم: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (وأنا أول شافع وأول مشفع) فالشفاعة تكون له صلى الله عليه وسلم وتكون لغيره من الأنبياء والصالحين، فما هي الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف في أن يفرج عنهم الكرب، وأن يقضى بينهم، وهذه الشفاعة هي التي يفر منها الأنبياء من قبل، فيأتون آدم ويأتون نوحاً ويأتون إبراهيم ويأتون موسى ويأتون عيسى حتى تصل إليه صلى الله عليه وسلم.

    والثانية: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهو استفتاح باب الجنة، فعندما يقولون لآدم: استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، اذهبوا، إلى أن يأتوا إليه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها.

    الثالثة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب. وهذه الشفاعات الثلاث خاصة به عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    ذكر بعض أخبار أبي طالب عم النبي

    المقدم: شيخ صالح في اللقاء الماضي كنا قد تحدثنا عن بعض الشخصيات الأدبية، والإخوة على الموقع كان لهم رأي أيضاً أن تكون هذه الحلقة تشتمل على بعض الشخصيات، وبما أنك ذكرت أبا طالب فلنذكر شيئاً من شخصيته من النواحي التاريخية.

    الشيخ: أبو طالب أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا مراراً أن النبي صلى الله عليه وسلم له عشرة أعمام، ستة منهم لم يدركوا بعثته، وأربعة أدركوا بعثته عليه الصلاة والسلام، فآمن منهم اثنان: العباس وحمزة ، وكفر اثنان ولم يؤمنا: أبو لهب وأبو طالب .

    وأبو طالب ينفرد عن أبي لهب بأنه ناصر النبي صلى الله عليه وسلم نصرة عظيمة، وهو من حيث الشعر أول من مدح النبي عليه الصلاة والسلام، فقد مدحه قبل الصحابة فقال:

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    والنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن هاجر إلى المدينة جاءها في عام جدب، فاستسقى فنزل المطر، فلما ذهب الناس إلى دورهم قال عليه الصلاة والسلام: (لو رأى أبو طالب هذا المنظر لأسره)، ففقه أحد الصحابة مراده فقال: يا رسول الله! كأنك تشير إلى قوله:

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل

    قال صلى الله عليه وسلم: نعم.

    وأبو طالب له أربعة أبناء: طالب وبه يكنى، وهذا مات كافراً، وله عقيل وجعفر وعلي ، وكلهم آمنوا، وعقيل كان على خلاف يسير مع علي فلم يقاتل معه، وعلي معروف أنه أمير المؤمنين، وجعفر بن أبي طالب هو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أشبهت خلقي وخلقي) ، وهو أحد خمسة يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: جعفر وقثم والفضل وأبو سفيان بن الحارث والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    فـأبو طالب كان عظيم النصرة للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه مع ذلك أبى إلا أن يموت على دين قومه، فكان يقول:

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

    ويذهب الشيعة الإمامية وبعض المعتزلة إلى أنه مات على الإسلام، لكن الشواهد التي عندنا تدل على أنه مات كافراً، وهو أهون أهل النار عذاباً.

    فإن قال قائل: ما وجه خصوصية أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع له، فالأصل في الكفار ألا يشفع لهم، قال الله: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]؟

    فنقول: إنه لمقامه ونصرته للنبي صلى الله عليه وسلم استأذن النبي عليه الصلاة والسلام ربه أن يشفع له فشفعه، فهو أهون أهل النار عذاباً؛ لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له.

    يقول المتصل الشيخ حسين الثقفي : أقول للشيخ صالح :

    مرض الحبيب فزرته فمرضت من خوفي عليه

    وأتى الحبيب يزورني فشفيت من نظري إليه

    أيها الأحبة! الحديث وشرحكم للحديث الذي يتلألأ، فهو بدر ينير، وسراج يزهو، وهو عبق يفوح، وعلم يتفجر، وكنوز تنتثر، وصفحات تنتشر، السنة أيها الأحبة هي مرآة النبي، وروعة الرسالة، وهي جمال المنهج، وصفاء المبدأ.

    وسأعرض عرضاً سريعاً ولن أطيل عليكم، ولعل الشيخ أن يتوسع فيه.

    أيها الأحبة! لضيق الوقت ومراعاة المقام أقول: إن الذي يتمعن في الحديث يجد فيه أساليب كثيرة، ومنها التشبيه، وكذلك التمثيل، والاستفهام للمسائل، وكذلك أيها الأحبة إجابة السائل على عكس سؤاله، ومن أساليبه كذلك اغتنام الفرصة، ومن أساليبه الوسيلة التعليمية، وهذا خاصة ونحن في بداية العام الدراسي الذي سوف يأتي بمشيئة الله نقول لأصحاب التربية وأرباب التعليم الذين يؤمنون بأهمية الوسيلة التعليمية لتثبيت الدرس وتأكيد المعلومة: صحيح أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يمتلك الفلين، ولا الألوان السحرية ولا المائية ولا الخشبية، ولكنه كان يمتلك إصبعاً سحرية يخط به على الثرى، فيرسم بها لوحة ترتسم في القلوب، فلا يخرج منها أبداً عليه الصلاة والسلام.

    ومن أساليبه التعليم بالقصة عليه الصلاة والسلام، ولعل الشيخ يعلق على هذه الأساليب، وأشكركم جميعاً، وأسأل الله أن يثيبكم على هذا البرنامج، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يجمعنا بالشيخ إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    حكم صيام ما بعد النصف من شعبان وحكم إحياء ليلة النصف من شعبان بالعبادة

    أخت سألت عن حديث: (إذا انتصف شعبان) بالنسبة للصيام، وهذا أمر مهم جداً، فالبعض يعتقد في هذه الليلة أن لها أفضلية، وأيضاً: مسألة الصيام بعد انتصاف شعبان، لعلك تحرر هذه المسألة؟

    نحن الليلة في ليلة النصف من شعبان، فأما عن فضل قيامها فلا أعلم فيه شيئاً يثبت، وأما ما جاء من أن الله يطلع على أهل الدنيا فيغفر، فهذا ثابت عنه صلى الله عليه وسلم، وقد صححه الألباني كما في الجامع الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كانت ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أهل الأرض، فيغفر لكل أحد إلا مشرك أو مشاحن)، وفي هذا دلالة على تهذيب النفوس، وأن الإنسان يبتعد عن الغل والحقد والحسد، فهي مظنة لغفران الذنوب.

    فهذه الليلة لا تحيا بأي نوع من أنواع العبادة، فالإنسان يقومها كما جرت عادته في الليل، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم عن قيامها، ولم يقل مثلاً كما قال في ليلة القدر: (من قام ليلة القدر) أو قال: أحيوها، وإنما انتهى كلامه صلى الله عليه وسلم إلى أنها ليلة يطلع الله فيها على عباده فيغفر لهم، فهي مظنة قبول توبة ومظنة غفران، هذا الذي يمكن أن نستنبطه من الحديث.

    وأما الصيام فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه أصحاب السنن: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، واختلف العلماء أولاً في تصحيح الحديث، ثم في فقه الحديث، فالحديث صححه ابن حبان رحمة الله عليه، واستنكره الإمام أحمد ، وقد قال بعض الشراح: إن الإمام أحمد استنكره لأن فيه العلاء بن عبد الرحمن، والعلاء بن عبد الرحمن من رجال مسلم ، لكن قال فيه بعض العلماء: إنه صدوق يهم أحياناً.

    والذي يعنينا أن من رأى صحة الحديث يرى كراهة صيام ما بعد النصف من شعبان، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله.

    وهذا إذا لم يكن له عادة قبله، فإذا قرب رمضان بيوم أو يومين يرى الشافعي رحمه الله حرمة الصيام، وهذا عندي أقرب الأقوال للجمع بين الأدلة والأحاديث الواردة في الباب.

    وبعض العلماء -كما ذكرنا عن الإمام أحمد - استنكر هذا الحديث؛ عملاً بعموم ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رؤي في شهر أكثر منه صياماً من شعبان.

    لكن النبي صلى الله عليه وسلم هديه صيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فقول الشافعي فيما يبدو لي أقرب الأقوال إلى الجمع بين الأحاديث؛ لأن شهر رمضان الأصل فيه التعبد بالصيام، فالذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه لا يستقبل بصيام؛ حتى يصبح للشهر خصيصته، وينتهي الصيام إلى النصف منه، عملاً بالحديث الذي صححه ابن حبان : (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، لكن هذا الرأي كما قلت ليس أوحد، وقد قال بعض العلماء بخلافه ولهم أدلتهم، والإنسان من عامة المسلمين المستفتي على دين مفتيه، فلا ينكر على من صام أكثر من النصف، لأن الذي قال بهذا هم علماء أجلاء، ومن احتاط ورأى أنه لا يصوم عملاً بأنه حديث صحيح فهذا فعل خيراً.

    والبعض يعلل الكثرة من صيام شعبان أنه استقبال لهذه العبادة، فصلاة الظهر مثلاً تستقبل بنافلة، ونقول: العبرة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيام شعبان ويقول: (إنه شهر يغفل الناس عنه) فهذا حق، لكن يمكن الجواب عنه بأن هذا في الخمسة عشر يوماً الأولى منه؛ عملاً بحديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، لكن قلت: إن الشافعية حملوا هذا الحديث على الكراهة، وإنما جعلوا التحريم قبل صوم رمضان، لكن قال بعض العلماء: من كان له صيام اعتاده كصيام الإثنين والخميس فلا يدخل في هذا النهي، والأمر واسع إن شاء الله.

    1.   

    أساليب النبي في التعليم والتربية

    المقدم: الشيخ حسين الثقفي جزاه الله خيراً قد تكلم عن أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، وقال: إنها تشتمل على كثير من الأساليب اللغوية والبلاغية ونحوها.

    الشيخ: النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم:

    يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم

    فهو عليه الصلاة والسلام يقرب المعنى بالإشارة أحياناً، وبالحركة أحياناً، قال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين)، وقال: (التقوى هاهنا وأشار إلى صدره)، وقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم فاشهد ونكتها إلى الأرض)، فهذه كلها وسائل، وقال: (الشهر هكذا وأشار بيديه)، فهذا كله دلالة على حرصه عليه الصلاة والسلام وشفقته على أمته أن يصل الأمر إليها.

    ونشكر الشيخ حسين الثقفي جزاه الله خيراً على مشاركاته، وعلى طرحه الجيد عبر الحلقات.

    1.   

    المراد بالبرهان في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه)

    المقدم: قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24] ما المقصود بالبرهان هنا؟

    الشيخ: من قواعد التفسير أن الأمور الغيبية لا يتكلم فيها؛ لأن الغيب لا يعرف لا بتجربة ولا بعقل ولا بجهد، فالله جل وعلا يقول: لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24]، ثم لم يخبرنا الله ما هو البرهان، فعلى هذا اتفق أئمة التفسير الذين لا يتكلفون على أنه لا يدرى ما هو البرهان الذي أظهره الله ليوسف، وأما من جاء من أهل التفسير الذين يتكلفون فقالوا: رأى أباه يعقوب عاضاً على إصبعه، وقالوا كلام لا يعقل ولا ينسب إلى أنبياء الله، وكلها إسرائليات لا تقوم عليها حجة، والأصل في الغيب أن يبقى غيباً لا يعرف إلا بنص وخبر صحيحين عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الكلام عن الأولية

    المقدم: قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من ينشق عنه القبر) كلمة: أول، الملاحظ لمن يطلع في كتب التاريخ والسيرة أنها تتكرر كثيراً: أول من فعل كذا، وأول من عمل كذا، فما تعليقكم على ذلك؟

    الشيخ: الأولية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما ثبت شرعاً بخبر صحيح، فالله جل وعلا يقول مثلاً في قضية يحيى عليه الصلاة والسلام: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [مريم:7]، فلو جاء إنسان وقال: إن يحيى هو أول من سمي بهذا الاسم لقلنا: صواب؛ لأن الله قال هذا في كتابه، ولو جاء إنسان وقال: إن هاجر أم إسماعيل هي أول من اتخذ المنطق الذي يضعه النساء في الوسط، فهذا ثابت في حديث عند البخاري .

    فهناك أمور ليست قابلة للرد شاعت وذاعت ولا يمكن ردها، فنقبلها في الأولية.

    وهناك أمور لا زالت محل خلاف بين الناس، مثلاً: من أول من يأخذ كتابه بيمينه؟ وأول من يأخذ كتابه بشماله؟

    فهذه فيه خلاف طويل، فمما هو شائع عند أهل السير أن أول من يأخذ كتابه من هذه الأمة بيمينه هو أبو سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنه وأرضاه، وهو أول من هاجر واستوطن قباء، فهذا قيل: إنه أول من يأخذ كتابه بيمينه، وعلى النقيض منه أخوه الأسود بن عبد الأسد فقيل: إنه أول من يأخذ كتابه بشماله، والأسود هذا يمر مع طالب العلم في السيرة، فلما يقرأ غزوة بدر يرى أن الأسود هذا أقسم على أن يصل إلى الآبار التي على المسلمين ويشرب منها، فقطعت رجله دون أن يصل إلى البئر، قطعها حمزة أو أحد المسلمين، مع أنهما أخوان، واحد أول من يأخذ بيمينه، والآخر أول من يأخذ بشماله، ولهذا قال الله جل وعلا: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    1.   

    التعليق على حديث علي في قصة الشارفين

    المقدم: شيخ صالح أنتقل إلى الحديث الثاني وأستأذنك وأستأذن المشاهد الكريم فالحديث طويل، والمتأمل أنه لا يحسن أن يتشقق في محاور، ولذلك سأقرؤه كاملاً ثم أترك لك التعليق عليه يا شيخ.

    عن علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن علياً قال: (كانت لي شارف من نصيب من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذٍ، فلما أردت أن أبتني بـفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم واعدت رجلاً صواغاً في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر، فأردت أن أبيعه من الصواغين فنستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت فإذا أنا بشارفاي قد أجبت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، وعنده قينة تغنيه وأصحابه، فقالت: في غنائها:

    ألا يا حمز للشرف النواء

    فوثبت حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، قال علي : فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت، فقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله! ما رأيت كاليوم قط؛ عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب.

    فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة ، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي عليه السلام يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي! فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه)، متفق عليه ].

    الحديث كما هو واضح متفق عليه ووارد في الصحيحين، وقد يكون بعض المشاهدين لم يسمع به إلا هذه المرة.

    1.   

    الفوائد المستفادة من الحديث السابق

    الشيخ: الحديث فيه وقفات كثيرة، وفيه أشياء تحتاج إلى بيان معانيها، فنبين للمشاهد الكريم المعنى الإجمالي لهذا الحديث فنقول:

    إن علياً رضي الله تعالى عنه وحمزة كليهما شهد بدراً، وكليهما من آل البيت، وعلي رضي الله عنه خطب فاطمة وأراد أن يعقد عليها وأن يدخل عليها بعد بدر، وكان في بدر قد أصاب هو نفسه من المغنم شارفاً، والشارف هي الناقة المسنة، والنبي صلى الله عليه وسلم لكون علي من آل البيت منحه شارفاً أخرى -يعني: أعطاه من الخمس- فأصبح لدى علي شارفان.

    فهاتان الشارفان -أي: الناقتان المسنتان والمتقدمتان في العمر- كانتا في ذلك الوقت تعتبران غنيمة كبيرة جداً، خاصة لفتى كـعلي لم يكن تاجراً، فعمد إلى أن يذهب بالشارفين إلى ديار فيها إذخر -وهو النبات المعروف-؛ حتى يأتي به إلى المدينة ويبيعه على الصاغة، والصاغة كانوا آنذاك يحتاجون الإذخر، فاتفق مع يهودي من بني قينقاع أن يذهبا سوياً؛ لأن هذا اليهودي له علم بما يحتاجه الصاغة من الإذخر.

    وفي تلك الفترة الناقة هذه تحتاج إلى أقتاب وغرائر وأشياء توضع عليها حتى يذهب في رحلته، فأناخ الناقتين بجوار دار لرجل أنصاري وعقلهما، ثم ذهب يبحث، فلما اكتملت فرحته ووجد ما أراد ويحتاجه من الأقتاب والغرائر والحبال وواعد الرجل اليهودي صاحبه ليذهبا سوياً، وجد الناقتين قد جب من سنامهما، يعني: الذي نحرهما لم ينحرهما ليأكلهما ذكاة شرعية، وإنما جب أسنمتهما من أعلى على عادة العرب في الجاهلية، ثم بقر الخواصر حتى يأخذ الأكباد، وترك باقي اللحم.

    فرجل فرح بالشارفين: أحدهما غنمه، والآخر جاءه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهما يعتبران ثروة في ذلك الزمان، فيراهما لا ينتفع منهما بشيء، يقول: فدمعت عيناي، وسأل قبل ذلك وقال: من فعل هذا؟ قالوا: حمزة ، وهو في شرب، والشرب مجموعة القوم إذا جلسوا على شراب، قال الأعشى :

    فقلت للشرب في درني وقد ثملوا شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل

    قلت للشرب يعني: مجموعة أصحاب من الذين يشربون معاً.

    فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ رداءه وذهب ومعه علي وزيد ، فاستأذن -وهو سيد الخلق- قبل أن يدخل، فدخل فعلم من مجمل القضية أن حمزة رضي الله عنه كان قد شرب، فإحدى القين التي تغني ذهبت إلى أبيات شعر قالها عبد الله بن أبي السائب كما حررها المرزباني في معدن الشعراء:

    ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء

    والنواء بمعنى السمينة، وقلنا: إن الشارف هي المسنة، وفرق بين المسنة والسمينة، لكنها مسنة وسمينة في وقت واحد، فلما أثير حمزة بقر الخواصر وفعل فيهن ما فعل، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ يلوم حمزة، فـحمزة رضي الله عنه وأرضاه كان قد بلغ به السكر مبلغه، فنظر في قدمي النبي صلى الله عليه وسلم في الأول، ثم صعد النظر إلى الركبتين، ثم صعد بنظره كأنه يريد أن يتعرف لكن السكر غلبه، حتى وصل إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال حمزة يخاطب النبي وعلياً وزيداً: وهل أنتم إلا عبيد لأبي!

    ففهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فرجع القهقرى، ومن هذا نأخذ أن الخمر كانت تضيع عقول أكمل الرجال، فـحمزة رضي الله عنه من أكمل سادة أهل البيت، وقد شهد بدراً وأحداً، لكنها في ذلك الزمن كانت مباحة فلا تثريب شرعي عليه؛ لأن الله جل وعلا لم يكن بعد قد أنزل تحريمها، فلا يأتي إنسان ويقول: هذا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يسكر، فيقال: إن ذلك قبل أن تكون حراماً، وإلا فـحمزة سيد الناس، قال عليه الصلاة والسلام: (سيد الشهداء حمزة).

    وهو أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، والنبي عليه الصلاة والسلام أصابه كمد وحزن شديد على موت حمزة رضي الله عنه وأرضاه، وقد جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وإن كان المشهور أنه لم يصل عليه، لكن ورد أنه صلى عليه سبعين صلاة، فمقام حمزة مقام رفيع.

    وعلي رضي الله تعالى عنه -كما في هذا الأثر- يدل على أنه يعرف شيئاً اسمه المعايشة، فقد يكون الإنسان على غير ملتك وعلى غير دينك لكنك ابتليت به كجار أو كصاحب أو كمعرفة أو زملاء في العمل، فلا يعني هذا ظلمه واضطهاده، ولا عدم الاستفادة منه، فـعلي رضي الله عنه في ذلك الزمن في الجيل الأمثل والرعيل الأول يختار رجلاً يهودياً من قبيلة قينقاع ليذهب معه، ويتفقان، ومن هنا قال الله جل وعلا: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:75]، فالناس يختلفون، فإذا أمنت الرجل فمن الممكن أن تتعايش معه، وهذا لا يتنافى مع عقيدة الولاء والبراء.

    وهذا التعايش يكون في حدود محددة جاء الشرع بضوابطها، فلا يصح غلق الباب تماماً ولا يقبل؛ لأنه لابد للناس أن يتعايشوا.

    قد يغلب الإنسان وإن كان شجاعاً

    الأمر الثاني: أنه قد يغلب الرجل الكامل الذي يقارع الأبطال مثل علي ، ومن قرأ التاريخ يعرف شجاعة علي ، ومع ذلك فالإنسان أحياناً يغلب، فهذا علي رابع الخلفاء، وحاتم الحنفاء رضي الله عنه وأرضاه يرى ناقتيه قد بقرتا، وجبت خواصرهما، ويقول لابنه راوي الحديث، والابن يقول لابنه -يعني: لحفيد علي - يقول: فلم أملك أن دمعت عيناي، فالإنسان الذي يريد أن يربي من تحته لا يأتي يمنع الناس من أشياء جبلية، فالآن بعض الرجال لو رأى ابنه بكى عيره وشتمه، ويقول: اغسل يدك منه، وهذا كله كلام متكلف، فلا يمكن لأحد أن يخرج عن بشريته، فـعلي رضي الله عنه تعالى وأرضاه فعل الأفاعيل في أهل الكفر، ومع ذلك لما رأى شيئاً عزيزاً عليه قد بقر غلبته عيناه، وقد قال بعض الشراح: إن الذي أضر به أن عمه هو الذي بقر الشارفين، لكن هذا غير صحيح؛ لأن علياً ذكر في الحديث أنه بكى ودمعت عيناه قبل أن يعرف، قال: فسألت: من فعل هذا؟ قالوا: حمزة ، وهذا بعد أن ذكر أن عينيه قد دمعتا.

    ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالإنسان إذا عجز عن الشيء فإنه يذهب إلى من يقدر عليه، فـعلي رضي الله عنه لما علم أن الذي صنع هذا هو عمه حمزة -فـحمزة أخو أبي طالب- توقف، لكنه سأل: أين هو؟ قالوا: في شرب له في دور الأنصار، فحرر المكان ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره.

    والنبي عليه الصلاة والسلام سيدخل على قوم سكارى، ومع ذلك أخذ رداءه، فالإنسان المنظور إليه يتجمل في اللباس، والمسجد هو أعظم مكان يمكن أن يدخله، قال الله: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] أي: عند كل صلاة، فالإنسان لا يحسن به أن يذهب إلى الصلاة بلباس النوم، وإذا جئت تنصح بعض الناس قال: يا أخي احمد الله أني أصلي! الحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من أهل النار، لكن هذا ليس حقاً، فينبغي للإنسان أن يأتي للصلاة في أجمل شيء، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أخذ رداءً وهو نبي الأمة وليس مظنة للتهمة، وذهب إلى قوم سكارى؛ ليلومهم وليثرب عليهم، ومع ذلك يتجمل عليه الصلاة والسلام، فلكل حال لبوس.

    يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: فخرج فتبعته أنا وزيد ، وزيد هو ابن حارثة ، وهذا الكلام كله في أول الدعوة، أي: قبل أحد وبعد بدر مباشرة، أي: في أول السنة الثانية في شوال، فذهب صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فلما دخل على حمزة أخذ يعاتب حمزة ويلومه، وحمزة ثمل، أي: أن الخمر قد بلغت منه مبلغاً عظيماً، فأخذ ينظر في الأول في الأسفل، ثم صعد النظر حتى وصل إلى رؤية وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال -وهذا مما يدلل على أن الخمر قد بلغت مبلغاً-: وهل أنتم -يخاطبهم الثلاثة- إلا عبيد لأبي!

    وهذه العبارة فهم منها النبي صلى الله عليه وسلم أن حمزة قد ثمل، فلما قالها أراد النبي أن يعلم الأمة هنا بالفعل لا بالقول، فرجع القهقرى، أي: رجع يمشي إلى وراءه وبصره باق في حمزة ؛ لأنه يخشى لو أنه أعطى ظهره لـحمزة أن يطمع فيه حمزة وهو ثمل فيضربه أو يطعنه أو يقع منه شيء، فالعاقل لا يمكن خصمه من نفسه، وهذا مع اختلاف الوضع؛ لأن حمزة ليس عدواً، لكنه وقتها لا يكاد يدري ما يفعل، فمسألة المغامرات هذه عندما تكون فرداً وأنت تحسبها حساباً دقيقاً، وأما أن يأتي إنسان يوكل إليه أمر جماعة أو أمر مدرسة أو أمر طلاب أو أمر دولة أو أمر إمرة ثم يأتي يمكن عدوة من نفسه، فهذا ليس من الحكمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ الله له: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، ومع ذلك رجع القهقرى؛ حتى لا يجعل لـحمزة طريقاً إليه، ولو وقع من حمزة شيء وهو ثمل فإنه يستطيع صلى الله عليه وسلم أن يرده.

    وأحياناً لا يكون هناك نفع من الخطاب، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أن حمزة ثمل، فلا وقت للمعالجة، خرج هو وزيد وعلي رضي الله تعالى عليهما، والمقصود أن الإنسان كذلك يتوخى متى يعالج، وليس شرطاً أن تعالج المشكلة في وقتها، فالمهم أن تعالج المشكلة في وقت يغلب على الظن أنه ينفع، فكم من أمور إذا أرجئت يكون الحل في إرجائها.

    مراعاة حق القرابة عند الخصام

    المقدم: يا شيخ صالح إذا أذنت لي أن أقف وقفتين ثم أنتقل إلى الحديث الثالث: تصرف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وقد أشرت إلى شجاعته-، فعندما علم أن الخصم إنما هو أحد أعمامه تصرف بحكمة، ألا يفهم من هذا يا شيخ مراعاة الإنسان لصلة الأرحام أحياناً، فقد تكون هناك مشاكل بين الأسرة: بين الشخص وأعمامه وأخواله؟

    الشيخ: لا شك أن القرابة لهم حق، والإنسان الذي يضيرك قدحه لا تقدح فيه، فأحياناً الإنسان قد يكون له حق عند أبيه أو أخيه أو ابنه فعلى الإنسان أن يغض الطرف عن هذا، لكن إذا بلغ الأمر مبلغاً وأصبح الظلم فيه ظاهراً، وسلب الحق فيه كاملاً، وأنك لو سكت ازداد في ظلمه لك فالحق أن تطالب بحقك ولو كان ذا قرابة، وقد نقل هذا عن صالح الأسلاف.

    أفضلية فاطمة رضي الله عنها على النساء

    المقدم: ورد ذكر السيدة فاطمة رضي الله عنها في الحديث فلعلنا نبين يا شيخ أفضليتها بين النساء.

    الشيخ: فاطمة هي ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في من هي سيدة نساء العالمين على عدة أقوال أشهرها أربعة، فقيل: إنها فاطمة ، وقيل: إنها خديجة ، وقيل: إنها عائشة ، وقيل: بالتوقف في المسألة، فهذه أظهر الأقوال، والذي يترجح عندي والعلم عند الله أن فاطمة أفضل نساء العالمين قاطبة، والأدلة على هذا ثلاثة:

    الدليل الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (أنت سيدة نساء أهل الجنة)، قال لها ذلك في مرض موته.

    والدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي أبناؤه وبناته جميعاً وهو حي، والقاعدة تقول: إن الإنسان إذا فقد عزيزاً فهذا العزيز إذا صبرت على فقده فهو في ميزانك، وإذا صبر هو على فقدك فأنت في ميزانه، مثلاً هناك أب صالح وابن صالح، فإذا مات الأب قبل فالأب في ميزان الابن إذا صبر، والابن إذا مات قبل أبيه فالابن الصالح يكون في ميزان أبيه إذا صبر.

    فجميع أبناء وبنات النبي صلى الله عليه وسلم في ميزانه صلوات الله وسلامه عليه، وهو ميزانه ثقيل بهم وبغيرهم، لكن فاطمة هي الوحيدة من أبناء وبنات النبي صلى الله عليه وسلم التي النبي عليه الصلاة والسلام في ميزانها؛ لأن هؤلاء مات النبي صلى الله عليه وسلم بعدهم، وأما هي فقد رأت وفاته صلى الله عليه وسلم فصبرت، ولا ريب أن مجرد فقد أي فتاة لأبيها مثقل، فكيف لفقدها لأبيها وأبوها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم! فالنبي عليه الصلاة والسلام في ميزان ابنته رضي الله عنها، ولا يحتاج هذا إلى تعليق بأنه ميزان ثقيل جداً.

    الدليل الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حقها: (إنها بضعة مني)، ولهذا قال الذهبي رحمة الله عليه في الأعلام في ترجمتها: هي البضعة النبوية، والجهة المصطفوية.

    فهذه الثلاثة الأدلة تجعلني أرجح القول بأنها سيدة نساء العالمين، رضي الله عنها وعن أمها، وصلى الله على أبيها.

    ولا يفهم من كلامي هذا أن من أراد أن يبر بوالدته أو بوالده أنه يتمنى موته قبله، أو أن هذا أيضاً قد يسبب لهما بعض الحزن، فهذا أمر قدري لا يدخل فيه ولا يتمناه لا لنفسه ولا لأحد، وإنما يرضى بقضاء الله وقدره.

    1.   

    السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة

    المقدم: [ الحديث الثالث قوله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).

    لعلكم يا شيخ تبينون هذه الأصناف السبعة بحديث إيماني نبين فيه أفضلية كل صنف من هذه الأصناف ].

    الشيخ: قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).

    فكلما عظم الموئل والمنزل والدرجة والمكانة والعطية عظم الطريق إليها، والناس يخرجون يوم القيامة تدنو منهم الشمس، فهم أحوج ما يكونون إلى الظل، والظل هنا نسب إلى الله وأضيف إلى الله تشريفاً، وإلا فهو ظل العرش، كما يقال: بيت الله، فهو إضافة تشريف.

    (يوم لا ظل إلا ظله) يعني: يوم لا ظل هناك إلا ظل العرش، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سبعة، ولما كان الإمام العادل عظيم النفع، جليل الأثر على الناس قدم على غيره، باعتبار أن نفعه متعد، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الإمام العادل وهو نادر قليل في الأمم، وألحق به العلماء كل من ولي ولاية خاصة كالقضاة والأمراء.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وشاب نشأ في طاعة الله)، وفي الحديث الآخر (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)، فإذا وجد شاب في زمن غلبت فيه الفتن، وظهرت فيه المحن، وكثر فيه الطاعنون في الدين أو النازحون إلى الشهوات، ومع ذلك بقي معتصماً بالله متمسكاً بهدي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا إن خلصت نيته وصلحت سريرته من الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه.

    إن المساجد بيوت الله، وقد أمر الله جل وعلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فمن تعود وأحب الصلاة فيها، وسابق إليها بالصف الأول غدواً ورواحاً، وكان أول من يقدم وآخر من يخرج في الغالب، ويفرح لمقامه فيها فهذا من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه.

    والناس تجمعهم المصالح، فيختلفون عليها ويفترقون عليها، لكن لله جل وعلا عباداً يجتمعون على محبته، ويفترقون إذا افترقوا وقد أحب كل منهم الآخر في ربه، فهؤلاء من السبعة.

    والرجل إذا دعته امرأة ذات منصب وجمال، فهي بمنصبها تحميه، وبجمالها تغريه، لكن خوفه من الله منعه من أن يقع في هذه الفاحشة التي هي مما زين للناس.

    والسادس: رجل تصدق بصدقة فأخفاها، فلو قدر أن شماله إنسان حي يرى ويبصر لخفي عليه صنيعه ذلك؛ لأنه يتعامل مع ربه، ويعلم أن صنيعه يدونه الملكان، ويحصيه الرقيبان.

    ورجل خلا بنفسه فذكر عظمة الله جل جلاله، وما لله جل وعلا من صفات الجبروت، وما لله جل وعلا من عظمة الملكوت، وما لله جل وعلا من نعوت الجلال، وصفات الكمال، ففاضت عيناه شوقاً إلى الله على حال، أو فرقاً من الله على حال أخرى، أو بهما معاً.

    فهؤلاء السبعة حق لهم أن ينالوا المنصب العالي والعطاء الأعظم، قال صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)، جعلني الله وإياك منهم.

    1.   

    الحديث عن رمضان

    المقدم: كثير من الإخوة على الموقع طالبوا بالحديث عن رمضان، وأنا أحيلهم وأحيل المشاهد الكريم إلى حلقة كاملة على الموقع بعنوان: رمضان بين الفقه والإيمان، وقد كانت من حلقات هذا البرنامج.

    الشيخ: ولنا شريط سيخرج اسمه: دنت بشائره، وهو أول خطبتين خطبتهما في قباء العام الماضي عن رمضان.

    وسنختم الكلام بالحديث عن رمضان: فأقول: إن رمضان شهر ومطية لبلوغ مرضاة الله، ولن تستطيع أن تصوم رمضان على الوجه الأكمل والنحو الأتم إذا كنت تعتمد على قراءتك الفقهية، لكن ينبغي أن تعلم أن الله جل وعلا وحده هو الموفق، وأن تعظم الله تبارك وتعالى في قلبك، وأن تعلم أن الله -رحمة بك- أفاء عليك ببلوغ شهر كريم، فإذا بلغته فاقتصد في أوله، وزد في وسطه، ثم اجتهد كل الاجتهاد في آخره، فهذه سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، فلا تبدأ بالاجتهاد الكامل في أوله ثم يصبك الفتور، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

    تقول عائشة : (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الوسطى ما لا يجتهد في العشر الأول، ويجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في الشهر كله).

    والإنسان قبل رمضان إذا أظهر لله نية ورغبة وسريرة ترغب فيما عند الله، وهو على يقين أن الموفق والمسدد هو الله، والمعين والميسر هو الله، واستدر رحمة ربه في أن يوفقه، بلغ مقصوده، وأما من أوكل نفسه لنفسه، وظن أنه إذا قرأ المتون أو ما إلى ذلك بلغ مقصوده، فلن يبلغ أحد مقصوده إلا بعطاء الله، كما قال العز بن عبد السلام : والله لن يصلوا إلى غير الله إلا بالله، فكيف يصلون إلى الله إلا بالله!!

    المقدم: أحسن الله إليكم شيخ صالح ، نختم بهذه العبارة الجميلة، جزاك الله خيراً، وكتب أجرك، حقيقة أفدتنا بهذه الحلقة.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.