إسلام ويب

سلسلة القطوف الدانية نور القرآنللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن الكريم حبل الله المتين ونوره الذي يستضيء به المؤمنون، والذي يقرؤه بتدبر وتفكر يعظم انتفاعه به، والتدبر له وسائل لابد من تحقيقها وتعلمها والعمل بها.

    1.   

    تاريخ مسجد قباء

    اسم المسجد وموقعه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأولاً: من نعم الله علينا جميعاً أن وفقنا لأن نتدبر بعض آيات كتابه، فهذا مطلب عظيم، وموئل كريم، ومنزلة جليلة، فإذا كان هذا التدبر والتدارس يتم في مسجد مبارك -كمسجد قباء- فهذا أعظم منزلة وأرفع درجة، نسأل الله أن يخلص النيات.

    أما هذا المسجد فهو مسجد قباء، وقباء في الأصل مكان عرف بهذا الاسم (قباء) لأنها كانت بئراً، ثم عرفت المنطقة باسم البئر فسميت بقُباء، وهذا هو النطق الصحيح لها (بضم القاف).

    يقال فيه مسجد قباء، وهي تسمية قرآنية: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى [التوبة:108] أي: مسجد قباء، وقال: مسجد بني زريق، كما ورد في الأحاديث.

    نقول: جرت عادة الناس أنهم يتبعون أوائلهم، والنبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه بالهجرة، فالمهاجرون الأولون قدر لهم أن ينزلوا ابتداء في هذه المنطقة المعروفة قديماً بقباء.

    كانت هناك داران في قبلة المسجد الآن -وقبلة المسجد جنوبية- دار كلثوم بن الهدم رضي الله عنه، ودار سعد بن خيثمة ، وكان سعد أعزباً.

    وهذه الديار كانت لبني عمرو بن عوف، وجهة الشمال -جهة مسجد الجمعة- كانت ديار بني سالم بن عوف، فمن هاجر من أوائل الصحابة نزل هنا، فكان بدهياً عندما يأتي صلى الله عليه وسلم أن ينزل في نفس المكان الذي نزل قبله به أصحابه رضوان الله تعالى عليهم.

    والنبي صلى الله عليه وسلم على المشهور دخل قباء لثمان خلون من شهر ربيع الأول على غير رواية ابن إسحاق ، والأظهر عندنا والعلم عند الله أنه صلى الله عليه وسلم ولد لتسع خلون من ربيع الأول، فيكون دخوله قد تم في يوم الإثنين الثامن من ربيع الأول للسنة الأولى من الهجرة، فهو ابن ثلاثة وخمسين عاماً بالتمام، فالقول الراجح عندنا أنه ولد في التاسع من ربيع الأول، ودخل المدينة في الثامن من ربيع الأول.

    لما نزل صلى الله عليه وسلم كان معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فاستضافه كلثوم بن الهدم ، ثم كان صلى الله عليه وسلم يستقبل الناس في دار سعد بن خيثمة ، من هنا جاء الاضطراب في الروايات التاريخية هل نزل في دار كلثوم أو في دار سعد بن خيثمة .

    ثم أسس صلى الله عليه وسلم هذا المسجد المبارك لبني عمرو بن عوف.

    والصحابة لما هاجروا لم يؤسسوا مسجداً؛ لأنهم ما أرادوا أن يتقدموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فمثل هذه الأمور تسند للإمام الأعظم.

    ومن هذه السجادة تقريباً إلى محراب المسجد من توسعة عثمان رضي الله عنه وأرضاه، فإن عثمان رضي الله تعالى عنه وسع في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم توسعة جنوبية، قال بعض أهل التاريخ والسير: إنه كذلك وسع في مسجد قباء توسعة جنوبية، أي: إلى جهة القبلة، فالمسجد النبوي المؤسس أنا لا أستطيع أن أحدده، فلنقل: إنه إلى هذا العمود أو الخط.

    وكانت قبلته جهة الشام؛ لأن القبلة لم تكن قد حولت بعد، فكانت القبلة جهة الشام أي: جهة بيت المقدس، ثم لما نزل قول الله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] جاء التحويل إلى القبلة الجنوبية.

    وقلنا: هذه ديار بني عمرو بن عوف، وديار بني سالم بني عوف كانت في جهة الشمال، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من هاهنا ومضى أدركته الجمعة في مسجد الجمعة الآن، فصلى بها الجمعة كأول جمعة تقام في الإسلام، وذلك بعد ما أسس المسجد، وقد مكث في المسجد الإثنين والثلاثاء والأربعاء، ووضع أول لبنة، بدأ، فتبعه أبو بكر ثم تبعه عمر ، ثم سائر الناس حتى بني المسجد، وكانوا ربما أنشدوا.

    قد أفلح من يعالج المساجدا ويذكر القرآن قائماً وقاعداً

    إلى غيره، وينسب هذا إلى علي رضي الله عنه، وينسب إلى عبد الله بن رواحة ، وينسب إلى غيرهما، ويقال: هو من حفظهما، وهذا كله أمر واسع، ولا تثريب فيه.

    ذكرنا أن هذا المسجد أسسه النبي صلى الله عليه وسلم من أول يوم، والآية جاءت منقطعة الإضافة، فالله يقول: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، فجاء القرآن بكلمة (يوم) منونة، والتنوين هنا لا خلاف أنه تنوين عوضي، لكن ما اللفظة المحذوفة؟ هذا مختلف فيه، فإذا قلنا: التقدير: (من أول يوم نزلت فيه) مسجد قباء بالاتفاق.

    وقيل إن التقدير: (من أول يوم أظهر الله فيه دينه)، وهذا قال به بعض العلماء، وهو الذي اختاره السهيلي في الروض الأنف، وعليه يفهم إنه عندما أسس مسجد قباء أمن الناس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقدر على أن يؤسس مسجداً في مكة، لكن لما عزم صلى الله عليه وسلم على أن يؤسس مسجداً في المدينة دل ذلك على أن الله أعز الإسلام وأمن الناس، فهذا أول يوم أعز الله فيه الدين إعزازاً ظاهراً.

    ومن هنا يعلم القارئ للتاريخ فقه الصحابة رضي الله عنهم في أنهم جعلوا التاريخ يبدأ بالهجرة، لعلمهم رضي الله عنهم وأرضاهم أن الهجرة كانت فارقاً عظيماً، وبها ظهر إعزاز الدين وانتصاره، وكان ما كان من علو شأن الإسلام.

    إتيان النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء

    المقدم: ما هو هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في إتيان مسجد قباء ماشياً وراكباً؟

    الشيخ: أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأسس المسجد، ولم تكن تقام الجمعة إلا في المسجد النبوي، وكان بنو عمرو بن عوف منهم من يأتي مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ومنهم من لا يقدر، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم شفيقاً رءوفاً بأصحابه كان يأتي قباء، فهو يأتي قباء لفضل المسجد، لكن الذي يظهر -والعلم عند الله ولا نجزم به- أنه توخى يوم السبت حتى يتفقد من لم يحضر الجمعة من بني عمرو بن عوف، فيأتي عليه الصلاة والسلام يوم السبت يتفقدهم ويسأل عنهم ويرى أحوالهم، مع فضيلة المسجد.

    وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين) وليس المقصود الحصر، وإنما المقصود أن الركعتين هما أقل ما يمكن أن يصليهما المصلي، فهو مجرد ضرب المثل، يعني: أن الصلاة لا تقصد لذاتها، فمن أدرك فريضة، أو لم تبق له إلا ركعة واحدة من الوتر فصلاها هنا دخل في عموم الحديث، أو صلى تحية المسجد، أو صلى العشاء في بيته ثم تطهر وصلى هنا نافلة العشاء، أو المغرب، كل ذلك صحيح إذا أتى المسجد وصلى.

    وأما الفضل فما ورد في الصحيح أنه كان يأتي يوم الاثنين، وكان يأتي أحياناً يمشي، ومن يأتيه كذلك يحصل على أجر عمرة بنص كلامه صلى الله عليه وسلم، لكنها لا تغني عن عمرة الإسلام، وقد كان الناس وما زالوا يأتون من بيوتهم إلى مسجد قباء، حتى نساء أهل المدينة قديماً كن يأتين من بيوتهن التي تبنى حول المسجد النبوي، وهناك شعر عن هذا، لكن قدسية المكان لا تسمح لإلقائه.

    ومن أتى هذا المسجد خمس مرات وصلى خمس صلوات كتب له لكل صلاة أجر عمرة، وفضل الله أكبر وأوسع.

    توسعة مسجد قباء حديثاً

    وأريد أن أذكر أن البناء لم يكن بهذه الصورة، إنما كان كما تيسر في تلك العصر، ثم ما زال ملوك الإسلام وخلفاؤه يعتنون بهذا المسجد، حتى وسع عام (1388هـ) في عهد الملك فيصل رحمة الله عليه، ثم في عام (1405هـ) تقريباً في عهد الملك فهد رحمه الله وسع هذه التوسعة التي ترى، وتشرف عليه وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وأنا من هذا المنبر المبارك ومن هذا المسجد أشكرهم شكراً جزيلاً على موافقة الوزارة على أن تبث هذه الحلقة من هذا المسجد، وهذا معدود من رعاية الوزارة وفقها الله للدعاة والعلماء، ونشر الذكر ونشر الخير.

    وأخص بالذكر مقام معالي الوزير الشيخ صالح ، وسعادة الأستاذ الدكتور توفيق السديري وكيل الوزارة لشئون المساجد، كما لا أنسى شكر سعادة مدير عام فرع الوزارة بالمدينة الدكتور محمد الأمين الخطري وفقه الله تعالى.

    فهؤلاء الصفوة المباركة وأمثالهم من الإداريين من نعرف منهم ومن لم نعرف نشكرهم على الإذن وعلى الرعاية لإقامة هذا اللقاء في هذا المسجد المبارك.

    وفي هذا السياق ننوه ونشكر كذلك موقع البث الإسلامي الذي يبث هذه الحلقة صوتاً، وكذلك موقع المسك الذي يبثها صوتاً وصورة، فجزاهم الله خيراً على هذا التعاون.

    الحكمة من إتيان مسجد قباء راكباً وماشياً

    المقدم: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي راكباً وماشياً، فهل هناك حكمة من ذلك؟

    الشيخ: التنوع في أداء العبادة أمر مطلوب، يبعد السأم، ولو أدام صلى الله عليه وسلم القدوم مشياً لظن الناس واجباً، ولو أدام الإتيان راكباً لظن الناس أنه واجب، فتنويع النبي صلى الله عليه وسلم فيه طرد للسآمة والملل، وفيه كذلك الرفق بالناس، لأنه ليس كل الناس يستطيعون أن يأتوا راكبين، وليس كل الناس يستطيعون أن يأتوا ماشين، فكل أحد يأتي بما يقدر عليه، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    تناسب أجزاء آية تأسيس مسجد قباء

    المقدم: قال تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة:108] وفي نهايتها: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] هل هناك مناسبة بين أول الآية وآخرها؟

    الشيخ: هذا نزل في وصف أهل قباء من الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لأن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وكان ثمة منافقون صنعوا مسجداً آخر غير بعيد عن هذا، وهو مسجد الضرار، فأظهروا شيئاً وأردوا شيئاً آخر، لكن ما أضمروه لا يخفى على علام الغيوب، إذ قال الله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:107-108] أي: مسجد الضرار، ثم قال: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى [التوبة:108] والأشهر هذا، مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، ثم ذكر قرينة على أن الإنسان يتوخى المساجد المعمورة بالعباد الصالحين، المعمورة بالركع السجود، خاصة إذا كانت قديمة، وهذا ذكره الحافظ ابن كثير رحمة الله عليه في تفسيره.

    قالوا: والقرينة قول الله جل وعلا: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108]، كان حب الطهارة فيهم جبلة، فكانوا يقضون حوائجهم ثم يغسلون بالماء ويستجمرون بالحجارة، فكان الأمر فيهم جبلة، والطهور شطر الإيمان كما قال صلوات الله وسلامه عليه.

    الحكمة من ابتداء النبي بتأسيس المسجد في المدينة دون غيره

    المقدم: نريد أن نختم الكلام على المسجد بذكر فائدة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة بدأ بتأسيس المسجد، ولم يبدأ بتأسيس شيء آخر في الدولة الإسلامية، فهل هناك حكمة من ذلك؟

    الشيخ: لا حياة للناس إلا بصلتهم بربهم، والرمز الأعظم لأن يصل الناس حالهم بربهم الصلاة، والرمز الأكبر الذي تؤدى فيه الصلاة المساجد، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37].

    1.   

    تدبر القرآن

    الوسائل المعينة على فهم القرآن

    المقدم: الجميع يرغب أن يتدبر معاني القرآن، وقد انتشرت في الفضائيات العربية ظاهرة تفسير القرآن والتدبر، وأن الناس في ذلك ما بين مجتهد مصيب ومخطئ إلى آخره، لكن كيف نستطيع أن نمتلك آليات وأدوات فهم القرآن والتدبر، وتطبيقه في حياتنا، نأخذ منك تأصيلاً علمياً في فهم وتدبر الآيات!

    الشيخ: فهم القرآن العظيم وتدبر آياته، والاستضاءة بنوره مقصد شرعي عظيم، تطمح إليه كل نفس مؤمنة، وفضل الله واسع، لكن لما كان القرآن بهذه العظمة كان لابد أن يكون هناك مرحلة كبرى جداً للوصول إلى تدبر القرآن، وتدبر القرآن مقصود: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء:82].

    وأعظم تلك المفاتيح يمكن إجمالها في أربع طرائق تعين على تدبر القرآن، أذكرها إجمالاً ثم أفصل:

    الأول: الابتعاد عن حطام الدنيا.

    الثاني: العلم بلغة العرب.

    الثالث: التتبع والسير على منهج سلف الأمة.

    الرابع: فهم مقاصد القرآن. هذا من حيث الإجمال.

    أما من حيث التفصيل فنقول:

    الأول: قال سفيان الثوري رحمة الله عليه: لا يجتمع فهم القرآن في قلب اشتغل بحطام الدنيا أبداً.

    فلا يمكن أن يجتمع حطام الدنيا مع فهم القرآن، هذا محال، فالاشتغال بحطام الدنيا أمر مهما قال الإنسان فيه إلا أنه ينجم عنه بعد عن تدبر نور القرآن.

    نحن لا نقول: إن كل من اشتغل بحطام الدنيا يحرم من فهم القرآن بالكلية، لأن هذا كلام عائم يؤخذ منه ويرد، لكن من تدبر حال الناس وجد أنه كلما كان الإنسان مشتغلاً بحطام الدنيا أكثر كان أشد انصرافاً عن فهم كلام الله جل وعلا.

    والله جل وعلا قال لنبيه: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر:87-88] فبين الله جل وعلا أن حظك من القرآن أيها النبي الكريم يغنيك عن النظر إلى متاع الدنيا.

    وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فعلى هذا فإن تدبر القرآن يوفق له عبد أحجم بنفسه عن جمع حطام الدنيا، ونحن نرى هذا في أنفسنا، كلما شغلنا بشيء من حطام الدنيا نجمعه قل تدبرنا وفهمنا للآيات.

    أما الجمع على سبيل جمع المعيشة ولأجل أن يعف نفسه فلا يقال له حطام الدنيا، لأن هذا من المطالب الرئيسة التي لابد منها لإطعام النفس والولد ومن يعول، وهذا لابد منه، لكن المقصود الانغماس فيها والانشغال القلبي، بحيث إن الإنسان يبيت ويصبح ويمسي وهو يحسبها بالدينار والدرهم، والله جل وعلا قال لنبيه في سورة طه: نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] بعد أن أمره بالصلاة، قال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

    والله جل وعلا تكفل لعباده بالرزق، وأمرهم بالعبادة له، فمن الخطأ العظيم أن ينشغل الإنسان بالرزق ويترك العبادة، فينشغل عما أمر به بشيء تكفل الله به، والله يقول: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، وقال جل وعلا: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60]، فهذا يراه الإنسان في نفسه، وليس هناك أحد معصوم، لكن الانشغال بها يحجبك عن الفهم.

    لكن لا يفهم منه أن هذا الشرط يؤخذ بمعزل، فيأتي إنسان بكل أحد زاهد ويقول: هذا متدبر للقرآن، فهذا من جملة شروط لا تتوافر فيها جميعاً.

    الأمر الثاني: العلم بلغة العرب.

    قال مجاهد بن جبر المكي : لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في كلام الله حرفاً إلا أن يكون عالماً بلغة العرب.

    وقال مالك رحمه الله: لا أوتى بأحد يقول في القرآن وهو غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالاً.

    وهذا أصل دل عليه القرآن؛ لأن الله قال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، فمن لم يفقه لغة العرب لا يحل له أن يقدم على أن يقول في القرآن، لأنه يفقد آلة عظيمة في فهم القرآن، وهي العلم بلغة العرب.

    من الأمثلة الواقعية على هذا ما ذكره الأئمة الكبار من قبل أن الله قال لنبيه نوح في القرآن: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40]، فاختلفوا في معنى (التنور)، فمن العلماء من قال: إن التنور من تنور الصبح إذا أضاء، ومنهم من قال: إن التنور إذا انبجس الماء، ومنهم من قال: إن التنور أشرف الأرض وأعلاها، ومنهم من قال: إن التنور المخبز المعروف، ومعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل (التنور) إنما ينصرف إلى الموقد الذي يتخبز فيه.

    فعلى هذا قال الطبري رحمه الله وهو إمام المفسرين المشهور: فيجب هنا صرف كلام الله إلى المشهور من لغة العرب، ولا يوجه الكلام إلا للأشهر والمتعارف عليه من لغة العرب؛ لأن الله قال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195].

    إذاً: هذا ثاني الشرائط، وهو العلم بلغة العرب.

    وقبل أن ندخل في الشرط الثالث نتساءل: ما هي حدود امتلاك الإنسان لفهم اللغة العربية، هل هناك خطوط عامة بحيث إذا استطاع أن يسيطر عليها فهم الكلام العربي؟

    يفهم من النحو قواعده الإجمالية، صحيح أن هناك مسائل اختلف فيها الأئمة الكبار كنحاة البصرة ونحاة الكوفة، لكنها ليست مطلوبة، لكن الإجمال والإحاطة العامة ومعرفة مظان الاختلاف أمر مطلوب.

    العلم بلغة العرب وبأساليب العرب في كلامهم، لا يتأتى إلا إذا كان الإنسان قد اطلع على شعر العرب، قال عمر رضي الله عنه: الشعر ديوان العرب، فالاطلاع على المعلقات والشعر في صدر الإسلام وفي زمن الاحتجاج خاصة أمر مطلوب، حتى يعرف الإنسان طرائق العرب في كلامها، فعلى ذلك يفسر القرآن، ولذلك كان ابن عباس إذا قال في المسألة قولاً يسأله الناس: أوتعرف العرب هذا؟ فيقول: نعم، ثم يأتي بشاهد يدل على أن العرب تعرف هذا المقصد في كلامها.

    وزمن الاحتجاج استمر إلى عام (120هـ) تقريباً، قبل نهاية الدولة الأموية بعشر سنين تقريباً.

    الأمر الثالث: الاهتداء بمذهب السلف الصالح، والسؤال الأول: من هم السلف الصالح؟

    السلف الصالح صحابة النبي صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وأعيان التابعين لهم بإحسان، والأئمة العدول ممن ساروا على منهجهم إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، وبالنسبة لكل أحد فإن من مضى قبله من الأئمة العدول سلف له، لكن ينطبق على أهل القرون المفضلة في المقام الأول، فمنهج الصحابة وأعيان التابعين لهم بإحسان هو الذي ينصرف إليه قولنا وقول الأئمة: السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان.

    هؤلاء الأئمة رضوان الله تعالى عليهم لابد للإنسان أن يسير على منهجهم حتى يتدبر القرآن.

    ومن سمات منهج السلف الصالح:

    الأول منها: أنهم يقدمون النقل على العقل في تفسير القرآن عامة، وفي نصوص الأسماء والصفات خاصة.

    الأمر الثاني من سمات منهجهم رحمة الله تعالى عليهم: أنهم يجمعون بين القرآن والسنة.

    الثالث: من سمات منهج السلف الصالح: رفض ما دونه الفلاسفة والمتكلمون في الأسماء والصفات خاصة.

    الرابع: أنهم ينبذون التقليد الأعمى، ولا يتعصبون لمذهب بعينه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه وهو يصف بعض سماتهم: وليس لهم متبوع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم -أي الصحابة- أعلم الناس بأحواله وأقواله وأعرف الناس بأحاديثه صحيحها وسقيمها رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

    فالسير على منهجهم وفق هذه الخطوط وغيرها من طرائق معرفة النصوص تعين على فهم القرآن.

    التعامل مع الإسرائيليات في التفسير

    المقدم: ما يتعلق بالإسرائيليات والقصص وبعض الروايات المأثورة إذا كانت غير صحيحة أو يشك في صحتها، كيف نتعامل معها؟

    الشيخ: ما ينقل عن بني إسرائيل أو ما يعرف بالإسرائيليات ثلاثة أضرب:

    الضرب الأول: أن يشهد له القرآن أو السنة فنقبله.

    الضرب الثاني: أن يشهد القرآن والسنة بمخالفته وبأنه غير صحيح، فنرده.

    الضرب الثالث: أن لا يشهد له القرآن ولا السنة بصحة ولا بخطأ، لا بصدق ولا بكذب، فيؤخذ منه ما يغلب على الظن أنه راجح أو أنه مكذوب، أو يستأنس به، لكن لا يجعل أصلاً يعتمد عليه أبداً.

    بعد ذلك هناك أمور تحفها قرائن يقال: من باب الاستئناس وأمثال ذلك، هذا كله لا بأس به، لكن القضية التي حاد الناس فيها مسألة الخوض في الأسماء والصفات، يعني: الخطأ جاء من المتأخرين في أنهم لم يطبقوا منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات، مع أن منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات ظاهر بين له أسس يقوم عليها.

    معنى مقاصد القرآن

    المقدم: الأمر الرابع في فهم القرآن: إدراك مقاصد القرآن، ونحن نقول: ما معنى مقاصد القرآن؟ ثم بعد ذلك ندرك هذه المقاصد.

    الشيخ: مقاصد القرآن، القرآن له مقاصد أرادها دل عليها القرآن كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم:1] إذاً: دلت الآية صراحة على أن إخراج الناس من الظلمات إلى النور أعظم مقاصد الشرع، وأعظم المطالب إيجاد مجتمع مسلم له قيمه العظيمة التي يقوم بها ويؤمن بها ويعتمد عليها، ويشيعها في الناس، قال الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]، فتزكية الناس وتعليمهم مقصد شرعي عظيم للقرآن.

    نبذ الشرك ورد المظالم والبعد عن تعظيم أحد تعظيماً يخرجه عن الحد الشرعي، كل ذلك جاء الشرع به، في المساجد يقول الله: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وفي آية أجمع يقول الله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة:256].

    وفي قضايا العقائد يقول: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:5].

    ومن عظيم مقاصد القرآن كذلك تأسيس مجتمع يكون له ولي أمر مسلم له بيعة في الأعناق، وله طاعة وله سمع، أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].

    مصادر الخلل في فهم مقاصد القرآن

    فهذه أمور حفظها القرآن وجاء بها.

    جاء الخلل في الناس على أمرين:

    الأمر الأول: خلل في قضية المنهج في باب الأسماء والصفات، ولابد أن يعرف أن هناك أسساً ثلاثة قام عليها منهج السلف الصالح في فهم نصوص الأسماء والصفات، وهذه أجملها الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في أضواء البيان فقال:

    الأساس الأول: أن يعلم أنه يجب أن تنزه صفات الله جل وعلا على أن تشابه شيئاً من صفات المخلوقين، ودليل هذا من القرآن: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وقول الله جل وعلا: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4].

    الأساس الثاني الذي قام عليه منهج السلف في فهم الأسماء والصفات: أن نؤمن بما وصف الله به نفسه بأنه لا أحد أعلم بالله من الله، قال الله جل وعلا: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140].

    ويندرج في الثاني: الإيمان بما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا، بأنه لا أحد من الخلق أعلم بصفات الله وأسمائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليله من القرآن: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك الكيفية، فلا يبقى في النفس أي طمع في أن يصل إلى كيفية صفة الله.

    هذا محال، وقطع الطمع مبني على قول الله جل وعلا في حق ذاته العلية: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]، فالإنسان إذا قطع الطمع عن إدراك الكيفية وآمن بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ونزه صفات ربه جل وعلا أن تشابه صفة أحد من الخلق، إذا تحققت هذه الثلاث التي دل عليها القرآن العظيم عرف كيف ينجو في باب الأسماء والصفات.

    الأمر الثاني الذي جاء منه الخلل: النظرة السطحية للقرآن:

    فالنظرة السطحية ينجم عنها أن الإنسان يأتي للألفاظ وحرفيتها ويعتقد أنها هي المراد والمقصد، وهو لا يفقه مقصد القرآن، لأنه لا يملك آلة يراد بها فهم القرآن.

    هذان المنزعان للخلل المنزع الأول وقع فيه فرق مثل المعتزلة وغيرها، وهو أنهم لم يأخذوا منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات.

    وأما عدم فهم مقاصد القرآن فقد وقع فيه الخوارج، فالخوارج يأخذون ظاهر القرآن ويقفون عنده، ولا يدركون ما وراءه، ويستدلون بما هو بمعزل تام عن القضية، فالخوارج الأولون كفروا علياً لأنه قبل التحكيم، وأين فهم الخوارج من فهم علي ؟ ومع ذلك احتجوا عليه بآية لا علاقة لها بالقضية، وهي قول الله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40].

    فقالوا: أنت حكمت الرجال في دين الله، وفي إمارة المؤمنين، فتحكيمك الرجال في دين الله مناف لقول الله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40]، فقال لهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن الله جل وعلا قال في الأرنب: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، فقال: إذا حكم الله جل وعلا الرجال في الصيد، فكيف بأمارة المؤمنين؟!

    إنه أوجب وأفضل، لكنهم وقفوا عند الحرفية.

    والخوارج المعاصرون ليس منزعهم واحداً، فبعضهم دفعه الحقد، وبعضهم دفعه الحسد، وبعضهم دفعه التغرير، وبعضهم دفعه الهوى، لكن بعضهم أفعاله الإجرامية التي تحصل والتي يخططون لها إنما تنجم عن الفهم القاصر في كلام الله تبارك وتعالى، وإتيانهم بنصوص يريدون تطبيقها وهي بعيدة جداً عن مرادها، لكنهم لقلة العلم والبصيرة مع الحقد أو الحسد أو صغر السن وقلة التجربة، أو التغرير أو استخدام من يستخدمهم لأغراضهم؛ نجم عنه ذلك الأمر.

    أما اجتزاء جزء من الآية وإخراجها عن السياق العام، فهو مصنف ضمن عدم فهم مقاصد القرآن، وليس الطبيب الحاذق من يهدم مصراً كاملاً ليبني قصراً، هذا ليس من دين الله في شيء، ودفع أعظم الشرين وتقديم خير الخيرين من أعظم مقاصد الشرع.

    قد يقال: هذه الأربعة شروط هل يمكن لأي إنسان لم يؤت نصيباً من العلم والفقه أن يتحصل عليها، أم أنها خاصة بالعلماء والراسخين في العلم؟

    فنقول: إنها إذا وجدت يوصف صاحبها بأنه راسخ، فمن أدرك لغة العرب وتفرغ للعلم، وأدمن النظر في القرآن، وعرف مقاصده، وقرأ ما دونه الأكابر على منهج السلف ونظر فيما سطره الصالحون الأولون أصبح عالماً حقاً.

    وقبل ذلك لابد -أنا أتكلم عن المفاتيح الإجمالية العامة- من أشياء شخصية، كأن يكون الإنسان ذكياً فطناً ذا بداهة، جعل الله جل وعلا فيه أصل القدرة، ثم أخذ ينمي نفسه وقدراته بطلب العلم.

    يعني: هناك أصول حررها ابن عبد البر عندما تكلم في هذه المسألة، فهناك أصول عظيمة للدين يقرؤها الإنسان ويطلع عليها، ثم ينظر في كل فن ما دونه أهله، ما قاله كباره، ما سطره أئمته، فيستأنس بتلك الأفهام في فهم كلام الله جل وعلا.

    كيف يبدع الإنسان في فهم القرآن

    المقدم: شيخنا الفاضل توقفنا عند فهم مقاصد القرآن، وذكرتم الشروط الأربعة لفهم مقاصد القرآن، البعض يقول: حينما يستمع إلى تفسير معين يجد أنه ليس هناك شيئاً جديداً، فكيف يكون الوصول إلى استنباطات معينة في التفسير تنفع الناس في واقعهم؟

    الشيخ: أصل المسألة أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وقضية الدربة واعتماد الصناعة أمر بيد الله، ولكل ميدان فرسانه.

    وأحياناً يأتي لهذا الميدان شخص ليس من أهله، فلا يصل إلى المرتقى الصعب فيه، لكن على العموم لا نستطيع أن نقول: فلان من أهله وفلان ليس من أهله، هذا ليس لنا وغير لائق، لكن نقول: على المؤمن أن يتقي الله، وأن يعلم أن فهم كلام الله جل وعلا مطلب عظيم، لكن لا يجوز التقدم بين يدي الله ورسوله، والبحث بطرائق يتفق الناس على أنها غير موصلة إليه، فإكمال علم الآلة، وإدراك الإنسان هذا من نفسه وأن له الحق في أن يبحث في علم التفسير، يجعل له ذلك، أما أن يأتيه تطفلاً أو منازعة أو تشبهاً فهذا قد ينجم عنه -عياذاً بالله- ضرر كبير على النفس في الآخرة قبل الأولى.

    1.   

    تطبيق معايير فهم القرآن على آية: (وإذ قال إبراهيم رب أرني...)

    المقدم: قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، كيف نستطيع أن نطبق المعايير التي ذكرتموها في فهم وتدبر القرآن على هذه الآية؟

    الشيخ: إبراهيم عليه السلام خليل الله وأعظم الأنبياء قدراً بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، فيستصحب المفسر هذا الأصل قبل أن يقدم على الآية.

    فالآية لا تتحدث عن رجل يشك في إسلامه، ولا عن رجل ضعيف إيمان، بل تتحدث عن إمام الحنفاء الذي نسب الله الملة إليه، فإذا قال الله عن خليله عليه السلام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260] انقطع إثبات الشك لإبراهيم، فمحال أن ينسب الشك إلى خليل الله عليه السلام.

    سلف الأمة الصالح أدركوا هذا، فلم يقل أحد إن إبراهيم شك في مسألة إحياء الموتى، فنفي الشك عن إبراهيم أول مقصود؛ لأنه إذا نسبنا الشك لإبراهيم فماذا سنقول في آحاد الناس اليوم!

    لكن إبراهيم عليه السلام أعظم الناس قدراً عند ربه بعد نبينا.

    أما معنى الآية فإن إحياء الموتى من أعظم ما تمدح الله به، أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس:77-81].

    وقال جل وعلا: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت:20-21].

    وقال جل وعلا: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:50]، ثم قال: إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى [الروم:50].

    فمن أعظم ما تمدح الله به هذا الوصف العظيم، فأراد إبراهيم أن يصل إلى عين اليقين في هذه المسألة، وهو شيء يراه بعد أن وصل إلى مرحلة حق اليقين، فهي استزادة إيمانية، ليست نابعة من شك، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260] أي: لأرتقي إلى مرحلة عين القين.

    فأجابه الله؛ والله لا يجيب شاكاً، إنما إجابة الله لإبراهيم قرينة على أن الله علم من إبراهيم صدق يقينه، وعظيم إيمانه، فرفع منزلته، بأن أطلعه على آية من آياته: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة:260]، (صرهن إليك) تتضمن جمعهن وذبحهن وتمزيقهن، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة:260]، وهذا شيء محسوس يراه الناس.

    وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:260].

    هنا نأتي إلى مقاصد القرآن، فالقرآن أن يقول: إن إدراك المحسوسات أعظم تأثيراً في النفس من إدراك المعقولات، فالبراهين غير المحسوسة لا تؤثر في النفس كما يؤثر الشيء المحسوس، بدليل أن هذا المثل ضرب وقدم بخليل الله إبراهيم، فإذا كان قد أثر في إبراهيم فكيف بغير إبراهيم، يعني: إبراهيم وصل إلى منزلة عظيمة هي حق اليقين، فرفعه الله بأن أراه آية من آيات الله حتى وصل إلى منزلة عين اليقين.

    بعض أهل العلم -هنا يأتي الاستنباط- فهموا من الآية أن هذا من دلائل علو درجة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهم متفقون على علو درجة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كيف يفهم هذا من الآية؟

    قالوا: إن إبراهيم طلب أن يرى الآيات، أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، أما محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله أراه الآيات من غير طلب، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، فتوقيراً وتعظيماً له صلوات لله وسلامه عليه لم يطلب منه أن يسأل رؤية الآيات، وإنما أعطيت له هذه الآيات ليراها فيصل إلى درجة عين اليقين.

    لكن يستدرك على هذا الرأي أن الله قال في سورة الأنعام: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام:75].

    والذي يتحرر عندي -والعلم عند الله- أن إبراهيم أعطي أشياء من غير طلب، وعليها تحمل آية الأنعام، وأمور طلبها وعليها تحمل آية البقرة، أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يطلب شيئاً، بل أعطيها كلها، وهذا حتى لا يصبح هناك فرق عظيم بين خليل الله إبراهيم وخليله محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد عليه الصلاة والسلام ابن لإبراهيم، فكان يوقر أباه، ولما دخل الكعبة قال: (قاتلهم الله ما لشيخنا وللأزلام)، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم سمى خليل الله إبراهيم شيخه، ولا أعلم في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أحد من الأنبياء إنه شيخه إلا خليل الله إبراهيم عليه السلام.

    المقدم: هل نستفيد من هذا الاستنباط أنه يستخدم الاستدلال بالمحسوسات فيما يتعلق بالعلم التجريبي الآن في الدعوة إلى الله، وفيما يتعلق بالإعجاز العلمي، وأن هذا يعتبر أحد الأسس التي يقوم الإنسان بإيصال الفكرة والرأي إلى الآخرين عن طريق طريقها؟

    الشيخ: الأشياء المحسوسة أمرها محمود، تؤثر في النفوس كثيراً ولا خلاف في هذا ولا نزاع، لكن لا يسند إلى الله شيء إلا على بينة من الأمر، وعلى علم بلغة العرب، لكنكم ذكرتم قضية التجريب.

    التجريب في القرآن يأتي في قضايا الطب، فالطب علم تجريبي، ففرق ما بين التعبد المحض وما بين الطب، فمثلاً ذلك الصحابي الذي قرأ الفاتحة سبع مرات على سيد أولئك القوم فبرئ، لا يوجد آية تقول: من قرأ الفاتحة سبع مرات على ملدوغ فإنه يبرأ من السم، فهذا شيء تجريبي، وأقرته السنة، فقال صلى الله عليه وسلم له: (وما يدريك أنها رقية؟) تعجباً، فثمة آيات جربها العلماء إذا قرئت على مرض معين تبرئ، لكن لا نقول: إن الله قال إن قراءتها تبرئ، ولا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من قرأها برئ، ولا يشترط الإيمان بها، لأن هذه التجربة قد تصح عند تركي ولا تصح عند صالح، وقد تقتنع أنت بها ولا أقتنع أنا بها، فهي تجربة، ثم قد تكون في شخص ولا تكون في شخصين، وقد تكون في ثلاثة ولا تكون في أربعة.

    ولو قرنت التجربة بعدد فلا مانع، لأنه إذا دلت التجربة على أن العدد مقرون فلا يمنع من قبولها، لكن لا تنسب إلى أنها دين، مثلاً الذين يبتلون بالعقم من الرجال، يقولون له: اقرأ قول الله: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء:89] فمن قالها أربعين مرة بقصد الدعاء في إحدى سجداته رزق الولد.

    فإن قال قائل: من أين أتيتم بالأربعين؟

    قلنا: الأربعون مذكورة في القرآن، قال الله تعالى: وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة:51]، هذا واحد.

    ثم إن التجربة دلت عليها، فهناك من جرب هذا وقالها أربعين مرة فرزق بإذن الله، وأنا شخصياً ذكرت هذا لاثنين ممن أعرف بطريقة خاصة، ثم اتصل بي كل منهما وبشرني أنه رزق.

    فالمقصود هنا التجربة، ومع ذلك قد يقولها آخر ولا يرزق، يعني: أنا لم أنسبها إلى الله ولم أنسبها إلى رسوله، ولا يأتي أحد يقول: هذه بدعة، لأن البدعة في العبادات، وأنا لا أتكلم عن عبادة، ولا أتكلم أن هذه قربة إلا بمجملها وكونها دعاء، لكن ما هو الطب؟

    الأطباء يأتون بأمصال ويجربونها المرة بعد المرة على حيوان فيحصلون على نتائج مختلفة حتى ينجحون، ثم إذا ثبت النجاح عندهم أثبتوها، قالوا: هذا ينفع في كذا وكذا، من خلال اجتماع قرائن معينة.

    وقد دلت السنة على علم التجريبي، وهذا استنبطه العلماء من قبل، كما في حديث الإسراء والمعراج، فإن موسى عليه السلام قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني بلوت الناس قبلك) وهذا يعني أن موسى جرب خبر الناس، فعرف أنهم لا يمكن أن يطيقوا خمسين صلاة في اليوم والليلة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم مستفيداً من علم موسى التجريبي الذي نصحه به.

    فقضية التعبد شيء والعبادات شيء، لو جاء إنسان وقال: من سجد وقال في سجوده كذا فله كذا نقول: هذا باطل وليس لك أن تقوله، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، فلابد أن يفرق ما بين الأمر التعبدي والأمر التجريبي.

    مثلاً: قال بعض العلماء: إن قراءة: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:13] على ألم الضرس خاصة يخففه، وهذا قد ينفع مع هذا ولا ينفع مع هذا، قد يكون اعتقاد هذا أقوى من اعتقاد هذا، وقد يخفف عن إنسان بدعاء من غير الآية، فالقضية تكمن في كيفية التعامل مع كلام الله جل وعلا، والعلم عند الله.

    1.   

    تطبيق معايير فهم القرآن على آية: (اليوم أحل لكم الطيبات...)

    المعنى العام للآية

    المقدم: ننتقل الآن إلى الآية الثانية، قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5] ونحن سنأخذ الآية على شكل أقسام، بدايةً نريد المعنى العام للآية؟

    الشيخ: أكمل الله للمسلمين الدين، فقال قبلها بآيات: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3].

    كانوا قد سألوا عن الطيبات: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] إلخ الآيات، ثم بين هنا أن هذا اليوم يوم اكتمال الدين، ويوم لن يكون في غالب الظن بعده نسخ وإن كان الأمر لله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ [المائدة:5].

    يبين الله جل وعلا إكرامه لأهل طاعته، وما أفاءه الله على عباده، فالله يقول والقرآن يؤخذ هكذا جملة: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]، وقال عن أنبيائه ورسله: إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:20].

    فلا يأتي أحد ويقول: إن الجوع مقصود شرعي، وعدم الأكل مقصود شرعي، وعدم النكاح مقصود شرعي: (النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    هدي النبي في الذكر بعد أكل الدباء واللحم واللبن

    المقدم: الطيبات أحلت لأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، فكيف كان تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الطيبات، فنحن نقرأ في السيرة أنه عليه الصلاة والسلام أكل من الدباء، وأيضاً هناك دعاء خاص فيما يتعلق باللبن، وأيضاً هناك دعاء خاص فيما يتعلق باللحم، فما هو هديه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع هذه الطيبات؟

    الشيخ: الأصل أنه عليه الصلاة والسلام لا يتكلف مفقوداً، ولا يرد موجوداً، ولا يعيب طعاماً قط، فإذا لم يعجبه لم يأكله، لكنه لا يعيبه، هذا الأصل.

    أما الدباء فقد ذكر الإمام البخاري رحمة الله عليه في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه أن خياطاً صاحب حرفة دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام، قال أنس : فذهبت معه -بوصفه خادم النبي صلى الله عليه وسلم- فقال رضي الله عنه وأرضاه: (فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء في القصعة، فما زلت أحب الدباء من يومه)، بل جاءت روايات أنه كان يأمر أهله كلما صنعوا له طعاماً أن يجعلوا فيه دباء اقتداء.

    والدباء هو القرع المعروف عند الناس ويطبخ طبخاً، حتى يكون هناك شيء يفيد الإنسان.

    أما اللبن فقد جاء في حديث ابن عباس في سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم سقي لبناً، فكان يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أتي أحدكم بطعام فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأعطنا خيراً منه، وإذا سقي أحدكم لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه).

    هذا يحدث سؤالاً: لماذا اللبن دون غيره؟ فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه: (فإنه ليس شيء يغني عن الطعام والشراب إلا اللبن).

    والله يقول: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66] ، قال بعض العلماء: إنه ما غص أحد باللبن قط؛ لأن الله قال: سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66].

    وأما اللحم فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحم الدجاج، كما في حديث أبي موسى عند البخاري في الصحيح، قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجاً).

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحم الأرنب.

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحم الإبل.

    وضحى صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقرة، أي: في الحج.

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحم الشاة، وكان الذراع والكتف أحب إليه مما سواه من اللحم، ولهذا فاليهود لما أهدوا له شاة تعمدوا أن يجعلوا السم في الكتف والذراع، فأخبرته الذراع أنها مسمومة صلوات الله وسلامه عليه، والله يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    فهذا مجمل ما جاء في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وقد يقول قائل الآن: إنني أعتب على تركي وصالح أنهم أدرجوا السنة ونحن نتكلم عن القرآن؟

    والجواب: نحن قلنا في القواعد -كما مر معنا- أن السلف لم يكونوا يفرقون بين القرآن والسنة، ولا يمكن فهم القرآن من غير السنة، فمن لم يفقه السيرة، ولم يطلع على هديه وأيامه صلى الله عليه وسلم فمحال أن يفقه القرآن، ومما نقل عن الخوارج أنهم يريدون أن يفهموا القرآن بمعزل عن السنة، ولا يمكن أن يفهم القرآن بمعزل عن السنة.

    الوقوع في أكل المحرمات مجانبة للفطرة

    المقدم: قول الله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:5]، فإن الله سبحانه وتعالى أباح للإنسان الطيبات، فدائرة الطيبات دائرة واسعة، فلماذا يتعمد كثير من الناس الدخول في دائرة المحرمات والخبائث من الأطعمة ومن غيرها، مع أن الله سبحانه وتعالى أباح لهم هذه الطيبات؟

    الشيخ: هذه حيدة عن الفطرة موجودة في النفس بسبب تراكم الذنوب، والبعد عن الله، وغلبة الهوى، وإلا فالمحرمات معدودة، يقول الله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام:119]، أما الطيبات فلم يعددها الله، لأنها لا تعد من قبل البشر، أعلم بها، واستقصاؤها صعب.

    حكم الزواج إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين

    المقدم: يقول الله في بقية الآية: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5]، بانتشار الإسلام والدعوة في الأمصار والأقطار دخل كثير من الناس في دين الله أفواجاً، يحصل هناك إشكالية فيما يتعلق بزوجة الذي أسلم، أو بالعكس، أي: إذا هي أسلمت بزوجها، فكيف يكون التعامل فيما بينهم في الأسرة، وإذا كان بينهما أبناء كيف يكون التعاون في مثل هذه القضايا؟

    الشيخ: قال الله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [المائدة:5]، المحصنات هنا بمعنى العفيفات، فلا يجوز الزواج من البغي الزانية لا مسلمة ولا كتابية، إلا المسلمة إذا تابت.

    نأتي للمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود والنصارى، ونبين حكمهم وحكم غيرهم.

    نأتي إلى أقرب مثال في مستشفى الحرس الوطني وهو قضية فصل التوأمين، كان الرجل كامروني الأصل نصرانياً، ثم أسلم لما رأى حسن المعاملة، فلما أسلم ذهب إلى قومه، وكانت زوجته معه، فرأى ما من الله على ابنيه المتصلين كيف فصلا في دولة مسلمة، وكيف أن ولي أمر المسلمين خادم الحرمين وفقه الله تبنى الأمر، ووجد رعاية أثرت فيه فأسلم.

    زوجته لم تسلم في الأول، لكن بلغني أنها أسلمت بعد ذلك، يأتي إشكال الآن ولابد لطالب العلم أن يفقه المسألة:

    الحالة الأولى: إذا أسلم كافران في لحظة واحدة، يبقى زواجهما على حاله، هذه الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: إذا أسلم كافر كتابي أو غير كتابي، لكن التي تحته كتابية، مثل حالة هذا الكامروني، فهو أسلم وزوجته لم تسلم، فماذا نقول؟

    نقول: يبقى الأمر على حاله، لأن المسلم الأصلي يجوز له أن يتزوج كتابية، فمن باب أولى أن يبقى من تزوج كتابية على حاله.

    يعني: لو أن صالحاً أو تركياً أي أحد منا أراد أن يتزوج كتابية فله ذلك بنص القرآن، فإذا جاز هذا للمسلم الأصلي فاستمرار زواج دخل في الإسلام وتحته كتابية من باب أولى، فلا حرج أن يستمر الزواج لأنه يجوز له أن يتزوج كتابية أصلاً، هذه الحالة الثانية.

    الحالة الثالثة: لو حصل العكس: فكانت الزوجة كتابية أو كافرة، والزوج كتابي أو كافر، لكن الإسلام جاء من قبل الزوجة، هنا يجب أن تنفصل عنه، وإذا انفصلت عنه تبقى في العدة، فإذا أسلم وهي في العدة فهل يستمر الزواج أو يحتاج إلى عقد جديد، أو تكون مخيرة فيحق لها ألا تقبله حتى لو أسلم؟

    بكل قال العلماء، والأرجح عندي أنه إذا أسلم في العدة يبقى الزواج كما كان، لكن ينفسخ الزواج لقول الله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].

    الحالة الرابعة: رجل كتابي أو كافر متزوج كافرة من غير أهل الكتاب، فأسلم هو ولم تسلم زوجته، فينفسخ العقد لقول الله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10].

    حكم نكاح الكتابيات بعد تحريف دينهم

    المقدم: ما يتعلق بالنكاح من أهل الكتاب (النصارى واليهود)، بعضهم يقول: إنه قد حرفت ديانتهم فلا يجوز الزواج منهم، فهل يؤخذ بالحكم في وقتنا الحاضر؟

    الشيخ: نزلت الآية وقد كان اليهود والنصارى محرفين لديانتهم، ولم يكونوا على الحق، يعني: اليهود والنصارى المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم كانوا محرفين، لأن الدين الذي جاء به موسى حق، والدين الذي جاء به عيسى حق، لكنهم انحرفوا عن دين الله الذي جاء به موسى، وانحرفوا به عن دين النصارى الذي جاء به عيسى عليه السلام.

    اشتراط العفة في نكاح الكتابية

    المقدم: ذكرتم أن أحد الشروط في الزواج من الكتابية أن تكون عفيفة، وهذا ربما يتعلق بزماننا هذا، مع كثرة حصول العلاقات الغير الشرعية؟

    الشيخ: إن علم أنها تشتغل بالبغي لا يجوز له أن يتزوجها؛ لأن هذه ستصبح أم ولده، قال تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5].

    بعض العلماء يقول: لما نزلت هذه الآية قال بعض نساء أهل الكتاب: لو لم نكن على حق لما أذن الله لأهل الإسلام أن يتزوجوا منا، فأنزل الله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5] أي أن هذه القضية قضية متاع دنيوي، ولا علاقة له بالآخرة والعلم عند الله.

    1.   

    الكلام على آية: (لا خير في كثير من نجواهم) وأثرها في المجتمع

    المقدم: نأتي الآن إلى الآية الثالثة والنموذج الثالث، ولعلنا نأخذ آية قرآنية فيها قصة اجتماعية لها ارتباط بمسجد قباء؟

    الشيخ: إذا قرناها بالسنة، فالسنة جاء فيها في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف -الذين تكلمنا عنهم في الأول- ليصلح بينهم، وهي القصة التي حدث فيها أن أبا بكر رضي الله عنه صلى بالناس، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يصلي بالناس فصلى بهم، وتأخر أبو بكر .

    أما الآية فالله يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] (نجواهم) تعود إلى عموم الناس، أي: أن الأحاديث أكثرها أغاليط وخوض بمحرم لا ينبغي لأهل الإسلام أن يتلبسوا به، ثم استثنى ربنا، قال: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ [النساء:114] والصدقة أول ما تنصرف إلى إعطاء المال لذوي الحاجات، وقال بعض العلماء: ربما يندرج فيها التسبيح والتهليل لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة).

    لكن الأولى صرفها إلى المعنى اللغوي والشرعي في الأظهر، وهو أنها تنصرف إلى الصدقة المعروفة بالمال على المساكين، وقد جاء في فضلها: (الصدقة تطفئ غضب الرب).

    ونحن مقبلون على فصل الشتاء في شدته، وذوو الحاجات من الفقراء والمساكين والأسر يحتاجون إلى أشياء كثر، فلو أن الأثرياء وأصحاب الأموال تصدقوا بدلاً من أن تنفق الأموال فيما لا يرضي الله جل وعلا، أو حتى في مباحات لا يجوز الإكثار منها.

    ويجب أن يكون رب الأسرة صاحب المال عاقلاً، فمال يذهب به إلى الفقراء بنفسه سراً، ومال يعطيه لأبنائه أو لبناته ينفقونه ويجعلهم واسطة بينه وبين الأسر الفقيرة، حتى يربي في أبنائه وبناته فضيلة الصدقة وحبها، فهذا مما ينبغي أن ينشأ عليه أبناء الأثرياء وأبناء الأغنياء.

    والله جل وعلا يبتلي بالفقر ويبتلي بالغنى، وسيسأل الله جل وعلا من ملكه الأموال ثم لم ينفقها، وسيسأل من أنفقها في معصية الله، أو فاخر بها فيما لا يرضي الله.

    البطانيات والسخانات من مطالب الشتاء في الغالب، والأسر لا يمكن أن تعطى هذا في مسجد، أو يعني السائل في مسجد، لكن هناك جمعيات تقوم بهذا، وليس الغرض الآن تزكيتها ولا غير ذلك، لكن أنا أرى أن يقوم الإنسان بالبحث عن هذه الأمور بنفسه ويسأل عنها.

    صحيح أن هناك في بلادنا ولله الحمد جمعيات ومؤسسات كثيرة ومؤتمنة، والتواصل معها تواصل محمود، وهم أهل ثقة لا نزكيهم على الله، وجزاهم الله عنا خير الجزاء، وقد حملوا عنا تبعة عظيمة، لكن أحب إلي أن يصنع الإنسان هذا بنفسه.

    والتطبيق العملي أن يتوخى ذوي قرابته في المقام الأول، هذا قول الله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ [النساء:114].

    قوله: أَوْ مَعْرُوفٍ [النساء:114] كلمة عامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلمتان تجتمعان أحياناً، فإذا اقترن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصبح الأمر بالمعروف الأمر بالخير، والنهي عن المنكر ترك الشر، أما إذا لم تقترنا وقيل (الأمر بالمعروف) كما في الآية هنا لوحده أصبح المعنى يحتمل الأمرين، فكل أمر بالمعروف هو ترك للمنكر.

    بقينا بالإصلاح، قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مضى لبني عمرو بن عوف، فالإصلاح بين الناس من أفضل الأعمال، كما أن السعي في الإفساد من أبغض الأعمال إلى الله، قال الله: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81]، وقال عن أهل معصيته: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205].

    وقد ذكر العلماء بناء على أحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن السعي في الإصلاح بين الناس من أعظم القربات إلى الله، سواء كان ذلك في الأعراض أو في الأموال أو في الدماء، فهذا كله ينبغي للإنسان أن يسعى فيه ويجاهد فيه، فهذا من أقرب ما يتقرب به إلى الله، وقد دل إذنه صلى الله عليه وسلم لمن يسعى بين الناس بالإصلاح أن يكذب على فضيلة هذا العمل.

    أما تعلقها بمسجد قباء فهو أن رسول الله خرج إلى بني عمرو بن عوف وكان بينهم شيء من النزاع، فأصلح صلى الله عليه وسلم بينهم، ووجه الدلالة هو أن إمام المسلمين عليه الصلاة والسلام يترك فريضة العصر في مسجده ويأتي بني عمرو بن عوف ليباشر هذا العمل بنفسه، وهذا فيه دلالة ظاهرة على أنه عمل عظيم، وإلا كان بإمكانه عليه الصلاة والسلام وهو المسموع المطاع أن يبعث أحداً يقوم بهذا الصلح، لكنه قام به بنفسه وأتى بني عمرو بن عوف وأصلح بينهم، ولم يعد إلا وصلاة العصر قد أقيمت.

    ونحن نقطع أن الصحابة رضي الله عنهم أخروها ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم، فلما غلب على ظنهم تأخره قال بلال لـأبي بكر : أقيم وتصلي؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر إماماً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وهم في الركعة الأولى، فلما نبه الناس أبا بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم تأخر أبو بكر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    كيف نستفيد من قراءة القرآن

    المقدم: شيخنا الفاضل! لقد أكلمنا الحديث عن فهم وتدبر معاني القرآن، وما يتعلق بالشروط الأربعة التي ذكرتموها في فهم مقاصد القرآن الكريم، وأخذنا ثلاثة نماذج تطبيقية في هذا السياق.

    يبقى القضية الأهم وهي: ماذا يكون بعد ذلك، أي: ماذا يفعل المشاهد حينما يقرأ القرآن ويتدبر، هل الفائدة الآن أن يختم القرآن، أم يجعل له وقتاً للقراءة التدبرية، هل هناك أفكار معينة في هذا السياق؟

    الشيخ: الأمر الأول: أن يكون هناك انصراف من القلب إلى محبة كلام الله، هذه البذرة الأولى، فإذا وجدت أخذ الإنسان بهذه القواعد، فنظر في لغة العرب، وسأل الله بإلحاح أن يرزقه تدبر القرآن، وقرأ في كتب التفسير التي تسير على منهج سلف الأمة الصالح، مثل: تفسير ابن كثير ، تفسير ابن سعدى ، معالم التنزيل للبغوي ، وفي كل خير، حتى بعض الأخطاء تكون يسيرة عند بعض الأئمة كـالقرطبي رحمة الله عليه وغيره.

    يأخذ الإنسان كتب تفسير يضعها عنده، ويكثر من القراءة فيها حتى يفقه، ويحاول قدر الإمكان أن يخرج منها بنتيجة يقولها لمن حوله، يقرؤها الأب على أبنائه، الوالدة على بناتها، معلمة على طالباتها.

    لا يحاول أن يجعل من القرآن طريق خصومة، لأنك لم تبلغ من المنزلة أن ترد على غيرك، لكن قل ما تراه صواباً، قل ما يغلب على الظن أنه مقصود.

    العناية بالمسائل الإيمانية، وانتقاء الآيات التي تؤثر في النفوس، وتجعل القلوب مفضية إلى ربها، مقبلة على الله منيبة، هذا المقصود الأسمى من القرآن، هذا أمر يجب الانصراف إليه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010368296

    عدد مرات الحفظ

    721936703