اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة القطوف الدانية نور القرآن للشيخ : صالح بن عواد المغامسي


سلسلة القطوف الدانية نور القرآن - (للشيخ : صالح بن عواد المغامسي)
القرآن الكريم حبل الله المتين ونوره الذي يستضيء به المؤمنون، والذي يقرؤه بتدبر وتفكر يعظم انتفاعه به، والتدبر له وسائل لابد من تحقيقها وتعلمها والعمل بها.
تاريخ مسجد قباء

 الحكمة من ابتداء النبي بتأسيس المسجد في المدينة دون غيره
المقدم: نريد أن نختم الكلام على المسجد بذكر فائدة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة بدأ بتأسيس المسجد، ولم يبدأ بتأسيس شيء آخر في الدولة الإسلامية، فهل هناك حكمة من ذلك؟الشيخ: لا حياة للناس إلا بصلتهم بربهم، والرمز الأعظم لأن يصل الناس حالهم بربهم الصلاة، والرمز الأكبر الذي تؤدى فيه الصلاة المساجد، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37].
تدبر القرآن

 كيف يبدع الإنسان في فهم القرآن
المقدم: شيخنا الفاضل توقفنا عند فهم مقاصد القرآن، وذكرتم الشروط الأربعة لفهم مقاصد القرآن، البعض يقول: حينما يستمع إلى تفسير معين يجد أنه ليس هناك شيئاً جديداً، فكيف يكون الوصول إلى استنباطات معينة في التفسير تنفع الناس في واقعهم؟الشيخ: أصل المسألة أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وقضية الدربة واعتماد الصناعة أمر بيد الله، ولكل ميدان فرسانه. وأحياناً يأتي لهذا الميدان شخص ليس من أهله، فلا يصل إلى المرتقى الصعب فيه، لكن على العموم لا نستطيع أن نقول: فلان من أهله وفلان ليس من أهله، هذا ليس لنا وغير لائق، لكن نقول: على المؤمن أن يتقي الله، وأن يعلم أن فهم كلام الله جل وعلا مطلب عظيم، لكن لا يجوز التقدم بين يدي الله ورسوله، والبحث بطرائق يتفق الناس على أنها غير موصلة إليه، فإكمال علم الآلة، وإدراك الإنسان هذا من نفسه وأن له الحق في أن يبحث في علم التفسير، يجعل له ذلك، أما أن يأتيه تطفلاً أو منازعة أو تشبهاً فهذا قد ينجم عنه -عياذاً بالله- ضرر كبير على النفس في الآخرة قبل الأولى.
تطبيق معايير فهم القرآن على آية: (وإذ قال إبراهيم رب أرني...)
المقدم: قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، كيف نستطيع أن نطبق المعايير التي ذكرتموها في فهم وتدبر القرآن على هذه الآية؟الشيخ: إبراهيم عليه السلام خليل الله وأعظم الأنبياء قدراً بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، فيستصحب المفسر هذا الأصل قبل أن يقدم على الآية.فالآية لا تتحدث عن رجل يشك في إسلامه، ولا عن رجل ضعيف إيمان، بل تتحدث عن إمام الحنفاء الذي نسب الله الملة إليه، فإذا قال الله عن خليله عليه السلام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260] انقطع إثبات الشك لإبراهيم، فمحال أن ينسب الشك إلى خليل الله عليه السلام.سلف الأمة الصالح أدركوا هذا، فلم يقل أحد إن إبراهيم شك في مسألة إحياء الموتى، فنفي الشك عن إبراهيم أول مقصود؛ لأنه إذا نسبنا الشك لإبراهيم فماذا سنقول في آحاد الناس اليوم!لكن إبراهيم عليه السلام أعظم الناس قدراً عند ربه بعد نبينا.أما معنى الآية فإن إحياء الموتى من أعظم ما تمدح الله به، أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس:77-81].وقال جل وعلا: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت:20-21].وقال جل وعلا: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:50]، ثم قال: إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى [الروم:50].فمن أعظم ما تمدح الله به هذا الوصف العظيم، فأراد إبراهيم أن يصل إلى عين اليقين في هذه المسألة، وهو شيء يراه بعد أن وصل إلى مرحلة حق اليقين، فهي استزادة إيمانية، ليست نابعة من شك، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260] أي: لأرتقي إلى مرحلة عين القين.فأجابه الله؛ والله لا يجيب شاكاً، إنما إجابة الله لإبراهيم قرينة على أن الله علم من إبراهيم صدق يقينه، وعظيم إيمانه، فرفع منزلته، بأن أطلعه على آية من آياته: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة:260]، (صرهن إليك) تتضمن جمعهن وذبحهن وتمزيقهن، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة:260]، وهذا شيء محسوس يراه الناس.وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:260].هنا نأتي إلى مقاصد القرآن، فالقرآن أن يقول: إن إدراك المحسوسات أعظم تأثيراً في النفس من إدراك المعقولات، فالبراهين غير المحسوسة لا تؤثر في النفس كما يؤثر الشيء المحسوس، بدليل أن هذا المثل ضرب وقدم بخليل الله إبراهيم، فإذا كان قد أثر في إبراهيم فكيف بغير إبراهيم، يعني: إبراهيم وصل إلى منزلة عظيمة هي حق اليقين، فرفعه الله بأن أراه آية من آيات الله حتى وصل إلى منزلة عين اليقين.بعض أهل العلم -هنا يأتي الاستنباط- فهموا من الآية أن هذا من دلائل علو درجة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهم متفقون على علو درجة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كيف يفهم هذا من الآية؟ قالوا: إن إبراهيم طلب أن يرى الآيات، أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة:260]، أما محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله أراه الآيات من غير طلب، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، فتوقيراً وتعظيماً له صلوات لله وسلامه عليه لم يطلب منه أن يسأل رؤية الآيات، وإنما أعطيت له هذه الآيات ليراها فيصل إلى درجة عين اليقين.لكن يستدرك على هذا الرأي أن الله قال في سورة الأنعام: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام:75].والذي يتحرر عندي -والعلم عند الله- أن إبراهيم أعطي أشياء من غير طلب، وعليها تحمل آية الأنعام، وأمور طلبها وعليها تحمل آية البقرة، أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يطلب شيئاً، بل أعطيها كلها، وهذا حتى لا يصبح هناك فرق عظيم بين خليل الله إبراهيم وخليله محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد عليه الصلاة والسلام ابن لإبراهيم، فكان يوقر أباه، ولما دخل الكعبة قال: (قاتلهم الله ما لشيخنا وللأزلام)، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم سمى خليل الله إبراهيم شيخه، ولا أعلم في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أحد من الأنبياء إنه شيخه إلا خليل الله إبراهيم عليه السلام.المقدم: هل نستفيد من هذا الاستنباط أنه يستخدم الاستدلال بالمحسوسات فيما يتعلق بالعلم التجريبي الآن في الدعوة إلى الله، وفيما يتعلق بالإعجاز العلمي، وأن هذا يعتبر أحد الأسس التي يقوم الإنسان بإيصال الفكرة والرأي إلى الآخرين عن طريق طريقها؟ الشيخ: الأشياء المحسوسة أمرها محمود، تؤثر في النفوس كثيراً ولا خلاف في هذا ولا نزاع، لكن لا يسند إلى الله شيء إلا على بينة من الأمر، وعلى علم بلغة العرب، لكنكم ذكرتم قضية التجريب.التجريب في القرآن يأتي في قضايا الطب، فالطب علم تجريبي، ففرق ما بين التعبد المحض وما بين الطب، فمثلاً ذلك الصحابي الذي قرأ الفاتحة سبع مرات على سيد أولئك القوم فبرئ، لا يوجد آية تقول: من قرأ الفاتحة سبع مرات على ملدوغ فإنه يبرأ من السم، فهذا شيء تجريبي، وأقرته السنة، فقال صلى الله عليه وسلم له: (وما يدريك أنها رقية؟) تعجباً، فثمة آيات جربها العلماء إذا قرئت على مرض معين تبرئ، لكن لا نقول: إن الله قال إن قراءتها تبرئ، ولا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من قرأها برئ، ولا يشترط الإيمان بها، لأن هذه التجربة قد تصح عند تركي ولا تصح عند صالح، وقد تقتنع أنت بها ولا أقتنع أنا بها، فهي تجربة، ثم قد تكون في شخص ولا تكون في شخصين، وقد تكون في ثلاثة ولا تكون في أربعة.ولو قرنت التجربة بعدد فلا مانع، لأنه إذا دلت التجربة على أن العدد مقرون فلا يمنع من قبولها، لكن لا تنسب إلى أنها دين، مثلاً الذين يبتلون بالعقم من الرجال، يقولون له: اقرأ قول الله: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء:89] فمن قالها أربعين مرة بقصد الدعاء في إحدى سجداته رزق الولد.فإن قال قائل: من أين أتيتم بالأربعين؟قلنا: الأربعون مذكورة في القرآن، قال الله تعالى: وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة:51]، هذا واحد.ثم إن التجربة دلت عليها، فهناك من جرب هذا وقالها أربعين مرة فرزق بإذن الله، وأنا شخصياً ذكرت هذا لاثنين ممن أعرف بطريقة خاصة، ثم اتصل بي كل منهما وبشرني أنه رزق.فالمقصود هنا التجربة، ومع ذلك قد يقولها آخر ولا يرزق، يعني: أنا لم أنسبها إلى الله ولم أنسبها إلى رسوله، ولا يأتي أحد يقول: هذه بدعة، لأن البدعة في العبادات، وأنا لا أتكلم عن عبادة، ولا أتكلم أن هذه قربة إلا بمجملها وكونها دعاء، لكن ما هو الطب؟الأطباء يأتون بأمصال ويجربونها المرة بعد المرة على حيوان فيحصلون على نتائج مختلفة حتى ينجحون، ثم إذا ثبت النجاح عندهم أثبتوها، قالوا: هذا ينفع في كذا وكذا، من خلال اجتماع قرائن معينة.وقد دلت السنة على علم التجريبي، وهذا استنبطه العلماء من قبل، كما في حديث الإسراء والمعراج، فإن موسى عليه السلام قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني بلوت الناس قبلك) وهذا يعني أن موسى جرب خبر الناس، فعرف أنهم لا يمكن أن يطيقوا خمسين صلاة في اليوم والليلة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم مستفيداً من علم موسى التجريبي الذي نصحه به.فقضية التعبد شيء والعبادات شيء، لو جاء إنسان وقال: من سجد وقال في سجوده كذا فله كذا نقول: هذا باطل وليس لك أن تقوله، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، فلابد أن يفرق ما بين الأمر التعبدي والأمر التجريبي.مثلاً: قال بعض العلماء: إن قراءة: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:13] على ألم الضرس خاصة يخففه، وهذا قد ينفع مع هذا ولا ينفع مع هذا، قد يكون اعتقاد هذا أقوى من اعتقاد هذا، وقد يخفف عن إنسان بدعاء من غير الآية، فالقضية تكمن في كيفية التعامل مع كلام الله جل وعلا، والعلم عند الله.
 كيف يبدع الإنسان في فهم القرآن
المقدم: شيخنا الفاضل توقفنا عند فهم مقاصد القرآن، وذكرتم الشروط الأربعة لفهم مقاصد القرآن، البعض يقول: حينما يستمع إلى تفسير معين يجد أنه ليس هناك شيئاً جديداً، فكيف يكون الوصول إلى استنباطات معينة في التفسير تنفع الناس في واقعهم؟الشيخ: أصل المسألة أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وقضية الدربة واعتماد الصناعة أمر بيد الله، ولكل ميدان فرسانه. وأحياناً يأتي لهذا الميدان شخص ليس من أهله، فلا يصل إلى المرتقى الصعب فيه، لكن على العموم لا نستطيع أن نقول: فلان من أهله وفلان ليس من أهله، هذا ليس لنا وغير لائق، لكن نقول: على المؤمن أن يتقي الله، وأن يعلم أن فهم كلام الله جل وعلا مطلب عظيم، لكن لا يجوز التقدم بين يدي الله ورسوله، والبحث بطرائق يتفق الناس على أنها غير موصلة إليه، فإكمال علم الآلة، وإدراك الإنسان هذا من نفسه وأن له الحق في أن يبحث في علم التفسير، يجعل له ذلك، أما أن يأتيه تطفلاً أو منازعة أو تشبهاً فهذا قد ينجم عنه -عياذاً بالله- ضرر كبير على النفس في الآخرة قبل الأولى.
تطبيق معايير فهم القرآن على آية: (اليوم أحل لكم الطيبات...)

 اشتراط العفة في نكاح الكتابية
المقدم: ذكرتم أن أحد الشروط في الزواج من الكتابية أن تكون عفيفة، وهذا ربما يتعلق بزماننا هذا، مع كثرة حصول العلاقات الغير الشرعية؟الشيخ: إن علم أنها تشتغل بالبغي لا يجوز له أن يتزوجها؛ لأن هذه ستصبح أم ولده، قال تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5].بعض العلماء يقول: لما نزلت هذه الآية قال بعض نساء أهل الكتاب: لو لم نكن على حق لما أذن الله لأهل الإسلام أن يتزوجوا منا، فأنزل الله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5] أي أن هذه القضية قضية متاع دنيوي، ولا علاقة له بالآخرة والعلم عند الله.
الكلام على آية: (لا خير في كثير من نجواهم) وأثرها في المجتمع
المقدم: نأتي الآن إلى الآية الثالثة والنموذج الثالث، ولعلنا نأخذ آية قرآنية فيها قصة اجتماعية لها ارتباط بمسجد قباء؟الشيخ: إذا قرناها بالسنة، فالسنة جاء فيها في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف -الذين تكلمنا عنهم في الأول- ليصلح بينهم، وهي القصة التي حدث فيها أن أبا بكر رضي الله عنه صلى بالناس، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يصلي بالناس فصلى بهم، وتأخر أبو بكر .أما الآية فالله يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] (نجواهم) تعود إلى عموم الناس، أي: أن الأحاديث أكثرها أغاليط وخوض بمحرم لا ينبغي لأهل الإسلام أن يتلبسوا به، ثم استثنى ربنا، قال: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ [النساء:114] والصدقة أول ما تنصرف إلى إعطاء المال لذوي الحاجات، وقال بعض العلماء: ربما يندرج فيها التسبيح والتهليل لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة).لكن الأولى صرفها إلى المعنى اللغوي والشرعي في الأظهر، وهو أنها تنصرف إلى الصدقة المعروفة بالمال على المساكين، وقد جاء في فضلها: (الصدقة تطفئ غضب الرب).ونحن مقبلون على فصل الشتاء في شدته، وذوو الحاجات من الفقراء والمساكين والأسر يحتاجون إلى أشياء كثر، فلو أن الأثرياء وأصحاب الأموال تصدقوا بدلاً من أن تنفق الأموال فيما لا يرضي الله جل وعلا، أو حتى في مباحات لا يجوز الإكثار منها.ويجب أن يكون رب الأسرة صاحب المال عاقلاً، فمال يذهب به إلى الفقراء بنفسه سراً، ومال يعطيه لأبنائه أو لبناته ينفقونه ويجعلهم واسطة بينه وبين الأسر الفقيرة، حتى يربي في أبنائه وبناته فضيلة الصدقة وحبها، فهذا مما ينبغي أن ينشأ عليه أبناء الأثرياء وأبناء الأغنياء.والله جل وعلا يبتلي بالفقر ويبتلي بالغنى، وسيسأل الله جل وعلا من ملكه الأموال ثم لم ينفقها، وسيسأل من أنفقها في معصية الله، أو فاخر بها فيما لا يرضي الله.البطانيات والسخانات من مطالب الشتاء في الغالب، والأسر لا يمكن أن تعطى هذا في مسجد، أو يعني السائل في مسجد، لكن هناك جمعيات تقوم بهذا، وليس الغرض الآن تزكيتها ولا غير ذلك، لكن أنا أرى أن يقوم الإنسان بالبحث عن هذه الأمور بنفسه ويسأل عنها.صحيح أن هناك في بلادنا ولله الحمد جمعيات ومؤسسات كثيرة ومؤتمنة، والتواصل معها تواصل محمود، وهم أهل ثقة لا نزكيهم على الله، وجزاهم الله عنا خير الجزاء، وقد حملوا عنا تبعة عظيمة، لكن أحب إلي أن يصنع الإنسان هذا بنفسه.والتطبيق العملي أن يتوخى ذوي قرابته في المقام الأول، هذا قول الله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ [النساء:114].قوله: أَوْ مَعْرُوفٍ [النساء:114] كلمة عامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلمتان تجتمعان أحياناً، فإذا اقترن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصبح الأمر بالمعروف الأمر بالخير، والنهي عن المنكر ترك الشر، أما إذا لم تقترنا وقيل (الأمر بالمعروف) كما في الآية هنا لوحده أصبح المعنى يحتمل الأمرين، فكل أمر بالمعروف هو ترك للمنكر.بقينا بالإصلاح، قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مضى لبني عمرو بن عوف، فالإصلاح بين الناس من أفضل الأعمال، كما أن السعي في الإفساد من أبغض الأعمال إلى الله، قال الله: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81]، وقال عن أهل معصيته: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205].وقد ذكر العلماء بناء على أحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن السعي في الإصلاح بين الناس من أعظم القربات إلى الله، سواء كان ذلك في الأعراض أو في الأموال أو في الدماء، فهذا كله ينبغي للإنسان أن يسعى فيه ويجاهد فيه، فهذا من أقرب ما يتقرب به إلى الله، وقد دل إذنه صلى الله عليه وسلم لمن يسعى بين الناس بالإصلاح أن يكذب على فضيلة هذا العمل.أما تعلقها بمسجد قباء فهو أن رسول الله خرج إلى بني عمرو بن عوف وكان بينهم شيء من النزاع، فأصلح صلى الله عليه وسلم بينهم، ووجه الدلالة هو أن إمام المسلمين عليه الصلاة والسلام يترك فريضة العصر في مسجده ويأتي بني عمرو بن عوف ليباشر هذا العمل بنفسه، وهذا فيه دلالة ظاهرة على أنه عمل عظيم، وإلا كان بإمكانه عليه الصلاة والسلام وهو المسموع المطاع أن يبعث أحداً يقوم بهذا الصلح، لكنه قام به بنفسه وأتى بني عمرو بن عوف وأصلح بينهم، ولم يعد إلا وصلاة العصر قد أقيمت.ونحن نقطع أن الصحابة رضي الله عنهم أخروها ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم، فلما غلب على ظنهم تأخره قال بلال لـأبي بكر : أقيم وتصلي؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر إماماً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وهم في الركعة الأولى، فلما نبه الناس أبا بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم تأخر أبو بكر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 اشتراط العفة في نكاح الكتابية
المقدم: ذكرتم أن أحد الشروط في الزواج من الكتابية أن تكون عفيفة، وهذا ربما يتعلق بزماننا هذا، مع كثرة حصول العلاقات الغير الشرعية؟الشيخ: إن علم أنها تشتغل بالبغي لا يجوز له أن يتزوجها؛ لأن هذه ستصبح أم ولده، قال تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5].بعض العلماء يقول: لما نزلت هذه الآية قال بعض نساء أهل الكتاب: لو لم نكن على حق لما أذن الله لأهل الإسلام أن يتزوجوا منا، فأنزل الله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5] أي أن هذه القضية قضية متاع دنيوي، ولا علاقة له بالآخرة والعلم عند الله.
كيف نستفيد من قراءة القرآن
المقدم: شيخنا الفاضل! لقد أكلمنا الحديث عن فهم وتدبر معاني القرآن، وما يتعلق بالشروط الأربعة التي ذكرتموها في فهم مقاصد القرآن الكريم، وأخذنا ثلاثة نماذج تطبيقية في هذا السياق.يبقى القضية الأهم وهي: ماذا يكون بعد ذلك، أي: ماذا يفعل المشاهد حينما يقرأ القرآن ويتدبر، هل الفائدة الآن أن يختم القرآن، أم يجعل له وقتاً للقراءة التدبرية، هل هناك أفكار معينة في هذا السياق؟الشيخ: الأمر الأول: أن يكون هناك انصراف من القلب إلى محبة كلام الله، هذه البذرة الأولى، فإذا وجدت أخذ الإنسان بهذه القواعد، فنظر في لغة العرب، وسأل الله بإلحاح أن يرزقه تدبر القرآن، وقرأ في كتب التفسير التي تسير على منهج سلف الأمة الصالح، مثل: تفسير ابن كثير ، تفسير ابن سعدى ، معالم التنزيل للبغوي ، وفي كل خير، حتى بعض الأخطاء تكون يسيرة عند بعض الأئمة كـالقرطبي رحمة الله عليه وغيره.يأخذ الإنسان كتب تفسير يضعها عنده، ويكثر من القراءة فيها حتى يفقه، ويحاول قدر الإمكان أن يخرج منها بنتيجة يقولها لمن حوله، يقرؤها الأب على أبنائه، الوالدة على بناتها، معلمة على طالباتها.لا يحاول أن يجعل من القرآن طريق خصومة، لأنك لم تبلغ من المنزلة أن ترد على غيرك، لكن قل ما تراه صواباً، قل ما يغلب على الظن أنه مقصود.العناية بالمسائل الإيمانية، وانتقاء الآيات التي تؤثر في النفوس، وتجعل القلوب مفضية إلى ربها، مقبلة على الله منيبة، هذا المقصود الأسمى من القرآن، هذا أمر يجب الانصراف إليه.
 اشتراط العفة في نكاح الكتابية
المقدم: ذكرتم أن أحد الشروط في الزواج من الكتابية أن تكون عفيفة، وهذا ربما يتعلق بزماننا هذا، مع كثرة حصول العلاقات الغير الشرعية؟الشيخ: إن علم أنها تشتغل بالبغي لا يجوز له أن يتزوجها؛ لأن هذه ستصبح أم ولده، قال تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5].بعض العلماء يقول: لما نزلت هذه الآية قال بعض نساء أهل الكتاب: لو لم نكن على حق لما أذن الله لأهل الإسلام أن يتزوجوا منا، فأنزل الله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5] أي أن هذه القضية قضية متاع دنيوي، ولا علاقة له بالآخرة والعلم عند الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة القطوف الدانية نور القرآن للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

http://audio.islamweb.net