إسلام ويب

صور من حياة الصحابةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دور الجندي المسلم دور كبير، فهو الذي يجاهد في سبيل الله دفاعاً عن الدين والوطن، وهو الذي تعلق عليه الأمة آمالها، وتنظر إليه أكبر مما يتصور هو، لكن لا بد للجندي من الإيمان حتى يؤدي رسالته، وأن يحترز من الشبهات والشهوات، وأن يجعل قدوته صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أهمية الإيمان

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، واتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

    والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، صلى الله على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    إن كان لي من شكر فأشكر الله تبارك وتعالى، ثم أشكر أهل الفضل وعلى رأسهم عميد هذه الكلية، وأشكركم على بشاشتكم وحسن استقبالكم، وعلى إيمانكم وحبكم وطموحكم، لأنكم أنتم أمة الإيمان والحب والطموح، أنتم أمة الأصالة، يوم لا يكون في الدنيا إلا أصالتكم وإلا حبكم وطموحكم.

    وكلمتي هذه موجهة إلى الجندي المسلم.

    وجندي بلا إسلام شخص لا حقيقة له.

    وعين بلا إيمان مقلة عمياء.

    وقلب بلا إيمان قطعة من اللحم.

    وكتيبة بلا إيمان قطيع من البهائم.

    وعالم بلا إيمان أرض ملعونة.

    وقطاع بلا إيمان قطاع مغضوب عليه.

    والإيمان هو أكبر قضية أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس بلا إيمان -عسكريين أو مدنيين، بريين أو بحريين- معناه أنهم يعلنون التمرد على الله والفشل والانهزامية، ورسالة الإيمان هي رسالتنا يوم نعيش بها مؤمنين ومؤدين لها إلى الناس، قال الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] ومحمد إقبال يحيي الإيمان يوم يسار به على البحار، وأنا أتكلم اليوم عن البحار؛ لأنني أمام كتائب تتوجه بالدعوة على متن البحر، لتوصل الدعوة الإسلامية إلى الذين لا يعرفون أن وراء البحر مسلمين، يوم يقف عقبة بن نافع على المحيط الأطلنطي فيخاطب لفرسه، وقد ملأ قلبه بالإيمان، يقول: والله الذي لا إله إلا هو؛ لو أعلم أن وراء هذا المحيط أرضاً تقبل الإسلام لخضت بفرسي هذا المحيط لأبلغ دعوة الله. وفي هذا الموقف يقول شاعر الباكستان محمد إقبال:

    من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك     فوق هامات النجوم منارا

    كنا جبالاً في الجبال وربما     سرنا على موج البحار بحارا

    نحن أمة لا إله إلا الله، وبعثنا للبشرية لا لنبني قصوراً، ولا سياجاً، ولا لنقدم طعاماً وشراباً، بعثنا لنأخذ البشر من النار وندخلهم الجنة، بعثنا لنسجد البشر لرب البشر سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    أرواحنا يا رب فوق أكفنا     نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها     سجداتنا والأرض تقذف نارا

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً [الزخرف:33-35] أي: ذهباً.

    إن الذهب رخيص، إن الدنيا رخيصة إذا سلمت للكافر، وإن مقصد المسلم لا ليتسلم الدنيا للدنيا، ولكن ليتسلم الدنيا لله وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35] أتينا إلى العالم، والعالم مليء بالذهب والفضة والدراهم والدنانير، كسرى أنوشروان حاكم فارس بقي في إيوانه يحكم العالم مدة طويلة من الزمن، كان ينظر إلينا نحن العرب على أننا أمة بدوية، أمة رعي، أمة ماشية، أمة يقتل الواحد منهم أخاه على مشرب الناقة وعلى الشاة، ولذلك امتن الله علينا نحن العرب أمة الرسالة فقال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] إي والله، ضلال التبعية والانهزامية، ضلال التخلف والرجعية، ضلال الفكر العفن والشرك والانحياد والكفر، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كان يحفر الخندق بعد عشر سنوات أو أكثر من دعوته وعلى بطنه حجران من الجوع صلى الله عليه وسلم، فيأخذ المعول ويضرب به الصخرة، فيرى شظايا من الضياء والنور في السماء، فيقول الصحابة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: لقد بشرني ربي بفتح قصور كسرى، قال المنافقون: كسرى أنوشروان؟ قال: كسرى أنوشروان، فيقول المنافق: نحن لا نستطيع أن نذهب لحاجتنا من الكفار وتبشرنا بقصور كسرى وقيصر! وقالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12] ولكن بعد خمس وعشرين سنة بل أقل من خمس وعشرين سنة ذهب الصحابة ليقولوا لكسرى: انزل من على هذا المنبر فإنك دجال في الأرض، إنك عميل وثني لا تستطيع قيادة البشرية، فأنزلوه.

    1.   

    معركة القادسية

    يأتي الصحابة في القادسية وهم ثلاثون ألفاً، ويقابلهم من فارس العجم الكافر مائتان وثمانون ألفاً، ونحن لم نقاتل الناس بقوات، كنا نقاتلهم بإيمان مع نسب من القوة كما قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ [الأنفال:60] وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    يأتي سعد بثلاثين ألفاً لكن الواحد منهم يحمل إيماناً بالله العظيم، يقدم دمه قبل جسمه في المعركة، يقدم روحه لله، يحمل روحه على كفيه، وكان هذا الدين أحب ما في الأرض كلها إليه، يحضر المعركة فيأخذ غمد سيفه فيكسره على ركبته ويقول: يا رب! أسألك أن تأخذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، هذه أمة الحب والإيمان والطموح، يصلي بهم سعد رضي الله عنه قبل المعركة، وكانوا ثلاثين ألفاً كما أسلفت، يكبر فيكبرون، ويركع فيركعون، ويرفع فيرفعون، فينظر رستم قائد فارس وهم مائتان وثمانون ألفاً فيغضب ويقول: علم محمد الكلاب الأدب. يقصد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    كنا أمة مبعثرة متخلفة، لكن علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نأخذ المجد، وقبل المعركة يقول رستم لأحد جواسيسه وعيونه واستخباراته: اذهب في الليل وادخل في جيش المسلمين، ثم تعال وادخل في الليل في جيشي؛ لترى ماذا يصنع الجيشان.

    فذهب هذا الجندي الفارسي العجمي الوثني فدخل في جيش المسلمين.

    ماذا سوف يجد جيش المسلمين؟ إنه سيجد عباداً.

    عباد ليل إذا جن الظلام بهم     كم عابد دمعه في الخد أجراه

    وأسد غاب إذ نادى الجهاد بهم     هبوا إلى الموت يستجدون لقياه

    يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً     يشيدون لنا مجداً أضعناه

    إنه مجد أضعناه يوم تأخرنا في آخر ركب الأمم، والله إنه لمجد خسرناه يوم تقهقرنا، وأصبح إخوان القردة والخنازير من إسرائيل وأمثال إسرائيل تغطي شمسنا بطائرات الميراج، كما يقول شاعر العرب:

    فأطفأت شهب الميراج أنجمنا     وشمسنا وتحدت نارها الخطب

    شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها     الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا

    لكن المسلم في ذاك الزمن يقول: لابد أن تحكم شريعة الله عز وجل.

    وقبل العركة وصل هذا الفارسي ودخل في جيش المسلمين، فوجد هذا يتلو كتاب الله في الليل قبل المعركة بليلة، ووجد حلقة هنا تتدارس الحديث ويتباكون على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ووجد نفراً آخر يستعد للمعركة يريش السهم ويبريه،ويرفع السيف ويحاذيه، وينكت الرمح ويوازيه؛ ليستعدون للقاء الله، ووجد سعداً مع أركان قيادته يجتمع اجتماعاً خاصاً ليكثر الدعاء والإلحاح على الله، فالنصر لا يأتي إلا من عند الواحد الأحد، النصر يأتي من فوق سبع سماوات، النصر والتمكين في الأرض من الله عز وجل، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41] ثم خرج هذا الجندي الفارسي إلى جيش فارس؛ فوجد هذا الجندي جندياً سكران ولهان وكأس الخمر بيده، غارق في المعصية، وإذا عصي الله في الأرض، مقت وأخزى ولعن سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ووجد جندياً آخر يشارك فتاة في الفاحشة، ورأى بقية الجنود وهم سكارى وما هم بسكارى ولكنهم في نوم عميق.

    ورجع إلى رستم القائد الأعلى فأخبره، فعض أنامله وأخذ يتلوم على أصابعه ويقول: الهزيمة الهزيمة، سلام على العراق لا عراق بعد اليوم.

    لقد عرف نتيجة المعركة قبل المعركة، وأتى سعد بن أبي وقاص في الصباح، الذي قام في الليل فلبس أكفانه من تحت الثياب، يقول محمد إقبال وهو يتكلم في جيش أفغانستان يوم زار ظاهر شاه:

    كنا نرى الأصنام من ذهب     فنهدمها ونهدم من فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنزاً وصاغ الكنز والديناراً

    أرواحنا يا رب فوق أكفنا     نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    قبل المعركة

    وقبل المعركة بساعات قال رستم: انتظر يا سعد قليلاً.

    قال: ماذا تريد؟

    قال: أرسل إلي جندياً من جنودك أتكلم معه. لينظر ما لهذه الأمة أمة الصحراء أمة الضب تخرج من الجزيرة العربية تريد أن تأخذ أعظم دولتين في الدنيا وتبتلعها، ماذا طرأ عليهم؟ أتغيرت مستوياتهم؟ لا. لكن سكب في قلوبهم الإيمان، أي قوة وأي جيش وأي كتيبة وأي بحرية بلا إيمان لا يفرح بها أبداً، إذا بقينا بلا إيمان فسوف نتساوى مع الناس في الروح المعنوية، ثم يتغلبون علينا بقوتهم ومادتهم.

    قال سعد لـربعي بن عامر وكان عمره ثلاثين سنة: اذهب إلى رستم وقابله، فلما أتى إلى رستم أراد أن يرهبه حتى يتلعثم ولا يستطيع أن يتكلم، فجلس رستم مع أعضاء القيادة، مع الوزراء، والبطارقة، وصف الذهب والفضة ليرهب هذا العدو.

    نحن لسنا أمة ذهب ولا فضة، نحن أمة معنويات صارخة تتحدى الباطل، فوقف ربعي أمامه، فقال رستم: ما الذي جاء بكم؟

    قال: جئنا لنفتح الدنيا!

    ما أحسن الكلمة! كأنها قذيفة، جئنا لنفتح الدنيا. فضحك رستم وضحك من حوله وقال: تفتحون الدنيا بهذا الفرس الهزيل وبهذا الرمح المثلم وبهذه الثياب الممزقة؟

    قال ربعي وكان كالأسد في وسط البلاط: نعم. إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فلما سمع هذه الكلمات غضب وحلف بآلهته ألا يخرج حتى يحمل تراباً، فحمل على رأسه التراب ودخل به على القائد الأعلى سعد بن أبي وقاص، فتبسم سعد وفرح لما رأى التراب وهي بشائر النصر، وقال وعيناه تدمع: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان:25-27] وبعد ثلاثة أيام اجتاح الحق الباطل ودمر جيش الكفر جميعاً، ودخل المسلمون المدائن وأتى سعد إلى قصر العمالة والضلالة، إيوان كسرى وقال وهو يكبر: الله أكبر. فانصدع الإيوان، ثم قال سعد مرة ثانية: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان:25-27].

    عزة المسلم

    جاء الجاهليون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كنت تريد زوجة زوجناك، وإن كنت تريد عطاءً أعطيناك. قال: لا.

    وفي أثر عنه أنه يقول: [[والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه]] وبالفعل بعد ثلاثين سنة أشرف جيشنا على نهر اللوار، وعلى نهر الجنج وسمرقند وبخارى وتركستان، وأخذ خطيـبنا يتكلم على منبر السند، ووقفنا على ضفاف نهر اللوار في فرنسا، يقول الغافقي وهو يخاطب الماء: يا نهر أوراءك قوم؟ ولكن الماء لا يتكلم. هذه رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم يريد إنقاذ العالم.

    1.   

    معركة أحد

    يأتي صلى الله عليه وسلم في معركة أحد بجنود، ولكن كل واحد منهم قرآن يسير على الأرض، والجندي يوم تغرس في قلبه شجرة الإيمان تؤتي أكلها في كل حين بإذن ربها، فهو منضبط مع قيادته، وهو طائع لرياسته، وهو واعٍ لمصيره ومستقبله، وهو حافظ لأمانة أمره، وهو طائع لولاة بلاده، ويوم يتخلى الجندي أو الفرد أو أي مستوى من الناس عن إيمانه فهو خائن مع الله، خائن مع رسول الله، خائن مع دين الله، خائن مع ولاة أموره، خائن مع بلاده وقادته، لأن هذا الإيمان يربطك بالله الواحد الأحد، ثم يربطك بالإسلام ديناً، ثم يربطك بولاة أمور المسلمين، ثم يعلمك الآداب والخلق والحب والإيمان والطموح.

    الخروج إلى المعركة

    أتى صلى الله عليه وسلم في معركة أحد فقال: نقاتل الأعداء داخل المدينة، لأن أبا سفيان أتى بجيش يريد اقتحام عاصمة الإسلام، قال: نريد أن نقاتلهم داخل المدينة، فقام أحد الجنود الذين تربوا على سورة آل عمران وسورة البقرة.

    وجيل لا يتربى على هذه السور وعلى هذا المصحف. سوف يكون جيلاً ضعيفاً مهزوماً ضئيلاً متخلفاً، فقام هذا الجندي يبكي وهو شاب في العشرين وقال: يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، اخرج بنا إلى الأعداء، فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة. فيتبسم عليه الصلاة والسلام ويقول: بم تدخل الجنة؟ -بشهادة أم بمؤهل أم برتبة عسكرية؟ لم يقلها الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذه افتراضات- قال: بماذا تدخل الجنة؟ قال: بخصلتين اثنتين قال: ما هما؟

    قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، فقال صلى الله عليه وسلم إن تصدق الله يصدقك. إن كان الله يعلم أنك تريد هذا المبدأ فوالله لتجدن الشهادة ولتذوقنها، ووصل المسلمون إلى أحد قريباً من المدينة، وهذا الرجل الذي يحب الله ورسوله قلبه معه ولا يفر يوم الزحف، ولبس هذا الجندي أكفانه، والله يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] ويقول سبحانه: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] فلما وصلوا إلى هناك أتى هذا الجندي فقاتل حتى قتل، وتفقد صلى الله عليه وسلم جنوده البواسل، فوجد هذا الجندي صريعاً على التراب، فقبله وبكى عليه وقال: صدقت الله فصدقك الله.

    عبد الله بن عمرو الأنصاري يحضر المعركة فيكسر غمد سيفه، وكسر الغمد عند العرب معناه ساعة الصفر، خطر ممنوع الاقتراب، معناه أنه لا يريد الحياة ولا يريد أن يرجع مرة ثانية، ثم التفت إلى السماء وقال: يا رب! إن كنت تعلم أني أحبك فخذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى.

    يجود بالنفس إن ضن البخيل بها     والجود بالنفس أعلى غاية الجود

    إن كثيراً من الناس اليوم يسمونهم في الساحة شهداء الفن، شهداء المسرح، والله إنهم شهداء الضلالة والعمالة، شهداء التخلف والتبعية، شهداء الفكر والفن العفن الذي ما عرف الله، شهيد يموت على فتاة! شهيد يقتل على كأس! شهيد على مسرح!

    إن الشهيد هو الذي يموت للمبادئ الأصيلة، لترتفع لا إله إلا الله محمد رسول الله في الأرض.

    قال: خذ من دمي اليوم حتى ترضى، فضرب لكنه ما طعن بوخزة، إنما طعن بثمانين بل أكثر، قال أنس أكثر من ثمانين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فألقى جثمانه لكن روحه: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    1.   

    تربية الروح

    يا أيها الجندي المسلم إن هذه الروح لابد أن تهتم بها أكثر مما تهتم بالجسم، لقد وجد في أوساطنا -يا أيها الجنود البواسل- من يهتم بجسمه ونظارته وملابسه وقصره وسيارته أعظم مما يهتم بروحه.

    يقول أحد المربين واسمه أبو الفتح:

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته     أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح فاستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    والله عز وجل لا ينظر إلا إلى القلوب، جاء في صحيح مسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم) هذا القلب يوم أن يصدق ويخلص إيمانه يرزقه الله أكثر مما يتمنى.

    قتل عبد الله بن عمرو بن حرام بثمانين ضربة، فأتى ابنه يبكي وهو مقتول فقال عليه الصلاة والسلام: (ابك أو لا تبك على أبيك، والذي نفسي بيده، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعته) ثم قال عليه الصلاة والسلام: (يا جابر! والذي نفسي بيده لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان) والحديث حسن، فيقول الله لهذا الجندي الذي قتل شهيداً: تمن علي فيقول: -وانظر إلى الأمنية- أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون فتمن. قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال الله عز وجل: فإني أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبدا، فجعل الله روحه وأرواح إخوانه في حواصل طير ترد الجنة فتشرب من مائها وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    ومن الذي باع الحياة رخيصة     ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

    أم من رمى نار المجوس فأطفئت     وأبان وجه الصبح أبيض نيرا

    ومن الألى دكوا بعزم أكفهم     باب المدينة يوم غزوة خيبرا

    1.   

    تذكير بالماضي

    يا أيها الأمة الخالدة! يا أبناء الذين حملوا الهداية للبشرية! أجدادكم ماتوا على ضفاف نهر اللوار ونهر الجنج وسمرقند، أجدادكم رفعوا لا إله إلا الله، قتيبة بن مسلم يدخل كابل، كابل التي أبى الشيوعي أن يتركها، كابل التي هدمها الشيوعي بطائراته وبزحفه الأحمر وبدباباته، وهدم مساجدها، وقتل أطفالها، ومزق أعراضها، لأنه ما وجد مثل قتيبة يحمل الإيمان والحب والطموح.

    وقف القائد المسلم قتيبة الباهلي على كابل يحاصرها، فلما انتظر وبقي على المعركة يوم أو يوم ونصف، قال: أين محمد بن واسع؟ محمد بن واسع العابد الزاهد خرج مع الجيش، قالوا: لا ندري أين هو. قال: اخرجوا والتمسوا لي محمد بن واسع، فإني أرجو الله أن ينصرنا بفضله ثم بدعاء هذا الرجل الصالح.

    عرف قتيبة أنه لا يمكن أن يدخل هذه المدينة ويخترق الأسوار إلا بدعاء الصالحين، فالتمسوا محمد بن واسع فوجدوه يصلي الضحى، وقد وضع رمحه ورفع سبابته إلى الحي القيوم الذي ينزل النصر، فرجعوا إلى قتيبة فأخبروه الخبر، فدمعت عينا قتيبة وقال: والله الذي لا إله إلا هو! لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير ومن مائة ألف شاب طرير. لماذا؟ لأن النصر من عند الله، وانهزم أعداء الله ودخل قتيبة كابل.

    ثم رجع الناس يخبرون الخلفاء، فيقول أحد العلماء: من القتلى؟ قالوا: فلان وفلان وفلان وأناس لا نعرفهم. فبكى هذا العالم وقال: ولكن الله يعرفهم.

    1.   

    تبليغ الدين للبشرية

    أنتم أبناء الذين حملوا الإيمان للبشرية، إن البشرية لا تنتظر منا صناعة، فلقد بلغوا من الصناعة ما بلغوا، بنوا لنا هذه الصالات، وقدموا لنا هذه الماسات وهذه الطاقات وهذه الخدمات، فهم شهدوا وتفوقوا في الشهود.

    منهم أخذنا العود والسيجارة     وما عرفنا نصنع السيارة

    من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا

    من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك

    من الذي ناصر إسرائيلا     حتى تصب عنفها الوبيلا

    إنهم ينتظرون منا إيماناً ينقذون به أنفسهم من النار، يقول كريسي موريسون الأمريكي، في كتاب الإنسان لا يقوم وحده: يا أيها المسلمون! لقد قدمنا لكم ملاذ الحياة، البرادة والسخانة والثلاجة، ولكنكم ما قدمتم لنا غذاء الروح الذي هو الإيمان، وقفت البشرية وجربت نفسها وأحرقت أوراقها في الساحة، فما وجدت لها منقذاً إلا الله الواحد الأحد.

    قال ابن تيمية: أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وقلب لا يشرق عليه شمس هذا الدين فهو قلب مغضوب عليه، ومن اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به محمداً عليه الصلاة والسلام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين كائناً من كان، لأن معناه أنه يخالف العقل والنقل والحس والعادة، فلا والله ليس هناك منقذ إلا الإيمان، تحملونه رسالة، فإن علومنا هذه رسائل، وغايتنا أن نرفع لا إله إلا الله محمد رسول الله في الأرض.

    ولقد جربت الساحة المذاهب الضالة، كان تيتو في يوغسلافيا يريد أن يبعث بعثاً جديداً في العالم ويكون رئيسهم، فسحق لأنه ضال، وأحرق الشباب في أتون الحرب، وأتى هتلر قبله النازي المجرم، فذبح الناس بالحديد والنار؛ لأنه لا يريد بقاء الإنسان وحياة الإنسان.

    قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا     شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا

    هم القتلة، ولذلك نظموا منظمة اليونسكو وقالوا: لحفظ حقوق الإنسان، قاتلكم الله، أتحفظون حقوق الإنسان وأنتم الذين ضيعتم حقوق الإنسان؟! والله لا يحفظ حقوق الإنسان إلا الجندي المسلم يوم يملأ قلبه بالإيمان.

    أفريقيا تسحق، أفغانستان تسحق، فلسطين تسحق، وإذا قتل كلب في أمريكا احتجوا وعقدوا مجلس الأمن أو هيئة الأمم المتحدة.

    أنتم الأمة الخالدة، إنقاذ العالم على أيديكم لكن بشرط أن تتقوا الواحد الأحد.

    المعاصي تسحقنا وتدمرنا وتؤخرنا، وتطمس ذكاءنا وفهمنا ومعارفنا.

    يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد

    كفرت بمجلس أمن من      نصب المنايا للعباد

    القاتلو الإنسان خابوا مالهم إلا الرماد

    جثث البرايا منهمو في كل رابية وواد

    إن حياة الإنسان مرهونة بكم، ولكن أنتم مرهونون بالإيمان.

    1.   

    مرض الشبهات

    والذي أريد أن أقوله في ختام هذه الكلمة مسألتان:

    الأولى: مرض الشبهات. الله الله في الانتباه لهذا المرض، فهو مرض خطير فتاك، ولكنه يودي بالدين وتصبح بعده صفراً في عالم الإيمان والأخلاق والسلوك.

    الشبهات مركب إلحادي

    ومرض الشبهات مركب إلحادي دبر من عهد إبليس لعنه الله، ومر بفرعون وبـأبي جهل ووصل إلى استالين ولينين وماركس في روسيا، وهو مركب فصل الإنسان عن الله الواحد الأحد، تنكر الإنسان لربه تبارك وتعالى، جهل الإنسان بدينه وصلاته، مسلم لكنه لا يصلي، أهو مسلم؟ أيراد منه خير ونصر؟ لا والله، إنما هو التدهور لكل بلادٍ فيها هذا الجندي، وخيانة لكل القادة ولولاة الأمر، وانحراف عن منهج الله في الأرض.

    مركب الإلحاد هو الذي وزع هذه الكلمات التي تستهزئ بالدين، مركب الإلحاد أرانا الكافر وكأنه عظيم والمسلم ليس بعظيم، أرانا الأجنبي وهو شيء آخر؛ كأنه ملك يمشى على الأرض؛ لأنه أتى من أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا.

    أرانا الأجنبي وكأن عقله ليس من عقول الناس، يحترم وينظر إليه بعلو؛ لأننا ننظر إلى أنفسنا وكأن ما عندنا شيء، مع أن عندنا كل شيء، وهذا ليس عنده شيء، يقول الله تعالى كما أسلفت في الآية: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف:33] يقول: يا أيها المؤمنون! لا تغتروا بعلو الكافر في الأرض، فإنه لولا أن المؤمن قد ينحرف لأعطينا الكافر قصوراً من ذهب خالصٍ ومن فضة خالصة: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35] اترك الكافر يأخذ ما يريد ويتملك ما يريد، لكنه لن يتملك الإيمان؛ فالإيمان عملة صعبة، لا توجد إلا لمن يتقي الله عز وجل.

    الاستهزاء بالدين من الإلحاد

    مركب الإلحاد هو الذي أوجد في أوساطنا قوماً يتكلمون بالإلحاد، أحدهم يستهزئ بالدين ويقول يوم أن نسي الله وموعوده ولقاءه والعرض عليه، يقول لأحد السلاطين البشر الحشرات الذين لا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وهو شاعر اسمه ابن هانئ الأندلسي، يقول لأحد السلاطين:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    سبحان الله! تعالى الله عما يقول ذاك المجرم علواً كبيراً، وعندما قال هذه الكلمة ابتلاه الله بمرض عضال على فراشه، حتى صار ينبح كما ينبح الكلب ويقول في بيتين حزينين:

    أبعين مفتقر إليك نظرت لي     فأهنتني وقذفتني من حالقِ

    لست الملوم أنا الملوم لأنني     علقت آمالي بغير الخالق

    وأحد المجرمين الآخرين استقبل في دمشق وحمل على الأكتاف، وهو بشارة الخوري، لما نزل في مطار دمشق استقبلته القومية العربية وصفقت له، فكان أول قصيدة ألقاها أن استهزأ بالإسلام، يقول:

    هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة     وسيروا بجثماني على دين برهم

    بلادك قدمها على كل ملة     ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم

    لعن الله الخبث والتخلف والفكر العفن، يقول: أعطوني ديناً ليحكمنا بدون إسلام إذا كان الإسلام يفرق بيننا، لكن أراه الله في الدنيا والآخرة وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16].

    ورجل آخر وهو إيليا أبو ماضي، لما نسي الله ونسي موعوده ولقاءه، قال في أبيات له:

    جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!

    ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!

    وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!!

    كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!!

    ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!

    سبحان الله! ما يدري والله تعالى يقول: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3]. يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8]. يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].

    وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    مركب الإلحاد وجد وانتشر بين الشبيبة، وأخذ من هنا يطعن في الإسلام، وهذه حرب ماسونية وزعتها الصهيونية العالمية، وتذيعها هيئة الإذاعة البريطانية، فهي حرب أن يوجد في المجتمع رجال دين ورجال آخرون ليس لهم دين ولا هم لهم، متطرفون والبقية وسط، فالمغني ليس متطرفاً، وشارب الخمر ليس متطرفاً، بل هو معتدل، والذي يطارد الحمام والدجاج ومهمته في جمع الطوابع والسباحة وركوب الحمير ليس متطرفاً، أما الذي يحمل أصالته وعمقه ومبادئه وحماية دينه ومقدساته فهو متطرف، عجيب! أهذا حكم؟! أهذه أصالة؟! هذه عمالة وجهالة وضلالة.

    ولـو أني بليت بهاشمي     خئولته بنو عبد المدان

    لهان علي ما ألقى ولكن     تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

    1.   

    مرض الشهوات

    ومركب الشهوات وهو أخطر، مركب الشبهات أتانا من روسيا من موسكو، ومركب الشهوات أتانا من بلاد الغرب، وهو يقدم المرأة الخليعة الفاجرة الماجنة، والمجلة السافرة الفاتنة، والأغنية الماجنة أيضاً.

    الشبهات مرض اعتقادي، أما الشهوات فهو مرض عملي، وذلك مثل المعاصي الكبرى التي ابتلي بها الشباب.

    الانبهار بالغرب

    يذهب أحدهم إلى أوروبا وإلى أمريكا فيجد السبل مفتوحة، يأتي إلى أشياء بسيطة من التعامل والانضباط في حياة الأمريكان والإنجليز، فيأتي ينقلها لنا ويقول: ما رأيت أمة مثلهم في الانضباط، يقفون طوابير عند المطارات وفي الدخول إلى الصالات، ونسي جرائمهم التي هي مثل الجبال الرواسي، جرائم مخالفة الواحد الأحد، جرائم اختلاف الأنساب وهتك الأعراض، الزنا وشرب الخمر وضياع القيم، القتل والإبادة والنهب والسلب.

    فواحش قد أظلمت منها السما     والأرض منها أوشكت أن تقصما

    هذه الفواحش نسيها وأتى إلى عالم الانضباط.

    أهل العراق وما أدراك ما أهل العراق؟! أتوا إلى ابن عمر وهو يفتي الناس في الحج، فقال عراقي في رأسه ورع بارد والورع البارد موجود عند بعض الناس، قال لـابن عمر: بـابن عمر! قال: نعم. قال: ما على المحرم إذا قتل بعوضة؟

    ما هي الكفارة والفدية إذا قتل المحرم بعوضة؟

    قال ابن عمر: من أين أنت؟

    قال: من أهل العراق.

    قال: قاتلكم الله يا أهل العراق، تقتلون الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأتون تستفتونني في ذباب أو في بعوض!

    هذا ورع بارد، يأتي بعض الناس من هناك فيخبروننا ببعض الانضباط في المواعيد وأن الأمريكان أمة صادقة، أمة مخلصة منضبطة، أمة تقهر شهواتها، ولكن نسي هذه الجرائم، فهذا من مرض الشهوات وهو نفاق عملي ليس اعتقادياً.

    المجلة الخليعة

    مرض الشهوات ينتشر في المجلة الخليعة، أن تتداول بين شباب الإسلام، شباب مراهق، شباب ما امتلأ قلبه بالإيمان، شباب ليس عنده نوافل، شباب لا يعود إلى زوجة عفيفة على كلمة الله عز وجل وعلى حكم الإسلام فيأتي ويصل إلى الجريمة، ولذلك تتداول المجلة الخليعة في بعض الأماكن أكثر من المصحف ومن صحيح البخاري وصحيح مسلم.

    الأغنية الماجنة تأتي مكان القرآن الكريم، فتسمع صباح مساء، وكوكب الشرق تقول:

    هل رأى الحب سكارى مثلنا

    ويستمعها بعض الناس ويقول: ما أبلغ هذه الكلمات! لا. ما رأى الحب فاشلين ولا متخلفين مثلكم، وحبكم ليس من الحب الذي يريده الله عز وجل، الحب أن تحب الله ورسوله والمبادئ الخالدة الأصيلة، ولذلك يقول أحد الفنانين:

    يا من هواه أعزه وأذلني     كيف الوصول إلى سبيلك دلني

    الوصول يكون على طريقك عن يسارك إلى النار، إن لم تتب إلى الله الواحد القهار، فإن الذلة والاستخذاء للمسرح وللمرأة وللكأس ليست رسالة المسلم، هذا المسلم فكيف إذا كان جندياً؟ أنت أيها الجندي يُنظر إليك نظر اعتبار في مجتمعنا، وفي كل المجتمعات، ينظرون إليك وكأنك درع وخوذة، وأنك أنت الذي تدفع غارات الأعداء وتحافظ على أمانة رسالة الإسلام، وتعد نفسك لتدفع دمك رخيصاً في سبيل الله لا في سبيل أحد، لأن من يدفع دمه في سبيل أي أحد يدخل النار، يقول أبو موسى: {يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله}.

    فأنت يُنظر إليك وكأنك المعلم البارز، أو كأنك السياج، أو أنك بعد الله عز وجل تدافع بدمك وروحك لكن في سبيل الله، فالله الله لا تطفئ لموعك وحبك وإيمانك وطموحك بالشبهات أو بالشهوات.

    يا أمة الأصالة! يا أمة الرسالة! يا أمة العمق وأمة الحب والإيمان والطموح بمعناه الأصيل! أنتم الآن مرشحون لقيادة البشرية، لكن بشيء واحد وهو الإيمان، بالإيمان الذي يوصلك إلى معالم الإيمان وعمل الإيمان ومزاولة الإيمان، ليس إيمان غلاة أهل الصوفية الذين يقول أحدهم: لا أصلي. قالوا له: صلِّ قال: لقد وصلت. قالوا: كيف وصلت؟ قال: يقول الله عز وجل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] فإذا أتاك اليقين فقد قضيت ما عليك وقد أتاني اليقين، وهو كاذب على الله، فاليقين في هذه الآية عند أهل السنة والجماعة معناه الموت، واعبد ربك حتى يأتيك الموت، لا فسحة للمؤمن من عبادة الله حتى يأتيه الموت.

    فالإيمان الذي يراد من هذا الكلام إيمان يحملك في صلاة الفجر -والصقيع يتهدر عليك، والثلج يتساقط عليك- إلى المسجد لتعلن قوة إيمانك.

    أخبرني بعض الإخوة أن زميلاً له ذهب إلى لندن ليدرس هناك، واشتد الشتاء هناك وتساقط الثلج، فكان يقوم هذا الرجل في ساعة واحدة مع صلاة الفجر ليصلي الصلاة، ويأتي إلى صنبور الماء فيتوضأ ويذهب إلى المسجد، فيصلي ويعود، وكانت هناك عجوز تلحظه دائماً، فأخذت تسأله وتقول: مالك تذهب في هذه الساعة؟ قال: لأصلي. قالت: ما هي الصلاة؟ قال: ديني يأمرني بهذا، قالت: أخرها، أو أجلها قليلاً لوقت الدفء. قال: هذا وقتها ولن أؤجلها. فأخذت تضحك وتهز رأسها وتقول: هذه إرادة تكسر الحديد. إن الذي لا يذهب لصلاة الفجر في شدة الثلج والبرد سوف يفشل في المعركة، وهو أول من ينهزم، وأول من يسلم بلاده وتراثه ومجده وكرامته، لأنه ما أعلن صموده ولا صبره مع الرسالة الخالدة والمبادئ الأصيلة.

    أيها الإخوة: أشكر الله عز وجل أن أجلسني أمام هذه الطلعات المؤمنة، التي تبشر بالخير للإسلام والمسلمين، والتي تعلن بتفوق أن المستقبل لهذا الدين، والتي تخبرنا أن هناك أياماً تستقبلنا بيضاء إن شاء الله، لنعيد مجد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وصلاح الدين.

    سلام الله عليكم، وشكر الله لكم حسن استقبالكم وضيافتكم وحفاوتكم.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    .

    الدعوة إلى الله تعالى

    السؤال: هل الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم في هذا العصر؟

    الجواب: الحمد لله، نعم الدعوة الإسلامية واجبة على كل مسلم في هذا العصر، ولكن بحسب الطاقة والقدرة، وبحسب المواهب والاستعداد، قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وقال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60].

    وليست الدعوة في الخطابة أو إلقاء المحاضرات والدروس فحسب، بل الدعوة مضمار طويل، والدعوة طريق طويل، والدعوة حديقة غناء، كل إنسان في الإسلام له دور في الدعوة، فالقائد يوجه سريته وجيشه وكتائبه إلى لا إله إلا الله، ويبث روح الإيمان فيهم فهو داعية من أكبر الدعاة، والجندي المخلص المؤمن الذي يؤدي رسالته، وينضبط بأخلاقه وسلوكه، ويحترم دينه ومبادئه وقادته ويطيعهم في طاعة الله، هو داعية من أكبر الدعاة، وخطيب الجمعة الذي يؤصل المعلومات والوعي إلى الناس هو داعية أيضاً، والمفتي داعية، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر المحتسب أمام البقالات والدكاكين والأسواق داعية، ولكن لابد أن يعرف الإنسان مستواه، وما هو المكان الذي يجيد فيه ليكون داعية، ولا تسقط الدعوة عن المسلمين.

    التوازن في حياة المسلم

    السؤال: المطلوب التوازن في حياة المسلم، كيف يتحقق هذا التوازن في حياة المسلم؟

    الجواب: نحن أمة التوازن والعموم والشمول والوسطية، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143] يقول سيد قطب ذلك العالم العبقري المفكر رحمه الله: أمة وسط في المعتقد، فلا نغلو في الأنبياء غلو النصارى، ولا نجفو الأنبياء كما جفاهم اليهود، أمة وسط في الحب والجمال، فلا ننكر الحب ولا ننكر الجمال، ولا نسحق الحب ولا نسحق الجمال، ولا نعبد الحب ولا نعبد الجمال في الطرف الآخر، لكننا نجعل الجمال ونتفكر به جمالاً حلالاً مباحاً يوصلنا إلى رضوان الله، أمة وسط في الأدب، فلسنا بالأمة التي همها الموسيقى ترقص عليها وهي رسالة لها، وليست بالأمة كذلك التي تجفو وتتجانب، بل أمة تبتسم للدعابة، أمة قريبة من القلوب، أمة ذات بشاشة.

    التوازن في حياتك كفرد لابد أن تعرف هذا، ولا يعرفك هذا مثل القرآن والسنة النبوية، أكبر من عرف التوازن بل أكبر من عرف الإصلاح في العالم هو محمد عليه الصلاة والسلام، تقرأ القرآن فتعرف التوازن.

    فتتزن في عبادتك، فلا تكون كالعابد الراهب في صومعة، تتخلص من الحياة وتفر من مشاكل الأسرة، ثم تحرم جسمك حقوقه المباحة، فتذهب هناك لتكون من الذين قال الله فيهم: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27] ولا تفعل كما فعل اليهود، يتركون تربية الروح ويتركون القرآن والقيم، وينغمسون على رءوسهم في الشهوات يوم قال الله فيهم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] وأحسن حديث في هذا الجانب قوله صلى الله عليه وسلم: {إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، فأعط كل ذي حقٍ حقه}.

    الصوفية

    السؤال: ما هي الصوفية؟ ومن هم أبرز دعاتها اليوم في العالم؟

    الجواب: الصوفية مذهب تنظيري وعقدي وعملي قديم، نشأ فيما يقارب آخر القرن الثالث، وهذا الاسم لم يعرف عند الصحابة، فالصحابة فيهم زهاد وعباد ومجاهدون وشهداء، ولم يكونوا يعرفون هذا الاسم، وقد ألفت له مدارس وكتب، كـإحياء علوم الدين، والرعاية للحارث المحاسبي، وكتاب قوت القلوب لـأبي طالب المكي، ثم تطور التصوف إلى مشربين: مشرب ماجن إلحادي خبيث، يتزعمه ابن عربي صاحب فصوص الحكم وصاحب الفتوحات المكية، وكان يدعي أن الله حل في الأشياء، تعالى الله عما يقول، ولذلك لعنه أهل العلم إن لم يتب من هذه المقالة، وقال الذهبي: إن لم يكن في كتبه كفر فما في الدنيا كفر.

    ومذهب آخر عطل الناس عن الحياة، وعما أباح الله لهم، وعن رفع الرسالة وتعليم الناس، وهو كذلك مذهب متخلف حقير.

    والتصوف ليس من الإسلام بصورته التي ذكرت، الإسلام فيه زهد وعبادة ترقٍ بالنفس وروحانية، لكن على الكتاب والسنة، الإسلام دين الجمال والإبداع والروعة والخدمة ودين يشمل نواحي الحياة، أما هذا الانزواء والدروشة فالإسلام بريء منها.

    حال حديث (غزوة في البحر)

    السؤال: ما صحة هذا الحديث: {غزوة في البحر تعدل عشر غزوات في البر

    الجواب: هذا الحديث ليس بصحيح، وإنما ذكر صلى الله عليه وسلم الغزاة في سبيل الله إجمالاً في البر والبحر، ونحن كما يقول الأستاذ علي الطنطاوي في كتاب قصص من التاريخ: سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل بحر في البحر عنا، وسلوا كل بر في البر عنا، نحن أمة الإيمان، فأنت بجهادك وتضحيتك مأجور مشكور، سواء أكنت في البر أم في البحر أم في الجو.

    البدء في الدعوة بالأهم فالمهم

    السؤال: نلاحظ دائماً أن بعض شيوخ المسلمين يركزون على عدم حلق اللحية وتقصير الثوب قبل أن يدعوا إلى عماد الدين وأساسه وهي الصلاة، ألا ترى أن الشيء الثانوي يمكن أن يطبق بعد أن يطبق الشيء الأساسي كالصلاة والصوم والحج مثلاً؟

    الجواب: الداعية المسلم لابد أن يكون منهجه منهج القرآن والسنة المحمدية على صاحبها الصلاة السلام، فيعطي للقضايا مساحة لا تتجاوزها، كل قضية يعطيها حجمها، فالقرآن أعطى العقيدة ثلاثة أرباع المصحف، وأعطى الذنوب والخطايا والإصلاحات قدرها، فالغيبة لها آيتان، والحسد له آيتان، واتباع السنة له آيات. فقضية أن يهول الإنسان أو يضخم بعض القضايا ليس بصحيح، وقضية أن يطمسها تماماً ليس بصحيح، لكنه يقدم الإسلام على شكل أولويات، فيبدأ بالعقيدة وبالفرائض، ثم بالواجبات، ثم بالسنن والمندوبات، ثم بالآداب العامة والمروءات، هذه هي الصورة المطلوبة، والدعاة يظهر من الاستقراء لأحوالهم عبر التاريخ أنهم على ثلاثة أقسام: طرفان ووسط:

    الطرف الأول: رجل يدعو إلى هذه الأمور الصغيرة، فيحجمها ويجعل الإيمان والكفر والولاء والبراء عليها، يرى أنه لا يدخل الإنسان في أهل السنة والجماعة حتى يربي اللحية ويقصر الثوب ويحمل سواكاً معه، ويتكلم دائماً في اللقاءات العامة عن هذه القضايا، وينشرها ويترك ما هو أكبر منها، الخمر يزاول ويداول، والزنا منتشر، والربا منتشر، وكذلك ترك الصلوات والمخالفات، فيجعل هذه القضايا همه دائماً، وهذا قد تطرف في هذا الجانب.

    الطرف الثاني: رجل يقول: نبدأ نحن بالمعتقد وأما هذه فلا علينا منها، هذه السنن إنما هي قشور، وهذا قد أخطأ كذلك كما أخطأ الأول.

    أما المتوسط: فهو الذي يعطي الأمور حجمها وطبيعتها ورسالتها، يضخم ما ضخمه الإسلام، ويعطي كل شيء قدره الذي أنزله الله عز وجل. فنحن نقول لهذا الداعية: عليك أن تدعو إلى هذه الأمور، لكن لا تنس هذا الجانب، لا تنس جانب سلوكه صلى الله عليه وسلم وخلقه قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    حديث : (احفظ الله يحفظك)

    السؤال: فضيلة الشيخ! معظم من هم أمامك الآن من الشباب، ولفضيلتكم شرح عظيم لحديث: {احفظ الله يحفظك} حبذا لو حدثتنا عن ذلك؟

    الجواب: كأن الأخ السائل يريد محاضرة جديدة اليوم، وفيما سمعتم الكفاية، ومن أراد الشريط فسوف يجده إن شاء الله، ومن تيسير الله لهذا الدين أن يسر الكتاب الإسلامي، والداعية الإسلامي، والشريط الإسلامي.

    وحديث: {احفظ الله يحفظك} من أعظم الأحاديث في الإسلام، وكان العلماء إذا ودع أحدهم الآخر أوصاه بهذا الحديث، وهو في الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف} هل يستطيع أحد أن يقول مثل هذا الكلام؟

    بالله لفظك هذا سال من عسل     أم قد صببت على أفواهنا العسلا

    أم المعاني اللواتي قد أتيت بها     أرى بها الدر والياقوت متصلا

    هذا لفظ من أوتي جوامع الكلم، وأنا لا أستطيع في هذه العجالة أن أشرح الحديث، ويرجع في شرحه إلى ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ولكن عليكم أن تكتبوا على صفحات قلوبكم: {احفظ الله يحفظك}.

    خصلتان لدخول الجنة

    السؤال: ما هي الخصلة الثانية لدخول الجنة؟

    الجواب: نعم. الأولى أنه يحب الله ورسوله، والثانية أنه لا يفر يوم الزحف.

    مقتطفات من شعر الشيخ عائض

    السؤال: متى بدأت موهبة الشعر عندك يا شيخ، نرجو أن تختار لنا قصيدة من قصائدك؟

    الجواب: أولاً: الشعر إذا لم يستخدم في طاعة الله عز وجل ولا يسير به الإيمان فهو كلام مصفف، ويكون نتيجة عكسية على صاحبه، ضياع في الحياة، وضياع بعد الحياة، وضياع في القبر، وضياع في الصراط.

    بدأت من الثانية متوسطة لكنها ضعيفة ككل البدايات، وأنا أختار بعض القصائد، ومما يناسب أنني أعرف أن بعض الإخوة وبعض الأفراد قد كان له سفر إلى بلاد الغرب، أو رأى تلك المجتمعات الغربية أو سمع عنها، وأنا قد ذهبت إلى أمريكا في مؤتمر الشباب العربي المسلم في أوكلاهوما، وكان لي في هذا المؤتمر الذي حضره ما يقارب خمسة آلاف شاب مسلم عربي، لا أقول عربي قومية، ولكن كان طبيعة المؤتمر أن يدار باللغة العربية، وكان لي فيه قصيدتان، قصيدة جدية اسمها: أمريكا التي رأيت، وقصيدة هزلية اسمها: نشرة الأخبار، أما أمريكا التي رأيت، فمنها هذه الأبيات:

    يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل

    وتوقف التاريخ في     خطواتها قبل الرحيل

    سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل

    وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل

    يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال

    وهي البريئة خدرهـا فيض عميم من جلال

    شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال

    موت أتاتورك الدعـي كموت تيتو أو جمال

    يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد

    كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد

    القاتلي الإنسان خابوا      ما لهم إلا الرماد

    جثث البرايا منهم      في كل رابية وواد

    ما زرت أمريكا فليـ     ست في الورى أهل المزار

    بل جئت أنظر كيف ند      خل بالكتائب والشعار

    لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار

    وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار

    ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام

    قد زادني مرأى الضلا     ل هوىً إلى البيت الحرام

    وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام

    ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام

    أما الهزلية فأقول بعض الأبيات:

    يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي

    مصلياً على رسول الله     مذكراً بالله كل لاهي

    قد جئت من أبها صباحاً باكرا     مشاركاً لحفلكم وشاكراً

    وحملتنا في السما طيارة     تطفح تارة وتهوي تارة

    قائدها أظنه أمريكي      تراه في هيئته كالديك

    يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا

    وهذه أخبار هذه النشرة     مسافة السير ثلاث عشرة

    من الرياض عفشنا ربطنا     وفي نيويورك ضحىً هبطنا

    أنزلنا في سرعة وحطنا     وقد قصدنا بعدها واشنطنا

    ثم ركبنا بعدها سيارة     مستقبلين جهة السفارة

    منـزلنا في القصر أعني ريديسون     يا كم لقينا من قبيح وحسن

    في بلد أفكاره منكوسة     تثقله بصائر مطموسة

    يقدسون الكلب والخنزيرا     ويبصرون غيرهم حقيرا

    ما عرفوا الله بطرف ساعة     وما أعدوا لقيام الساعة

    فهم قطيع كشويهات الغنم     جد وهزل وضياع ونغم

    فواحش قد أظلمت منها السما     والأرض منها أوشكت أن تقصما

    من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا

    من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك

    من الذي ناصر إسرائيلا     حتى تصب عنفها الوبيلا

    استيقظوا بالجد يوم نمنا     وبلغوا الفضاء يوم قمنا

    منهم أخذنا العود والسيجارة      وما عرفنا نصنع السيارة

    ومنها:

    ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان

    وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة

    والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش

    فهو أبونا في مقام الترجمة     لأننا صرنا صخوراً معجمة

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.