إسلام ويب

شهيد المحرابللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفاروق عمر هو الرجل الذي أعز الله به الإسلام ، وأذل به أهل الكفر والشرك والإلحاد، هذا الرجل الذي ملأ الأرض عدلاً ، ونشر الله به الدين ، وأذل به الروم وفارس ، ولأنه كان كذلك قبل الله دعاءه وجعله من الشهداء في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مسجده ومحرابه.

    1.   

    منزلة الفاروق في الدين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أشهد أن الدين خالص، وأن الرسول خاتم، وأن الكفر خاسر.

    أيها الناس! يا أتباع محمد عليه الصلاة والسلام! يا حملة المبادئ الخالدة! عنوان هذه الخطبة: (شهيد المحراب).

    من هو شهيد المحراب؟

    الزمن: صلاة الفجر.

    المكان: مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    المقتول: عمر بن الخطاب.

    القاتل: أبو لؤلؤة المجوسي.

    وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عليهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171].

    من منكم لا يعرف عمر؟

    مَنْ مِنَ الناس لم يسمع بـعمر؟ السلام عليك يا عمر بن الخطاب يوم الجمعة، السلام عليك في هذه الساعة المباركة، السلام عليك يوم أسلمت، ويوم توليت، ويوم قتلت، ويوم تبعث حياً.

    تردى ثياب الموت حمراً فما دجا      لها الليل إلا وهي من سندسٍ خضر

    ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعةٌ      غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ

    فتىً كلما فاضت عيون قبيلةٍ      دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر

    الرسول صلى الله عليه وسلم، يترجم لـعمر ثلاث رؤى في المنام، كلها لـأبي حفص، وكلها صحيحة كالشمس:

    الأولى: قال عليه الصلاة والسلام: (رأيت الناس البارحة يعرضون عليَّ وعليهم قمص -الأمة كلها تعرض عليه، وعليها قمص ثياب- منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يجره، قالوا: ما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين) دينه مسبلٌ عليه، يغطي جسمه، ويقفو أثره.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (أتيت بلبن، فشربت منه، حتى أني أرى الريَّ يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: ما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم) فهو دَينٌ عالم بعلم الكتاب والسنة، العلم الأصيل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد:19].

    يقول عليه الصلاة والسلام: (دخلت الجنة البارحة، فرأيت قصراً أبيض في الجنة، فقلتُ: لمن هذا؟ وأردت أن أدخله، قالوا: لـعمر بن الخطاب، فذكرت غيرتك يا عمر، فلم أدخل القصر، فبكى عمر وقال: أمنك أُغار؟!) أُغار منك وأنا تلميذٌ من تلاميذك، وحسنةٌ من حسناتك؟!

    جيل محمد صلى الله عليه وسلم

    هذا هو عمر الذي قتل في المحراب، والعظماء يقتلون، إما بالخناجر أو الرصاص؛ ليعلم الله أنهم عظماء، فتعيش الأمة على دمائهم نغماً زكياً تحيا به في شرايين قلوبها، وتبني على جماجمهم مكرمات ما كان لها أن تبنى لو لم تكن تلك الجماجم، وتجعل من أشلائهم تحفاً للتاريخ.

    يقول أحد المسلمين، وهو من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، من الشباب الذين قتلوا في بدر، أو أحد، أو القادسية، أو اليرموك، أو حطين، أو عين جالوت، وليس هو من الشباب الذين قتلوا يوم التزلج على الثلج، أو قتلوا في ساعات السهر، أو تدحرجت بهم مسارح الفن، فوقعوا على رءوسهم. يقول هذا الشاب:

    تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد     لنفسي حياةً مثل أن أتقدما

    وليس على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا تقطر الدما

    فهذا هو جيل محمد عليه الصلاة والسلام، هذه المدرسة التي قدمها للتاريخ، فذلك الرعيل الذي ما سمع الناس بمثله، عاش فيه عمر مع الرسول عليه الصلاة والسلام، أسلم بـ(طه) وكان أجمل من الشمس في ضحاها، وأوضح من القمر إذا تلاها، تولى الأمة فرعاها، وقاد المسيرة وحباها، وتولى بعدل وآواها، فمرحباً بـعمر، أسلم لما سمع: طه * مَا أَنْزَلْنَا عليكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:1-5].

    أسألكم بالله! هل هناك إنسان يفهم هذا الخطاب ثم لا يسلم ولا يذعن؟

    هل هناك إنسانٌ يفهم كلام رب البشر، ثم لا يسري هذا الكلام في ذرات دمه؟

    وقد فهم عمر هذا الخطاب، لأنه عربيٌ قُح، فسرى في دمه، فانتشر تيار الإسلام، في كل جزئيةٍ من لحمه ودمه، فأسلم ووضع كفه في يد محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن على ماذا؟

    على الاستيلاء على أموال الناس؟!

    على توسيع القصور والدور؟!

    على بناء الحدائق الغناء والبساتين الفيحاء؟!

    على استذلال البشر؟!

    على إيجاد مستعمرات من التعذيب؟!

    لا. بل على العدل والحق والميزان ولا إله إلا الله.

    عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده

    فكان عمر في كف محمد عليه الصلاة والسلام سيفاً مصلتاً يهزه للحادثات، يقول العقاد: الفرق بين أبي بكر وعمر، أن أبا بكر عرف محمداً النبي، وأن عمر عرف النبي محمداً.

    فـأبو بكر عرف الرسول عليه الصلاة والسلام في جاهلية أبي بكر وبعد إسلامه، وعمر لم يعرف الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا في ساعة ميلاده يوم أسلم، يوم وضع كفه في كف الرسول عليه الصلاة والسلام، كلما رأى حدثاً، أو رأى زنديقاً أو منافقاً قال: يا رسول الله! إئذن لي أضرب عنقه! ولو أذن له، لقتل العشرات، ووالله! لا يتورع لحظة، إذا سمع الأمر المحمدي إلا أن ينفذه ولوسبح في دمه هو.

    ويموت عليه الصلاة والسلام كما يموت الناس، وكان عمر قوي الجثة، وصلب الجثمان، ومتين الهيكل، وشديد العضلات:

    قد كنتَ أعدى أعاديها فصرت لها     بفضل ربك حصناً من أعاديها

    قل للملوك تنحوا عن مناصبكم      فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها

    فهذا الرجل يأخذ الدنيا في ساعة، يستولي على امبراطورية كسرى في يوم ويسلمها للفقراء في يوم، وهذا الرجل تأتيه الموائد من الذهب والفضة على الجمال، وتدخل المدينة وهو يصلي في الناس، وفي بردته أربعة عشر رقعة من الفقر والعوز، وهذا الرجل يفتح دولة هرقل، ويدكدك عاليها بسافلها ولا يجد خبز الشعير الذي يأكله مع فقراء المسلمين، هذا هو عمر!

    لما مات الرسول عليه الصلاة والسلام -كما سبق معنا- قام بالسيف وقال: [[من قال أن محمداً قد مات، ضربت عنقه بهذا السيف]] فلما سمع الخبر وتأكد من النبأ، سقط على وجهه مغمى عليه حتى رش بالماء.

    أين العضلات؟! أين الجثمان؟! أين القوة؟!

    تولى أبو بكر فكان عمر بجانبه وزيراً ومستشاراً! وأتت سكرات الموت لـأبي بكر فكتب كتاباً بولاية العهد لـعمر، فكان مبكياً حقاً، واسمع الكتاب:

    كتاب أبي بكر بخلافة عمر

    [[بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر إلى عمر بن الخطاب، وأنا في أول أيام الآخرة، وفي آخر أيام الدنيا، فقيراً لما قدمتُ، غنياً عما تركتُ، أمَّا بَعْد:

    فيا عمر بن الخطاب! قد وليتك أمر أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فإن أصلحت وعدلت، فهذا ظني فيك، وإن اتبعت هواك فالله المطلع على السرائر، وما أنا على صحبة الناس بحريص، يا عمر! اتق الله لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي، والسلام]].

    وصل الكتاب إلى عمر، فبله بالدموع! وتولى أمر الأمة، وبحث عن ميراث أبي بكر، فإذا هو ثوبان وبغلة، بقيت من بيت المال، فبكى حتى جلس عمر وقال: [[يا أبا بكر! أتعبت الخلفاء بعدك]]

    1.   

    خلافة عمر

    فتولى عمر وألقى خطبةً ما سمع الناس بمثلها، بين لهم سياسته، ماذا يريد أن يفعل في الأمة؟ فسار بهم سيرةً عمرية، ضرب الدهر بها المثل، السيرة التي ما سمع الناس بمثلها!!

    معاملة عمر لرعيته

    فهذا عمر يطوف في المدينة! وهو رجل الأمة الأول، وهكذا يعنون له الفضلاء، ينام الناس في العاصمة ولا ينام، ويشبعون ولا يشبع، ويرتاحون ولا يرتاح.

    إذا هدأت العيون ونامت وتلألأت النجوم، أخذ درته وجاب سكك المدينة يتفقد، هل من مريض؟

    هل من أرملة؟

    هل من مجرمٍ يؤدبه؟

    وفي ليلةٍ من الليالي: سمع امرأة في خيمة وهي في النفاس، فسمعها تصرخ من ألم الولادة فبكى، وذهب إلى بيت المال وحمل شحماً وزيتاً وزبيباً وبراً على كتفه فقال أسلم مولاه: أنا يا أمير المؤمنين! أحمل هذا، قال: لا. إنك لا تحمل أوزاري يوم القيامة، ودخل الخيمة وصنع الطعام وقدم العشاء للمرأة، فقالت: والله إنك خيرٌ من عمر بن الخطاب، وهو عمر بشحمه ودمه وإيمانه وإخلاصه.

    ذهب عمرو بن العاص إلى مصر أميراً فاتحاً، فتسابق ابنه محمد ومصريٌ على فرسين، فسبق المصري محمد بن عمرو بن العاص وهو ابن الأمير، فنزل ابن عمرو، فضرب المصري على وجهه، لماذا؟ أهذا نهج الإسلام؟! أهذه العدالة المنشودة التي أتت من فوق سبع سماوات؟! أهذا ميثاق: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أن يمتهن الإنسان ويضطهد؟!

    فذهب المصري إلى عمر فأخبره، فدعى عمر عمرو بن العاص وابنه محمداً، والجماهير من الأمة ملء الأرض، فلما قدم عمرو وهو لا يدري ما الخبر وبيده ابنه محمد، وقبل أن يسلم على عمر، قام عمر بالدرة التي إذا ضرب بها أحداً من الناس؛ أخرج وساوس الشيطان من رأسه! قال للناس: والله لا يحول بيني وبين عمرو وابنه أحد، ثم أخذ عمراً فبطحه أرضاً.

    كل بطَّاحٍ من الناس     له يومٌ بطوحُ

    ثم أتى بابنه محمد فنكسه عليه، وأخذ يضربهم ضرباً مبرحاً، فيقول عمرو: الله الله يا أمير المؤمنين فيَّ! الله الله فيَّ! فيقول عمر: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!]].

    متى كانوا عبيداً؟

    متى كان هذا الإرهاق والاضطهاد والتبعية؟!

    ما فائدة الإسلام في الأرض إذاً؟!

    فما نفع الميزان والكتاب والسنة؟

    وتمشي المسيرة، ويأتي عام الرمادة، عام ثمانية عشر للهجرة، فتأخذ الأخضر واليابس، ويموت الناس جوعاً، فيكتب عمر للأقاليم، أن يحضروا عنده في المدينة، فنصب لهم خياماً، وقال: [[إن حييت، فالحياة حياتي، وإن متُ ماتوا معي]] كان يأخذ الطعام في الصباح في الصحاف على رأسه ورءوس أبنائه ويوزعه في الخيام، كان يجلس فيبكي ويقول: [[الله يا عمر كم قتلت من نفس!]] لماذا قتلت؟ من قتلت؟ وأنت تحيي النفوس ولا تقتلها!

    وفي عام الرمادة، حلف ألا يأكل سميناً ولا ينبل في سمن، حتى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، وقف على المنبر يوم الجمعة، ببرده المرقع -طيلة الخلافة- ليس معه إلا هو، والله! لو أراد أن يبني بيته من الذهب الخالص لاستطاع، ووالله! لو أراد أن يمشي من بيته إلى المسجد على الحرير والاستبرق لاستطاع، ووالله! لو أراد أن يجعل أسوار المدينة من الزبرجد الذي كسبه من كسرى وقيصر لاستطاع.

    يقف في أثناء الخطبة، فتقرقر بطنه وأمعاؤه تلتهب من الجوع، رجل لا يأكل ثلاثة أيام إلا كسرة خبز من شعير! فيقول لبطنه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]]

    هل لنا تاريخ غير عمر؟

    هل معنا تاريخ غير تاريخ عمر؟

    وبماذا نتكلم مع الأمم؟

    وبماذا نفتخر؟

    وبماذا نتصدى للهجومات البشعة على الإسلام إلا بمثل عمر؟!

    أذعن له الكفار قبل المؤمنين.

    يقول مايكل هارف الدكتور الذكي الأمريكي: في كتابه الأوائل، (ص:164): "هذا وكان لـعمر بعد محمد -عليه الصلاة والسلام- أعظم الأثر في فتوحات الإسلام، فلولاه -هكذا يقول: ونحن نقول: لولا الله- لما انتشر الإسلام هذا الانتشار الفظيع السريع في الأرض".

    يصلي عمر بالناس صلاة الاستسقاء، فلا يدرون ماذا يقول من البكاء، وهو يسأل الله ألا يجعل هلاك الأمة في ولايته، فينهل الغيث وهو في المصلى!! ويسير الماء غدقاً تحيا به النفوس والقلوب وتعود الحياة إلى العاصمة.

    شهادة الأعداء لعمر

    يريد عمر أن يعاهد الكفار، بعد أن اجتاحهم، ونسف دولتهم تماماً، لكن أبقى لهم مستعمرة، ريث ما يهيئون غروبهم من بلاد الله، فيأتي الهرمزان قبل معركة القادسية، وهو مستشار كسرى، يأتي لابساً تاجاً من ذهب وزبرجد وعليه الحرير، يدخل المدينة ومعه الحرس، فيقول: أين قصر الخليفة؟ قالوا: لا قصر له، قال: أين بيته؟ قالوا: تعال نريك بيته، فذهبوا فأروه بيتاً من طين -من هذه البيوت الطينية التي تكلم للعالم منها، ونشر الضياء في الكون- قال: أهذا بيته؟! قالوا: نعم. قال: أين حرسه؟ قالوا: لا حرس له، يقول شوقي:

    وإذا العناية لاحظتك عيونها     نم فالحوادث كلهن أمانُ

    فطرق الباب، فخرج ابنه، قال: أين أبوك؟ قال: التمسوه في المسجد نائماً، أو في ضاحيةً من ضواحي المدينة -وقت ضحى- فذهبوا إلى المسجد فما وجدوه.

    وهو ينام في الضحى ساعتين، وكان لا ينام في الليل ولو ساعة! تقول له زوجته: [[لمَ لا تنام الليل، ولا تنام النهار إلا قليلاً؟ قال: لو نمتُ النهار ضاعت رعيتي، ولو نمتُ الليل ضاعت نفسي!!]] فكان يصلي ويستغفر في الليل ويحكم ويعدل في النهار.

    ذهب الهرمزان فما وجده في المسجد، فالتمسوه فوجدوه تحت شجرة من سَلَم، وضع درته بجانبه، وبردته المرقعة عليه، وقد توسد ذراعه في أنعم وأهدأ نومة، والأمة تعيش في هدوء وعدل وسكينة.

    هذا الذي فتح الدنيا ودوخ الملوك!! هذا الذي داس جماجم الخونة ينام تحت شجرة!! فانذهل الهرمزان وقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت.

    قال حافظ إبراهيم:

    وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً     بين الرعية عقلاً وهو راعيها

    فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً     ببردةٍ كاد طول العهد يبليها

    فقال قولة حقٍ أصبحت مثلاً     وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها

    أمنت لما أقمت العدل بينهمُ     فنمت نوم قرير العين هانيها

    محاكمة الفاروق

    وفي آخر ولايته، قدم نفسه للمحاكمة! في آخر جمعة خطبها، قدم جسمه للقصاص، وقدم أمواله للمحاكمة، فإن كان منه خداع، أو غش، أو ظلم، أو سفك فهذا جسمه.

    فماذا رد الناس عليه؟

    تراد المسجد كله بالبكاء.

    من يحاكم عمر؟

    من يقتص من عمر؟

    من يستطيع أن يقف أمام عمر، ويقول: أخذت مالي، أو سفكت دمي، أو نهبت عرضي، أو أهنتني؟!

    لا يستطيع أحد.

    فنزل واستودع الله الأمة إلى لقاء، وهذا هو الاغتيال في المحراب، الذي سوف أذكره.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    حب الشهادة في سبيل الله

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    يقول الإمام الأعظم عليه الصلاة والسلام -وهو المعصوم وقائد المسيرة-: (والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل) هذا الشيخ فكيف يكون التلاميذ؟!

    وهذا الأستاذ فكيف يكون الطلاب؟!

    هذا القائد فكيف يكون الجنود؟!

    يكونون لهباً من العزة والتضحية، وقذائف من البذل والعطاء، هذا الذي يتمنى الشهادة دائماً -محمد عليه الصلاة والسلام- أعطاه الله الشهادة، قال ابن كثير: وقد مات عليه الصلاة والسلام مسموماً فجمع الله له بين الرسالة والشهادة.

    وكان عمر يسمع كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، فحج بالناس في حجة الوداع -أعني عمر - ووقف يوم عرفات، فخطب الناس خطبةً عظيمةً باهرة، ثم استدعى أمراء الأقاليم -أمراء الأقاليم جميعاً استدعاهم أمامه كالمحافظين- وقد كان يحكم اثنتين وعشرين دولة، فأخذ يحاسب كل أميرٍ أمام الناس، والرعية تدعي والأمير يجيب، وعمر بالدرة فوق رأسه.

    إحساس عمر بقرب أجله

    وبعد أن انتهى ذهب ليرمي الجمرات، فرماه أحد الحجاج بحصى في رأسه فسال دم عمر، فقال عمر: [[هذا قتلي]] معناه أني سوف أقتل!!

    علوٌ في الحياة وفي الممات     

    فهو لا يموت بل يقتل، لا كما يموت الذين يموتون بالتخم في غرف الباطنية من كثرة ما أكلوا وشربوا وما قدموا شيئاً.

    لهم شموخ المثنى ظاهراً ولهم     هوى إلى بابك الخرمي ينتسبُ

    فلما انتهى من مناسك الحج جلس بـالأبطح واتكأ على يده اليسرى ثم رفع يده اليمنى مع اليسرى، وقال: [[يا ربِ! شابت شيبتي، ورق عظمي، ودنى أجلي، وانتشرت رعيتي، اللهم فاقبضني إليك غير مفرطٍ ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادةً في سبيلك، وموتة في بلد رسولك]].

    علوٌ في الحياة وفي الممات     بحق أنت إحدى المعجزاتِ

    ومالك تربةٌ فأقول تسقى     لأنك نصب هطل الهاطلات

    ولما ضاق بطن الأرض عن أن     يواروا فيه تلك المكرماتِ

    أصاروا الجو قبرك واستعاضوا     عن الأكفان ثوب السافيات

    رجع إلى المدينة وهو يتمنى الشهادة، قالت له ابنته حفصة: [[يا أبتاه! موتٌ في سبيل الله، وقتلٌ في مدينة رسول الله! إن من أراد أن يقتل فليذهب إلى الثغور -إلى الحدود- قال: هكذا سألت الله، وأرجو أن يلبي ربي لي ما سألت]] هذا السخاء والبذل أن تجود بدمك إلى الله، كان أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام إذا حضروا المعارك، لبسوا الأكفان من تحت الثياب.

    أكفانهم بدماء البذل قد صبغت     الله أكبر من سلسالها رشفوا

    في كفك الشهم من حبل الهدىطرفٌ      على الصراط وفي أرواحنا طرفُ

    لا شهداء الوطنية والماركسية والضياع والإلحاد.

    وصل عمر إلى المدينة، ورأى في المنام أن ديكاً ينقره نقرتين أو ثلاثاً، فعرض الرؤيا، فقالوا: [[يقتلك رجلٌ من العجم]] فقام وخطب الناس وأخبرهم أنه لن يستمر، وأنه سوف يغادر إلى غير هذه الدنيا، إلى أين؟ إن شاء الله إلى مقعد صدقٍ عند ملكٍ مقتدر، إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض.

    تأخرت عن وعد الهوى يا حبيبنا     وما كنت عن وعد الهوى تتأخرُ

    سهرنا وفكرنا وسالت دموعنا     وشاخت ليالينا وما كنتَ تحضرُ

    أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ     فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ

    رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم     وجيشك في حطين صلوا وكبروا

    نساء فلسطين تكحلن بالأسى     وفي بيت لحم قاصرات وقُصرُ

    وليمون يافا يابسٌ في حقوله     وهل شجرٌ في قبضة الظلم يثمرُ

    صلَّى الجمعة ونزل، واستمر في الحياة ساعات، ودَّعَ الدنيا، وليس عنده شيءٌ من الدنيا يقسمه، فعنده بيت من الطين وفراشٌ من حصير وجبة وعصا، هذه دنيا عمر.

    فأين السجلات؟ حسناتٌ عند الله!

    وأين الميراث؟ عقيدةٌ خالدة!

    وأين التركة؟ مبادئ رشيدة تثبت ثبوت الدنيا!.

    صلى الفجر وأتاه أبو لؤلؤة عليه لعنة الله، مجوسي مجرم ما سجد لله سجدة، فقد دبر المجوس قتل عمر لينهوا هذا الطود الشامخ.

    مولى المغيرة لا جادتك غاديةٌ     من رحمة الله ما جادت غواديها

    مزقت خير أديمٍ حشوه هممٌ     في ذمة الله عاليها ودانيها
    >

    أتى وعمر يصلي، وقد بدأ عمر بعد الفاتحة بسورة يوسف، وكان يحب سورة يوسف، وكان في صوته صحل يخرج من قلبه، فلما وصل إلى قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] انهد يبكي، فبكى الناس جميعاً حتى سمع النشيج من آخر الصفوف، ثم قال: الله أكبر..، وهذه التكبيرة كانت آخر تكبيرةٍ له في الحياة، ركع، فتقدم أبو لؤلؤة بالخنجر المسموم، فطعنه ست طعنات ثلاث ضربات فوقع عمر وهو يقول: [[حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلتُ، وهو رب العرش العظيم!! ].

    وتقدم ابن عوف، وما أخلت الصفوف وما خرج أحد من الصف، لأن هذه الأمة كانت تصلي والسيوف تضرب على رءوسها في المعركة:

    نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم     والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا

    جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا     في مسمع الروح الأمين فكبرا

    فهي أمة تصلي ورءوسها تقطع في الأرض؛ لأنها تحب الله.

    تقدم ابن عوف فأكمل الصلاة سريعاً، وعاد الناس إلى عمر، وقد فقدوا صوته.

    أين صوتك؟! أين صوت الحاكم؟! أين صوت الحبيب؟! أين صوت العادل؟!

    أصبح في سكرات الموت، ماذا يقول؟ يقول: من قتلني؟ قالوا: قتلك أبو لؤلؤة المجوسي، قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجلٍ ما سجد لله سجدة.

    لا إله إلا الله! لك الحمد يا رب أن زكيت المحراب بدم عمر، وزكيت دم عمر بالمحراب!

    رفعوا جثمانه، فكان يفتح عينيه، وهو يقول: هل صليت -أي هل أكملت الصلاة؟- قالوا: لا. قال: الله المستعان! كل أمنياته أن يكمل الصلاة ليلقى الله وقد صلى صلاة الفجر، لم يسأل عن ولاية أو ولد، ولا عن بلد أو زوجة أو ميراث!!

    كانت دماؤه تسيل طاهرةً على الثياب، يقول بعض الصحابة: ظننا أن القيامة قامت يوم مات عمر!!

    من لجسمٍ شفه طول النوى     ولعينٍ شفها طول السهر

    جسدٌ لُف في أكفانه     رحمة الله على ذاك الجسد

    حال عمر عند الاحتضار

    وضعوه في البيت، وأحضروا له مخدة، فنـزعها، وقال: [[ضعوا رأسي على التراب لعل الله أن يرحمني]] ومرغ وجهه بالتراب، وهو يبكي ويقول: يا من لا يزول ملكه! ارحم من زال ملكه.

    من الذي لا يزول ملكه؟

    إنه الواحد الذي يقول: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عليهَا [مريم:40] والذي يقول: كُلُّ مَنْ عليهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27] والقائل: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].

    يقول عمر: أنا يا ربِ خلعت اليوم! أنا يا ربِ ذهبت! أنا يا ربِ عبد أتيت! زال ملكي، وملكك لا يزول فارحمني!!

    وسلاطينهم سل الطين عنهم     والرءوس العظام صارت عظاماً

    قال عمر: أدخلوا علي أطفال المسلمين، يريد أن يودع الرعية، وقد أكمل الصلاة بحمد الله، فشرب لبناً فخرج اللبن من جوفه، قال: الله المستعان! أدخلوا علي أطفال المسلمين، فدخل الأطفال يبكون، لمن يبكون؟ يبكون الوالد والزعيم العادل والأب الحنون! فقبلهم واحداً واحداً ومسح على رءوسهم، ودخل الشباب فحياهم ورأى شاباً في ثوبه طول، وعمر في سكرات الموت، دمه يخرج من بطنه وأضلاعه، فيقول: [[ تعال يابن أخي! فيأتِ الشاب]] من منا يستطيع أن يتكلم في إسبال الإزار، وروحه تقعقع في صدره؟!

    يقول أحد الفضلاء: أمير المؤمنين يأمر بالمعروف وينهى المنكر وهو في سكرات الموت، فقال: [[تعال يابن أخي! ارفع إزارك]] أي: قصر ثوبك، أمة كل دينها لباب، فليست الثياب من القشور، ولا اللحى من القشور، ولا الغناء من القشور، بل كله لباب، قال: [[ارفع إزارك، فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك]] فذهب الشاب وهو يبكي لموت عمر.

    ودخل علي بن أبي طالب؛ ليُلقي آخر كلمة أمام عمر: كلمة الوداع، كلمة ما رأيت أصدق منها إذا ودع الحبيب حبيبه.

    اتكأ علي بن أبي طالب على عبد الله بن عباس، وأخذت دموع علي تفيض ويقول لـعمر: [[يا أمير المؤمنين! فقال عمر: لستُ للمؤمنين اليوم بأمير. ذهبت الإمارة، قال: يا أبا حفص! والله! لطالما سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، قال عمر: يا ليتني أنجو كفافاً لا لي ولا علي]].

    وقد عزاه الناس، ثم أخذ يقول: [[الله الله في الصلاة!]] وترك الخلافة في الستة الذين بقوا من العشرة المبشرين بالجنة.وحملوا جثمانه ليدفن إلى جوار صاحبيه.

    دفن عمر بجانب صاحبيه

    أين يدفن؟ قالوا: ندفنك مع الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: [[لا أزكي نفسي، ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين، استأذنوا عائشة في ذلك]] فذهبوا إلى عائشة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبوا منها الإذن -أن يدفن مع صاحبيه- ليكون ثالث الثلاثة، قالوا لـعائشة: [[ندفن أمير المؤمنين مع صاحبيه؛ قالت: والله! لقد هيأتُ هذا المكان لنفسي، ولكن والله لأوثرن اليوم عمر بهذا المكان، ادفنوه مع صاحبيه]] فدفنوه مع صاحبيه، فجزى الله عمر عن الإسلام خير الجزاء.

    إنا لله وإنا إليه راجعون، سلامٌ على ذاك العدل، وعلى ذاك الإمام، وجمعنا الله به في دار الكرامة، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، هذه شخصيةٌ من شخصيات العالم الإسلامي، التي قدمها محمد عليه الصلاة والسلام للناس، هذا خليفة راشد، وإمامٌ عادل، يقول علي وعمر مكفن قبل أن يُصلى عليه: [[والله! ما أريد أن ألقى الله بعمل رجل إلا بعمل رجل مثلك]] كعملك وصدقك وعدلك.

    اللهم أرنا وجه عمر، وأجلسنا مع محمد في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، اللهم إنا قد أحببنا ذاك الرعيل فيك فهبنا يوم القيامة لأحد منهم، وشفعهم فينا يا رب العالمين.

    اللهم صلِّ وسلم على النعمة المسداة، وعلى اليد المعطاة، محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى خلفائه الراشدين، والأئمة العادلين، والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك.

    اللهم تولنا فيمن توليت، واهدنا فيمن هديت، وبارك لنا فيما أعطيت.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.