إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. صالح بن عواد المغامسي
  5. سلسلة السيرة النبوية
  6. سلسلة السيرة النبوية [تابع ذكر أزواجه، خدمه، أفراسه صلى الله عليه وسلم]

سلسلة السيرة النبوية [تابع ذكر أزواجه، خدمه، أفراسه صلى الله عليه وسلم]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اهتم أهل العلم بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فذكروا أزواجه، والحكمة من إكثاره من الزواج، وذكروا خدمه ومواليه، بل حتى ذكروا أفراسه صلى الله عليه وسلم، وما تركوا شاذة ولا فاذة من حياة خير البشر إلا نقلوها، والعلم بذلك يزيد الإنسان إيماناً بالنبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا هو الدرس الخامس من تعليقنا على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للإمام المقدسي رحمه الله تعالى، وكنا قد انتهينا بالأمس في ذكر أزواجه صلوات الله وسلامه عليه، وتكلمنا عن أكثرهن، ولم يبق لنا إلا الحديث عن زوجتين من أزواجه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وكما جرت العادة -استدراكاً لما كان بالأمس- نراجع بعضاً مما ذكرناه، فمما ذكرناه بالأمس أن الله أبطل عادة منع الزواج بالتبني بزواجه صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش ، وقلنا: إن زيداً رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان زوجاً لها، وأنها كانت تفخر عليه بأنها من قريش، ثم إنه جاء إلى النبي عليه الصلاة السلام يشتكي إليه زينب ؛ فأنزل الله جل وعلا قوله في سورة الأحزاب: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب:36-37]، هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب:37]، والذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم وسيبديه الله هو زواجه من زينب ، أي: أن الله أوحى إلى نبيه أن زينب ستكون زوجة له.

    وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37] الذي خشيه صلى الله عليه وسلم من الناس أن يقول الناس: تزوج محمد صلى الله عليه وسلم زوجة ابنه بالتبني.

    كما ذكرنا أن من أزوجه صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ، وأنها كانت قبله تحت تحت عبيد الله بن جحش ، وقلنا أنه فر بها من مكة إلى الحبشة فراراً بدينه، لكن وقع أنه تنصر، فعلى الإنسان أن يحرص على الأعمال التي تجعل الإنسان يظفر بحسن الخاتمة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب بن أبي يحيى بن كعب بن الخزرج النضرية ، من ولد هارون بن عمران أخي موسى بن عمران عليهما السلام، سبيت في خبير سنة سبع من الهجرة، وكانت قبله تحت كنانة ابن أبي الحقيق ، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتق صفية ، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ثلاثين وقيل: سنة خمسين ].

    صفية بنت حيي بن أخطب زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين، وحيي بن أخطب أحد زعماء يهود، فلما قدم النبي عليه الصلاة السلام المدينة رآه حيي فعرفه عرف أنه نبي، واليهود كانت تعرف صفات الرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأت عنه في التوراة، وقد حدثت صفية بعد ذلك أن أباها وعمها التقيا بعد أن رأيا النبي عليه الصلاة السلام، فقال عمها لأبيها: أهو هو؟ قال: نعم، أعرفه بنعته، قال: فما في صدرك له؟ قال: عداوته ما بقيت! وهذا مصداق قول الله جل وعلا: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة:89]، وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ [البقرة:146]، أي النبي صلى الله عليه وسلم: كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، أي أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه الصلاة السلام ولا يخطئون في وصفه كما يعرف الرجل منهم ابنه، والرجل عادة لا يخطأ في معرفة ابنه.

    وحيي ذهب إلى خيبر في الجلاء الأول، وهو من بني النضير، ثم وقعت معركة خيبر وكانت تحت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتل، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد أن أصبحت أمة له -جارية- فأعتقها وجعل عتقها صداقاً لها.

    واختلف العلماء رحمهم الله هل يكون العتق صداقاً أو لا؟

    فمنهم من قال: إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال غير ذلك، والذي يعنينا في شرح السيرة هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها، سواء كان هذا خاصاً به، أو كان شاملاً لأمته.

    وقد كانت جميلة رضي الله عنها وأرضاها، وهي من ولد هارون بن عمران أخي موسى على موسى وعلى هارون السلام، وقد أغضبتها بعض أمهات المؤمنين، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة السلام تبكي، فقال لها عليه الصلاة السلام: (بما تفخر عليك؟! فإنك ابنة نبي، وعمك نبي -يقصد موسى- وإنك لتحت نبي) يقصد نفسه صلى الله عليه وسلم.

    ولما تزوجها عليه الصلاة السلام في انصرافه من خيبر أراد أن يدخل بها على مقربة من خيبر فامتنعت وأبت، ثم لما تقدم قليلاً نحو المدينة قبلت ودخل بها صلى الله عليه وسلم، فسألها عن سبب امتناعها أولاً: فقالت: خشيت عليك من اليهود، وهذا يدل على أنه وقر في قلبها محبة الدين ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خشي أبو أيوب الأنصاري على نبينا عليه الصلاة السلام يوم أن دخل عليها، فبات يحرسه، خوفاً أن يكون بها شيء من غدر يهود، فهو لا يعرفها، ثم تبين مدى حبها لنبينا صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامها، فبقيت كذلك حتى توفاها الله جل وعلا، فهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزم بن بجيل بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصة بن معاوية ، وهي خالة خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرف وبنا بها فيه، وماتت به، وهو ماء على تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنة ثلاث وستين.

    فهذه جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشر، وعقد على سبع ولم يدخل بهن ].

    هذه ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب ، فـالعباس رضي الله عنه وأرضاه عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منها الصلاة والصيام والقيام، فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، وهي أخت زوجته أم الفضل ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في منصرفه من عمرة القضاء، في واد يقال له سرف على وزن ثقف، وهو واد في طريق المدينة اليوم الخارج من مكة إلى المدينة، بعد النوارية بقليل، وهو الآن معمور، فيه بقالات ومحطات، على يمينك وشمالك، هذا الوادي هو وادي سرف الذي تزوج فيه النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث .

    وكان من فائدة زواجه بها بالنسبة لأمته أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يبيت عندها، فهي خالته، فيرى قيام النبي صلى الله عليه وسلم، فنقل عبد الله بن عباس كثيراً من أخبار النبي عليه الصلاة السلام؛ لأنه كان يستطيع أن يدخل على خالته ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ذكر المصنف أنها آخر أمهات المؤمنين موتاً، وهذا على قول، والقول الثاني أن آخر أمهات المؤمنين موتاً هي أم سلمة .

    إذاً هناك خلاف في آخر أمهات المؤمنين موتاً هل هي ميمونة أو أم سلمة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن؟ وهذا علم تاريخي، لا يتعلق به حكم.

    وقد اتفقوا على أن زينب بنت جحش هي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم موتاً بعده، ماتت بعد عشرين سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم، فهي أول نسائه لحوقاً به عليه الصلاة السلام.

    وقد ذكر المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على سبع ولم يدخل بهن، وهذا بعيد بعض الشيء، والأشهر أنه عقد على خمس أو أربع، ولم يدخل بهن، منهن من استعاذت به، ومنهن من وجد في كشحها بياض، وأخريات لم تثبتهن كتب المصادر إثباتاً جيداً، لكن الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع من النساء، وكان يقسم لثمان؛ لأن سودة وهبت ليلتها لـعائشة رضي الله عنهن جميعاً وأرضاهن.

    1.   

    الحكمة من تزوج النبي بكثير من النساء

    في عصرنا الحديث ما أشرأب المستشرقون والطاعنون في السنة في شيء كما اشرأبوا في قضية كيف يتزوج النبي عليه الصلاة والسلام هذا العدد من النساء؟

    وهذا مما يطول شرحه ولكن نقول على وجه الإجمال: لو كان النبي عليه الصلاة السلام يريد ما يفهمه الناس من الزواج من النساء إلى الأبكار أقرب منه إلى الثيبات ومع ذلك لم يتزوج بكراً إلا عائشة ، ولم يتزوج الثانية إلا وقد جاوز الخمسين صلوات الله وسلامه عليه، وعاش قرابة ثلاثين عاماً مع زوجته خديجة وهي أكبر منه سناً، ولم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، وإنما تزوج لأمور متعددة وأغراض منها ما يكون إبطالاً لحكم جاهلي كزواجه من زينب ، ومنها ما يكون نصرة للدين، فإن العرب في عادتها وأعرافها السابقة كانت ترى أن الصهر يقرب بين بطون القبائل، والنبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة كان له خصوم وأعداء في القبائل، فكان يتزوج منهم حتى يكسر ثورة غضب واجتماع القبائل عليه، حتى يكون له عندهم رحم وصهر، ويكون هناك نوع من الحمية بالنسبة لهم، حيث إن بناتهم تحت نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

    إن هؤلاء الأمهات رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن صبرن على شظف العيش، فليس في الزواج منه صلى الله عليه وسلم متاع دنيوي ظاهر، وإنما المكسب العظيم لهن أنهن زوجاته في الآخرة، ولذلك كان بيت النبي عليه الصلاة السلام لو رفعت يدك للمست سقفه، ولو اتكأت على أحد حيطانه ومددت قدميك للمست الحائط الآخر، وذلك من ضيق حجرات أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.

    وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29].

    فالنبي عليه الصلاة السلام خير نساءه ما بين البقاء معه والصبر على شظف العيش في الدنيا؛ لأن الله خيره هو نفسه، بين أن يكون ملكاً نبياً أو عبداً نبياً، فاختار العبودية، ولم يختر الملك كما اختاره داود وسليمان عليهما السلام، وبقي صلى الله عليه وسلم عبداً يشبع ويجوع ويمرض ويصح، وتجري عليه أيام شديدة عليه الصلاة والسلام، حتى إنه كان يظهر الهلال ثلاث مرات في الشهرين الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، وهو أكرم الخلق على الله، فلما سئلت عائشة عن طعامهم قالت: (الأسودان التمر والماء).

    فلم يكن مما قاله المستشرقون شيء، وإنما صبرن أولئك الأمهات، وقدمن نماذج إنسانية فريدة، فمنهن من اشتهرت بالصلاة والصيام، ومنهن من اشتهرت بحب المساكين، ومنهن من اشتهرت بالعلم، تنوعت تنوع عطاؤهن حتى يستفيد المجتمع من قربهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنزل الوحي، ولذلك قال حسان يذكر حجرات أمهات المؤمنين، ونزول الوحي عليها:

    بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقدُ

    فخرجن أمهات المؤمنين يحدثن بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتهن.

    1.   

    ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم.

    أنس بن مالك بن النضر الأنصاري ، وهند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان ، وربيعة بن كعب الأسلمي ، وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه ، كان إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم، وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقودها في الأسفار، وبلال بن رباح المؤذن، وسعد مولى أبي بكر الصديق ، وذو مخمر بن أخي النجاشي ويقال: ابن اخته، ويقال: ذو مخبر بالباء، وبكير بن شداخ الليثي ، ويقال: بكراً وأبو ذر الغفاري ].

    هؤلاء خدموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أنه قد أصابهم من الشرف مالا يعلم قدره إلا الله، فإن الله سخرهم رضي الله عنهم بأنهم ليكونوا خدماً لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقد علموا أي شرف يكتسبوه، فلذلك كانوا يفتخرون رضي الله عنهم بأنهم كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، فخدمته عليه الصلاة السلام شرف عظيم، وتتفاوت المهام التي أوكلها النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والعاقل إذا تبوء مكانة يختلف اصطفاؤه للرجال من واحد إلى آخر، فليس كل الناس يصلح لمهمة واحد، فقد يحسن الرجل مهمة ولا يحسن أخرى، ولذلك تفاوتت مهام خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فأما أنس فهو الذي جاءت به أمه وهو صغير، ووهبته للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون خادماً له، وقد دعا له النبي عليه الصلاة السلام بكثرة المال والولد، فتحققت دعوته عليه الصلاة السلام في أنس.

    ولما جاءت خلافة عبد الملك بن مروان ، وسلط الحجاج بن يوسف على مكة والمدينة، آذى الحجاج بن يوسف أنساً ، فكتب أنس رضي الله عنه إلى عبد الملك وكان يومئذ أميراً للمؤمنين، يشكو تسلط الحجاج بن يوسف عليه، وكان فيما كتبه أنس أن قال: لو أن رجلاً من بني إسرائيل خدم موسى يوماً لعظمته بني إسرائيل، فكيف وقد خدمت نبينا صلى الله عليه وسلم عشر سنين؟! فبعث عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكف يده عن أنس .

    وقد كان من مهام أنس أن يذهب في الحوائج اليومية، يغدو ويروح في الحوائج اليسيرة، وقد نقل لنا أنس ما كان عليه الصلاة والسلام من خلق عظيم، فقال: (خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فلم يقل لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ ولا لشيء فعلته لم فعلته) وهذا من جميل خلقه وكريم أدبه وحسن معاملته صلى الله عليه وسلم لمن حوله، من الأهل والخدم والموالي وسائر الناس.

    وممن خدمه عليه الصلاة والسلام عقبة بن عامر ، كان يقود له البغلة، وهو الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم في أحد أسفاره لما هبت ريح أن يتعوذ بالمعوذتين قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وقال: (ما تعوذ متعوذ بمثلهما).

    ومنهم بلال وهو مؤذنه وهو مشهور.

    ومنهم ربيعة بن كعب الأسلمي ، وكان من مهامه أن يضع الوضوء للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يفعل هذا تطوعاً، فأحب النبي عليه الصلاة السلام أن يكافئه فقال: (يا ربيعة سلني! حاجتك، قال: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة)، فقد وجد ربيعة من الشرف والحظوة عند رسول الله والفخر بخدمته له في الدنيا ما جعله يتطلع لأن يكون رفيقه في الجنة: (فقال له صلى الله عليه وسلم: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فدله على أن كثرة الصلوات تجعل العبد قريباً من جوار نبينا عليه الصلاة السلام.

    ومن خدمه عليه الصلاة والسلام بكير بن شداخ الليثي وكان صغيراً، وقد نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عنه قصة مفادها أن بكيراً هذا كان يبعثه النبي عليه الصلاة السلام إلى بيوت أمهات المؤمنين، فلما بلغ واحتلم جاء إلى النبي عليه الصلاة السلام وقال: يا رسول الله! إنني بلغت مبلغ الرجال، فلا تبعث بي إلى نسائك، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من صدقة وقال له: (اللهم صدق قوله وبلغه الظفر)، فكانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم متحققة فيه، فلما كانت ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخرج المجاهدون في أصقاع الأرض يحملون لواء الدين، كان ممن خرج أحد الأنصار وترك زوجته، وأوصى بكيراً بأهل بيته، فكان هناك يهودي يأتي إلى تلك المرأة ويراودها عن نفسها، فقام بكير فقتله، فوجد هذا اليهودي في أحد أحياء المدينة، مضرجاً في دمائه، فقام عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين على المنبر، فخطب خطبة ثم قال: أنشد الله كل رجل يعرف عن هذا القتيل شيئاً إلا أخبرني، فقام بكير والناس يسمعون وقال: أنا قتله يا أمير المؤمنين، فتعجب عمر من صراحته وجرأته، قال: ما دفعك إلى هذا؟ فأخبره القصة، فتذكر عمر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتركه، ولم يصنع به شيئاً إكراماً لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل دم اليهودي في هذه الحالة مهدراً.

    والذي يعنينا أن بكيراً هذا خدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فهؤلاء جميعاً رضي الله عنهم وأرضاهم شرفوا بخدمة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم.

    زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي ، وابنه أسامة بن زيد ، وكان يقال لـأسامة بن زيد : الحب بن الحب.

    و ثوبان بن بجدد ؛ وكان له نسب في اليمن.

    و أبو كبشة من مولدي مكة، يقال: اسمه سليم ، شهد بدرًا، ويقال: كان من مولدي أرض دوس.

    و أنسة من مولدي السراة.

    و صالح ، شقران ، ورباح أسود، ويسار نوبي.

    و أبو رافع واسمه أسلم ، وقيل: إبراهيم ، وكان عبدًا للعباس ، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه.

    و أبو مويهبة من مولدي مزينة، وفضالة نزل بالشام.

    و رافع كان لـسعيد بن العاص فورثه ولده، فأعتقه بعضهم، وتمسك بعضهم، فجاء رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه، فوهب له، وكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    و مدعم أسود، وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي ، وكان من مولدي حسما، قتل بوادي القرى.

    و كركرة كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم.

    و زيد جد هلال بن يسار بن زيد وعبيد ، وطهمان أو كيسان أو مهران أو ذكوان أو مروان .

    و مأبور القبطي أهداه المقوقس .

    و واقد ، وأبو واقد ، وهشام ، وأبو ضميرة ، وحنين ، وأبو عسيب واسمه أحمر ، وأبو عبيد .

    و سفينة كان عبدًا لـأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم حياته، فقال: لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هؤلاء المشهورون، وقيل: إنهم أربعون.

    ومن الإماء: سلمى أم رافع ، وبركة أم أيمن ، ورثها من أبيه، وهي أم أسامة بن زيد وميمونة بنت سعد ، وخضرة ، ورضوى ].

    ذكر المصنف هنا موالي النبي صلى الله عليه وسلم، والمولى في اللغة يطلق على أربعة:

    تطلق على السيد، فتقول للغلام: أين مولاك؟

    وتطلق على العبد بالعكس، تطلق على العبد إذا أعتق، وولاؤه لسيده، فيقال له: مولى، وبهذا المعنى ذكره المصنف، يقال: مولى بني فلان، أي أن ولاءه لهم، كان عبداً عندهم ثم أعتق، هذه اثنتان، والثانية هي التي أرادها المصنف عندما قال: موالى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وتطلق على النصير والظهير، ودليلها من القرآن: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].

    أي أن الله نصير وظهير للمؤمنين، والكافرون ليس لهم ظهير ولا نصير.

    هذه ثلاث.

    وتطلق على الرب جل جلاله، ودليلها من القرآن: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] فمولاهم هنا بمعنى ربهم، وليس المعنى نصيرهم؛ لأن الله ليس نصيراً ولا ظهيراً للكفار، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أي إلى ربهم جل وعلا.

    هذه فائدة لغوية، أما المقصود به هنا فهو من كان عبداً ثم أعتق.

    وقد بدأ المصنف بـزيد بن حارثة وابنه أسامة ، وهما حبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أسامة حباً جماً، وأسامة هو الذي طلبت منه قريش أن يتشفع عند النبي عليه الصلاة السلام، فقال له: (أتشفع يا أسامة في حد من حدود الله؟!)؛ وذلك لعلم المخزوميين من قريش بمكانة أسامة عند النبي عليه الصلاة السلام.

    وقد كان زيد أبوه أبيض، وكان أسامة أسمر اللون، فكان هذا يثير التساؤلات عند الناس، وكان هذا يحدث أسىً في قلبه صلى الله عليه وسلم، بسبب التساؤلات التي يثيرها الناس من كون أسامة يختلف لونه عن لون أبيه، وذات يوم ناما بجوار بعضهما، وظهرت أقدامهما دون أن تظهر وجوههما، فجاء رجل من بني مدلج، له علم بالقيافة والأنساب والأثر، فلما نظر إلى قدمي أسامة وقدمي زيد وهو لا يعرف أن هذا أسامة وهذا زيد ابنه، وإنما نظر إلى الأقدام وبعضها سمراء وبعضها بيضاء قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فتهلل وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وظهر الفرح عليه، ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه، وقال لها: (أما علمت أن فلاناً المدلجي نظر آنفاً إلى أسامة وزيد ثم قال كذا وكذا؟)، فالإنسان إذا أحب شيئاً أحب ما يتعلق به، وأحب ما يفرحه، وإذا أبغض شيئاً أبغض ما يتعلق به.

    فكان صلى الله عليه وسلم محباً لـزيد ومحباً لـأسامة ، فكان يحب أي شيء يدخل الفرح أو يظهر الكرامة أو الفضل لـأسامة وزيد رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، فهما موالي النبي عليه الصلاة السلام، فإن زيداً كان عبداً للنبي عليه الصلاة السلام، أهدته إياه زوجته خديجة ثم أعتقه صلوات الله وسلامه عليه.

    وممن ذكر المصنف رحمة الله تعالى عليها من الموالي سفينة ، واسمه على الأشهر مهران ، وأما سفينة فلقب أطلقه النبي عليه الصلاة السلام عليه كما رواه الإمام أحمد بسند حسن، كان يحمل المتاع، فألقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم متاعهم في ردائه، فكأن الرداء حمل أكثر من المعهود، فقال النبي عليه الصلاة السلام: (بل أنت سفينة) كناية على أنه يحمل شيئاً غزيراً فقال سفينة : فلو أنني حمل بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، لحملتها، من قول النبي صلى الله عليه وسلم!

    و سفينة هذا أدرك زمن عثمان وركب البحر، وكان متكئاً على لوح قارب في البحر، فضربتهم الأمواج فرماه البحر إلى أجمة يعني غابة، وأضل الطريق فرأى الأسد، والعرب تسمي الأسد أبا الحارث، فلما رآه سفينة أخذ ينظر إلى الأسد ويقول: يا أبا الحارث ، أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ الأسد رأسه وأقبل على سفينة وحمله على عاتقه وخرج به من الغابة حتى دله على الطريق، ثم رجع قليلاً ثم أقع على ذنبه، ثم أخذ يهمهم كأنه يودعه! قال العلماء: هذا وحش كاسر، وسبع مفترس، لما علم أن الذي بين يديه مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تغير طبعه، وتغير حاله، فالمؤمنون أولى أن يكونوا أرق قلوباً وعاطفة مع بعضهم البعض في المقام الأول؛ لأنه يجمعني ويجمعك محبة شهادة التوحيد، ومحبتنا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    وموالي النبي صلى الله عليه وسلم كثر، وقد ذكر المصنف بعضاً منهم، وهؤلاء أشهر موالي النبي عليه الصلاة السلام.

    وذكر من النساء أم أيمن واسمها بركة ، وهي إحدى حواضن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها، وهي زوجة زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    1.   

    ذكر أفراس رسول الله عليه الصلاة والسلام

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر أفراس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أول فرس ملكه: السكب، اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه السكب، وكان أغر محجلًا طلق اليمين، وهو أول فرس غزا عليه.

    وكان له سبحة، وهو الذي سابق عليه، فسبق، ففرح به.

    والمرتجز: وهو الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له خزيمة بن ثابت ، والأعرابي من بني مرة.

    وقال سهل بن سعد الساعدي : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ثلاثة أفراس: لزاز، والظرب، واللحيف.

    فأما لزاز: فأهداه له المقوقس ، وأما اللحيف: فأهداه له ربيعة بن أبي البراء ، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الظرب: فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي .

    وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الداري ، فأعطاه عمر ، فحمل عليه، فوجده يباع.

    وكانت بغلته الدلدل يركبها في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبرت وزالت أسنانها، وكان يجش لها الشعير، وماتت بينبع، وحماره عفير مات في حجة الوداع.

    وكان له عشرون لقحة بالغابة، يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان فيها لقاح غزار: الحناء، والسمراء، والعريس، والسعدية، والبغوم، واليسيرة، والريا.

    وكانت له لقحة تدعى بردة، أهداها له الضحاك بن سفيان ، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان.

    وكانت له مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل.

    والشقراء، وكانت له العضباء، ابتاعها أبو بكر من نعم بني الحريش، وأخرى بثمانمائة درهم، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة درهم، وهي التي هاجر عليها، وكانت حين قدم المدينة رباعية، وهي القصواء والجدعاء، وقد سُبقت، فشق على المسلمين.

    وكان له منائح سبع من الغنم: عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورسة، وأطلال، وأطراف.

    وكان له مائة من الغنم ].

    هذه الأخبار جملة بعضها قد لا يكاد يثبت، لكن الذي يعنينا حرص سلف الأمة رضي الله عنهم ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم دونوا ما كان يركبه صلى الله عليه وسلم، وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمر محمود لهم، وقد كان السلف يعتنون بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل، أن من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به.

    أما ما ذكره المصنف فلا يلزم طالب العلم حفظ هذا كله، لكن المقصود أن تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما سمعت الآن في السيرة.

    فمثلاً حديث خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم: (اشترى فرساً من رجل من بني مرة)، ولم يكن هناك شاهد، فطلب الأعرابي شاهداً يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه هذا الفرس؛ لأن النبي عليه الصلاة السلام اتفق معه على سعر، ثم إن الأعرابي طمع في الزيادة فقال: أنا ما بعتك بهذا السعر، أريد سعراً أرفع، فقال النبي عليه الصلاة السلام: (إنك بعتني إياه) فلم يجد شاهداً، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منك بكذا وكذا، فلما شهد قال عليه الصلاة السلام: (كيف تشهد ولم تحضر؟! فقال: يا رسول الله! إنني أصدقك بخبر السماء، أفلا أصدقك أنك اشتريت فرساً من أعرابي بكذا وكذا؟!) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.

    وهذا يسمى -إن صح التعبير- بعلم الاجتماع، وهو أن الإنسان يرزقه الله موهبة في انتهاز الفرص الحسنة، وذكرنا أمثلة على هذا من السيرة، فـأبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، عندما دخل النبي عليه الصلاة السلام المدينة، كان فيها حيان عظيمان الأوس والخزرج، فكان راكباً على الناقة، فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، فيقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) فيقول الأوس مثل ذلك، فيقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) وتركها النبي صلى الله عليه وسلم حتى بركت، ولم ينزل ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول.

    ولم ينزل عليه الصلاة والسلام حتى لا يقولن قائل من الخزرج: لو نزل عند الأوس: مالأ علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس: مثل ذلك، وبقي على الناقة، فجاء أبو أيوب الأنصاري فعمد إلى متاع النبي عليه الصلاة السلام وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حسم الأمر، فلما جاء الناس والمجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجداً يقولون: يا رسول الله! هاهنا، قال عليه الصلاة السلام: (المرء مع رحله) فظفر أبو أيوب رضي الله عنه وأرضاه بسكنى النبي عليه الصلاة السلام عنده دون غيره من الأنصار، وذلك بتفكيره وانتهازه للفرصة الحسنة هذه.

    كذلك خزيمة بن ثابت كل الصحابة يصدقون النبي عليه الصلاة السلام بخبر السماء، لكن خزيمة استغل الأمر أكثر من غيره، وقال: أنا أشهد لك.فلما قال هذا فالنبي عليه الصلاة السلام لم يرد شهادته، فظفر بأن شهادته صارت بشهادة رجلين رضي الله عنه وأرضاه.

    وانتهاز الفرص من المناقب المحمودة في الرجال:

    إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا

    وإن درت نياقك فاحتلبها فلا تدري الفصيل لمن يكون

    وهذه أسباب يضعها الله تبارك وتعالى في الناس، هذا يصيب بها وهذا يخطئ، وسنن الله في الخلق أنه إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه.

    ذكر المؤلف عند العضباء، وهي القصواء، وهي الناقة الرئيسة التي كانت تحمل النبي عليه الصلاة السلام، والتي حملته في الهجرة، وحملته في الحج.

    وهذه الناقة كانت لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي بقعود، فسابق هذه الناقة وسبقها، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة، ولماذا شق ذلك على الصحابة؟ من أحب شيئاً أحب ما يتعلق به.

    الصحابة لا يعنيهم أن قعوداً يسبق ناقة، لكن شق عليهم وتغير حالهم لأن هذه الناقة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا جاء التأديب النبوي للأمة، وهذا من أعظم وسائل تربية الناس على التوحيد، أن يربوا عملياً، فإن متون التوحيد على جلالة قدرها أمرهاً عظيم، بلا خلاف، لكنه لا يدرس التوحيد بشيء أكثر من تدريسه عملياً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة التوحيد، فلما سبقت الناقة وتغيرت وجوه الصحابة، قال صلى الله عليه وسلم للصحابة (إنه حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) .

    هذا هو التوحيد، فالشمس والقمر فتنة لناس، ولذلك كتب الله على الشمس والقمر الكسوف والخسوف، حتى يعلم أنها مهما بلغتا قابلتان للنقصان، وليس هناك وجه أشد نوراً من وجهه عليه الصلاة السلام، ومع ذلك يشج، وتكسر رباعيته، وينزل الدم منه؛ لأنه مهما بلغ فهو وجه مخلوق، كل من حولك من العظماء يريك الله جل وعلا فيهم آية تدل على أنهم بشر، وتجري عليهم أحكام البشر.

    انظر إلى جمع من الممثلين والممثلات، ممن يوسمون بالجمال، غالبهم يموت بمرض يشوه جماله، وقد كان بعضهم فتنة في زمانه لكثير من النساء، فلما قربت وفاته أصابته أمراض حتى تغير وجهه، حتى إن أهله كانوا يخفون وجهه عن الناس، ولما مات جعلوا جنازته مستورة، حتى لا يرى الناس وجهه، بعد أن كان فتنة في شبابه.

    فسنة الله في خلقه أن كل شيء مهما عظم يعتريه النقص، قال الله جل وعلا: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] .

    وقال سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    فكل عظيم مهما ارتقى ينزل، ونبينا صلى الله عليه وسلم لما ساد الجزيرة ودخل مكة فاتحاً، وخطب الناس في خطبة الوداع، وبلغ الأمر منتهاه؛ مرض وأصابته الحمى، وأصبح وهو سيد الخلق الذي جاهد في أرجاء الجزيرة كلها يعجز أن يصل إلى المسجد.

    وهو عليه الصلاة والسلام أفصح من نطق الضاد، أفصح الفصحاء وسيد البلغاء، فأصبح يعجز أن يتكلم، ودعا لـأسامة بصوت ضعيف، بل يرى السواك ولا يستطيع أن يقول: أعطوني السواك.

    فسبحان ربنا الذي لا شيء مثله، ولا نظير له، ولا ند له، والذي يرينا عظمته وجلاله وكماله وقدرته، وأنه تبارك وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، يرينا هذه الآية في كل غدوة وروحة، لكن المتعظين بتلك الآيات قليل، جعلني الله وإياكم من أولئك القليل.

    1.   

    الزهد في الدنيا الفانية

    مما يتعلق بذكر أفراسه ودوابه عليه الصلاة السلام أنه عليه الصلاة والسلام بشر من الناس، يعيش كما يعيش الناس، يركب كما يركبون، ويمشي كما يمشون، ويفرح كما يفرحون.

    فلما سبق فرسه فرح، ولما رأى فرساً أعجبه اشتراه، وقل ما نقل عنه البيع، أما الشراء فهو كثير، فكان يشتري ما يعجبه.

    وكان يأخذ ويعطي، ويفاوض ويساوم، وكان سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى.

    فهذا كله يدل على أنه بشر، وقد كان القرشيون يتعجبون ويقولون: كيف يكون هذا نبياً؟ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان:7]، فأخبره الله جل وعلا، في آيات عديدة أن الدنيا ليست مكافئة لأحد، ولو كانت مكافئة في ذاتها لمنعها الله جل وعلا أهل الكفر، وقد عاش نبيه صلى الله عليه وسلم بشراً كما يعيش الناس، ونعم بعض أهل الكفر، وبعضهم لم ينعم، تجري على الجميع أحكام الله جل وعلا القدرية، ولا علاقة لها بالإيمان، ولا بغيره.

    لكن الآخرة هي دار الجزاء، فالله يقول في الزخرف: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

    فجعل الله جل وعلا الآخرة هي دار الجزاء، ولما كان يحمل اللبِن ويحمل أصحابه اللبِن،كان عمار يحمل لبنتين لبنتين، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحمل لبنتين لبنتين، فقال: (ويح ابن سمية ! تقتله الفئة الباغية، ثم قال: اهتدوا بهدي عمار)، ولما أراد أن يبث فيهم العلاقة الأخروية قال عليه الصلاة السلام يدعو: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة) .

    فالمؤمن وطالب العلم في المقام الأول لا يجعل من العلم حظاً لكسب دنيوي، وإنما يجعل العلم الذي علم به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وفقهه وما إلى ذلك طريقاً إلى الآخرة، وكل ما كان للإنسان حظ من الدنيا بعلمه، قل حظه في الآخرة، وقل قبول علمه عند الناس في الغالب.

    العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغفر له لما بشر بأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية، حاول الصحفيون أن يجعلوا من فوزه بها مادة ثرية في الصحافة، فاتصل به أحد الصحفيين يهنئه ويسأله عن مشاعره، فقال الشيخ رحمه الله: وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35]، ثم أقفل الهاتف، وأنهى المكالمة، فالعالم الرباني بحق هو من ينشد ما عند الله، وأجر الآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء وطلبة العلم في المقام الأول.

    فبادره وخذ بالجد فيه فإن آتاكه الله انتفعتا

    فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا

    فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا

    وإنما العلم العمل، فالله جل وعلا يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987549962

    عدد مرات الحفظ

    716535181