إسلام ويب

انتفاضة الشعب الفلسطينيللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل لا يسلط الأعداء على هذه الأمة إلا بسبب الذنوب والمعاصي، فإذا عصت الأمة ربها انهزمت أمام أعدائها؛ وهذا الذي ركز عليه الشيخ حفظه الله، وذكر أن على الأمة أن تأخذ العبرة والعظة من جهاد الأفغان، وتستفيد من ذلك، وذكر مثالاً رائعاً للغيرة على الإسلام، وهي قصة فتح عمورية، ثم ختم الخطبة بالدعاء.

    1.   

    الخطبة الأولى: تسلط الأعداء بسبب الذنوب والمعاصي

    سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فبلغه آيات المنى وأوصله، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى.

    أشهد أن لا إله إلا الله ربٌ أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، شهادة من عمر بالتوحيد قلبه، وأرضى بالإيمان ربه، وأشهد أن محمداً رسول الله باني دولة الإسلام، ومحطم الأصنام، وهادي الأنام عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن الخليفة السباق أبي بكر الذي سبق إلى الإسلام، وأعطى الإسلام كل شيء يملكه، ورضي الله عن عمر الذي خلع الصلبان عن بيت المقدس يوم فتحه، وعن عثمان ذي النورين جامع القرآن، وعن سيف الله المنتضى العبد المرتضى علي بن أبي طالب، وعن كل صاحب وصديق، وكل مجاهد وولي، وكل داعية وعالم، وكل خير وإمام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وسلم تسليماً، أمَّا بَعْد:

    فإن الأمة كلما عصت ربها، وجحدت معروف باريها، وتنكرت لجميله تبارك وتعالى؛ سلط عليها أعداءها، فاستباحوا ديارها، وحطموا كيانها، وهدموا مساجدها، ومزقوا كتابها، وأذلوا شيوخها وأطفالها، وفي الأثر أن الله تبارك وتعالى يقول: (إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني) وهذا هو الذي وقع مع الشرذمة الفاجرة، إسرائيل وما أدراك ما إسرائيل؟ الصهيونية العالمية اليهود أبناء القردة والخنازير، يوم خلت لهم الساحة فطرطروا بأصواتهم، ورفعوا راياتهم، ويوم أن دخلنا معهم المعارك فما دخلت معنا لا إله إلا الله، دخلنا بأعلام مهيضة وبأجنحة مخفوضة، وعدنا والهزيمة شعارنا، والانتكاس دثارنا، لأننا ما قاتلنا اليهود بلا إله إلا الله، قاتلناهم بـعلمانية وقومية وبعثية فهزمونا، والله تعالى ينظر إلى هذه الأمة لأنه صاغها من فطرة عنوانها، وموكبها السجود وسطر لها صحائف من خلود، لا تنتصر إلا أن تكون أمة له، ولا يرتفع رأسها إلا أن تكون له متجهة، فيوم اتجهنا لغيره هزمنا.

    وأطفأت شهب الميراج أنجمنا      وشمسنا وتحدت نارها الخطب

    شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها      الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا

    تسعون ألفاً لـعمورية اتقدوا      وللمنجم قالوا إننا الشهب

    واليوم تسعون مليوناَ وما بلغوا     نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب

    انهزامية الأمة

    ثم تتلفت الأمة بعد ثلاثين سنة، وإسرائيل بعددها الضئيل وبجيشها الهزيل وبإمكانياتها الضحلة، وحولها العرب يبربرون ويكبرون ولكن لا تكبير، نسمع قعقعة ولا نرى طعناً، لأن الذي يطعن إنما يطعن بروح الله، والذي يرمي إنما يرمي بسهم الله، والذي يريد أن يقاتل لينتصر إنما يقاتل بلا إله إلا الله.

    1.   

    قيام الانتفاضة

    وفي هذه الأيام تثور ثائرة القلوب المؤمنة بعد صبر طويل، وبعد مرارة حاسمة قاسية لتتحرك لا إله إلا الله مرة ثانية، وحق على كل مسلم أن يتحرك قلبه، وأن يشتعل ضميره ضد هؤلاء اليهود الذين قتلوا أنبياء الله، وذبحوا رسله ومزقوا كتبه، وكفروا بآياته وألحدوا في بيوته. وهم الذين نشروا الزنا في العالم، وأسسوا الربا في المعمورة، ما تركوا للإسلام قصراً إلا هدموه، ولا حصناً إلا دمروه، ولا علماً إلا كسروه. دسوا الغوائل ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالفعل هم الذين اغتالوه؛ فإنه مات رسولاً شهيداً نبياً عليه أفضل الصلاة والسلام، سموه فمات من أثر السم.

    الشعارات الزائفة

    واليوم تتردد الصيحات هنا وهناك، يكبرون ويرددون لا إله إلا الله، جربوا الشعارات في الساحة فسقطت وهزمت، ولو كانت عندهم طائرات وصواريخ ودبابات وأخذوا درساً من جهاد الأفغان، تلك العصبة المؤمنة، التي عارضت ذاك المد الكافر والزحف الفاجر الأحمر، وأين إسرائيل من روسيا؟! روسيا أقوى من إسرائيل، والفترة الزمنية التي عاشها العرب مع إسرائيل خمسة أضعاف التي عاشها الأفغان مع الروس، والمال الذي يملكه العرب يضاعف ملايين المرات الأموال التي يملكها الأفغان، والسلاح الذي بأيدي العرب فتاك لا يملك عشر معشاره الأفغان، لكن الأفغان دخلوا الساحة متوضئين ساجدين مكبرين مهللين:

    في فتية من بني الأفغان ما تركت      كراتهم للعدا صوتاً ولا صيتا

    قوم إذا قابلوا كانوا ملائكة      حسناً وإن قاتلوا كانوا عفاريتا

    النصر حليف الإسلام

    فعلم أن الإسلام إذا دخل الساحة سوف ينتصر بإذن الله؛ لأن الله كتب على نفسه فقال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40].. وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] وجربت الأمة الإسلامية طيلة ثمانية قرون أنها كلما ابتعدت عن الحي القيوم، وعصت ربها، وتمرغت في الشهوات، وأكثرت من المخالفات؛ كلما سلط الله عليها جباراً من أنفسها أو غيرها، فأذلها وداس كرامتها ومحق بركتها.

    1.   

    تسليط التتار على المسلمين

    في القرن الخامس إلى السادس إلى السابع ابتعدت الأمة الإسلامية عن الواحد الأحد الفرد الصمد، هجرت المساجد، وعطلت نهج الإيمان، واشتغلت بالملهيات والأغنيات الماجنات، والتراهات والسفاهات والسخافات؛ فسلط الله عليها قوماً لا يعرفون الله، أتوا من الصين يزحفون على الصحراء: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18] قوم اسمهم المغول (التتار) دخلوا العالم الإسلامي فاجتاحوه مدينة مدينة، وقرية قرية، يحرقون المدينة بمن فيها، ويهدمون المسجد على من فيه، ويقتلون عباد الله زرافات ووحداناً. دخلوا بغداد فقتلوا في يوم واحد أربعمائة ألف، ودخلوا إلى مسجد دار السلام فقتلوا فيه خمسة وعشرين ألفاَ سجداً لله، وأتوا إلى دار الحكمة التي فيها آلاف مؤلفة من الكتب فأركبوها على خيولهم، ثم ألقوها في نهر دجلة، ثم مرت الخيول من فوقها.

    كان التتري المغولي الواحد يقول للنفر العظيم من المسلمين: اجلسوا هنا وانتظروا لآخذ سلاحاً وأقتلكم به، فيجلسون وينتظرون، فيأتي بشفرة فيذبحهم ذبح الشياه واحداً تلو الآخر؛ لأن من ذلت نفسه بالمعصية أذله الله بمن لا يعرف أن هذه معصية.

    خروج التتار من ديار المسلمين

    واستمر الحال، ودخلوا كثيراً من البلاد، ويئس الناس وقنطوا، وارتفعت أصواتهم لله بالدعاء، وأراد الله أن يعلم الأمة الإسلامية أن النصر قد يأتي على غير أيدي العرب، وأن العرب إنما هم أمة وبشر من خلق الله، إن استقاموا على أمر الله نصرهم، وإن خالفوا دحضهم وهزمهم، فأتى قطز السلجوقي المملوكي، وهو عبد -وكلنا عبيد لله- فدعا الأمة الإسلامية وهو ليس بعربي، فاستجابوا له، والأمة تتحرك بلا إله إلا الله، ولا تحيا إلا على الجهاد:

    يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد

    كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد

    القاتلي الإنسان خابوا      ما لهم إلا الرماد

    جثث البرايا منهم      في كل رابية وواد

    فدعا قطز في القاهرة بالجهاد الإسلامي المسلح، وأعلن أن المعركة معركة لا إله إلا الله، فاستجاب له المسلمون، وطمت الكتائب، وماجت الجيوش الإسلامية إلى مصر، فاستعرضها فكانت مهللة مكبرة، خرج الشرك من دمائها ومن عروقها وحل مكانه الإيمان، فالتقى في عين جالوت مع المغول والتتار، وكادت في أول معركة أن تكون خطة عظيمة على الإسلام والمسلمين من الهلاك، فعادوا إلى الله ولم يعودوا إلى شرق ولا إلى غرب، ولا إلى مجلس أمن ولا إلى مجلس خوف! وإنما عادوا إلى الواحد القهار، ورددوا في المعركة: (يا حي يا قيوم! لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث).

    تقطعت الحبال بهم إلا حبل الله، وأغلقت الأبواب أمامهم إلا باب الله، وهزمت الميمنة والميسرة، وبقي قطز في المقدمة، فلما رأى أن الهزيمة سوف تحصل؛ ألقى الخوذة من على رأسه وداسها برجله وقال: وا إسلاماه، أيهلك ويموت الإسلام؟! وأخذ يردد (وا إسلاماه) ففاضت عيون الجيوش الإسلامية بالدموع، وألقوا الدروع من على أجسامهم، وقاتلوا قتال من يريد الله والدار الآخرة، فهزم الله التتار شر هزيمة وقتلهم وفرقهم شذر مذر.

    ودخلت طائفة منهم دمشق فرأت في نفسها القوة فخرج لها شيخ الإسلام ابن تيمية العالم الإمام العبقري النحرير، المجدد القوي، خرج وهو في رمضان، فتناول كأساً من الماء وهو صائم أمام الناس، وأمرهم بالفطر، ثم قال لهم: " والله لتنتصرن! والله لتنتصرن. فقال له الناس: قل إن شاء الله: قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً ". تحقيقاً يقع: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40] وخرجوا إلى شقحب وظهر الحق وبطل كيد الجائرين، ونصر الله الأمة.

    زحف الصليبيين

    ولما انتصروا وعادوا إلى الله، ومكثوا على هذه التوبة والعودة ما يقارب مائة سنة، ثم نسوا ما ذكروا به، وعادوا إلى الغفلات والشهوات والمخالفات، فأدبهم الله تعالى بالصليبيين، الذين لا يعرفون الله طرفة عين، فاجتاحوا بلادهم، فأراد الله أن يوقظهم مرة ثانية، فأتى صلاح الدين الأيوبي الكردي، وهو ليس بعربي ولكنه من الأتراك، عرف الله وعرف طريقه إلى الله، فنادى بالجهاد، وأعلن التضحية؛ فاستثار المسلمون، واستنفر القلوب المؤمنة، ومضوا معه حتى دخل حطين وكانوا صياماً في ذلك اليوم، واستعرض جيشه وكان يقرأ عليهم سورة الأنفال، ودخل المعركة بلا إله إلا الله، فسحق أعداءه سحقاً ما سمع التاريخ بمثله:

    الحمد لله زالت دولة الصلب      وعز بالكرد دين المصطفى العربي

    وارتفعت راية لا إله إلا الله، ودخل القدس وقد أحاطها ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع دخل بجيش يهللون ويكبرون، لا يغشون ولا يخونون ولا يكذبون ولا يزنون، لأن من أراد النصر فعليه أن يرعى وأن يتقي الرب الذي يأتي بالنصر، قال عمر لـسعدرضي الله عنه وأرضاه: [[يا سعد! اعلم أني أخاف عليكم من المعاصي أخوف من أعدائكم]].

    1.   

    أخذ العبرة من جهاد الأفغان

    فهل آن للفلسطينيين وللعرب عامة أن يأخذوا من جهاد الأفغان درساً لا ينسى، فإن عندهم الطائرات والصواريخ والدبابات والجيوش؟ هل آن لهم أن يدخلوا بلا إله إلا الله كما دخل الأفغان بلا إله إلا الله، فعفروا وجه الكافر الملحد بالتراب، وأذلوا روسيا الحمراء على الطين، وداسوا كرامتها أمام العالم؟ وحق لهم النصر والشهادة والتمكين في الأرض؛ لأن الأفغان خرجوا عزلاً من القوى إلا من قوة الواحد الأحد، والذي يعتمد على قوته أو على هيئة غير الهيئة الواحدة وهو الله عز وجل؛ فإنه سوف يهزم.

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً      فإنه الركن إن خانتك أركانُ

    والذي نرجوه من الواحد الأحد أن يحقق على أيدي هذه الانتفاضة المسلمة النصر المتين للأمة الإسلامية، وأن يرد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين للأمة، وأن يكبح جماح تلك الطغمة الفاجرة؛ اليهود أعداء الله، الذين عاثوا في الأرض فساداً، حينها ترتفع لا إله إلا الله، وتعود كرامة الأمة، ويصلح بالها ويصفو حالها، وترتفع أعلامها، وتعود قائدة للركب خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

    ربنا فانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ثبت أقدام كل من جاهد في إعلاء كلمتك، وفي تثبيت سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم مكن لعبادك المؤمنين في الأرض، وآتهم رشدهم، وانصرهم على أعدائهم، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

    وصلى على محمد وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الخطبة الثانية: صورة مشرقة للغيرة على الإسلام

    الحمد لله القائل: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:104-106] والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخيرة النبيين، وإمام المتقين، وقدوة السالكين، وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

    أمتي هل لك بين الأمم      منبر للسيف أو للقلم

    أتلقاك وطرفي حاسر      أسفاً من أمسك المنصرم

    ألإسرائيل تعلو رايـة      في حمى المهد وظل الحرم

    أوما كنت إذا الموت اعتـدى      موجة من لهب أو من دم

    رب وا معتصماه انطلقت      ملء أفواه الصبايا اليتم

    لامست أسماعهم لكنها      لم تلامس نخوة المعتصم

    أتت امرأة مسلمة إلى أرض الروم تبيع وتشتري في تجارة، ووقفت في سوق عمورية -بلد من بلاد الروم- وهي تبيع فأتاها رجل علج كافر، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فسبها وشتمها، فصاحت ورفعت صوتها تقول: (وا معتصماه!) تنادي الخليفة العباسي المعتصم وهو في قصره في بغداد، فتضاحك الروم حولها في السوق، وقالوا: انتظري المعتصم يأتيك على فرس أبلق لينصرك، فذهب رجل من المسلمين الحاضرين في السوق، ودخل على المعتصم في بغداد في قصر حكمه، وقاله له: رأيت امرأة أهينت كرامتها وسبت وشتمت، فقالت: وا معتصماه! فاستهزءوا بها وبك، فوقف المعتصم قائماً وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا يغشاني غسل من جنابة حتى أطأهم بجيش جرار، ثم نادى بالجهاد، وأعلن لا إله إلا الله، وزحف بجيش قوامه تسعون ألفاً:

    تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت     أجسامهم قبل نضج التين والعنب

    فالنصر في شهب الأرماح لا معة     بين الخميسين لا في السبعة الشهب

    فدخل بهم من مدينة إلى مدينة، كلما دخل مدينة أحرقها وفرَّ أهلها، حتى وصل إلى عمورية، فطوقها واستنزل أهلها أسارى، ودعى بذاك الرجل الذي سب تلك المرأة، وقال للمرأة: "هو مملوك لكِ إن شئت أعتقتيه وإن شئت بعتيه أو أبقيتيه عندك. قالت: بل أعتقه. فقال له المعتصم: أنا المعتصم، وهذه المرأة، وهذا فرسي الأبلق، أما رأيتني جئت؟"

    رب وا معتصماه انطلقت      ملء أفواه الصبايا اليتمِ

    لامست أسماعهم لكنها      لم تلامس نخوة المعتصم

    واليوم كثير من اليتم والصبايا والأطفال في فلسطين، ينادون: وا إسلاماه!! وا إسلاماه!! فهل من مسلم ينقذ؟! وهل من ذي غيرة يغار مما يرى؟! وهل من متحمس ومخلص يصدق مع الله؟! وهل من متيقظ يرى ماذا يفعل بكتاب الله وبيوته وبعباده؟! إننا نبشر بإذن الله بجهاد إسلامي صحيح في فلسطين.

    استغلال الإسلام ثم تنحيته جانباً

    ولكننا نخاف من مثل هذه الموجات، أن يستغل أهل الإسلام في تثبيت الأمن والاستقرار لغيرهم وقد فعل أتاتورك في تركيا، وأخذ الفتية وغررهم وأسقط الخلافة، وقال: نعم للإسلام لما دخل به، فلما استقل بالحكم قال: لا للإسلام، ودخل تلاميذ ابن باديس في الجزائر ضد فرنسا بالإسلام، وقال لهم أصحابهم: نعم للإسلام، فلم استقر لهم النصر واستتب لهم الأمان قالوا: لا للإسلام، ودخلت باكستان في الإسلام وغامر شبابها، فلما اتحدت واستقلت أخذ محمد علي جنة فقال: لا للإسلام! وكذلك في مصر. فالذي يحذر منه أن تؤخذ هذه الدماء ثم يقال: لا للإسلام، لكن أملنا في الله عز وجل الواحد القهار؛ أن يعيد لنا مجدنا وكرامتنا وريادتنا وتصدرنا، وأن يجعلنا كما كنا خير أمة أخرجت للناس.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً} اللهم صلّ وسلم على حبيبك ونبيك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم وفقنا لكل خير، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر عبادك المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي كل بقعة من أرضك يا رب العالمين، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انصرهم على أعدائهم، اللهم وحد كلمتهم واجمع شملهم وسدد سهامهم في نحور أعدائهم.

    اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، واهدهم سبل السلام.

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا. وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.