إسلام ويب

الأمير العباسي الفقيرللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أهم ما جاء من أجله الإسلام تصحيح الميزان الذي يوزن به الناس، فبدلاً من المعايير الجاهلية من الحسب والنسب والمال وضع الإسلام قاعدة أساسية، وهي التفاضل بالتقوى، وتلك هي إحدى مقتضيات (لا إله إلا الله).

    وقد عرض الشيخ حفظه الله قصتين: الأولى: قصة ذلك الأمير الذي ترك القصر والخدم والحشم وتوجه إلى العبادة نتيجة موازنة طويلة بين الحياتين، حياته هو وحياة العابد الفقير الذي كان يتأمله طيلة تلك المدة.

    والقصة الثانية: توضح حالة إنسان فقير في إطار المجتمع المسلم وهو قصة الصحابي الجليل: جليبيب رضي الله عنه.

    وكلا القصتين تصب في بند تصحيح المعايير والموازين، وضبطها بمعيار التقوى والصلاح .

    1.   

    الأمير العباسي في الطريق إلى الله

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون حياة ولا نشوراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً:وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [الأحزاب:46] أسكت الله به الجاهلية فلم تتكلم، وهدَّم به الوثنية فلم تُبْنَ، وأزال به أوضار الشرك فلم يعد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً      بالله هل لخراب الدار عمرانُ

    ويا حريصاً على الأموال يجمعها     أقصر فإن سرور المال أحزانُ

    من يتق الله يُحـمد في عـواقبه     ويكفه شر من عزوا ومن هانوا

    فالزم يديك بحبل الله معتصـماً     فإنه الركن إن خانتك أركانُ

    قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]

    وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:18-21].

    ما الحياة؟! ما هو ذهبها؟! ما هي فضتها؟! ما هي قصورها ومناصبها ووظائفها؟! كلها لا شيء.. لعب ولهو.. تفاخر وتكاثر.. زهوٌ ورياء.. إعجابٌ وظهور.. طلاسم ولموع، ولكن الحقائق والثوابت هي الإيمان والعمل الصالح.

    الأمير يتتبع حياة العابد الفقير

    خرج علي بن المأمون -ابن الخليفة العباسي المأمون - من قصره على شرفة القصر، فأشرف من شرفات القصر -البروج العاجية- ذات يوم ينظر إلى سوق بغداد.. طعامه شهي، ومركبه وطي، وعيشه هنيء، يلبس ما جمل، ويأكل ما طاب، ما جاع يوماً في حياته، وما ظمئ أبداً، وما مست الشمس جبهته، فأخذ ينظر من القصر إلى الناس في السوق، هذا يذهب وهذا يأتي، ولفت نظر الأمير رجل حمال، يعمل للناس بالأجرة، ويظهر على هذا الجمال الصلاح والنسك، حباله على كتفيه، والحِمْل على ظهره، ينقل الحمولة من دكان إلى دكان، ومن مكان إلى مكان، فأخذ يتابع حركاته في السوق، فكان الحمال إذا انتصف الضحى ترك السوق، وخرج منه إلى ضفاف دجلة، فتوضأ وصلى ركعتين، ورفع يديه إلى الحي القيوم:

    سبحـان من يعفو ونهفو دائماً     ولم يزل مهما هفا العبد عفا

    يعطي الـذي يخطي ولا يمنعه      جلاله عن العطا لذي الخطا

    سبحان الذي اتصل به الفقراء والمساكين!

    سبحان من التجأ إليه المظلومون والمضطهدون!

    سبحان من عرفه البسطاء، وحجب كثير من الأغنياء والوجهاء!

    عرفه الذي في الخيمة، وعلى الرصيف وبيده كسرة الخبز، ولم يعرفه الذي في القصر الشاهق، والمنصب العالي، والمنزلة الرفيعة.

    فأخذ الأمير ينظر إلى هذا، فإذا صلى الحمَّال الضحى، عاد فعمل إلى قبيل الظهر، ثم اشترى خبزة جافة بدرهم، فيأخذها إلى نهر دجلة، فيأتي إلى النهر، فيبل كسرة الخبز في الماء، ويشرب من الماء، ويأكل الخبزة، فإذا انتهى توضأ لصلاة الظهر وصلى، ثم دعا وابتهل وبكى، ونادى الحي القيوم، ثم ينام ساعة، وبعد النوم يستيقظ وينزل إلى السوق، فيعمل ويجتهد، ثم يشتري خبزاً ويذهب إلى بيته، وفي اليوم الثاني يعود إلى هذا البرنامج والجدول ولا يتغير عنه.. وكذلك في اليوم الثالث والرابع.. إلى أيام كثيرة، فأرسل الأمير جندياً من جنوده إلى ذاك الحمال ليستدعيه وليكلمه في القصر، فذهب الجندي واستدعى الحمَّال.

    قال للجندي: ومالي وملوك بني العباس؟ مالي وللخلفاء؟ ليس بيني وبين الأمراء من صلة، ليس لي قضية ولا مشكلة ولا مهمة، إن أشكل علي شيء رفعته إلى الحي القيوم، وإن نابني شيء أعدته إلى الله الواحد الأحد، وإن جعت أشبعني الله، وإن ظمئت أرواني الله، ما عندي لا دار ولا عقار ولا أرض، أنا بالله وبالله أنا.

    قال الجندي: أمر الأمير أن تحضر إليه اليوم فظن المسكين أن الأمير سوف يحاسبه أو يحاكمه، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهذه الكلمة هي سلاح الفقراء، والمضطهدين والمظلومين، وسلاح المساكين، لكنها تكسِّر رءوس الطغاة، وتحطِّم الحواجز الحديدية، وتسحب القلاع.

    أتي بإبراهيم عليه السلام والنار محرقة، فزجوا به في النار، فأخرج سلاحه: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلب بنعمةٍ مِنَ الله وفضل.

    موسى عليه السلام خرج هو وقومه فإذا البحر أمامه، والموت وراءه، فأخرج سلاحه، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فَنَجَّاه الله.

    حضر محمد صلى الله عليه وسلم حضر بدراً، وأحداً، والأحزاب، وتبوك وأمثالها وأضرابها في قلة، فرأى الكفر يزدحم، فأخرج سلاحه وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فانتصر.

    أتى خالد بن الوليد في اليرموك فرأى جيوش الروم كالجبال! والصحابة في فئة قليلة، يقول أحد الصحابة لـخالد: اليوم نلتجئ إلى سلمى وآجا -أي: يقول: سوف نفر اليوم من هذا الحشد الكبير إلى سلمى وآجا- وهي جبال في حائل، فدمعت عينا خالد، وقال: [[بل إلى الله الملتجأ، حسبنا الله ونعم الوكيل!]] فانتصر.

    وسعد رأى فارس ورأى الكفر والعمالة والجهالة، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فداس رءوسهم بأقدامه، وقالها صلاح الدين، وقالها المجاهدون الأفغان.

    أتت روسيا بقواتها وطائراتها وسلاحها ودباباتها وصواريخها، فخرجوا بسلاحهم من بيوتهم متوضئين مصلين، قال لهم الناس: التجئوا إلى نيويورك إلى واشنطن قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالوا: إلى القوة العالمية، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالوا: إلى الدول وإلى العواصم، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:174].

    الحوار بين الفقير والأمير

    دخل هذا الفقير على ابن المأمون الأمير وسلم عليه، قال له الأمير: ألا تعرفني؟ قال: ما أتيتك وما رأيتك حتى أعرفك، قال: أنا ابن الخليفة قال: يقولون لي ذلك، قال: ماذا تعمل أنت؟ قال: أعمل مع عباد الله في بلاد الله. قال: قد رأيتك أياماً ورأيت المشقة التي أصابتك، فأريد أن أخفف عنك المشقة. قال: بماذا؟ قال: بأن تسكن معي في القصر بأهلك آكلاً شارباً مستريحاً، لا هم ولا غم ولا حزن. قال: يا بن الخليفة! لا هّمَّ على من لم يذنب، ولا غم على من لم يعص، ولا حزن على من لم يسئ، أما من أمسى في غضب الله، وأصبح في معاصي الله، فهو في الغم والحزن والهم، قال: ماذا تفعل أنت في نهارك؟ فأخبره، قال: هل وراءك أهل؟ قال: نعم. أمي عجوز كبيرة، وأختي عمياء حسيرة، آتي بإفطاريهما قبل الغروب. وهما تصومان كل يوم، فنفطر جميعاً ثم ننام، قال: فمتى تستيقظ؟ قال: إذا نزل الحي القيوم إلى سماء الدنيا، قال: هل عليك من دين؟ قال: ذنوب سلفت بيني وبين الحي القيوم، قال: ألا تريد معيشتنا؟ قال: لا والله، قال: ولم؟ قال: أخاف أن يقسو قلبي ويضيع ديني، قال: أتحب أن تكون حمالاً في السوق جائعاً في الشمس والعري والهم والغم والكلفة، ولا تكون معي في قصر الإمارة؟! قال: إي والله، فنـزل وتركه، فأخذ الأمير يتأمل وينظر وهو في حيرة، فقد ألقى عليه محاضرات من الإيمان، وطرق قلبه بدروس من التوحيد، وألقى عليه كلمات تنفذ إلى القلب، وأخذ يتابعه بطرفه حتى اختفى.

    الأمير يهرب من القصر إلى العبادة

    وفي ليلة من الليالي استفاق الأمير من غيبوبته، وصحا من نومه، وعلم أنه كان في سبات عميق، وفي نوم طويل، وأن داعي الله يدعوه ليتنبه...

    تنبهوا يا رقودُ     إلى متى ذا الجمود ُ

    فهذه الدار تبلى     وما عليها يبيدُ

    الخير فيها قليل     والشر فيها عتيدُ

    والعمر ينقص فيها     والسيئات تزيدُ

    فاستكثروا الزاد فيها     إن الطريق بعيدُ

    فاستيقظ الليل، وقال لحاشيته وخدامه: أنا أذهب إلى مكان، فإذا أتى بعد ثلاثة أيام، فأخبروا أبي الخليفة المأمون أني ذهبت، وسوف ألتقي أنا وإياه يوم العرض الأكبر...

    إن كان قد عزَّ في الدنيا اللقاء ففي     مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

    قالوا: ولم؟! قال: نظرت إلى نفسي أنني في غيبوبة وسبات، وفي ضياع وضلال، فأريد أن أهاجر بروحي إلى الله، خرج وسط الليل وخلع لباس الملك، ولبس لباس الفقير، ثم مشى في الطرقات، واختفى عن العيون.

    لم يعلم الخليفة ولا أهل بغداد أين ذهب الأمير، وعهد الحشم والخدم به يوم ترك القصر، ركب إلى واسط كما يقول أهل التاريخ، وغيَّر هيئته كهيئة المساكين، وعمل مع تاجر من التجار في صنع الآجر -البلاط والطين والبناء- وأخذ يعمل في ذلك، يصلي الضحى، وله أوراد في الصباح، ويحفظ القرآن، ويصوم الإثنين والخميس، ويقوم الليل، ويتصل بالحي القيوم، ما عنده من المال ما يكفيه ليوم واحد، ذهب غمه وهمه، وحزنه، وذهب العُجْبُ والكِبْرُ والخُيَلاء من قلبه: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    وفاة الأمير

    ولما أتته الوفاة أعطى التاجر خاتمه، وقال: أنا ابن الخليفة المأمون، إذا مت فغسلني وكفني واقبرني، ثم سلم هذا الخاتم لأبي، فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، وأتى بالخاتم إلى المأمون، وظن المأمون، أن ابنه قد قُتل أو فقد أو ذهب على وجهه في مكان لا يدرى عنه، فلما رأى الخاتم شهق وبكى حتى ارتفع صوته، فسأل التاجر عنه، قال: أيها التاجر: هذا هو ابني فماذا كان يفعل؟ قال: كان عابداً ناسكاً أواباً ذاكراً لله، يلجأ إلى الله، ما ترك من الدنيا إلا قيمة الكفن، وقد لقي الله وغسلته وكفنته وصليت عليه، فارتفع صوت الخليفة والوزراء بالبكاء، وعرفوا أنه عرف الطريق، لكنهم ما مشوا معه في الطريق فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125].

    العبرة والموعظة في قصة الأمير

    هذه قصة من قصص التاريخ أثبتت وحفظت ونقلت: لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    هل من عاقل؟! هل من متدبر؟! هل من سعيد يعلم أن السعادة في السجود لله، وفي تلاوة كتاب الله، وفي ذكر الله، وفي الالتجاء إلى الله؟! فوالله ليست السعادة في الدور ولا في القصور ولا في الحدائق:

    ألارب ذي طمرين في جنة غدت      حدائقه ملتفة ونمارقه

    قد اطردت أنهاره حول قصره     تبهج والـتفت عليه حدائقه

    فكم من نعيم للمساكين عند الله! وكم من سعادة للعارفين بالله! وكم من شقوة لمن جعل الحياة الدنيا هي حياته، فقدم المعاصي والشهوات، ما كف بصره، ولا رد سمعه، ولا حفظ لسانه ولا فرجه ولا بطنه، فسوف يندم ويبكي يوم لا ندم: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفره وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    الإسلام ومشكلة الفقر

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    صور اللجوء إلى الله، والتمسكن إليه، وعبوديته وحده عاشها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ودعوتهم ورسالتهم تعيش مع الفقراء، وتحب المساكين، وتهدف إلى الضعفاء؛ لأنها انتصار للحق، وعمق للأصالة، وثبات للصدق في الأرض.

    زواج جليبيب

    هذا جليبيب أحد المساكين من الصحابة، ليست له أسرة معروفة، ولا عنده جسم بهي جميل، وليس عنده مال، ولا يمتلك منصباً يديره، أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في ثيابٍ ممزقة، وفي هيئة الله أعلم بها. بطنه جائع، وكبده ظامئة، وأعضاؤه هزيلة، ووجهه شاحب، فقال له صلى الله عليه وسلم: {يا جليبيب! ألا تتزوج؟! قال: يا رسول الله! غفر الله لك ومن يزوجني -لا جمال ولا مال- ومرة ثانية يقول له صلى الله عليه وسلم: يا جليبيب ألا تتزوج؟! فيقول: يا رسول الله! من يزوجني لا جمال ولا مال؟} لأن كثيراً من الناس لا يزوج إلا على الدراهم والدنانير، يزوج الرجل إذا رأى عنده ممتلكات وسيارات وشاحنات وناقلات وقصوراً، فيبيع ابنته لذاك الرجل كما تباع الناقة والسيارة، في سوق المزاودة، لا ينظر إلى صلاة ذاك الرجل، ولا إلى صدقه، ولا إلى أمانته، قد يكون هذا الرجل فاجراً سكيراً لعيناً طريداً بعيداً ولكن أنساه ذلك كله مال ذاك الرجل، ومنصبه وسيارته وقصره، فيبيع بنته، فيخسر الدنيا والآخرة فيقول له صلى الله عليه وسلم في الثالثة: ألا تتزوج؟! قال: يا رسول الله! من يزوجني لا مال ولا جمال؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى ذاك البيت من الأنصار، وقل لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغكم السلام، ويقول: زوجوني بنتكم، هذا مرسوم من كلام محمد عليه الصلاة والسلام:

    حتى وضعت يميني ما أنازعهـا     في كف ذي نقمات قوله القيلُ

    فذهب فطرق الباب، قال أهل البيت: من؟ قال: جليبيب، قالوا: مالنا ولك يا جليبيب، فخرج صاحب البيت، فقال: ماذا تريد؟ قال: الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغكم السلام، فارتج البيت بالدعاء والرد: وعليه الصلاة والسلام، قال: ويقول: زوجوني بنتكم، فيقول الوالد: الله المستعان! لأن جليبيباً فقير، وأسرته فقيرة لا مال ولا جاه ولا منصب، يملك ثوبه الممزق، فيقول: أعود إلى زوجتي -لأنها تملك الحق، وتملك هذه المراسيم بما يسمونه حق الفيتو في هذه المواقف- فعاد إليها فقالت: الله المستعان! لو كان غير جليبيب، نزوج ابنـتنا جليبيبا! فاجتمعا على أن يردا ويرفضا، فسمعت البنت العابدة الناصحة الصالحة، فقالت: أتردان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عليه؟! لا والله فيتوافقان ويتم الزواج، ويدعو له صلى الله عليه وسلم بالخير، فينشئ بيتاً في الإسلام، أساسه على الخير أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109] أفمن أدخل ابنته بيتاً مسلماً تالياً لكتاب الله مستقيماً ذاكراً لله خير أم من أدخل ابنته بيتاً مغنياً فاحشاً ضالاً ظالماً؟! لا يستوون، وعاشت هذه المرأة في سعادة، وأنجبوا أطفالاً مشاعل في التاريخ، علماء ودعاة.

    استشهاد جليبيب

    أتى صلى الله عليه وسلم في غزوة خاضها بنفسه صلى الله عليه وسلم، وبعد القتال سأل أصحابه: {من تفقدون من الناس؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً، قال ومن؟ قالوا: ما نفقد أحداً؟ قال: ألا تتذكرون أحداً؟ قالوا: لا. قال: لكنني أفقد جليبيباً، أين جليبيب؟! وقام يبحث عنه...} لأنه يحب القلوب الصادقة، ويهوى الأرواح المخلصة، ويتعاطف مع أهل الحق، {فمر في القتلى وبحث عنه فوجده مقتولاً بجانب سبعة قتلهم من المشركين...}.

    وما مات حتى مات مضرب سيفه      من الضرب واعتلت عليه القنا السمرُ

    تردى ثياب الموت حمراً فما أتى      لها الليل إلا وهي من سندس خـضرُ

    {مسح صلى الله عليه وسلم التراب عن وجه جليبيب، وقبل وجهه وبكى، وقال: قتلت سبعة ثم قتلوك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك!}

    نسب كأن عليه من شمس الضحى     نوراً ومن فلق الصباح عمودا

    فهنيئاً لـجليبيب! وهنيئاً للصادقين! وهنيئاً للمخلصين! وهنيئاً للسائرين إلى الله! وقبحاً للمتخلفين عن ركب النجاة! وحسرةً على الضائعين الشاردين عن الله! وخيبةً لمن لم يعرف طريق الله! لقد ضاعوا.. لقد ضلوا.. لقد تقطعت بهم الحبال.. لقد نكسوا على رءوسهم من رءوس الجبال!

    فيا من أخذَ بأيدي الصالحين! خذ بأيدينا إليك، وردنا إليك، وافتح قلوبنا إليك، وعَمِّرْ بيوتنا وقلوبنا ومجتمعنا بالتقوى، واغْرِس في قلوبنا لا إله إلا الله لتؤتي أُكلها كل حين بإذنك يا واحد يا أحد.

    اللهم صلِّ وسلم على محمد الذي أمرتنا أن نصلي عليه، فقلت في كتابك العزيز: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقال صلى الله عليه وسلم: {من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً، صلى الله عليه بها عشرا} اللهم صلِّ وسلم عليه، واعرض صلاتنا وسلامنا عليه في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأبرار، من المهاجرين والأنصار، وعنا معهم بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين!

    اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحيينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك، واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، ولنصرة سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم ثبت أقدامهم، واجمع كلمتهم، واعصمهم من الخلاف، اللهم وحد رأيهم وصفهم على الحق يا رب العالمين، اللهم ارفع بأيديهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم بَرِّئْهُم من الكفر والشرك والنفاق يا رب العالمين، اللهم طهر جهادهم من النوازع الأثيمة، والأغراض الذميمة، اللهم صف جهادهم لك وحدك يا رب العالمين، وانصرهم على أعدائك وعدوهم من اليهود ومن شايعهم يا رب العالمين!

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.